المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
زهرة الوادي

1

(في قصر الأميرة "زهرة الوادي" من بنات عمومة الخليفة الفاطمي " الآمر بأحكام الله" الخليفة في زيارتها، والجواري قائمات على الخدمة)

الخليفة : أخشى يا ابنة عمي أن أملك بكثرة الزيارة.

الأميرة : كلا يا أمير المؤمنين.. هذا شرف تحسدني عليه بنات أعمامي.

الخليفة : (يلتفت إلى الجواري) ألا تريحين هؤلاء الجواري من طول الوقوف؟

الأميرة : دعهن فإنهن لا يقفن على خدمة أكرم منك.

الخليفة : أريد أن أستشيرك في أمر هام.. أرجوك!

الأميرة : استرحن إذن يا جواري بأمر أمير المؤمنين.

الجواري : سمعاً يا مولاي (ينسحبن ويخرجن).

الأميرة : في أي أمر تريد استشارتي؟

الخليفة : في الأمر الذي تعرفين!

الأميرة : أي أمر؟

الخليفة : ما أحلى تجاهلك هذا، وما أمره!

الأميرة : كيف؟

الخليفة : ما أحلاه على سمعي وما أمره في قلبي! حنانيك يا زهرة الوادي.. يا اقحوانة العين.. يا ريحانة الفؤاد. بالله لا تطيلي عذاب ابن عمك وحيرته بين قبولك وإعراضك!

الأميرة : تلك جنايتك على نفسك، فكأنك تستعذب هذا العذاب. ما عندي غير جواب واحد وقد سمعته مني غير مرة.. طلق سلمى البدوية أكن لك.

الخليفة : قد علمت ألا سبيل إلى ذلك الآن، فأمهليني حتى أجد السبيل..

الأميرة : قد أمهلتك حتى تجد السبيل..

الخليفة : لكني أريد يدك الآن!

الأميرة : ما يمنعك من تنفيذ شرطي الآن؟

الخليفة : ليس من المروءة يا زهرة أن أسرحها اليوم بعد أن فرقت بينها وبين ابن عمها الذي كانت مسماة عليه.

الأميرة : ما حملك على الزواج منها، وأنت تعلم أنها كذلك، وكيف طوعت لك نفسك أن تفرق بين أليفين حبيبين؟

الخليفة : حكم الهوى يا زهرة وبدوات الشباب.

الأميرة : بل صولة الملك يا آمر وسلطان الخلافة.. ما هكذا ينبغي أن يصنع خلفاء الله في أرضه!

الخليفة : أنا ضيفك يا زهرة الوادي، وما ينبغي أن يقابل الضيف بالملامة والعتاب.

الأميرة : إني لا أعدك ضيفاً عندي.. أنت هنا في بيتك.

الخليفة : لو كنت في بيتي لأمرت ونهيت..

الأميرة : إن كنت تريد أن تأخذني بأمر منك كما أخذت سلمى البدوية قبلي، فأمر الخليفة لا يعصى.

الخليفة : حاش لي وحاش لك.. أريد أن تأمريني أنت بأخذك!

الأميرة : الآمر لا يؤمر!

الخليفة : سأغير لقبي من أجلك.. سأكون من اليوم فصاعدا (المأمور بأحكام الله)

الأميرة : (تتضاحك).. خبرني هل لك قلبان؟

الخليفة : معاذ هواك.. بل قلب واحد.

الأميرة : أفئن غيرت لقبك يكون لك قلب ثان؟

الخليفة : لا يا حبيبتي.. ليس لي غير قلب واحد.

الأميرة : فهل من العدل أيها الخليفة أن أعطيك كل قلبي وتعطيني نصف قلبك؟

الخليفة : بل سأعطيك كل قلبي!

الأميرة : ما هذا بعدل منك ولا يجمل بي أن أدعك تنصفني وتظلم غيري!

الخليفة : لا ظلم يا ابنة عمي فيما أباحه الشرع الحنيف.

الأميرة : أباحه الشرع الحنيف وما أوجبه.. لا بل أباحه واشترط العدل.

الخليفة : في وسعها هي أن تعفيني من هذا العدل.

الأميرة : لكن ليس في وسعي أن أدعك تظلمها من أجلي!

الخليفة : ليس من أجلك بل من أجلي..

الأميرة : إذن فلن أعينك على ظلمها مرة أخرى.

الخليفة : عجباً لك يا ابنة عمي.. تشفقين عليها من هذا الظلم الهين، ولا تشفقين عليها من ظلم الطلاق وهو أعظم!

الأميرة : إنما الظلم أن تحبسها على قلب ليس لها فيه نصيب فلو سرحتها لتقدمت إليها قلوب كثيرة تختار منها ما تريد.

الخليفة : هيهات... لن تسلو ابن عمها أبداً.

الأميرة : عجباً لك.. تعرف هذا وتمسكها بعد عندك! لم لا تدعها لابن عمها الذي يريدها وتريده؟

الخليفة : أين منها هو؟ لقد ارتحل عن حيها ولم يسمع له خبر منذ ذاك.

الأميرة : إنما ترك ذلك العاشق المسكين دياره وهام على وجهه من جرائك. ليت شعوري أي سماء تظله الآن وأي أرض تتقاذفه؟. ما أقسى قلبك... ألم يخالجك يوماً قط من عطف عليه؟

الخليفة : صدقيني يا بنت عمي.. لو أعلم مكانة اليوم وله فيها هوى لنزلت عنها له.

الأميرة : أرسل العصفورة إلى عشها يعد أليفها إليه!

الخليفة : ما يكون لي أن أرسلها قبل أن أعرف مكان الأليف.

الأميرة : هذه الرحمة ليست من طباع الصقر.. فالعصفور لا يستطيع أن يؤمن بها إلا إذا ابتعد الصقر عن أهله وسكنه!

الخليفة : يا لي منك!

الأميرة : يا لك من نفسك!

الخليفة : إنك ترتابين في صدق قولي.. ليت شعري كيف أجعلك تؤمنين بأنني أعني ما أقول؟

الأميرة : حين يؤمن قلبك بمذهب الشاعر الذي يقول:  

هواك يا بنت عمي          في  قلبي   الدهر  كامن

سواك ما حل قلبي           لا عاش في الحب خائن

الخليفة : عجبا... كأن هذا الشعر قد مر على سمعي!

الأميرة : ولكنه لم يدخل في قلبك!

الخليفة : ممن سمعته يا زهرة؟

الأميرة : من شاعر الربابة الجديد.

الخليفة : أين سمعته منه؟

الأميرة : هنا في القصر... دعوته فأحيا عندنا ليلة ممتعة.

الخليفة : هلا دعوتني لشهودها، فإنني أحب سماعه؟

الأميرة : في وسعك أن تسمعه عند زوجتك البدوية كل يوم في قصر الهودج...

الخليفة : أجل أن سلمى تحب أشعاره البدوية... لكن من أين علمت ذلك؟

الأميرة : حذار يا ابن عمي أن تكاذبني فإني لا يخفى على سر من أسرارك.

الخليفة : كيف خفى عليك إذن أنني لا أحب أحداً سواك؟

الأميرة : لو كان ما تقول حقاً لما ترددت في تنفيذ ما اقترحته عليك.

 2

(الأميرة في خلوة مع أمها)

أم الأميرة : لم لا تقبلينه يا بنتي وقد وعدك أنه سيسرح البدوية حين يجئ الأوان؟

الأميرة : كلا يا أماه... لا أقبله حتى يسرحها أولاً.

أم الأميرة : فستخطفه منك إحدى بنات أعمامك ويومئذٍ تندمين على عنادك هذا وتعنتك.

الأميرة : إنك لا تعرفين الأمر كما أعرفه. هو من ذلك الطراز الذي يزداد تعلقه بالمرأة كلما صدت عنه. هذا سر تعلقه بزوجته البدوية لأنها لا تميل إليه. دعي هذا الأمر لي... أني أعرف كيف أدبره.

  (تدخل إحدى الجواري)

الجارية : زمردة يا مولاي تستأذن عليك...

الأميرة : ويلك.. أدخليها.. (تخرج الجارية) هل لك يا أماه أن تدعينا وحدنا؟

أم الأميرة : لا أدري ماذا تصنع هذه الوصيفة من قصر الهودج عندك؟

الأميرة : ستعرفين ذلك فيما بعد يا أماه.

أم الأميرة : ألا تخافين أن يغضب الآمر إذا علم؟

الأميرة : اطمئني فإني أعرف ما أصنع.

أم الأميرة : هداك الله يا بنتي! ( تخرج).

  (تدخل زمردة)

الأميرة : هلمي يا زمردة... ماذا عندك من جديد؟

زمردة : (بصوت خافض) عندي نبأ هام يا مولاتي...

الأميرة : ما هو؟

زمردة : إن شاعر الربابة الذي يتردد علينا في القصر هو ابن مياح.

الأميرة : ابن مياح!!

زمردة : هو ابن عم سيدتي سلمى الذي كان يعشقها من قبل.

الأميرة : (مدهوشة) ماذا تقولين؟ هذا غير معقول.

زمردة : بل هو ما قلت لك..

الأميرة : كيف عرفت ذلك؟

زمردة : جاء هذا الشاعر إلينا أمس كعادته فجلس في فناء القصر يغني أشعاره وكانت سيدتي تستمع إليه من شرفتها وعندها وصيفتها البدوية ليلى فلما انسحب الخدم إلى المطبخ ساعة الغداء تسللت أنا إلى شرفة مجاورة لشرفة سيدتي فلمحت الشاعر واقفاً كأنما يريد أن يناجيها، وسمعتها تنهره بلهجة شديدة وتقول له: " والله يا ابن مياح وحياة والدي لئن بقيت غدا في هذا البلد لأخبرن الخليفة بأمرك وليكن ما يكون!"

الأميرة : فماذا قال لها؟

زمردة : وعدها بأنه سيرحل غداً وقال لها:" لا تغضبي يا بنت عمي فإنما جئت لأودعك إلى الأبد" ثم سألها أن تعطيه منديلاً فبصرت بمنديل يهوى من شرفتها..

الأميرة : ثم ماذا؟

زمردة : ثم لم يلبث أن انصرف .

الأميرة : انصرف؟!

زمردة : نعم.

الأميرة : انصرفي الآن يا زمردة وخذي هذا (تعطيها صرة صغيرة).

زمردة : شكراً يا مولاتي الأميرة (تخرج).

الأميرة : (تنادي من أحد الأبواب) ميمون! ميمون!

ميمون : (يسمع صوته) لبيك يا مولاتي!

الأميرة : تعال!

ميمون : (يدخل) نعم يا مولاتي الأميرة.

الأميرة : أتعرف شاعر الربابة الذي جاءنا تلك الليلة؟

ميمون : نعم... انطلق الساعة وائتني به حالاً.

ميمون : إن وجدته في الخان الذي ينزل به فسآتيك به الساعة وإلا...

الأميرة : وإلا فابحث عنه في كل مكان ولا ترجع إلا به... أفهمت؟

ميمون : سمعاً يا مولاتي.. (ينسحب ليخرج).

الأميرة : اسمع يا ميمون... إن جئتني به فأنت حر لوجه الله.

ميمون : (يرتد مغموماً) حر لوجه الله! لا يا مولاتي لا أريد أن أطرد من خدمتك.

الأميرة : بل ستبقى في خدمتي وأنت حر... ولكن أن عجزت عن الإتيان به فسأطردك .. انطلق حالاً..

ميمون : سمعاً يا مولاتي.. حالاً...حالاً... (يخرج).

الأميرة : (تبتسم ابتسامة الظفر) إنها والله لفكرة!

3

أم الأميرة : ماذا أنت صانعة يا بنتي؟ من أين جاءك هذا الأمير الطرابلسي وكيف أنزلته عندنا في القصر؟ والله إن الخليفة لن يحتمل هذا منك!

الأميرة : دعيني اليوم وشأني يا أماه... ستعرفين غداً أنني لا أعبث وأن تدبيري هو الصواب.

أم الأميرة : أي صواب يا زهرة في تحدى أمير المؤمنين وأغضابه إلى هذا الحد؟

الأميرة : (في تبرم مكبوت) قد كان ما كان يا أمي ولا سبيل إلى التراجع فأرجوك ألا تفسدي خطتي بكثرة لومك.

ميمون : (يدخل) مولاتي.. مولاتي.. الوزير الأفضل شاهنشاه بالباب يريد مقابلتك.

الأميرة : ائذن له يا ميمون. (يخرج ميمون).

أم الأميرة : قد توقعت أن هذا سيكون .. لابد أن الخليفة هو الذي بعثه..

الأميرة :  هذا ما قصدت أن يكون.

أم الأميرة : هداك الله يا بنتي! (تخرج).

  (تخرج الأمير ثم تعود وقد لبست وشاحها وأرخت على وجهها الخمار)

الوزير : (يدخل فينحني احتراما) السلام على سيدتي الأميرة!

الأميرة : وعليك السلام يا وزير أمير المؤمنين ( تومئ له بالجلوس أمامها) تفضل.

الوزير : (يجلس) شكراً يا مولاتي الأميرة.

الأميرة : خير... إن شاء الله.

الوزير : أي خير يا مولاتي؟ لقد وقعنا في ورطة لا ينقذنا منها إلا الله ثم أنت!

الأميرة : سبحان الله... أفي هذا بعثك أمير المؤمنين؟ هل يليق به أن يشغلك بهذه الشؤون الخاصة عن تصريف شؤون دولته وتدبير أمور رعيته؟

الوزير : اغفري لي يا مولاتي إن قلت إنك أنت السبب. أفي الحق أن تقبلي خطبة هذا الأمير الطرابلسي وقد سبق لابن عمك أمير المؤمنين أن خطبك؟

الأميرة : خطبني أمير المؤمنين فلم أقبله. وهذا خطبني فقبلتنه فأي شيء في ذلك؟

الوزير : أفهذا الأمير أفضل عندك من ابن عمك الخليفة؟

الأميرة : ما ينبغي لهذا الأمير ولا لغيره أن يكون أفضل من الخليفة. ولكن الزواج عن تراض. وقد عرضت على الخليفة شرطاً فأبى أن يقبله فاعتبرت نفسي في حل من خطبته.

الوزير : لكنه وعدك بأن...

الأميرة : قد صارحته أني لا أكتفي بالوعد دون التنفيذ. فلو كان يريدني حقاً لنفذ طلبي.

الوزير : (بعد صمت قصير) هل تأذنين لي أن أقابل هذا الأمير الطرابلسي؟

الأميرة : ما حاجتك عنده؟ هل بعثك الخليفة لتقابله؟

الوزير : لا يا مولاتي الأميرة ولكني أريد أن أحادثه لأستوثق من حقيقته وصحة نسبه.

الأميرة : قد ستوثقت أنا من ذلك... ويلك. هل يدخل في روعك أنني سأتزوج رجلاً لا أعرف نسبه؟

الوزير : حاش أيتها الاميرة ولكنك تعلمين أن من حق ابن عمك الخليفة أن يستوثق هو من ذلك.

الأميرة : ذلك لو كان الخليفة غير مغرض. وبعد فما تداخلكم في خويصة أمري؟ أنا التي سأتزوج هذا الأمير الذي ارتضيته... لا الخليفة ولا أنت!

الوزير : انقذيني يا سيدتي.. إنني في مأزق حرج!

الأميرة : إني لست مسئولة عن ذلك.

الوزير : ألا تخشين يا أميرتي أن يتحدث الناس غداً إنك رفضت يد الخليفة وآثرت عليه هذا الأمير الأجنبي؟ ألا تشفقين من سوء هذه القالة؟

الأميرة : لن يتحدث الناس بذلك إلا إذا تمادى الخليفة في إعناته وتهوره.

الوزير : هذا ما أخشاه يا سيدتي الأميرة. أخوف ما أخافه أن يضطرني الخليفة إلى اتخاذ سبيل لا أرضاه لمقامك!

الأميرة : (غاضبة) أجئت تهددني ويلك؟ ارجع إلى من أرسلك فقل له إنني سأتزوج الأمير الطرابلسي، وليفعل ما بدا له. فإني لا أبالي!

الوزير : معذرة يا مولاتي.. إني والله ما قصدت اغضابك.. ما أنا إلا رسول خير وما على الرسول إلا البلاغ.

الأميرة : فارجع إليه إذن، وبلغه ما قلته لك.

الوزير : سأفعل يا مولاتي.. ولكن خبريني هل تفسخين خطبة هذا الأمير إن قبل أمير المؤمنين شرطك؟

الأميرة : نعم... إن جاءني هو بنفسه وفي يده وثيقة الطلاق.

4

(الخليفة في قصر الأميرة)

الخليفة : (ضاحكاً) هل يليق بك يا ابنة عمي أن تؤثري غيري علي؟

الأميرة :  ماذا أصنع؟ أنت الذي دفعتني إلى ذلك.

الخليفة : والآن وقد من الله على برضاك وقبولك هل لي أن أرى أميرك الطرابلسي.

الأميرة : ماذا تريد من ذلك؟

الخليفة : أريد أن أرى أي رجل في الرجال هذا الذي أوشك أن يظفر بك من دوني!

الأميرة : كلا يا ابن عمي لا ينبغي أن تراه اليوم ولكني سأصفه لك إن شئت..

الخليفة : حسناً... صفيه..

الأميرة : إنه شاعر مجيد.

الخليفة : شاعر؟

الأميرة : نعم... وفارس شجاع...

الخليفة : أأشجع مني؟

الأميرة : لا أدري أيكما أشجع ... ولكنه قد خاض المعارك في فلسطين في قتال الصليبيين.

الخليفة : تحت لوائنا؟

الأميرة : نعم.

الخليفة : هذا عجيب. وماذا بعد؟

الأميرة : ماذا تريد أن تعرف بعد؟

الخليفة : هل... أجميل هو؟

الأميرة : جداً.

الخليفة : أجمل مني؟

الأميرة : لولا أني قد اخترتك دونه لقلت أنه أجمل منك!

الخليفة : (يتضاحك) واحسرتاه... إذ ليس في إمكاني أن أجد أجمل منك!

الأميرة : وإلا...؟

الخليفة : لآثرتها عليك!  

  (يتضاحكان)

الأميرة : هل من شيء بعد تريد أن تعرفه عن الأمير الطرابلسي؟

الخليفة : نعم.. أريد أن أعرف كيف دخل إلى مصر وكيف اتصل بك أنت دون أن أعلم؟

الأميرة : بل قد علمت أنت ذلك.

الخليفة : كيف؟

الأميرة : قد رأيته أنت غير مرة وسمعت أشعاره في قصر الهودج!

الخليفة : ماذا تقولين؟.. أهو؟..

الأميرة : الشاعر البدوي شاعر الربابة الذي يقول:   

ما حل غيرك قلبي  لا عاش في الحب خائن

الخليفة : هل ذلك الشاعر البدوي هو الأمير الطرابلسي؟

الأميرة : نعم.. هو هو بعينه.

الخليفة : وما حمله على التنكر في زي شاعر الربابة؟

الأميرة : جاء يطوف مصر على هذه الصورة ليتسنى له أن ينتقى أجمل أميرة فيها فيخطبها.

الخليفة : ويله... ما أجرأه على التعرض لحريمنا...

الأميرة : هذه سنة سننتها أنت قبله. وأول راض سنة من يسيرها. ألم تخطب أنت سلمى البدوية بهذه الطريقة؟ لا بل أنه لأكرم وأنبل إذ رام أن يختار له أميرة تليق بمقامة لا بدوية تحب ابن عمها فيكرهها على الزواج به وهي لا تحبه!

الخليفة : لأودبنه على اجترائه.

الأميرة : حذار يا آمر أن تأتي في حقه أمراً يسقطك في عين من تحب.

الخليفة : فأرسليه إذن من قصرك الساعة... لا ينبغي أن يبقى هنا لحظة واحدة.

الأميرة : ألا تحب أولاً أن تراه؟

الخليفة : لا أريد رؤيته... أصرفيه الآن دعيه يرجع إلى بلده.

الأميرة : إنك لا تعرف أين بلده يا آمر.

الخليفة : أليس طرابلس الغرب؟

الأميرة : لا.

الخليفة : عجباً... فأين إذن بلده؟

الأميرة : هل تعدني بشرفك إنك لن تمسه بسوء؟

الخليفة : ماذا يحملني على ذلك؟ لقد رجوت منك أن تدعيه يمضى لسبيله.

الأميرة  : عدني ألا تمسه بسوء.

الخليفة : قد وعدتك.

الأميرة : وإنك ستطيعني في كل ما آمرك أن تصنع به.

الخليفة : أما هذا فلا.

الأميرة : لماذا؟

الخليفة : أخشى أن تأمريني بتزويجه منك!

الأميرة : (تنفجر ضاحكة) ما أشد خوفك وما أقصى مرماك! ألا تثق بحبي لك يا آمر؟

الخليفة : ما يدريني يا حبيبتي ماذا في قلبك بعد الذي رأيته اليوم منك؟

الأميرة : إنك يا ابن عمي لم تر شيئاً بعد.

الخليفة : ماذا تعنين؟

الأميرة : في الأمر ما هو أعجب مما رأيت.

الخليفة : أفصحي يا زهرة... بحياتك!

الأميرة : عدني أولاً إنك ستطيع أمري.. لا تخف.. لن أغدر بك!

الخليفة : قد وعدتك.

الأميرة : فاعلم أنه من بادية الصعيد ومن حي سلمى مطلقتك!

الخليفة : ماذا تقولين؟

الأميرة : وهو ابن عمها الذي كان يعشقها!

الخليفة : ابن مياح؟!!

الأميرة : نعم... ابن مياح الذي انتزعت حبيبته منه.

الخليفة : (غاضباً) ويله.. كيف جرؤ هذا البدوي على التعرض لخطبتك بدعوى أنه أمير طرابلسي؟

الأميرة : هذا كله من تدبيري أنا فلا ذنب عليه.

الخليفة : ثم كيف اجترأ على التعرض لحرمتي؟

الأميرة : أتعني سلمى ابنة عمه؟

الخليفة : نعم... كيف تلصص عليها وهي في عصمتي؟ أفهذا أيضاً من تدبيرك؟

الأميرة : (محتدة) اسمع يا آمر.. تذكر وعدك لي بشرفك. حذار أن تخل بوعدك وإلا...

الخليفة : حسناً يا ابنة عمي... ولكني أريد أن أعرف كيف...

الأميرة : سأشرح لك كل شيء وسترى أن ليس في الأمر أي ريبة وليس عليه ولا عليها أي مغمز.. وقد دبرت في نفسي أمراً وما عليك إلا أن تسمع وتطيع.. لا تخف.. ليس في تدبيري إلا كل ما يسرك..

الخليفة : حسناً... إني سامع لك مطيع.

الأميرة : (باسمة في دلال) لقبك اليوم...

الخليفة : (باسما) المأمور بأحكام الله!!

  (يضحكان)

5

(في قصر الهودج... الوقت أول الليل)

الخليفة : هل صرفت خدم القصر جميعاً يا سلمى كما أمرتك؟

سلمى : (محزونة) نعم يا سيدي ما سوى ليلى فإني لا أدري كيف أصرفها وإلى أين.

الخليفة : كلا لا تصرفي ليلى فهذه يجب أن ينالها العقاب جزاء اشتراكها في الخيانة..

سلمى : (تنفجر باكية) أي خيانة يا مولاي؟ والله ما جرى بيني وبينه أي ريبة؟

الخليفة : هل كان يليق بك أن تسمحي له بالتردد على القصر وأنت تعرفين حقيقته؟

سلمى : والله ما كنت أعلم أنه ابن مياح، فلما عرفت ذلك أمرته أن يغادر القصر، وأن يرحل عن البلد. وتوعدته بأن أكشف لك أمره إن لم يفعل. سله يا مولاي فمن لطف الله بي إنك قبضت عليه.

الخليفة : (ينادي) ميمون! ميمون!

ميمون : (صوته من خارج الحجرة) لبيك يا مولاي.

الخليفة : احضر أسيرك.

ميمون : (صوته) سمعاً يا مولاي.

الخليفة : (يخرج منديلاً من بين ثيابه) وما هذا يا سلمى؟

سلمى : يا ويلتاه.. هذا منديل لي طلبه الخائن مني فرميت به إليه رجاء أن يمضى من حيث جاء.

  (يدخل ميمون يسوق ابن مياح أمامه والقيد في يديه)

سلمى : هاهو ذا الخائن... سله يا مولاي...

الخليفة : دعه يا ميمون وانتظر أسفل عند الباب لتستقبل مولاتك حين تجئ.

ميمون : سمعاً يا مولاي (يخرج).

ابن مياح : مولاي أمير المؤمنين.. إن كنت تريد قتلى فاقتلني فإني مقر بذنبي ولكني أحلف بالله وملائكته ورسله أن سلمى لبريئة.. والله لقد طردتني وتوعدتني ساعة علمت بأمري. وقد أوشكت أن أغادر البلد لولا أن الأميرة زهرة الوادي بعثت غلامها في طلبي ولم يخطر ببالي أنها ستدبر لي هذه المكيدة لتوقعني في غضبك، وتشوه سمعة ابنة عمي عندك كي تحملك على طلاقها وتتزوجك.

سلمى : (باكية) الله ينتقم لي من هذه الأميرة الباغية!

الخليفة : لا تتعجلي بالدعاء عليها حتى تعرفي موقفها منك.

سلمى : ماذا عسى أن يكون موقفها مني إلا موقف الغيرة أمس والشماتة اليوم؟ لقد علمت يا مولاي إنك كنت تريد أن تتزوجها وإنها اشترطت عليك طلاقي فهلا سرحتني بإحسان من قبل؟ إذن لما اضطررتها إلى تلفيق هذه التهمة علي.

الخليفة : لكن هذه ليست تهمة ملفقة يا سلمى فالبينة موجودة.

سلمى : أي بينة يا مولاي؟

الخليفة : كفى بهذا الداعر الواقف أمامنا بينة.

ابن مياح : ما أنا بداعر يا مولاي.

الخليفة : من لا يغار على ابنة عمه فليس بالشريف ولا بالعفيف.

ابن مياح : والله يا أمير المؤمنين ما قصدت أي سوء.

الخليفة : فماذا جاء بك إذن؟

ابن مياح : ما أردت إلا أن أودعها بنظرة قبل أن أعود إلى ميدان القتال بفلسطين فاستشهد هناك.

الخليفة : فما حملك على هذا التخفى والتنكر؟ قد كان في وسعك أن تزورنا فتراها وتراك ونكرمك ونصلك فأنت ابن عمها ولك فينا حرمة ونسب.

ابن مياح : مولاي.. إنك تعرف ما كان بيني وبينها، والعاشق متهم!

  (تدخل الأميرة زهرة الوادي)

الأميرة : هل تأذن لي يا أمير المؤمنين؟

الخليفة : ادخلي يا زهرة الوادي فأنا في انتظارك.. ألا تقومين يا سلمى لضيفتك؟

سلمى : لا أقوم لمن كادت لي وجاءت لتشمت بي.

الأميرة : (باسمة) أخطأت يا سلمى.. ما جئت إلا لتهنئتك.

سلمى : بالتهمة التي لفقتها علي؟

الأميرة : (تدنو منها فتقبل راسها) كلا يا أختي بل بعودتك إلى ابن عمك وحبيبك!

سلمى : (غاضبة) لولا مقام أمير المؤمنين لرددت على سخريتك بي أمامه.

ابن مياح : حنانيك أيتها الأميرة.. لا تسخري بنا فكفى ما خدعتني وأوقعتني في غضب أمير المؤمنين وعرضت ابنة عمي لسوء ظنه.

الأميرة : (لا يفارق الابتسام شفتيها) والله يا ابن مياح ما كان مني شيء مما تقول وما أردت بكما إلا الخير.

ابن مياح : ألم تعديني أيتها الأميرة بأن تدعيني أمضى لسبيلي أن أنا أطعتك فيما دبرته من قصة الأمير الطرابلسي؟

الأميرة : بلى وقد بررت بوعدي وزيادة. ألا تحب يا ابن مياح أن ينزل لك أمير المؤمنين عن ابنة عمك فتتزوجها وتعود بها إلى الحي الذي من أجلها هاجرت منه وهمت على وجهك؟

ابن مياح : أيتها الأميرة... رفقاً بحالي!

الخليفة : (باسماً) أو يقيمان هنا إذا أحبا في هذا القصر وأجرى عليهما ما يكفيهما من الرزق.

سلمي : يا أمير المؤمنين أسألك بمن ولاك شرف الخلافة أن تسرحني إلى أهلي وتكفيني هذا الموقف المذل!

الأميرة : ويحك يا أختي.. ألم تؤمني بعد بأن أمير المؤمنين يريد بك وبابن عمك الخير والكرامة؟

سلمى : قد علمت أنه حطبك وأنك اشترطت عليه طلاقي.

الأميرة : هذا حق ولكني ما اشترطت عليه طلاقك إلا ليصلح الزلة التي ارتكبها بتفريقه بينك وبين ابن عمك. وهذا أمير المؤمنين يشهد لك بصحة ما أقول.

الخليفة : أجل يا سلمى لقد كانت تلومني دائماً على هذه الزلة وتأبى أن تقبلني إلا إذا أصلحتها أولاً، وطالماً وددت أن أبعث إلى ابن عمك هذا لولا أننا ما كنا نعرف أين مقره. وها قد ساقه الله إلينا على هذه الصورة ليقضى الله أمراً كان مفعولاً.

الأميرة : أرهما البرهان يا أمير المؤمنين ليطمئن قلباهما.

الخليفة : (يخرج طومارين من بين ثيابه فيناول أحدهما لسلمى) هذه وثيقة طلاقك مني يا سلمى ويشهد الله ما طلقتك إلا ابتغاء خيرك وسعادتك. (يناول الآخر لابن مياح) وهذه يا ابن مياح براءة لك منا بتوليتك حاكماً على بادية الصعيد.

ابن مياح : شكراً لك يا أمير المؤمنين... نفسي فداؤك.

الخليفة : أشكر هذه التي خدعتك فهي صاحبة الفضل عليك!

ابن مياح : (باسماً) أشكرك أيتها الأميرة.. اغفري لي ما قلت في حقك.

الأميرة : بل أنت صاحب الفضل علينا يا ابن مياح فلولا مجيئك لما استطاع أمير المؤمنين أن يصلح زلته ولبقيت ممتنعة عليه.

ابن مياح : (لسلمى) يا ابنة عمي ما أحسب الخليفة إلا يريد بنا الخير والكرامة حقاً.

سلمى : اسكت أنت فمثلك لا يستحق الخير ولا الكرامة!

الخليفة : علام يا سلمى؟ إن ابن عمك لأصدق الناس حباً وأعظمهم وفاءً ومروءةً.

الأميرة : (باسمة) هنيئاً لك يا سلمى بحبه ووفائه. ليت ابن عمي هذا عنده عشر ما عند ابن عمك!

  (يضحك الجميع)

سلمى : (وقد تطلق وجهها) رويدك أيتها الأميرة الكريمة، والله ما أعلم على أمير المؤمنين إلا أنه أبر الأزواج وأكرمهم فهنيئاً لك به وهنيئاً له بك.

الخليفة : (ضاحكاً) هل سمعت يا زهرة الوادي؟ هذه شهادة عن تجربة!

الأميرة : مهلاً يا آمر... إني لا أومن إلا بما أعلمه بنفسي.

الخليفة : غداً ستعلمين.

الأميرة : غداً سأرى!

  (يضحك الجميع)

ستار


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3815017 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017