المسرحيات القصيرة->المسرحيات السياسية
ماخور الأمم المتحدة

 -1-

في إحدى حجرات مبنى الأمم المتحدة بليك سكسس حيث يعقد اجتماع خاص للقهرمانات الثلاث جونابولا، والعمة سامة، والدبة الحمراء.

جونابولا: إلام الخلاف بينكما والخصام؟ الا تتفقان على شيء؟.

الدبة الحمراء: كيف نتفق وهذه تهددنا بالدولار وبسر القنبلة الذرية؟.

العمة سامة: كلا إنني لا استعمل الدولار إلا لإنقاذ الشعوب من الجوع والفاقة، ولا أحتفظ بسر القنبلة الذرية إلا لإنقاذ البشرية من الدمار والخراب، ولكنك أنت التي تهددين العالم بافكارك الهدامة.

الدبة: تسمينها "هدامة" لأنها تهدم ما تبني مطامعك في استعباد الشعوب.

سامة: وأنت تلعنين دولاري لأن يحول دون ارتماء الشعوب في أحضانك! أما سر القنبلة فلو كان عندك لما نددت به!

الدبة: ستكشف لك الأيام إنه لم يعد سراً علي.

جونابولا: ألن تستمعان إلي؟

الدبة: ماذا تريدين أن تقولي أيتها العجوز الشوهاء؟ لقد ذهبت أيامك فاسكتي خيراً لك.

جونا: إني وإن ذهبت أيامي فعندي خبرتي وتجاربي، ولا غنى لكما ولا للعالم عني.

الدبة: ركبي لفمك الأدرد طقماً، ثم تكلمي، فإن صوتك هذا يزعجنا.

سامة: دعينا نسمع ما تقول.

الدبة: قولي وأوجزي.

جونا: إنكما تتفاخران أحدكما بالدولار والأخرى بالأفكار، وتدعيان حب الخير، فعلام هذا النفاق بينكما؟ ألا تستحيان أن تنافقا بين يدي عجوز خبيرة مثلي؟.

الدبة: ما علم الدنيا النفاق غيرك؟

جوانا: أن لا أنكر هذه الصفة ولكني لا أستعملها إلا على المغفلين أما فيما بيننا فلا ينبغي أن تدعي إحدانا حب الخير الذي لا وجود له في هذا العالم.

الدبة (تقهقه): ولا في أي عالم آخر. أنا صاحبة الفضل في إعلان هذه الحقيقة!

جونا: دعينا من العالم الآخر الآن واتركينا في هذا العالم الذي نعيش اليوم فيه ما رأيكما لو اتفقنا فاقتسمنا العالم بيننا؟

سامة: هذه فكرة حسنة، ولكن كيف تنفيذها؟

جونا: سنتخذ هذه الدار ماخوراً عالمياً تكون أرباحه شركة بيننا.

سامة: مشروع تجاري عظيم ولكن ليس عندكم رأس المال.

جوانا: رأس المال عليك.

الدبة: نعم رأس المال عليك. ماذا تصنعين بالدولارات المكدسة عندك؟

سام: رأس المال علي، والربح بيننا؟ وهذا ظلم واستغفال...

جونا: لا تنسى أن عندي خبرتي وتدبيري، وهما أثمن من دولارك.

سامة: فماذا عند الدبة؟

جونا: عندها السكوت على هذا العمل وعندها الإلحاد الذي يسوغ لنا هذا المشروع!

الدبة: إنك لحكيمة ملهمة يا جونا فاغفري لي تهجمي عليك.

جونا: لا تثريب عليك ما وافقت على رأيي.

الدبة: أنا موافقة، أنا موافقة.

سامة: لكن كيف نتفق على ما بيننا من وجوه الخلاف المتطاولة المدى؟

جونا: أنسيت راشيل سيدتنا جميعاً؟

سامة: معاذ الله أن أنسى سيدتي وولية نعمتي.

جونا:وأنت يا دبة. ألا تدينين لها بالولاء؟

الدبة: كيف لا ومن عشيرتها زعماؤنا الأعلام كارل ماركس ولينين، وتروتسكي، وغيرهم.

سامة: لكن ما شأن سيدتنا راشيل بالمشروع.

الدبة: نعم وضحي رأيك يا جونا!

جونا: إن شركاءنا في هذه الدار لن يرضوا بتحويلها إلى ماخور إلا إذا أوقعناهم أولاً في حبائل راشيل.

الدبة: لكن هؤلاء عدد كبير.

سامة: نعم هل تقدر على ثلاثة وخمسين؟

جونا: إنكما لا تعرفان راشيل الخالدة، فهي قادرة على إضعاف هؤلاء.

سامة: ولكنها كبرت اليوم، فلم تعد كما كانت

جونا: بل أقوى مما كانت. لم يزدها الكبر إلا صبوة وقوة

الدبة: يخيل لي أن هذا يرجع إلى سر الوراثة، فقد كان ماركس كذلك لم تزده الشيخوخة إلا توقداً وعبقرية.

سامة: ولكنها ستطلب منا أجرأً كبيراً على هذا العمل.

الدبة: عندك الدولارات المكدسة فخففي منها

سامة: أتريدان أن تجعلا كل الغرم علي؟ كلا والله لا أرضى بهذا

جونا: لا تتعجلى بالاعتراض يا سامة حتى تسمعي ما أقول.

الدبة: لا يهمها إلا الحرص على دولاراتها.

سامة: (غاضبة) وأنت تحسديني عليهاَ!

جونا: أنعود إلى سيرتنا الأولى أمهلاني حتى أتم كلامي

سامة: حسناً، قولي ما عندك.

جونا: اطمئني أولاً فلن نأخذ منك سنناً واحداً. بل قد نأخذ نحن منها مالاً لإعانة المشروع.

الدبة: هذا صحيح،فعندها بالكلام؟ إن كنت صادقة في ذلك فامنحيها قرضاً آخر من دولاراتك فهي بحاجة شديدة. أليس كذلك يا جونا؟

جونا: إن كانت سامة تحب أن تقرضني فإني لا أرفض جميلها.

سامة: لكنا ما اجتمعنا هنا لنتباحث في القرض.

الدبة: أرأيت يا جونا هذه التي تصف نفسها برقة الشعور، وتتهمني بجحود القلب،كيف ترفض العطف الصادق، وتكتفي بالعطف الكاذب؟

سامة: فأقرضيها أنت من عندك يا ذات العطف الصادق!

الدبة: لو شاءت ما عندي لما منعتها مثلك!

جونا: إنني أشكركما على كل حال، ولا أريد أن تجعلاني سبباً للخصام.

سامة: فأتمي قصتك.

الدبة: ألا نسعفها بحاجتها أولاً، ثم نستمع لبقية قصتها؟

سامة: من ذا منعك من ذلك؟ اسعفيها إن شئت.

الدبة: إن حاجتها عندك لا عندي.

سامة: مالنا ولهذا الأمر؟ إنما كنا نتكلم في المشروع.

جونا: اتركيها يا دبة، فستقرضني فيما بعد، ودعينا الساعة نتكلم في المشروع.

الدبة: أخشى أن أشهد الخرافة مرة أخرى، فترميني هذه بدائها وتنسل!

سامة: ما أسوأ سريرتك! أتعرضين بها هذا التعريض، ثم تدعين العطف الصادق ورقة الشعور؟

جونا: ما كان لي أن أبكي عندكما لولا أنني ذكرت حالي فغلبتني الذكرى وهزتني الشجون. ولكن لا تبتئسا من أجلي، فقد قلت لكما آنفاً إن الخير لا وجود له في العالم، وليست راشيل أول من جحدوا فضلي ولا آخرهم.

الدبة: أما كنتِ تفيدين من راشيل جزاء خدمتك؟ ما أقلَّ...

جونا: بلى، ولكن ما أفدته منها إذا قيس إلى ما أفادته مني

سامة: أرى من واجبي لكما أن أرفع إليها تظلم إحداكما واستنكار الأخرى.

جونا: لا يا دبة، بربك لا تفعلي لئلا تزيدها سخطاً علي!

سامة: أتريدين أن توغري صدرها علي أنا أيضاً، ليخلو وجهها لك؟ أنسيت أننا الآن في جلسة خاصة، وكل ما يقال فيها بيننا ليس للإذاعة والتبليغ؟

الدبة: أتخافانها إلى هذا الحد؟

سامة: وأنت ألا تخشين غضبها؟

الدبة: إنها لا تقدر أن تغضب علي، لأنني أحتفظ دائماَ بكرامتي حين أخدمها، ولا أتذلل لها مثلكما.

جونا: لا تحسباني تحولت عن حبها لتجنبها علي. فما زادني ذلك إلا تعلقاً بها، حتى ليخيل لي أنني أستعذب ظلمها، ولا تعجبا فهي ربيبتي،نفخت فيها من روحي،وصنعتها على عيني. ويلي عليك وويلي منك يا راشيل.

الدبة: أتحسبين يا جونا أنني سأبلّغ هذا راشيل؟ لا.. إن ما يقال هنا ليس للإذاعة أو التبليغ.

جونا: أحلف لك ما كان هذا من قصدي.

الدبة: فكفى تغزلاً بحبها. عودي إلى مشروعنا، وقولي لنا:ماذا تطلب منا من أجر؟

سامة: نعم، ماذا تطلب؟

جونا: بورك فيكما.لقد سرني منكما الآن هذا الاهتمام بالمشروع. فاعلما أنها رأت في منامها ذات ليلة أنها عاشرت عصبة من الرجال من مختلف الأمم والشعوب، وأنها حملت منهم، وإذا عشيرتها قد حملوها إلى الأرض المقدسة لتضع طفلها في بيت لحم.

سامة: ما أعجبها من رؤيا!

الدبة: لا تقاطيعها..دعيها تكمل حديثها..

جونا: فلما أصبحت قصَّتْ على رؤياها،وأمرتني أن أجيء لها بكبير الحاخامين في بلادي ليؤول لها رؤياها.

سامة: فبما أولها؟

الدبة: لا تتعجلي،ستقول لنا هي كل شيء.

جونا: فما سمع الحاخام رؤياها، حتى قام إليها فقبل رأسها وبشرها بأنها ستضع (المسيح الموعود) الذي يزعم قومها أنه سيظهر يوماً فيبطل حجة(المسيح عيسى بن مريم) ويعيدهم جميعاً إلى أرض الميعاد، ويبني لهم هيكل سليمان من جديد.

سامة: (مسيح) يبطل حجة (المسيح بن مريم)! هذا شيء فظيع!يجب أن نقاومه بكل سبيل..

الدبة: أتصدقين كل خرافة تقال؟ دعي جونا تتم حديثها.

جونا: فما فتئت راشيل تحلم بهذه البشارة من يومئذٍ، وقد اجتهدت في مهنتها بهمة ونشاط حتى جمعت مالاً كثيراً، فاشترت لها ضياعاً في الأرض المقدسة، تمت صفقتها على يدي. وقد خدمتها في ذلك بكل ما وهبني الله من قوة وحيلة ودهاء ومكر وحتى نهكت قوتي، وتضعضع شبابي، (يظهر في صوتها رنة حزن) ثم ماذا جنيت منها آخر الأمر؟ التجني والإعراض. سامحها الله..سامحها الله (تبكي)

سامة: مسكينة أنت يا جونا!

الدبة: عدنا ثانية إلى بكاء التماسيح، وإلى العطف الكاذب، لقد كدت أجن في انتظار معرفة المشروع!

سامة: ما أقسى قلبك، وأجهلك بآداب السلوك والمجاملة،

جونا: كلا لا تلومي أختنا الدبة يا سامة. لها الحق. إنها مهتمة بالمشروع. سأشرحه لكما الآن.. كان هم راشيل الأكبر أن تبتاع البقعة التي فيها بيت لحم والبقعة التي فيها المسجد الأقصى. ولكن المسيحيين والمسلمين من أهل فلسطين العرب قاوموها في الأولى وفي الثانية معاً، ولم يُجْدِ معهم الإغراء بالمال،ولا ما بذلت من الجهد والحيلة شيئاً. فقد اتحدت كلمتهم، وعزموا على استرداد ما ملكت من أراضيهم، فكان هذا النزاع، وكانت هذه القضية المعقدة التي استعصت على الحل..

سامة: لقد بدأت الآن أفهم مشروعك.

الدبة: دعيها تكمل حديثها.قد عرفنا أنك شديدة الذكاء!

جونا: فإذا أفهمنا راشيل أننا بهذا المشروع نستطيع أن ننحاز بمندوبي الدول إلى جانبها ضد خصومها العرب، فلا شك أنها ستقبل العمل معنا، لأنها ستحقق بذلك رؤياها العظيمة.

الدبة: ما أبرعك يا جونا، أنك حقاً لمدهشة.

سامة: لكن في تحقيق رؤياها خطراً على ديننا!

الدبة: أوه ماذا يضرك أن تقوم خرافة مقام خرافة؟

سامة: اسكتي أنت، فأنت ملحدة!

الدبة: هيء هيء هيء... ما أغباك وأجهلك! هل كان يسوغ لكما التفكير في هذا المشروع لولا إلحادي الذي لا يعجبك؟

جونا: أجل يا سامة، ليكن همنا تحقيق مشروعنا الرابح،ولا شأن لنا بما وراء ذلك.

سامة: كيف تقولين هذا ثروة فاحشة.

سامة: مهما كان غناها فلن ترضى أن تقوم لنا بعمل إلا بأجر.

جونا: فسنعطيها أجرها.

سامة: من دولاراتي؟

جونا: لا..

سامة: فمن بقية الدولارات التي أقرضتك إياها؟

جونا: أوه.. لا..

سامة: أمن أفكار الدبة؟ أتظنين أن راشيل تقبل الأفكار أجراً لها؟

الدبة: (غاضبة) أتهزأين بي وبأفكاري يا رسحاء يا طويلة العنق؟

سامة: وهل تعجبك صورتك يا حبلى الدهر، يا حمراء العينين.

الدبة: اخرسي يا..

سامة: بلا اخرسي أنت يا..

جونا: واحر قلباه منكما! اسمعا أولاً ما أقول، لا تفسدا مشروعنا بالجدال والسباب.

الدبة: ما ذنبي؟ هي التي بدأتني بالسخرية.

سامة: وأنت التي بدأتني بالسباب.

جونا: إن كنتما لا تريدان الاستماع لي تركتكما وانصرفت.

الدبة: قولي فإني مصغية. أقسم بعبقرية ماركس لولا مقامك عندي لدفقت عنق الزرافة.

سامة: وأنا أقسم بجلال الدولار وينابيع بترول الشرق الأوسط لولا مقامك عندي لبقرت بطن الحبلى!

جونا: أوه أما لهذا الجدال من آخر؟ (تنظر إحداهما إلى الأخرى وهما صامتتان).

جونا: أتستمعان لي الآن أم أنصرف؟

سامة: بل قولي فإني مصغية.

جونا: وأنت؟..

الدبة: أنا أيضاً مصغية.

جونا: أنا أعلم أن راشيل لن تعمل لنا شيئاً إلا بأجر، وستعطيها أجرها، ولكنه لن يكون أفكاراً ولا دولارات، فاطمئنا من هذه الناحية.

الدبة: إنني على كل حال لا أبخل بما عندي مثل غيري..

سامة: وهل عندك شيء تبخلين به؟.. أتقرنين أفكارك بدولاراتي أتبخلين بأفكار، بوساوس، بأوهام طائرة في الهواء لا تمتلئ بها يد ولا يتورم بها جيب؟..

الدبة: إنها أنفس من ذلك، فلا تمتلئ بها إلا الرؤوس والصدور.

سامة: إن كنت تعنين الرؤوس الخاوية والقلوب الجائعة فقد صدقت.

الدبة: لا لوم عليك، فأنت غبية حقيرة، لا تقدرين إلا المادة ولا تفهمين معنى للمثل العليا ولا للقيم الإنسانية.

سامة: عجباً لك، أماركسية وتقولين هذا؟.. هل في مذهبكم مكان للقيم والمثل، وأنتم لا تفهمون تاريخ الإنسان إلا على أنه تاريخ المعدة؟.. فأيتنا ألصق بالمادية وأبعد عن الروحية..

جونا: ويلكما.. أرجعتما إلى النفاق وقد تعاهدنا على اطراحه فيما بيننا؟.. مالنا وللمادية والروحية وأمثال هذه الوساوس والأوهام؟.. إن أمامنا مشروعاً عظيم الربح، وعلينا أن نضطلع بتدبيره وإنجازه، وقد اتفقتما عليه معي، فعلام التنازع بينكما على أمور تافهة؟..

الدبة: إني لا آذن لأحد أن يسخر بأفكاري.

سامة: وأنا لا أسمح لأحد أن يلمزني جهاراً بالبخل بعدما فاض على الدنيا جودي وكرمي، هل تستطيعين أن تتجاهلي مشروع مارشال؟..

الدبة: أتعدين هذا الاستغلال الفظيع لأوروبا جوداً وكرماً أيتها المرابية القاسية؟

سامة: إنما أردت أن يبقوا في الجوع لتغذيهم بأفكارك الهدامة.

جونا: رجعنا كرة أخرى للنفاق والمفاضلة بين الدولار والأفكار، أليس لهذا النفاق من حد؟ ألا تستطيعان أن تحبسا ألسنتكما لحظة حتى أشرح لكما المشروع الذي بين أيدينا.

سامة: هيا اشرحي مشروعك، فإنّا مصغيان.

جونا: (تمسح رأسها الأشعط) أين انتهى بنا القول؟ لقد أطرتما صوابي.

الدبة: قلت أننا سنعطيها أجرها لا بالدولار ولا بالأفكار، فبأي شيء؟

جونا: أجل هذا ما سأحدثكما عنه، إنكما تعلمان أنني ربيت راشيل منذ الصغر فلما نضجت أنوثتها واكتمل جسدها دفعتها إلى سبيل المجد والثروة.. سبيل أمهاتها وجداتها من قبل. وما زلت بها حتى جعلتها أكبر غانية في الدنيا تطأطئ لها هامات الملوك والأمراء والوزراء ومن دونهم. وقد قضيت في خدمتها زهاء ثلاثين سنة، ولكنها
-سامحها الله- أعرضت قليلاً عني، كأنما كرهتني لشيخوختي، وأنا ما زلت لها على الإخلاص، وهي تقابل إخلاصي بالجفاء حتى إنها كثيراً ما أهانتني وقتلت بعض أولادي، وجلدت بعضهم بالسياط (تغرورق عيناها بالدموع).

سامة: أتبكين يا عزيزتي جونا؟ مسكينة أنت!

الدبة: قرأت في بعض الكتب أن التماسيح قد تبكي، أهذا صحيح؟

سامة: لا حق لك يا دبة أن تشمتي بمصاب أختنا جونا.

الدبة: إنك لسيئة الظن فليس من عادتي أن أشمت بمصاب أحد، وإنما خطرت لي هذه الخرافة فأردت أن أعرف رأيكما فيها.

سامة: دعينا من هذه الخرافة، فليس لنا أن نصدق إلا ما رأيناه بأعيننا.

الدبة: أما رأيت تمساحاً يبكي قط؟

سامة: وأنت هل رأيت؟

الدبة: نعم مرة واحدة في عمري.

سامة: أين رأيت ذلك؟

الدبة: ...؟

جونا: (تمسح دمعها) سامحك الله يا دبة، أتحسبينني أصطنع البكاء؟.. إنك لا تعرفين مبلغ أثر الجحود في النفوس الرقيقة.

الدبة: (تظهر التأسف) اغفري لي يا جونا العزيزة فما قصدت أن أسيء إليك.

سامة: تستغفرينها بعدما جرحت قلبها بسخريتك!

الدبة: إنها قد غفرت لي، فما شأنك أنت؟

سامة: إن أعوزك القلب الرقيق لمواساتها في مصابها فلا أقل من أن تسكتي.

الدبة: أنت يا غبية تعلمينني آداب السلوك!

سامة: نعم، ما دمت لم تتعلميها في بلادك.

الدبة: كفي لسانك عني، وعن بلادي خيراً لك.

سامة: حين يسوقني سوء الطالع إلى بلادك فمريني هناك وانهيني.

الدبة: إن بلادي لا تقبل المرابيات القاسيات.

سامة: لكن بلادي تقبل سيئات السلوك، فهي أكرم من بلادك.

جونا: تتسابان الآن من أجلي يا ليتني ما قصصت عليكما قصتي.

سامة: بل قصيها لنا وكمليها، فإني أعطف على شعورك.

الدبة: ماذا ينفعها عطفك هذا يا أختي، ألست مسيحية مؤمنة؟

جونا: (تبتسم ابتسامة عريضة حتى يرى باطن فمها الذي لا أسنان له) هوني عليك يا سامة فلسنا نحن الذين خلقنا هذه الرؤيا حتى تكون علينا تبعة تحقيقها وديننا يؤكد أنها لن تتحقق أبداً، فإن هي تحققت ثبت بطلانه، فعلام حينئذ نترك هذا المشروع الرابح يضيع علينا من أجله؟

الدبة: (تهتف مستبشرة) بورك فيك يا جونا! هكذا يكون التفكير وإلا فلا ورأس كارل ماركس لو كان اليوم حياً لنوه بك في كتبه!

جونا: شكراً يا أختي، لا أستحق هذا الشرف كله، حسبي أن أنجح في التوفيق بينكما على هذا المشروع، فهل أنتما موافقتان؟

الدبة: طبعاً.. طبعاً..

سامة: لكنني أخشى أن نخسر ديننا ونخسر المشروع معاً، فهل أنت واثقة من نجاحه؟

جونا: واثقة كل الثقة.

سامة: إني إذن موافقة.

جونا: فتصافحا الآن.

الدبة: دعيها تمد يدها لي أولاً.

سامة: كلا لا أمد يدي حتى تمد يدها.

جونا: تختلفان حتى في المصافحة! (تأخذ بيديهما فتتصافحان).

جونا: ما أسعدني الآن إذ أراكما تتصافحان اليوم أديت رسالتي وصنت السلام في الأرض!

(ستار)

نشرت في 18 / 1 / 1948

 


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3722803 عدد الزوار
910 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017