المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
أصحاب الغار

(رعد قاصف ومطر)

يوسف :   هلم يا هارون دعنا نسرع السير.

هارون :   لكن متّى متخلف عنا.

يوسف :   إن متّى لا يريد أن يلحق بنا .. إنه يتعمد البطء في السير.

هارون :   ما يكون لنا أن نترك رفيقنا يا يوسف (ينادي) متّى! متّى!.

متّى :   (صوته من بعيد) هارون!.

هارون :   ماذا تصنع هناك؟ أسرع والحق بنا!.

متّى:    انتظر قليلا!.

يوسف:   ننتظر! أننتظر حتى يدركنا السيل ونحن في هذا الوادي فنهلك؟

هارون :  هاهو ذاقد أقبل إلينا. ..

متى :  من رأئي يا صاحبيّ أن نقف هنا عن السير.

يوسف :   لكي يطوينا السيل إذا جاء؟ أتريد أن تهلكنا يا رجل؟

متى :   بل أنت الذي تريد أن تهلكنا برأيك السقيم. ليس في وسعنا أن نسبق السيل إذا أقبل، ولكن في وسعنا أن نتقيه.

يوسف :   وكيف نتقيه؟

متى :   نلجأ إلى ذلك الغار في سفح الجبل. (يسمع هدير السيل من بعيد).

هارون :   وَيْ! سمعا.. هذا السيل قد أقبل! هذا هديره!

متى :   هيّابنا. أسرعا.

يوسف :   لكن. لكن هذه الصخرة المتقلقة على فم الغار.

متى  :  ما بالها؟

يوسف :   ألا تخشينان أن تقع فتنطبق علينا فيه؟!

متى :  هذه الصخرة ظلت واقفة هكذا منذ دهور... أفلا تسقط إلا يومنا هذا؟

يوسف :   من يدري؟

متى  :   أوه. إذن نموت جميعاً ونستريح من صحبتك!

هارون :   رويدكما.. لا وقت عندنا للملاحاة.. إلى الغار وليفعل الله ما يشاء.

2

(داخل الغار)

متى :   انظر يا يوسف.. لو لم ندخل هذا الغار لجرفنا هذا السيل الهائل.

يوسف :   وإذا انطبقت هذه الصخرة علينا؟

متى :   (يقهقه ساخرا) حينئذ أعترف بصواب رأيك!.

هارون :   ويلكما.. أليس خيراً من هذه المجادلة أن نذكر الله سبحانه وتعالى وتدعوه أن يحسن عاقبتنا؟.

(تسمع قرقعة)

هارون :   وَي! ما هذا؟

يوسف :   هذه الصخرة تتحرك!.

متى  :    فأل الله ولا فألك!

يوسف :    هاهي ذي انطبقت!.

هارون :    لا حول ولا قوة إلا بالله!.

يوسف :    ألم أقل لكما أنها غير ثابتة وتوشك أن تقع؟ دبر لنا الآن   مخرجاً متى!

متى  :    لو بقينا في بطن الوادي لكان هلاكنا محققاً!

يوسف :    وهلاكنا الآن غير محقق؟!.

هارون :    كفى مراء ومجادلة! ما أظن هذا الذي أصابنا إلا عقوبة لكما من الله على هذا الجدال واللدد.

يوسف :    لا حق لك يا هارون أن توجه اللوم إليّ. غيري هو الملوم.

هارون :   بالله عليك يا يوسف دعنا من هذا الآن. ماذا تصنع هناك يا متى؟

يوسف :    إنه يحاول أن يزحزح الصخرة!.

متى  :   لا تسخر مني يا يوسف.

يوسف :   أنا أسخر ولكن هذه قطعة جبل لا يقدر أن يزحزها ولا مائة رجل.

هارون :   تعال يا متى اجلس قريباً مني. إننا لا محالة هالكون إلا أن يتداركنا الله بلطفه. اقترب مني أنت أيضاً يا يوسف... هات يدك.

يوسف :    هاك يدي.

هارون :  تصافياً أولاً وتسامحاً، فإن الله لن ينظر إلينا وبيننا هذه القطيعة.

يوسف :    سامحني يا متى.

متى  :   سامحتك. وأنت سامحني يا يوسف.

يوسف :    سامحتك.

هارون :   والآن اصغيا إليَّ. لقد سمعت من بعض علمائنا العارفين أن أحسن ما يدعو به المرء ربه أن يتوسل إليه بصالح أعماله؛ فليذكر كل واحد منا أصلح عمل عمله في حياته فليدع الله به.

متى  :    ابدأ أنت يا هارون.

يوسف :   أجل. . أنت أصلحنا نحن الثلاثة.

هارون :   الله وحده هو الذي يعلم أينا الأصلح، وإني لكثير الذنوب جم الخطايا وما أعرف لي من عمل صالح اللهم ما كان من برى بوالدي الكبيرين.

متى  :   فاذكر ذلك قبر الوالدين من أفضل الأعمال.

هارون :   كان من عادتي إذا رجعت من المرعى أن أحلب فأسقى أبوي الكبيرين أولاً قبل زوجي وأولادي وقبل أي واحد في الدار. وذات يوم تأخرت في المرعى ولم أعد إلى أهلي إلا بعد ما أمسى المساء.

الزوجة :   ماذا أخرك يا هارون اليوم؟

هارون :    نأى بي الشجر يا حنة فأبعدت. أين أبي وأمي؟

الزوجة :   انتظراك طويلاً حتى غلبها النوم فناما.

هارون  :   ويحهما.. ناما قبل أن يتعشيا.

الزوجة :  هات هذا الذي حلبته لأسقيه للأولاد فإنهم يتضاغون جوعاً.

هارون  :   كلا يا حنة.. لن أسقى قبلهما أحداً.

الزوجة :  اسق هذا لأولادك ثم احلب لأبويك حين يستيقظان.

هارون  :   كلا لن أخل بعادتي معهما أبداً.

الزوجة :  إذن فأيقظهما واسقهما ثم احلب لأولادك.

هارون  :   لا ينبغي أن أزعجهما من نومهما الساعة.

الزوجة :    فماذا أنت صانع؟

هارون  :    سأبقى هنا واقفاً حتى يستقيظا فأقدم لهما اللبن.

الزوجة :   ويحك ما هذا الذي تصنع؟ لِمَ تلصق الصفحة هكذا ببطنك؟

هارون  :   ليبقى اللبن دفيئاً يا حنة. اذهبي أنت إلى الأولاد.

الزوجة :   ماذا أصنع لهم؟

هارون  :   عليهم حتى يناموا.

متى :   ومتى استيقظ أبواك؟

هارون :   حينما برق الفجر.

يوسف :   وبقيت طول الليل واقفاً بصحفة الحلاب؟

هارون :   نعم وأنا أضمها إلى بطني من تحت الثيااب.

متى :   طوبى لك يا هارون .. ما سمعنا بولد بر والديه كهذا قط.

هارون :   (يدعو مبتهلاً) اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأرج عنا ما نحن فيه!.

متى  :   انظر يا هارون! الصخرة انفرجت!.

يوسف :   أجل... هذا الوادي قد ظهر!.

هارون :   اللهم لك الحمد!.

متى  :   وَيْ لكنا ل نستطيع الخروج بعد.

هارون :    فاذكرا أنتما الآن أرجى عمل عملتماه.

متى :    أبدأ أنت يا يوسف.

يوسف :    بل تبدأ أنت. أنت أفضل مني.

متى  :    كلا بل أنت أفضل.

هارون :    لا بأس.. ابدأ أنت يا يوسف.

يوسف :    ماذا أقول؟

هارون :    أذكر ما تعرف .. لا تحقر شيئاً من العمل فإن الله لا يحقر شيئاً.

يوسف :    في بالي شيء ولكني أستحي أن أذكره.

هارون :    ويحك إن العمل الصالح لا يستحى من ذكره.

يوسف :    إنه يمس عرض قريبة لي.

هارون :    نعاهدك ألا نفشي هذا السر لأحد.

يوسف :   كانت لي ابنة عم أحبها كأشد ما يجب الرجال النساء وكنت فقيراً فزوجها أهلها لغيري فظل حبها نامياً في قلبي. وسعيت في طلب الرزق حتى أصبحت غنيا فوسوس إلى الشيطان أن أغريها بالمال فاسعصمت مني، إلى أن ألمت بها سنة من السنين فجاءت تطلب عوني.

يوسف :   مرحباً بك يا أليشبع ! لعلك رضيت اليوم عن ابن عمك المدلة بحبك!

هي  :   هات يا يوسف الستين ديناراً التي وعدتني بها.

هو   :   وتجودين عليّ بوصلك؟

هي  :    إذا أردت.

هو   :   خذي إذن عشرين ومائة دينار وإن شئت يا حبيبتي زدتك.

هي  :   لا يا ابن عمي.. هذا يكفي وزيادة.

هو   :   هاك يا منية النفس.

هي  :  جزيت خيراً يا يوسف.. ستحي بمعروفك هذا زوجي وأولادي.

هو   :   لا تذكري زوجك الآن.

هي   :  ويلك يا يوسف أتغار أنت من زوجي وزوجي لا يغار منك؟

هو   :  ماذا تقولين؟

هي    :  لقد استأذنته فأذن لي.

هو   :  أذن لك!.

هي   :  والد مع في عينيه خشية أن يموت أطفاله جوعاً.

هو   :  إذن فقد جعلنا في حل منه، فهلمي يا حبيبة القلب نستمتع! .

هي  :  (يظفر من عينها الدمع) أنا أطوع أمرك!.

هو   :  لكنك تبكين ... ما خطبك؟

هي  :   إني أخاف الله رب العالمين!.

هو    :   يا ويلي من كافر بنعمة الله. تخافينه أنت في الشدة ولا أخافه أنا في الرخاء. والله لا تمس يدى ثوبك أبداً!.

هي   :   والمال يا يوسف ... خذه إذن.

هو    :   كلا يا أليشبع. قد وهبتك إياه لوجه الله. ارجعي به إلى أولادك.

هي    :   لكن زوجي سيظن أنك...

هو    :   مالي ولزوجك؟ إني لا أخافه، بل أخاف الله رب العالمين.

متى   :   وانصرفت بالمال من عندك؟

يوسف :   نعم وإن قلبي ليذوب إليها شوقاً يدعو مبتهلاً اللهم إن كنت تعلم أنني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه!.

متى  :   (هاتفاً) الصخرة تزحزح.

هارون :   اللهم لك الحمد.

متى  :  هاهي ذي السماء! أستطيع أن أرى السماء!.

يوسف :   الحمد لله.

متى :   لكن واحسرتاه .. الخروج متعذر بعد.

هارون :  هات أنت يا متى الآن.

متى :   ما عند غير عمل واحد مرجو  عند الله وكنت أحب أن أحفظه سراً بيني وبين ربي.

يوسف :   أذكره يا متى وتوسل إلى الله به.

متى :   كانت لي مزرعة فيما مضى فاستأجرت ذات يوم أجراء ليعملوا في أرضي، فلما انقضى النهار أعطيتهم أجورهم ما خلا واحداً اسمه سليمان أبي أن يأخذ أجره مستقلاً إياه. وأردت أن أزيده فأعرض عني ومضى. فوقع في قلبي من ذلك هم عظيم. وبحثت عنه في كل مكان فلم أعثر له على أثر، فبدالي أن أثمر له أجره هذا؛ فإذا الله يبارك فيه حتى نما وتكاثر. وجاءت جائحة فأتت على مالي فلم يبق في يدي غير مال سليمان هذا فصارت زوجتي تحرضني على الأخذ منه.

هو    :   كلا يا تامار ... إنه مال ذلك الأجير.

هي   :   أنت الذي ثمرته ونميته.

هو   :   لكن الأصل حقه هو وقد بارك الله له فيه. ولو كنت خلطته بمالي لأتت عليه الجائحة فيما أتت.

هي  :   خذ من هذه الأنعام ولو شاة واحدة تذبحها لنا في العيد لتوسع بها على العيال.

هو   :   كلا والله لا أمس منها شيئاً حتى يجيء صاحبها.

هي   :   ومتى يجيء صاحبها؟ لعله قد مات.

هو    :   إن يكن قد مات فعلى أهتدي يوماً إلى ورثته فأسلمها لهم.

يوسف :   وهل جاء صاحبها يا متى؟

متى  :   نعم جاء سليمان بعد خمس سنين.

سليمان :  متى! متى! ألا تعرفني؟

متى  :  من؟ سليمان!.

سليمان :   أجل .. أنا سليمان.

متى  :   أين كنت يا أخي؟ لطالما بحثت عنك.

سليمان :  لتستأجرني مرة أخرى فتظلمني حقي؟

متى  :  لا لأعطيك حقك. والله لقد بحثت عنك في كل مكان.

سليمان :  لتعطيني صاع الأرز الذي تركته لك؟ اعلم يا متى أن الله قد أغناني اليوم عن الصاع!.

متى  :  تعال انظر! أترى هذه الأنعام ورعاءها؟

سليمان :  أجل ... قد أثريت يا متى بعد!.

متى  :  كلا... هذه ليست لي يا سليمان.. هذه كلها لك أنت قد ثمرتها من صاع الأرز الذي رفضته!.

سليمان :  ماذا تقول؟

متى  :  ظلت أمانة عندي فخذها اليوم وأرحنى من حفظ أمانتك.

سليمان :  لا تستهزئ بي يا متى فلست اليوم فقيراً فأحتمل سخريتك.

متى   :  إني والله لا أستهزئ بك.

سليمان :  أحقاً؟

متى  :  إي والله الذي لا إله إلا هو إنها لمالك.

سليمان :  ما أعظم أمانتك. سأترك لك نصفها يا متى.

متى   :   لا وجزاك الله خيراً.

سليمان :  ربما تحتاج إليها.

متى  :  ويحك يا سليمان أتراني كنت أحفظها لك لو لم يغني الله عنها؟

يوسف :  واستاق الأنعام كلها؟

متى :   نعم، وغاضبتني زوجي شهراً لا تكلمني من أجل أني رفضت ما عرض سليمان عليّ وقلت لها إن الله هو الواهب الرزاق.

هارون :  طوبى لك يا متى. هذا والله أعظم من عملي وعمل يوسف، فادع الله به أن يفرج عنا ما نحن فيه.

متى  :  اللهم إن كنت تعلم ني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه.

يوسف :  أنظر الصخرة تتقلقل من مكانها! يا الله! إنها تدحرجت!.  يُسمع تدحرج الصخرة إلى أسفل .

هارون :  اللهم الحمد !

متى  :  الحمد لله رب العالمين!.

(ستار)


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3722856 عدد الزوار
910 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017