المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
صورة من حياة بلاط شجر الدر

ـ1ـ

شجر الدر في قصرها بقلعة الجبل تستقبل فارس الدين

أقطاي من كبار امراء المماليك.

شجر الدر: بورك فيك يا أقطاي.. لقد أدبت الملك الناصر خير تأديب وعمدت إلى أحلامه في ملك مصر فجعلتها هباء منثوراً. إني أهنئك على هذا الانتصار المجيد.

أقــــطاي  :   ما جئت لأتلقى التهنئة يا شجر الدر.

شجر الدر:   فماذا تريد؟

أقــــطاي  :  أريد المكافأة.

شجر الدر:  أي مكافأة؟

أقــــطاي  :  يد الملكة شجر الدر كما وعدتني.

شجر الدر:  ويلك يا أقطاي ... هل تطمح عين المملوك إلى سرير سيده؟

أقــــطاي  :  إنك تعلمين يا سيدتي أنه أقوى رجل في مصر وأنه خليق بعرش سيده أفلا يكون خليقاً بسرير سيده كذلك؟

شجر الدر:  لكن العرش اليوم يشغله شخص آخر ...

أقــــطاي  :  أتعنين هذا التمثال الذي نصبناه عليه لقلة خطره؟.

شجر الدر:  تذكر أنك رضيت به وحلفت له يا أقطاي.

أقــــطاي  :  رضيت به نزولاً على أمرك يا سلطانتي إذ كان خطر الملك الناصر على الأبواب وما أنا ممن يؤثر مصلحته على مصلحة الوطن والوطن في خطر. إنما رضيت بعز الدين أيبك سلطاناً مؤقتاً.

شجر الدر:  إذن فأنت تطمح إلى الملك يا أقطاي؟

أقــــطاي  :  نعم .. إنه حقي بفضلي وقوتي ... ويحك يا سلطانتي الجميلة أكنت أطمح إليك لو لم تطمح نفسي إلى الملك؟

شجر الدر:  أيهما تؤثر يا أقطاي شجر الدر أم العرش؟

أقــــطاي  :  هما عندي شيء واحد ... أنت الملك يا شجر الدر والملك أنت!

شجر الدر:  لك عندي أحدهما فاختر ما يحملو لك!

أقــــطاي  :  يا سلطانتي إني ما جئت أستجديك الملك فهو على طرف سيفي وإنما أستجديك قلبك: ولو أن قلوب الحسان تملك بالقوة لما جئت أيضاً استجديه.

شجر الدر:  إذن كنت تأخذني بالقوة كأنني جاريتك!.

أقــــطاي  :  أجل كنت آخذك جارية فأجلسها على عرش قلبي وأرفعها فوق حرائر العالمين!

شجر الدر:  ما يمنعك من ذلك؟

أقــــطاي  :  يمنعني أنني أحبك.

شجر الدر:    أن تكن لي هذه المنزلة في قلبك فأحلف لي أنك لا تنازع عز الدين ملكه وأكون لك!

أقــــطاي  :  هيهات يا شجر الدر. قد قلت لك أنك والملك عندي شيء واحد.

شجر الدر:  لا يرضيك أن تكون زوج شجر الدر؟

أقــــطاي  :  لا بل أريد أن تكون شجر الدر زوجتي.

شجر الدر:  عجيب ... أي فرق بين هذا وذاك؟

أقــــطاي  :  فرق بعيد يا شجر الدر ... اني أربأ بسلطانتي أن تتزوج إلا من يكافئها، وإلا كنت زوجاً مصنوعاً كما أن عزالدين سلطان مصنوع!.

شجر الدر:  أذن فأنت تؤثر الملك عليّ!

أقــــطاي  :  لو كان ما تزعمين حقاً لأخذته من عز الدين دون أن أرجع إليك. إن الملك عندي لا قيمة له بدونك!.

شجر الدر:  وأنا لا قيمة لي عندك بدون الملك؟

أقــــطاي  :  معاذ الله ومعاذ جمالك هذا القاهر. ولكني لا أرضى أن أقتنى الجوهرة وما عندي الصندوق الذي يليق بها.. أنها أجل عندي وأكرم على من ذلك.

شجر الدر:  دعها إذن لمن عنده ذلك الصندوق!.

أقــــطاي  :  لو علمت أحداً أجدر به مني لتركته له.

شجر الدر:  أمصمم أنت على أخذ الصندوق؟

أقــــطاي  :  نعم من أجلك أيتها الجوهرة؟

شجر الدر:  ولو فقدت في سبيله رأسك؟

أقــــطاي  :  هيهات يا سلطانتي... دون ذلك خرط القتاد.

شجر الدر:  انصرف الآن ودعني أفكر.

أقــــطاي  : أمرك يا سلطانتي مطاع!

(يخرج)

تدخل ورده كبيرة الوصائف .

شجر الدر:  هل سمعت حديثنا يا ورده؟

ورده        :  نعم يا مولاتي سمعته كله. كنت واقفة خلف هذه الستائر.

شجر الدر:  ماذا ترين في هذا العنيد الذي لا يريد أن ينزل عن مطمعة في الملك والسلطان؟

ورده         :  الأمر إليك يا مولاتي.

شجر الدر:  أريد رأيك يا ورده .

ورده        :  ولي الأمان من غضبك؟

شجرالدر:  نعم ... ما أمرتك بالاستماع إلى حديثنا إلا لأفيد من مشورتك.

ورده      :  أصدقيني يا مولاتي ... إنك شديدة الميل إلى فارس الدين أقطاي ... أليس هذا حقاً؟

شجر الدر:  هذا ليس من شأنك!

ورده        :  إن الناصح يا مولاتي كالطبيب يجب أن يعرف حال المنصوح قبل أن يشير عليه. إنك يا مولاتي تحبين هذا الرجل!

شجر الدر:  ثم ماذا؟

ورده        :  وما يمنعك من الزواج به ألا إنك تخافين على سلطانك.

شجر الدر:  أجل ... فيم تشيرين عليّ؟

ورده        :  لقد سمعتك يا مولاتي تخيرينه بين شجر الدر وبين العرش أيهما يؤثر فهل لي أن أسألك أولا أيهما تؤثر السلطانة؟

شجر الدر:  ويلك يا ورده ... إن جوابي مثل جوابه.

ورده        :  فقد سمعت منه أن ذلك ليس في الإمكان .. إنه يريد الأمرين معاً.

شجر الدر:  هذا غرور منه!.

ورده        :  لا تلوميه يا مولاتي فحسبك منه أنه أعترف لك بكل ما في نفسه ولم يحاول أن يغشك .

شجر الدر:  أراك تدافعين عنه يا ورده؟!.

ورده        :  كلا بل أدافع عنك يا مولاتي وعن سعادتك. لن تتم سعادتك يا مولاتي حتى تلبي صوت الفطرة فيك.

شجر الدر:  ماذا تعنين .

ورده         :  إنك ما آثرت أقطاي بميلك إلا لأنه قوي يستطيع أن يسيطر عليك وعلى غيرك فهذا صوت الفطرة في المرأة أما تشبثك بالسلطة التي تمارسينها من وراء عز الدين أيبك فإنما هو من أثر العادة منذ تربعت على عرش البلاد ثم نزلت عنه مكرهة لعز الدين فبقيت تصرفين أمور الدولة باسمه. وإن صوت الفطرة يا مولاتي أحق بالتلبية من صوت العادة.

شجر الدر:  كلا ... لا أتخلى عن سلطاني ونفوذي لرجل مغرور وسأبقى قابضة على أزمة الحكم ما بقيت.

ورده        :  إن كنت واثقة أنك لا تندمين غدا على أنك لم تلبي صوت فطرتك فالأمر إليك.

شجر الدر:  آه .. لو خلا هذا الرجل من عناده وغروره!

ورده        :  إذن لما مال قلبك إليه! أليس كذلك!.

شجر الدر:  أخرجي ويلك من عندي.. لا أريد مشورتك!... سأتزوج عزالدين أيبك على رغمك وعلى رغم هذا الأحمق المغرور!

ورده          :  معذرة يا مولاتي فقد قطعت لي عهد الأمان من غضبك .

شجر الدر :  دعيني الآن وحدي!

ورده         :  سمعا يا مولاتي.. لا أبتغى إلا رضاكي (تخرج).

شجر الدر:  آه لقد صدقتني (ورده) وقالت ما في نفسي هل أتزوج أقطاي وأستريح؟ كلا كلا ... لا أنسى كتاب الخليفة العباسي أبداً ... إن لم يكن في بلادكم رجل فأعلمونا نبعث إليكم رجلاً. فهاأنذا قد عينت الرجل على حكم البلاد كما أشتهى ولكني ــ أنا الأنثى ــ ما زلت أصرف أمورها بيدي وسأظل كذلك ما حييت... على رغم أنف الخليفة.. على رغم أنف الخليفة.

ـ2ـ

شجر الدر  جالسة... عز الدين أيبك يدخل القاعة عليها.

عز الدين :  كيف أنت اليوم يا زوجي الغالية؟

شجر الدر:  أن كنت تسأل عن صحتي فأنا بخير ولله الحمد.

عز الدين:

شجر الدر :  أمنية يسيرة يا عز الدين تجدر بمثلك ... آه .. ما هذا الذي بيدك؟

عز الدين :   كتاب من أقطاي...

شجر الدر:  ماذا يقول السلطان أقطاي؟ ويلكم... ما فيكم رجل يوقفه عند حده! أليس عاراً عليك ألا ترد الرسائل السلطانية إليك ألا بعد أن يفضها ويطلع عليها أقطاي وإنك لا تملك أن تجيز أمراً إذا أجازه هو؟

عز الدين :  إن الغيرة قد أعمته عن صوابه فطغى وبغى واستبد بالأمر من دوني ومن دونك.

شجر الدر :  بل القوة قد أغرته بالضعف.

عز الدين :  ماذا نصنع يا حبيبتي؟ لا سبيل إلى ردعه غير القتل وليس في وسعنا أن نقلته إلا بأمرك!.

شجر الدر : (ساخرة) هل أمرتك بتركه ينتزع مقاليد الحكم من يدك؟ ألست سلطاناً؟ ألست رجلاً؟

عز الدين :  تعلمين يا حبيبتي أنني لا أريد أن أغضبك!

شجر الدر :  أغضبني يا رجل ولو مرة واحدة في حياتك!

عز الدين :  كلا... لن أغضبك في حياتي ولا مرة واحدة، ولكن أقطاي قد أمكنني اليوم من نفسه فسأقتله دون أن أخشى غضبك.

شجر الدر :  ماذا تعني؟

عز الدين :  إن هذا الوقح قد تجاوز كل حد، انظري ماذا يقول في كتابه هذا.

شجر الدر :  ماذا يقول؟ أتله على .

عز الدين :  أعفيني يا حبيبتي من تلاوته. هاك اقرئيه بنفسك.

شجر الدر :  قلت لك اقرأه علي. أترتعد خوفاً حتى من كتابه؟!.

عز الدين :  كلا يا شجر الدر ولكنه قال في حقك  كلاماً لا ينبغي أن أحرك به لساني في حضرتك.

شجر الدر :  يا للناس للرجل الناعم! .. للسلطان الناعم! ..

عز الدين :  لا تغضبي ... سأقرؤه عليك... (بعد التحية، إذا جاءك كتابي هذا فمر زوجتك المملوكة شجر الدر بأن تخلى القصر في قلعة الجبل لمولاتها وسيدتها الأميرة إبنة ملك حماة التي ستقدم قريباً إلى مصر لتزف إلى سيد البلاد فارس الدين أقطاي. قل لها إني أمهلها سبعة أيام من تاريخ هذا الكتاب والسلام).

شجر الدر :  (ثائرة)... ألا تخجل أن تقرأ مثل هذا علي وأنت ساكن الأطراف؟

عز الدين :  أنت أمرتني يا شجر الدر.

شجر الدر :  ويلك هلا قتلت كاتبة أولا ثم قرأته علي! يا له مغرور وقح، يدعوني مملوكة ويدعو نفسه سيد البلاد! لكن يحق له ذلك. ما له لا يصنع أكثر من هذا وهو الحاكم المطلق في البلاد؟

عز الدين :  سيري عاقبة بغية وتطاوله.

شجر الدر :  كلا لن أعتمد على مثلك.. لأرينه أنا بنفسي من شجر الدر.  

ـ3ـ

على أحد أبواب قلعة الجبل ... شجان يلتقيان ساعة الغروب. 

أقــطاي:  أفي انتظاري أنت هنا يا ورده؟

ورده     :  في انتظار من يا سيدي غيرك؟ جئت يا فارس الدين في الوقت الملائم... لقد خرج السلطان الساعة لزيارة زوجته الأخرى أم علي.

أقــطاي:  ما يعنينني يا ورده وجوده هنا أو عدم وجوده؟

ورده     :  ويحك يا سيدي ... لكن مولاتي شجر الدر يعنيها ذلك. أنها تريد أن تكلمك في أمر خطير لا ينبغي أن يعلم به أحد إلا بعد نفاذه.

أقــطاي    : خبريني يا ورده ماذا تعني مولاتك بقولها في كتابها لي أنها تبذل كل شيء ولا تفرط في قلعة الجبل؟

ورده      :  هلم ... ستعرف ذلك منها أنت بنفسك.

أقــطاي:  أريد أن أعرفه منك أولاً لأعلم ما ينبغي في حضرتها أن أقول. سأجزيك يا ورده على خدمتك.

ورده     :  ما أجهلكم معشر الرجال بقلوب النساء. إن شجر الدر تحبك أنت، وما منعها أن تتزوجك فيما مضى إلا خوفها من أن تنازعها السلطة التي تحبها أيضاً.

أقــطاي:  أعرف هذا يا ورده.

ورده     :  إذن كان عليك لو كنت حكيماً أن تقبل الجوهرة أولا ثم يأتيك الصندوق من تلقاء نفسه.

أقــطاي:  كيف يا ورده؟ افصحي عما في نفسك..

ورده     :  الصندوق اليوم كأنه في يدك؟

أقــطاي:  أجل .. أنا سيد البلاد وصاحب الأمر والنهي.

ورده     :  فهل تريد أن تقتني الجوهرة التي فيه أو تريد أن تلقيها عنه لتودعه جوهرة أخرى من الشام أو من الهند؟

أقــطاي:  بل أريد الجوهرة القديمة يا ورده لو كان إليها من سبيل! هل ترضى هي أن تقبلني؟ لكن ماذا تصنع في زوجها عز الدين؟

ورده     :  أنها قد أجابتك على هذا السؤال من قبل.

أقــطاي:  كيف؟ يا ورده؟ أين؟

ورده     :  ألم تقل لك أنها تبذل كل شيء ولا تفرط في قلعة الجبل؟

أقــطاي:  وعز الدين أيبك؟

ورده     :  يا سيد .. أن شجر الدر لا يعجزها شيء.

أقــطاي:  بشريني ... بشرك الله بالخير يا ورده.

ورده     :  هلم معي من هذا الممر..

أقــطاي:  فيم يا ورده؟ إني لا أحب المسالك الضيقة.

ورده     :  هذا ممر يوصل إلى حجرتها رأساً. (تمشي في الممر فيتبعها أقطاي وتلتفت إليه فجأة) لا تنس أن هذا سر ينبغي ألا يذاع إلا بعد أن يتم كل شيء.

أقــطاي:  لا خوف من ذيوعه لأن كل شيء سيتم اليوم.

(يخرج له بغته ـ من مكمن في الممر ـ قطز وآخران من مماليك عز الدين الأشداء وتولى ورده فراراً).

قــطز  :  أجل يا أقطاي ولكنك لن تذيع سره إلا بين أهل الجحيم. (يطعنونه بسيوفهم).

أقــطاي:  آه ... ويلكم غدرتم بي أيها الجبناء غدرت بي شجر الدر (يسقط على الأرض وهو يشحط في دمائه).

شجر الدر : (من شرفة فوق الممر) دعوه... لا تجهزوا عليه!.

أقـطاي  : (يرفع بصره إلى الشرفة) صدق عزوجل ... إن كيدكن عظيم.

قــطز  :  متى عرفت ربك يا سفاك .

أقـطاي  : لا تشغلني أيها الخادم عن الجوهرة أمتع بها عيني قبل أن أموت.

شجر الدر:  أين أميرتك الأيوبية يا سيد البلاد؟ هل عرفت اليوم من هي المملوكة شجر الدر؟

أقــطاي :  هي الأفعي التي تحمل الجوهرة كما يروى في الأساطير.

شجر الدر :  وأنت ضحيتها المخدوع.

أقــــطاي  : مهلا أيتها الأفعى الجميلة اسمعي نصيحة من ضحيتك الذين يحبك. إني أعلم أنك تحبينني وما آثرت عز الدين علي ألا حرصاً منك على الاحتفاظ بسلطتك. فاعلمي أن عز الدين هذا الجبان الذي يتوارى الآن خلفك ولا يجرؤ أن يكشف لي وجهه لن يبقى على سلطتك بعد اليوم. إنما كان يخضع لك ويداهنك حين كان يخشاني.

عز الدين :  (من الشرفة) أسكتوه... أجهزوا عليه.

أقــــطاي  :  وداعاً أيتها الجوهرة الغالية! احتفظي بصندوقك. لا تفرطي فيه. آه.... (يجهزون عليه فيموت).  

ـ4ـ

بعد عدة أسابيع ... شجر الدر وعز الدين أيبك في قلعة الجبل. 

شجر الدر :  دعني من هذا ولكن قل لي كيف جرؤت أمس أن ترد على بريد الشام دون أن ترجع إلى؟

عز الدين   :  أنا السلطان وهذا حقي. لن أدع أحداً ينازعني هذا الحق بعد اليوم.

شجر الدر :  عجباً ... هكذا بسرعة أصبح العصفور نسر!؟

عز الدين  :  بل عاد النسر إلى أصله بعد أن استكان طويلا لك .

شجر الدر :  ها... لقد صدق أقطاي فيما قال يوم مصرعه.

عز الدين  :  لا تذكري لي أقطاي.

شجر الدر :  إنما تغار من ذكره لأنه كان رجلاً.

عز الدين   :  إن كنت لا تزالين تحبينه فأبعثه من قبره.

شجر الدر :  اطمئن يا عز الدين فإني أقدر أن أقتل ولكني لا أقدر أن أبعث من قتل.

عز الدين   :  لا تحاولي أن تصرفيني بهذا عما قلت لك بصدد زوجتي أم على..

شجر الدر :  أبقها مكانها في منظرة اللوق في بيتها الحقير ذلك خير لك.

عز الدين   :  كلا... يجب أن تفردي لها جناحا في هذا القصر تذكري يا شجر الدر أنها أم ولدي وولي عهدي.

شجر الدر:  اسمع يا عز الدين ... إذا لم تسكت عن هذا فسوف آمر بتطليقها منك .. وأزوجها بعد ذلك لأحد عبيدي!!

عز الدين :  إني لن أطلق أم علي لقولك أو لقول غيرك... أنا سلطان البلاد يا شجر الدر.

شجر الدر :  .... كيف تجرؤ أن تخاطبني في الإتيان بهذه الخادمة إلى قصري؟ أهي أمير أيوبية أخرى تريد أن تسكنها القلعة مكاني؟ لقد قتلت أقطاي من أجل ذلك وهو رجل أجله وأحترمه، فما بال عز الدين أيبك الذي ما اخترته للملك وآثرته على غيره ألا لفضل واحد فيه هو الخضوع لأوامري. هل نسيت أني هناك الملكة وما أنت إلا قرقوز في الناس أحركه بيدي من وراء الستر ؟

عز الدين  :  كان هذا صحيحاً يا شجر الدر أمس أما اليوم فإن البلاد لا ترضى أن يحكمها قرقوز تحركه امرأة من وراء الستر. ستطيعين أمري من الآن فصاعدا وستسكن أم على هذا الجناح الشرقي من القصر.

شجر الدر  :  كلا بل طلقها الآن ... طلق أم علي الآن إن شئت أن تبقى أنت في هذا القصر وإلا فالحق بها في منظرة اللوق وإياك ثم إياك أن يلفك  سواد الليل هنا في هذا القصر! أتفهم ما أعنى؟

عز الدين  :  إن لم تستطيع هذه الخادمة أن تساكنك في قصرك فلآتينك بسيدة من سيداتك تطردك منه أو تستبقيك لها خادمة.

شجر الدر :  هيهات! ذلك ما حاوله أقطاي الرجل من قبلك فشهدت أنت مصيره بعينيك .

عز الدين   :  لن يكون حظي يومئذ كحظ أقطاي.

شجر الدر : بل سلم لي يومئذ على أقطاي وقل له قد وقع كل ما تنبأ به ولكني احتفظت بصندوقي. اخرج يا هذا من هنا وأبعث رسلك الآن إلى الشام ليخطبوا لك أرملة أقطاي ليتجدد أملها في القدوم إلى مصر.

عز الدين  :  أرملة أقطاي أو غيرها ... من منهن لا تقبل سلطان مصر؟

شجر الدر:  أجل ... من منهن لا تقبل من قبلته شجر الدر ولو كان قرقوزاً.

عز الدين  :  (ماضياً ليخرج) أقسم أن أفعلها.

شجر الدر:  (حانقة...) سوف نرى أيها (القرقوز).

ـ5ـ

منظرة اللوق حيث تقيم أم على ويقيم معها عز الدين أيبك

بعد مغاضبته لشجر الدر ... قطز مملوك عز الدين أيبك

يقف في إحدى القاعات مع سيدة.

قـــــطز  :  كلا يا سيدي لا تذهب إليها ... هذه مكيدة.

عز الدين  :  أنت لا تفهم يا قطز إن قلبي يحن إليها.

قــــــطز     :  هنا يا سيدي الخطر.. خطر النار على الفراشة الحائمة .

عز الدين :  كلا يا قطز. لا يمكن أن تكون هذه مكيدة. إن كتابها يفيض رقة واستعطافا.

قــــــطز    :  هذه يا مولاي شجر الدر.

عز الدين :  آه يا قطز... أنني أذوب إليها شوقاً ... صه هذه أم على مقبلة.

أم علـي   : (تدخل) ماذا قررت يا عز الدين؟

عز الدين :  ما قررت شيئاً بعد يا أم علي.

أم علي     :  إني أعرف ما يجول في نفسك .. تريد أن ترتفع بالأميرة الأيوبية عني وعن شجر الدر.

عز الدين :  كلا يا أم علي.. ما خطبت الأميرة الأيوبية إلا لأذل هذه المملوكة المتجبرة وأرغمها على احترامك أنت وتقدير منزلتك. إني ما صنعت ذلك ألا من أجل أم ولدي وولى عهدي.

أم علي   :  فهاهي ذي قد نزلت عن كبريائها ورضيت أن أسكن في القصر فماذا يمنعك من مصالحتها الآن؟

قـــــطز  :  يا سيدتي.. هذه مكيدة دبرتها شجر الدر للإيقاع بزوجك!

أم علي   :  لا يا قطز..  لو كانت تريد به كيداً لما أرسلت له كتابها عن طريقي!.

قـــــطز :   بل فعلت ذلك يا سيدتي مبالغة في الكيد لكي تحملي زوجك على الرضى بمصالحتها. وهاهي ذي قد بلغت منك ما تريد.

أم علي     :  يا هذا لا تحاول أن تقنعني بقبول مجيء الأميرة الشامية لتسلب زوجي مني ومن ولدي. لابد أن عز الدين هو الذي أوعز إليك بهذا ليبلغ ما تشتهي نفسه من مصاهرة الملوك.

عز الدين :  كلا والله ما فكرت في شيء من هذا يا أم علي .

قـــــــطز  :  اعلمي يا سيدتي أن مولاي عز الدين لو أمرني بغشك ما أطعته. ولولا أن الأمر يتعلق بحياته لما أدخلت نفسي في هذا الشأن.

أم علي   :  يجب أن تفسخ خطبة الأميرة. ويجب أن أسكن في قلعة الجبل. أني لا أقبل بعد اليوم أن أعيش هنا وأنا أم ولي العهد.

قـــــــطز  :  وزوجك السلطان يا سيدتي ألا تخافين عليه؟

أم علي     :  إنه رجل يعرف شأنه مع شجر الدر.

عز الدين :  إنها لن تمسني بسوء يا قطز... لقد افترسها الندم لما علمت بقبول الأميرة طلبي.

قـــــــطز  :  يا مولاي كيف تأمنها على نفسك بعد ما بعثت إلى الملك الناصر ليتزوجها وتوليه مكانك؟

أم علي    :  من أين علمت بهذا؟

قـــــــطز :  من عيوني بالشام. هذا نبأ لاشك في صدقه.

أم علي    :  فقد اعترفت شجر الدر بذلك في كتابها لعز الدين .

عز الدين :  نعم ... لو كانت تنوى الغدر لما أقرت لي بهذا الأمر الخطير.

أم علي      :  أقرأ له كتابها يا عز الدين لعل مملوكك هذا أن يقتنع.

عز الدين :  (يفتح رسالتها) أسمع يا قطز ماذا تقول (يكاد يقتلني الندم على ما كان مني. لقد علمت يقينا أن ليس لي إلا أحد أمرين: الزوج أو السلطة. أما السلطة فدونها أنني امرأة والناس لا يعترفون للنساء بهذا الحق. وأما الزوج فقد أردت أن أرغمك لما وقفت في وجهي فبعثت إلى الملك الناصر ليتزوجني ويلي عرش مصر وأنا ــ يعلم الله ــ له كارهة ولك محبة، فلم يستجب لي لما يعلم من عداوتي له فلم يبق يا عز الدين ألا أنت. فارحم حيرتي ولا تمض في إذلالي إلى أبعد مما قد بلغته بحدة طبعي وسوء تدبيري. واذكر يا عز الدين أنني كنت يوماً ما زوجة مولانا الملك الصالح أيوب وكنت يوماً ما سلطانة المسلمين. أفسخ خطبة الأميرة أكن لك زوجة مطيعة وأنزل أم على حيث شئت من القصر فهي أحق بك مني لأنها زوجك قبلي وأم ولي عهدك. وكلتانا أحق بك من تلك الشامية الغريبة. وكل ما أريده منك يا عز الدين أن تسوى بيني وبين أم على ولا تفضلها علي لأنها أم ولدك، فتثير بذلك غيرتي منها).

أم علي     :  هل سمعت يا قطز؟ أفهذا كلام من تنوى سوءاً بسيدك؟

قــطز    :  ياله من كتاب! هذه يا سيدتي شجر الدر ... قولها بليغ وفعلها أبلغ! حذار يا سيدي أن تذهب إليها. إسمع نصيحتي.

أم علي     :  أراك قد جاوزت حدك.

قـــطز  :  قولي في ما تشائين يا سيدتي فإني إنما أنصح مولاي. يا سيدي تذكر مصرع أقطاي.

عز الدين :  يا قطز إن أمري يختلف عن أمر أقطاي... إنما قتل أقطاي في القصر بأمري وبيدك أنت وأيدى جماعتك فهل أنتم قاتلي أن أمرتكم شجر الدر؟

قــطز  :  إن شجر الدر لا يعييها التدبير يا سيدي ولو لم يكن عندها غير جواريها.

عز الدين :  ستكونون أنتم معي على كل حال.

قــطز  : ماذا نصنع لك يا مولاي؟ هل تدخلنا الحريم معك؟

عز الدين :  ويحك يا قطز... أتخاف على من الحريم؟

قــطز  : لا أخاف عليك إلا من الحريم.

أم علي   :  حسبك يا هذا... قد أغضبتني فلا تغضب سيدك. نحن أعرف بشؤوننا منك ومن غيرك. فهل عندك غير ما قلت؟ .

قــطز  : لا يا سيدتي. قد قلت ما أردت ... وليس عندي مزيد.

ـ6ـ

وفي قلعة الجبل ... يسمع صياح النائحات يندبن السلطان

عز الدين أيبك. وقد أصبح ولى عهده ملكاً ... وأصبحت

أم على ... أم الملك ... وأقوى سيدة في الدولة.

أم علي     :  (بغضب) أيتها الجواري أين القباقيب التي أمرتكن بإحضارها؟

إحدى الجواري: هاهي ذي يا مولاتي.. قد أحضرنا ثلاثة .

أم علي     :  هذه لا تكفي ... لتأت كل واحدة منكن بقبقاب!.

الجواري  :  سمعا يا مولاتي أم على.

أم علي     :  أنا أم الملك المنصور.

(ستار)


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3728541 عدد الزوار
912 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017