المسرحيات القصيرة->المسرحيات السياسية
الصفقة الخاسرة

 - 1 -

في دار المندوب السامي بمدنية القدس – المندوب السامي يستقبل بن جوريون وجولدا ميرسون.

كاننجهام: تكلما بملء حريتكما فليس معنا هنا أحد.

جولدا: واللادي كاننجهام؟

كاننجهام: هي خارج البيت ولن ترجع قبل الساعة السابعة.

بن جوريون: هذا جميل.

كاننجهام: ماذا قررتم بصدد مسالة حيفا؟

جولدا: قررنا أولاً أن ندعوك إلى عشاء ممتع وسمر لذيذ!

كاننجهام: مع قرينتي؟

جولدا: لا بل وحدك!

كاننجهام: لا أرب لي الآن في مثل هذا العشاء.

جولدا: عندي بولونية جديدة ليس في فلسطين أجمل منها.بن جوريون: انتخبت ملكة للجمال سنة 1947.. أليس كذلك يا جولدا.

جولدا: نعم.

كاننجهام: إني الآن شيخ كبير!

جولدا: سأجدد لك شبابك!

كاننجهام: هيهات!

جولدا: أنا ضامنة..

كاننجهام: لا تضمني شيئاً ليس في يدك.

بن جوريون: أجل يا جولدا.. لا ينبغي لك أن تضمني ما ليس في يدك..

جولدا: أنا واثقة مما أقول.

كاننجهام: وإذا لم يتحقق؟

جولدا: فسأبيح لك نفسي لتوقع بن من العقوبة ما تشاء!

كاننجهام: تلك عقوبة ستكون أشق علي منها عليك!

جولدا: (يتغير وجهها) ماذا تعني؟

كاننجهام: (متلعثماً) لا أعني شيئاً.

جولدا: هذا كلام لا ينبغي أن يصدر من رجل مهذب!

بن جوريون: لا تكوني سريعة الغضب يا جولدا..

جولدا: كيف لا أغضب وهو..

كاننجهام: إنني لم أقصد يا سيدتي أي معنى سيئ.

جولدا: فماذا قصدت بكلمتك؟

كاننجهام: أردت أن أقول إنك عزيزة عندي جداً فإذا عاقبتك فكأنما عاقبت نفسي!

بن جوريون: اسحبي غضبك إذن.

جولدا: قد سحبت غضبي على شرط واحد.

كاننجهام: ما هو؟

جولدا: أن تقبل ما عرضناه عليك في مسألة حيفا.

كاننجهام: كلا لن أنزل عن مل واحد مما قررته فهو أقل ما يمكنني قبوله.

بن جوريون: جميع أعضاء الوكالة قالوا إنه مبلغ ضخم جداً.

كاننجهام: والخدمة المطلوبة مني لهي أيضاً ضخمة جداً.. إنكم إذا استوليتم على حيفا فقد استوليتم على مفتاح البلاد.

بن جوريون: ولكنك يا سيدي مأمور بإطلاعنا على هذا السر.

كاننجهام: مأمور؟ ممن؟

بن جوريون: من وزير المستعمرات رئيسك فقد كتب إلينا بأنه قد أمرك بذلك.

جولدا: وقد شافهني بذلك حينما عرجت عليه بلندن عند رجوعي أخيراً من الولايات المتحدة.

كاننجهام: أنا صاحب السلطان هنا لا غيري.

بن جوريون: أن المسز كريتش جونز هو الذي اختارك لهذا المنصب.

كاننجهام: فقد اختار للمنصب من يشغله بجدارة.

جولدا: نحن الذين أشرنا عليه باختيارك وأنت تعرف هذه الحقيقة جيداً فلا تحاول أن تتجاهلها.

كاننجهام: لا تحاولوا أنتم أيضاً أن تنكروا أن تعيني في هذا المنصب كان في مصلحتكم.

بن جوريون: هذا صحيح، ولكن بقاءك في هذا المنصب يجب أن يكون مرهوناً ببقائك في خدمة مصالحنا وألا..

كاننجهام: وألا فماذا؟

جولدا: تعزل من منصبك!

كاننجهام: (يقهقه ضاحكاً) أعزل من منصبي.. هيهات!

جولدا: سترى؟

كاننجهام: هيهات يا سيدتي هيهات!

بن جوريون: لم لا؟ إنك لست خيراً من ماكمايكل وغيره ممن قلدناهم وسام العزل حين استغنينا عن خدماتهم.

كاننجهام: (يستمر في قهقهته) هذا شيء مضحك!

بن جوريون: إن الذي يملك عزل رئيسك من وزارة المستعمرات لا يعجزه عزل مرءوسيه الذي هو السير آلن كاننجهام.

كاننجهام: قد يكون في وسعكم أن تعزلوا المستر كريتش جونز أما عزلي فلا!.

بن جوريون: أأنت أقوى ممن قبلك؟

كاننجهام: أقوى بكثير. لن يقدر أحد على عزلي!

جولدا: أتظن أن مثل هذا يعجزنا وفي أيدينا زمام السلطان في جميع بلاد العالم؟

كاننجهام: لا تجعلينا نؤمن بصدق خرافة البروتوكولات الجهنمية المنسوبة لشيوخ إسرائيل.

جولدا: فاعلم اليوم أننا حقيقة وليست خرافة.

بن جوريون: جولدا!

جولدا: دعهم يعملون اليوم كل شيء... نحن شعب الله المختار وسنسود الجوييم، ونسخرهم في خدمتنا.

كاننجهام: إنني على كل حال لا أنكر نفوذكم العظيم ولكنكم لو تدبرتم قليلاً لعرفتم أن المدة الباقية من الانتداب لا يمكن أن تتسع لعزل مندوب وتولية مندوب آخر.

بن جوريون: من المؤلم حقاً أن قصر المدة يحول دون عزلك!

كاننجهام: فأيقنوا إذن أن حاجتكم عندي أنا وحدي، ولا يستطيع أن يقضيها لكم غيري فلا تضيعوا هذه الفرصة الثمينة.

بن جوريون: (يتنهد) لقد غلبتنا هذه المرة ولكننا سنغلبك غداً في جولة أخرى.

كاننجهام: ثق يا عزيزي أن ذلك لن يسوءني أبداً.

جولدا: يجب أن تتعهد بتنفيذ الشروط كلها.. ذكره بها يا بن جوريون.

بن جوريون: أولاً أن يبقى انسحاب الجيش عن حيفا سراً مكتوماً عن كل أحد حتى ضباط الجيش أنفسهم على أن تخبرنا بذلك قبل 48 ساعة من الانسحاب.

كاننجهام: أتعهد لكم بهذا.

بن جوريون: ثانياً أن تقوموا بحملة تفتيشية على بيوت العرب لمصادرة أسلحتهم قبل الانسحاب بيوم أو يومين.

كاننجهام: لكم على هذا أيضاً.

بن جوريون: ثالثاً أن تعرقلوا النجدات العربية عن الوصول إلى حيفا .

كاننجهام: ما أحسب أنكم ستحتاجون إلى هذا الشرط فقد أكدنا للعرب غير مرة أننا لن ننسحب عن حيفا قبل أول أغسطس فستأخذونهم على غرة ولن يتاح لهم أي فرصة للدفاع والمقاومة ولن تأتي نجداتهم إلا وقد فرغتم من احتلال مراكز المدينة.

جولدا:كلا.. لا بد من هذا الشرط.

كاننجهام: حسناً... لكم ذلك عليّ.

بن جوريون: إننا سنفتك بالعرب فتكة منكرة وسنذبح شيوخهم وأطفالهم ونساءهم بدون تمييز حتى نبث في قلوبهم الرعب كما فعلنا في دير ياسين وطبرية وناصر الدين. فعلى الجيش البريطاني أن يمتنع امتناعاً باتا عن التعرض لحمايتهم مهما استنجدوا به ومهما استغاثوا حتى نشفي غليلنا منهم.

كاننجهام: لكن هذا العمل قد يسيء إلى سمعتكم في الأوساط الدولية.

بن جوريون: ليس هذا من شأنكم. هذه خطتنا المرسومة ونحن أعرف من غيرنا بما يصلحنا.

كاننجهام: فليكن ما تريدون.. وماذا أيضاً؟

بن جوريون: هذا كل ما نريد.

جولدا: إن شئت أن تتوج اتفاقنا هذا بقبول دعوتي.

كاننجهام: لتجديد الشباب؟ أعفني من ذلك يا سيدتي، فما أخال أن شبابي سيعود إلي أبداً.

بن جوريون: ماذا عليك يا سيدي لو جربت؟

جولدا: نعم.. لن يكلفك هذا شيئاً.

كاننجهام: أشكرك يا سيدتي.. إنني رجل يؤثر الجمع دائماً على التبديد! (يضحك) مثلكم تماماً!.
- 2 –

في اجتماع سري لبعض أعضاء الوكالة اليهودية يحضر بن جوريون وأحد قواد عصابة الأرجون فاي ليومي الإرهابية.

بن جوريون: لا تقل هذا عن رجل كبير المنصب أسدى إلينا خدمة عظيمة.

أحد الأعضاء: لا فضل له فيها إذ كان مأموراً بها من قبل رئيسه المستر كريتش جونز.

بن جوريون: لكنه بذل أقصى جهده حتى جعل استيلاءنا على حيفا أسهل مما قدرناه من قبل أفنجازيه على ذلك بخطف زوجته.

الإرهابي: هل لديك طريقة أخرى غير هذه لاستردادها منه؟.

بن جوريون: ماذا علينا لو تركنا له المبلغ أجر ما طوقنا به من الفضل؟

إنه لم يكتف بالقيام بتعهداته حتى تبرع لنا من تلقاء نفسه بإرسال تلك البرقية العظيمة إلى وزير المستعمرات في ليك ساكسس يلقي غيها تبعة المذابح التي جرت في حيفا على عاتق العرب فحقق لنا بذلك نصراً دبلوماسياً عظيماً إلى جانب النصر المادي!

أحد الأعضاء: إنه لم يرسل تلك البرقية إلا ليدفع الشبهة عن نفسه.

بن جوريون: فقد كان ذلك من مصلحتنا على كل حال.

أحدهم: ومن مصلحتنا أن نسترد المبلغ أيضاً فنحن في حاجة إليه.

بن جوريون: لكنا مازلنا نحتاج إلى هذا الرجل ليصنع لنا في يافا والقدس وغيرها مثل ما صنع في حيفا.

أحدهم: إن المستر كريتش جونز قد أمره بكل هذا ولن يجرؤ هو على مخالفة أمره.

بن جوريون: العبرة بمن ينفذ الأمر لا بمن يصدره.

أحدهم: تذكر يا بن جوريون أننا ما وافقنا على عقد هذه الصفقة وعلى دفع هذا المبلغ الضخم له إلا على أن نسترده منه بعد ذلك بهذه الطريقة وقد وافقت أنت عليها فلا تحاول اليوم أن تصرفنا عنها.

بن جوريون: إذن فاحرصوا على سلامة الزوجة والطفلة إذا خطفتموهما وإياكم أن يمسهما منكم أي أذى أو سوء.

- 3 -

في مكان ما بتل أبيب حيث اقتيد إليه المندوب السامي ودافيد بن جوريون معصوبي العيون في سيارة خاصة بجماعة الأرجون زافاي ليومي. فلما رفعت العصابة عن عيونهما وجدا أنفسهما في سرداب!

كاننجهام: أهذا جزاء إحساني إليكم يا بن جوريون أن أتكبد هذه المشاق كلها بحثاً عن زوجتي وابنتي المخطوفتين؟

بن جوريون: ما حيلتي يا سيدي في ذلك؟ ألا تراني أشاركك في هذه المتاعب والمشاق؟

كاننجهام: أين هما الآن؟ لماذا لم يأتوا بهما حالاً؟ ماذا تنتظرون؟

بن جوريون: لعلهم ذهبوا لإحضارهما من مكان بعيد من هنا فاصبر قليلاً.

كاننجهام: أخشى أن يكون قد أصابهما سوء من هؤلاء الإرهابيين الأجلاف.

بن جوريون: إنك تعرف أنني أكره هؤلاء وهم يكرهونني، بيد أنني واثق أنهم لن يمسوا زوجتك أو ابنتك بسوء لأنهم ما قصدوا بخطفهما إلا الاستيلاء على المبلغ الذي دفعناه لك، إرغاماً لنا وتحدياً لعصابة الهاجاناه التي ينافسونها بكل ما أوتوا من قوة.

كاننجهام: لقد غامرت بنفسي إذ رضيت أن أقاد معصوب العينين إلى هذا المكان المجهول.

بن جوريون: مادمت قد جئت بالمبلغ معك فلا خوف عليك.

كاننجهام: ما يؤمنني ألا يأخذوا المبلغ مني ثم...

بن جوريون: كلا لا تخف.. لن يقتلوك حتى يقتلوني.

كاننجهام: وتلك.. هل يجدي علي شيئاً أن تقتل قبلي؟

بن جوريون: إنهم لن يقدموا على قتلي لخوفهم من الهاجاناه، أما أنت فلا تنس أنهم يعرفون جليل خدماتك للأماني الصهيونية وتأكد أنهم لا ريب يكنون لك المودة والإخلاص.

كاننجهام: أجل من مودتهم أن خطفوا زوجتي ومن إخلاصهم خطفوا ابنتي!

بن جوريون: ثق أنهم ما فعلوا ذلك بغضاً لك بل ليستولوا على المبلغ فقط، لاعتقادهم بأنهم أحق به منك هذا مبدأ الأرجون زفاي ليومي معنا فكثيراً ما ابتزوا الأموال منا بأمثال هذه الطرق! (يخفض صوته) صه.. هذا وقع أقدام.. لا بد أنهم جاءوا بأهلك.

(يدخل ثلاثة مقنعون وهم شاكو السلاح فيقفون أمام مدخل السرداب وهم سكوت لا يتكلمون).

كاننجهام: (يقبل عليهم) أين هما أين زوجتي وابنتي؟

الثلاثة: (لا يجيبون)..

كاننجهام: ويلكم.. ماذا فعلتم بزوجتي وبنتي؟

(يدخل مقنع رابع ويدنو من كاننجهام).

المقنع: (ينحني له محيياً) نهار سعيد يا صاحب الفخامة!

كاننجهام: أين زوجتي وطفلتي؟

المقنع: المبلغ؟

كاننجهام: أريد أن أراهما أولاً.

المقنع: لن ترى إحداهما حتى يكون المبلغ في يدي!

بن جوريون: سلمه المبلغ يا سيدي.

كاننجهام: قد..

بن جوريون: كلا..

كاننجهام: (يخرج من ثيابه ربطة كبيرة من أوراق البنكوت ويسلمها للإرهابي) خذ.. لكن عجل بإحضارهما.

المقنع: (ينهمك في عد الأوراق ثم يطويها بين ثيابه) حالاً يا صاحب الفخامة (يخرج).

كاننجهام: (ينظر إلى بن جوريون) مضى بالمبلغ ولن يعود!

بن جوريون: كلا يا سيدي.. لا تخف.

(يدخل مقنع جديد يقود معه طفلة في نحو العاشرة وهي في حالة سيئة).

كاننجهام: (يندفع نحو الطفلة فيحتضنها): ماري... ابنتي الحبيبة!

ماري: (تخنقها العبرات) أبي أنقذني يا أبي.. أنقذني!

كاننجهام: لا تخافي يا ماري.. سنعود الساعة إلى منزلنا.. أين أمك؟

ماري: لا أدري أين تكون "تبكي".

كاننجهام: لماذا فرقتم بينهما؟ هلا أنزلتموهما معاً لتأنس إحداهما بالأخرى؟..

المقنع: ما عندنا إلا هذه الطفلة!..

كاننجهام: "مبهوتاً" ما تقول؟ أين ذهبتم بأمها؟

المقنع: أتسمع يا بن جوريون ما يقول هذا الرجل؟..

بن جوريون: "للمقنع" تذكروا أن للسير آلن كاننجهام أيادي بيضاء على الشعب اليهودي بأسره، فلا ينبغي أن تؤذوه أكثر مما آذيتموه... احضروا له زوجه حالاً.

المقنع: من أين نحضرها له وهي ليست عندنا؟..

كاننجهام: ماذا فعلتم بها؟.. أقتلتموها يا مجرمون؟..

بن جوريون: "للمقنع" إن لم تكن عندكم فأين هي؟..

المقنع: لا علم لنا بها..

كاننجهام: أيها المجرمون! ردوا مالي إلي!

بن جوريون: لكنكم ذكرتم في رسالتكم أنها وابنتها عندكم.

المقنع: إنما ادعينا ذلك لنحمله على المجيء بالمبلغ.

بن جوريون: يجب أن تصدقنا الحديث.. ألم تخطفوا الأم مع البنت..؟

ماري: "بصوت متهدج" بلى لقد خطفونا معاً ثم ذهبوا بأمي ولم أرها.

المقنع: أجل إننا خطفنا الأم أيضاً ولكن..

كاننجهام: لكن ماذا؟ أين هي الآن؟

المقنع: خطفها منا العرب!

بن جوريون: كيف تركتموهم يخطفونها منكم؟

المقنع: اعترضنا فريق كبير من العرب في طريقنا إلى تل أبيب ونحن قلة فاستولوا على السيارة التي هي فيها..

بن جوريون: هذا تفريط كبير منكم.

المقنع: إياك أن تلمز جماعتنا فلو كان أصحابك الهاجاناه في مكاننا لسلموا الأم والبنت معاً!

كاننجهام: وأين ذهبوا بها؟ وماذا يريدون منها؟

المقنع: اذهب إليهم وسلهم.

كاننجهام: وارحمتاه لك يا حبيبتي الغالية! اليهود.. ثم العرب.. ثم من بعد هؤلاء؟

بن جوريون: أرسل إنذاراً إلى الهيئة العربية العليا بتدمير قرى العرب ومدنهم إن لم يعيدوا زوجك إليك.

كاننجهام: لا بد أنهم سيطلبون مني فدية فمن أين أعطيهم؟ (للمقنع) ردوا لي نصف المبلغ إذن لأفتديها به.

المقنع: لسنا سفهاء فنرد إليك مبلغاً من المال وقع في أيدينا لتسلمه لأعدائنا العرب!

كاننجهام: ما أعدتم لي غير إحدى المخطوفتين فلا حق لكم أن تأخذوا المبلغ كله.

المقنع: ألا ترى أن هذه الطفلة الجميلة تساوي هذا المبلغ وأكثر؟

كاننجهام: هذا إخلال بالاتفاق الذي بيننا.. هذا غدر!

المقنع: إن شئت رددنا لك المبلغ واحتفظنا بالطفلة!

ماري: (تلتصق بأبيها) كلا يا أبي.. لا تتركني لهم!

كاننجهام: (يربت على كتفها) اطمئني.. سآخذك معي.

(يشمخ بأنفه فجأة ويقف وقفة عسكرية) أما العرب الأنذال الذين اختطفوا أمك فقسماً بشرفي وشرف بريطانيا العظمى لئن لم يردوها إلي حالاً لأدمرن قراهم ومدنهم ولأسحقنهم سحقاً!

بن جوريون: (يصفق استحساناً) مرحى! مرحى!

كاننجهام: (يزداد زهواً) ويل لهم.. ما أجرأهم! يخطفون زوجتي أنا! هيا بنا يا بن جوريون لأرى هؤلاء العرب كيف يكون طعم العقاب!

بن جوريون: (ينهض) هيا بنا.

المقنع: هل لي أن ألبس عيونكم هذه العصائب؟!

- 4 -

في دار المندوب السامي بمدينة القدس.

ماري: ألا تحضر أمي يا أبت من أيدي العرب؟

كاننجهام: سآمرهم بإحضارها حالاً.

ماري: قل لي يا أبت أهؤلاء العرب أشرار كاليهود؟

كاننجهام: نعم يا بنتي.. إنهم جميعاً أشرار.

ماري: إذن فهم يعذبون أمي الآن!

كاننجهام: ما أظنهم يجرؤن على ذلك خوفاً من عقابي.

ماري: ولماذا لم يخف اليهود عقابك؟

كاننجهام: كيف كانوا يعاملونك؟ أما كانوا طيبين معك؟

ماري: (يطفر الدمع من عينيها) كانوا يأمرونني بغسل الأطباق والصحون.. وكان أطفالهم يبصقون في وجهي!

كاننجهام: يبصقون في وجهك؟

ماري: نعم ويشدون شعري ويوجهون لي كلاماً قبيحاً.. خبرني يا أبي هل يفعل العرب مثل هذا بأمي؟ (تدخل الخادم مهرولة).

الخادم: سيدي! سيدي!

كاننجهام: ماذا وراءك؟

الخادم: سيدتي جاءت!

كاننجهام: من؟

الخادم: سيدتي.. لادي كاننجهام!

كاننجهام: أين هي؟

الخادم: ها هي ذي جاء بها رجل عربي.

ماري: أمي! أمي! (تنطلق خارج الحجرة).

(تدخل لادي كاننجهام وفي يدها ماري تضمها وتقبلها وخلفها شاب عربي شاكي السلاح وحوله جماعة من حرس الدار).

كاننجهام: من هذا الذي جئت به يا مادلين؟ (للحرس) أخرجوه من هنا!

مادلين: كلا بل دعوه!.. أنا ما جئت به بل هو الذي جاء بي يحرسني إليك فعليك أن تشكره.

كاننجهام: وتدعينه يدخل علي بسلاحه؟

مادلين: لا خوف عليك منه.. إنه أمين لا يغدر.

كاننجهام: أتسمين هذا المجرم الذي اختطفك أميناً؟

مادلين: ليس هو الذي اختطفني.

كاننجهام: عصابته المجرمون؟

مادلين: (غاضبة) بل عصابتك المجرمون.. أصدقاؤك اليهود.. أحبابك الصهيونيون.. أسيادك الأنذال هم الذين خطفوني وما أنقذني من أيديهم إلا قوم هذا العربي الشريف؟

كاننجهام: كم يوماً قضيت عندهم؟

مادلين: ثلاثة أيام.

كاننجهام: لعلهم أساءوا معاملتك.

مادلين: إن الذين أساءوا معاملتي إنما هم أحبابك اليهود فقد كانوا يتوقحون علي ولا يستحون... أما العرب فقد أكرموني وأنزلوني عند نسائهم.

كاننجهام: (يفتل شاربيه) واليهود.. ألم ينزلوك عند نسائهم؟

مادلين: نساؤهم شر من رجالهم!

كاننجهام: (بعد صمت قصير) أتأذنين الآن لهذا الشاب العربي أن ينصرف؟ كم ترغبين أن نعطيه أجر ما أوصلك إلى منزلك؟

العربي: يجب أن تعلم أننا ما أنقذناها من أيدي الإرهابيين اليهود إلا قياماً بالواجب الإنساني لا طمعاً في شيء. على أن زوجتك الكريمة أبت إلا أن تجزينا أجراً أثمن عندنا من المال!

كاننجهام: ماذا تقول يا وقح؟ (للحرس) اقبضوا عليه؟

مادلين: (تحول بين العربي والحرس) كلا.. كلا.. دعوه!

كاننجهام: (يستشيط غضباً) اقبضوا عليه!

العربي: (يخلع عنه عقاله فإذا شعره يتهدل فيتبين أنه فتاة) حذار أن تقتربوا مني.. إنني فتاة عربية!

(يدهش الجميع ويتقهقر الحرس وتندفع مادلين إليها فتحضنها).

مادلين: إذن فقد أرسلوا معي فتاة! ما أكرمهم من قوم! وما أشد خجلي أن أكون بريطانية! انتمي إلى تلك الدولة المجرمة التي ظلت ثلاثين عاماً تعمل على إذلال هذا الشعب العربي الكريم وحمله على النزول عن بلاده وبلاد آبائه لأخس شعوب الأرض وأعرقها في الشر والإجرام!

كاننجهام: كفي لسانك عن الدولة وأخبريني ماذا عنت هذه الفتاة العربية إذ ذكرت الأجر الذي هو أثمن من المال؟

مادلين:لا يخطر على بالك إلا السوء!

كاننجهام: قولي: ما هو؟

مادلين: صك وقعت عليه وسلمته للقائد العربي الشيخ حسن سلامة.

كاننجهام: وماذا في الصك؟

مادلين: فيه شهادة مني بأن اليهود اشتروك فتواطأت معهم على تسليم حيفا إليهم.

كاننجهام: ويلك.. أتعرفين ماذا صنعت؟

مادلين: نعم.. إنني شديدة الخجل أن أكون زوجة مندوب سافل مثلك يبيع شرفه وشرف أمته لليهود!

كاننجهام: تروى في كلامك يا مادلين واعلمي أن في هذا إسقاطاً لمقامك.

مادلين: لا أبالي.. قسماً بالسيد المسيح الذي بارك هذه الأرض المقدسة لأشهرن بك حين نعود إلى لندن ولأفضحنك في كل مكان ولأرفعن عليك دعوى طلاق!

كاننجهام: أو قد بلغ الأمر إلى هذا الحد؟ اعلمي يا هذه أنني ما سلمت حيفا لليهود إلا طبقاً للتعليمات التي جاءتني من الدولة.

مادلين: لعنة الله عليك وعلى دولتك! وعلى اليهود الذين استعبدوك واستعبدوا دولتك!.

كاننجهام: ويلك.. أتسبين شعبك.

مادلين: كلا إنما ألعن الدولة المجرمة لا الشعب الكريم. إن الشعب البريطاني لأكرم على نفسه من أن يرضى لرجال دولته في الآفاق أن يكونوا عبيداً لأعداء السيد المسيح!

 "ستار"

 

            

 

نشرت بتاريخ : 2/5/1948


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3728508 عدد الزوار
912 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017