المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
النصيحة
)في بيت محمد بن مقاتل قاضي الري(
القاضي : كيف ترينني اليوم يا مزنة؟
مزنة :أحسن حالاً يا سيدي من أمس.
القاضي : أحقاً يا مزنة؟
مزنة : وجهك أقل شحوبا وعيناك أقل ذبولاً وشفتاك أقل جفافا، غير أن التحول بادٍ عليك اليوم أكثر من أي يوم آخر.
القاضي : لعله نهاية الأمد الذي يبلغه مرضى يا مزنة وأبدأ من اليوم فصاعدا مرحلة النقاهة.
مزنة : نعم هذا حالك إن شاء الله. فعليك أن تزيد قليلاً من طعامك ليكون أسرع في استرداد عافيتك.
القاضي : ما أحسب أن للطعام دخلاً في ذلك. فما زال طعامي هو هو لم يزد ولم ينقص.
مزنة : لكنك اليوم بحاجة إلي مقدار أكبر لتعوض به ما أخذ المرض منك.
القاضي : ما أحب يا مزنة أن أخلّ بعادة من عاداتي في عافية أو مرض. والله عزوجل هو الذي يعطي القوة والعافية.
مزنة : خبرني يا أبا مقاتل ألا تشتهي شيئاً فنعمله لك اليوم؟
القاضي : بلى ولكنك لا تستطيعين أن تعمليه؟
مزنة : ما هو يا سيدي؟
القاضي : أن أعود إلى مجلس القضاء وأسمع إلى أقوال الخصوم وأفصل في القضايا التي تعرض عليّ.
مزنة : أهذا كل ما تشتهيه؟
القاضي : نعم إني لأحسب أن مرضى هذا إنما طال لحرماني من هذا الذي أشتهيه.
مزنة : يا سيدي القاضي لا ينبغي لك أن تنسى أن عملك المضني في القضاء هو الذي صرعك وألزمك الفراش.
القاضي : يا أم مقاتل أعلمي أن المرء لا يعتل بدنه أبداً إلا إذا أعتلت نفسه؛ والقضاء روحي وريحاني فلا يعقل أن يكون سبب سقمي وعلتي.
مزنة : طب بالا إذا فما هي إلا أيام حتى تعود إلى روحك وريحانك.
غلام : (يدخل( سيدي القاضي بالباب الشيخ رُوَيْم بن محمد ومعه صاحب له.
مزنة : ماذا يريد ان في مثل هذه الساعة؟
القاضي : ويحك ماذا عساهما يريدان وأنا عليل إلا أن يعوداني؟
مزنة : إني أخشى أن يتعباك أو يرهقاك.
القاضي : كلا فهذا الشيخ رويم بن محمد من أئمة المتصوفين وهم أهل دماثه ونقاء وشفافية وصفاء. ائذن لهما يا غلام.
الغلام : سمعاً يا سيدي.
القاضي : سنستأنف حديثنا يا مزنة حين يخرجان.
مزنة : إذا جاء الأصحاب خرج الأحباب.
(يدخل رويم وصاحبه(
رويم : السلام عليك يا محمد بن مقاتل.
القاضي : وعليكما السلام ورحمة الله. أهلا بك وبمن معك.
رويم : هذا يا سيدي القاضي أبو عبدالرحمن حاتم الأصم.
القاضي : حاتم الأصم؟
رويم : قد شاء أن يجئ معي ليعودك.
القاضي : أهلاً به وسهلاً.
رويم : ما كنت تعرفه من قبل يا سيدي القاضي.
القاضي : لم أره من قبل ولكني سمعت به.
حاتم : لعلك سمعت عني خيراً يا ابن مقاتل.
القاضي : كل خير يا أبا عبدالرحمن.
رويم : كيف أنت اليوم يا أبا مقاتل؟
القاضي : الحمد لله أنا اليوم أحسن ولكني ما زلت واهناً يا أبا محمد.
رويم : لا بأس عليك إن شاء الله.
القاضي : أدع لي يا أبا محمد فأنت ممن نور الله قلوبهم باليقين، ورطّب ألسنتهم بالذكر، وصقل أرواحهم بالحب والصفاء.
رويم : شفاك الله وعافاك ونفع أهل الإسلام بعلمك وفقهك.
القاضي : آمين يا رب العالمين.
حاتم : أصغ إلي يا رويم بن محمد.
القاضي : إنك لقائم بعد يا حاتم ألا تقعد يا أخي أصلحك الله؟
حاتم : دعني أكلم رفيقي هذا يا ابن مقاتل.
رويم : خيراً يا أبا عبدالرحمن. ماذا عندك؟
حاتم : إنك دعوت لهذا القاضي بالشفاء والعافية فالله يستجيب لك ولكن كيف ينفع الله أهل الإسلام بعلمه وفقهه.
رويم : أتعترض على دعائي يا حاتم أم على قدرة الله؟
حاتم : بل على دعائك.
رويم : فالدعاء لا يعترض عليه. إلا أن كان فيه معصية لله فهل ترى في دعائي معصية الله؟
حاتم : نعم.
رويم : كيف؟
حاتم : سأبين لك ذلك فيما بعد ولكن دعني الآن أوجه حديثي إلى صاحب هذه الدار الكبيرة الفخمة.
القاضي : أقعد بالله عليك وكلمني يا أخي وأنت قاعد مستريح.
حاتم : ما يدريك لعل لي حاجة.
القاضي : ما هي يا أبا عبدالرحمن لنقضيها لك؟
حاتم : مسألة في العلم أريد أسألك عنها.
القاضي : حبا وكرامة. أعني يا غلام واسندني.
حاتم : مكانك كما أنت فأنت عليل.
القاضي : كلا لا ينبغي أن أجيب في العلم وأنا مضطجع. )ينهج من الإعياء والضعف(.
رويم : هلا أجلت مسألتك يا حاتم فإنما جئنا لنعود القاضي لا لنتعبه ونرهقه.
حاتم : هذا القاضي قد استوى جالساً يا رويم وهؤلاء غلمانه قد أسندوه.
القاضي : هات يا أخي مسألتك.
حاتم : خبرني يا قاضي الري علمك هذا من أين جاءك؟
القاضي : تلقيته عن الثقات من أهل العلم.
حاتم : وهم تلقوه عمن؟
القاضي : عن التابعين ثم عن أصحاب رسول الله.
حاتم : هل سمعت في العلم: من كان في داره متعة ونعيم أكثر كانت له لمنزله عند الله أكبر؟
القاضي : اللهم لا.
حاتم : هل سمعت: من زهد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحب المساكين كان له عند الله منزلة أكبر؟
القاضي : اللهم نعم.
حاتم : فأنت بمن اقتديت واهتديت؟ بالنبي وأصحابه والصالحين أم بكسرى وقيصر وغيرهما من الملوك الظالمين؟
القاضي : أطمع في كرم الله يا أبا عبدالرحمن أن يحشرني مع الأولين. مع النبي وأصحابه والصالحين.
حاتم : وأنت ساكن في هذا البيت الفخم وغارق في هذا النعيم الضخم؟
القاضي : وأما بنعمة ربك فحدث.
حاتم : هيهات لقد خاطب الله تعالى بهذا نبيه فهل كان عليه السلام يتقلب في مثل هذا الذي تتقلب فيه؟
القاضي : معاذ الله يا أبا عبدالرحمن أين أنا من مقام النبوة ولكن الآية ينسحب الأمر فيهما على سائر المسلمين.
حاتم : يا علماء السوء فعلكم هذا يراه الجاهل الطالب للدنيا فيقول: العالم فلان يفعل هذا فلم لا أفعل مثله فلن أكون شرا منه.
رويم : على رسلك يا حاتم يا أصم. لو كنت أعلم أنك لا تراعي أدب النصيحة ولا أدب العيادة ولا أدب الصحبة ما جئت بك معي في زيارة ولا عيادة.
حاتم : أتريد يا رويم أن تمنعني مما أوجب الله علي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
رويم : إن لكل مقام مقالاً يا أصم. ويحك أو قد غرك أن الله أعطاك لساناً طويلاً فجعلت تضرب به ذات اليمين وذات الشمال لا تبالي حرمة بيت تدخله أول مرة، ولا علة مريض تلقاه أول مرة، وهو يرجو أن تواسيه وتهون عليه، فإذا أنت تسلقه بلسانك وتخزه بسنانك، وكأنما الناس مذنبون خاطئون جميعاً وأنت وحدك النقي من الذنوب المبرأ من العيوب، القريب من نفحات الرحمن، البعيد عن نزغات الشيطان؟
القاضي : رفقاً بأبي عبدالرحمن يا أبا محمد، فإنه ما أراد بي إلا الخير وما قال في غير الحق.
رويم : يا أبا مقاتل هذا الأدب السامي الذي تأخذ به نفسك. وهذا الحب الخالص الذي ينبع من قلبك خير عند الله من كل ما تحرك به لسان هذا الأصم من كلام يقرع الآذان دون أن يمس شغاف القلوب.
القاضي : استغفر الله يا أبا محمد. أين أنا الغارق في الدنيا وزينتها من أبي عبدالرحمن الزاهد فيها الراغب في الآخرة الذي لا يخاف في الحق لومة لائم.
رويم : إن الله تبارك وتعالى يقول لنبيه وصفيه وهو يدعو المشركين إلى الإسلام: )ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك(. فماذا فعلت يا أصم اليوم؟ جئت معي لعيادة أخ مريض من أهل العلم والفضل ولاه الله منصب القضاء في هذا البلد الكبير فتعمى عينك إلا عن رؤية داره وجداره وفراشه ورياشه وآنيته وأمتعته ولا يلتفت عقلك إلى أدبه ووقاره وتواضعه وانكساره وعفوه وحلمه على فقهه وعلمه فتنسى أن تقول له : كيف حالك ولا بأس عليك وشفاك الله وعافاك بل تنهال عليه بسياط غضبك ونقمتك. محملا إياه وزر هذا العصر كله إذ اختلفت حياة الناس فيه عن حياة الناس في عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم( وعهد أصحابه. ويحك يا أصم أما تعلم أن الدنيا مزرعة الآخرة، وأن على المسلم ألا ينسى نصيبه من الدنيا، وإنك يا أصم إذا نظرت إلى عملك وجدته قاصراً عليك وحدك، فلا عليك أن تلبس من الثياب ما يحلو لك. أما القاضي فلو خرج في ثياب رثة كثيابك فمن ذا كان يحترمه أو يصغى إليه؟
القاضي : حسبك يا أبا محمد فما أحب أن تقرع أبا عبدالرحمن وهو ضيف عندي وفي بيتي.
حاتم : بل دعه يا أبا مقاتل. دع يا أبا محمد يؤنبني ويقرعني فإني والله إلى نصيحته ووعظه لأحوج منك إلى نصيحتي ووعظي. أمض في كلامك يا أبا محمد أصلحك الله.
رويم : الآن بعد ما اعترفت بخطئك وأذعنت للحق.؟ كلا يا أبا عبدالرحمن بحسبي من الكلام ما قلته لك واستغفر الله مما قلته فيك فسامحني يا أبا عبدالرحمن فيما بدر مني في حقك.
حاتم : ويحك يا أبا محمد كيف أسامحك في خير سقته إلي. والله ما انتفعت بعد كلام الله وكلام رسوله بخير من كلامك الذين سمعته اليوم. لكأني كنت أعمى فابصرت وأصم فسمعت.
القاضي : وأنا والله ما تأثرت ولا اهتززت بعد كلام الله وكلام رسوله بأبلغ من النصيحة التي سمعتها من أبي عبدالرحمن اليوم. لكأني كنت نائماً فاستيقظت وغافلاً فتنبهت.
حاتم : لقد عرفت الآن يا أبا مقاتل إن هذا الذي تقوله عني لهو من أدبك السامي الذي أخذت به نفسك فياليتني أستطيع أن أقتبس منه ما يبصرني بعيوبي قبل عيوب الناس وما يفتح أذني لسماع الوعظ والنصيحة من غيري قبل أن أعظ الناس وأنصح الناس.
رويم : هيا بنا يا أبا عبدالرحمن ننصرف ليستريح القاضي فقد أرهقناه.
القاضي : بل اجلسا قليلاً بعد فإني أنست بكما وقويت.
رويم : سنزورك مرة أخرى وقد تم شفاؤك إن شاء الله.
القاضي : افعل يا أبا محمد ولا تنسني من صالح دعائك.
رويم : وأحضر معي هذا الأصم المتعب؟
القاضي : نعم نعم لا تأتني بغيره فإني والله قد أحببته.
رويم : وي. هذا حاتم الأصم يبكي!
القاضي : ويحك يا أبا عبدالرحمن ماذا يبكيك؟
حاتم : (يبكي( سامحني يا ابن مقاتل سامحني يا أخي فيما أسأت إليك.
القاضي : يا سيدي إنك ما أسأت إلي بل أحسنت.
حاتم : بل دعني أقبل رأسك.
القاضي : استغفر الله.. استغفر الله.
حاتم : وقل لي: سامحتك يا أصم.
القاضي : سامحتك يا أبا عبدالرحمن.
حاتم : كلا بل قل: سامحتك يا أصم.
القاضي : سامحتك يا أصم.
رويم : الحمد لله الذي جمعنا على الود والإخاء وأزال من قلوبنا الخصومة والشحناء ورفعنا من أرض الجدال والمراء إلى سماء الحب والصفاء.
)ستار(

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3728529 عدد الزوار
912 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017