المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
الشاة والعجين

1

(في سجن بغداد)

أبو الليث    :    مالك بن دينار. أهلاً وسهلاً بك يا أبا يحيى.. زيارة غير منتظرة.

مالك          :    منذ كم توليت هذا المنصب يا أبا الليث؟

أبو الليث    :    منذ تسعة شهور.

مالك          :    ما علمت بذلك إلا منذ أيام وإلا لجئت من قبل.

أبو الليث    :    أفلا زرتني في بيتي يا أبا يحيى فهو أفضل؟

مالك          :    أتراني أثقل عليك إذ أزورك في مكان عملك؟

أبو الليث    :    مكان عملي كما ترى في السجن فلن تشغلني فيه عن شيء بهيج. إني أعد فضلاً كبيراً منك أن تزورني هنا في هذا المكان الكئيب.

مالك          :    أنا لست من رأيك في ذلك.

أبو الليث    :    ماذا تعني؟

مالك          :    أنا أرى هذا المكان أبهج مكان وأطرفه واحفله بالعجائب وأنفعه لطالب علم ومعرفة.

أبو الليث    :    ويحك يا أبا يحيى أتريد أن تطلب العلم حتى في السجن؟

مالك          :    إن فيه لعلما كثيراً يا أبا الليث لمن ينظر ويتدبر.

أبو الليث    :    (في ضحك) لو سمعك طلاب العلم تقول هذا لتركوا حلقات الدرس في جامع المنصور وفي دار الحكمة وتقاطروا إلي هنا فما أدري ماذا كنت أصنع لهم أو أصنع بهم؟

مالك          :    ما أظرفك يا أبا الليث وأملح دعابتك. هكذا أنت من قديم تحول كل شيء إلى مادة للفكاهة والتندر.

أبو الليث    :    فلعلهم أرادوا أن يعاقبوني على ذلك فبلوني بالإشراف على هؤلاء القتلة السفاحين واللصوص والمجرمين.

مالك          :    لا بل أحسنوا اختيارك يا أبا الليث لهذا المنصب.

أبو الليث    :    ويحك يا أبا يحيى كنت أظنك تحبني وتريد لي الخير. فإذا أنت تكرهني وتفرح لي بالشر.

مالك          :    لا والله يا أبا الليث إني لأعني ما أقول. هذا عمل لا ينبغي أن يسند إلا إلى رجل مثلك يجمع بين دماثة الخلق وسلامة الصدر ورحابة القلب وبشاشة الوجه.

أبو الليث    :    ويحك إياك أن تكون أنت الذي دللتهم علي لتنكبني.

مالك          :    لو استشاروني في هذا الأمر لفعلت.

أبو الليث    :    وأنت أكنت تقبل لو عرضوه عليك لتتولاه؟

مالك          :    لولا عذري لكنت أقبل.

أبو الليث    :    وما عذرك؟

مالك          :    آليت على نفسي لا آلى عملاً للسلطان أبداً.

أبو الليث    :    أهذا عذر يا أبا يحيى؟ لو أن كل رجل يفعل مثلك لفسد أمر الناس وضاعت بينهم الحقوق وتعطلت مصالحهم وكانوا فوضى.

مالك          :    هذا حق يا أبا الليث ولكن الناس لا يفعلون مثلي فجلهم حرصاء على أعمال السلطان فلا بأس عليهم مني إذا رفضت.

أبو الليث    :    أو تنصحني يا أبا يحيى أن استعفى من هذا العمل؟

مالك          :    كلا.. أنت عندك أهلك وعيالك فمن أين تعيشهم؟

أبو الليث    :    الله هو الرازق يا أبا يحيى.

مالك          :    فهذا الذي أنت فيه من رزق الله.

أبو الليث    :    أو لا تخشى على قلبي أن يقسو يا أبا يحيى من مخالطتي لهؤلاء القتلة والمجرمين من كل شكل ولون؟

مالك          :    أنظر إليهم على أنهم مرضى في بيمارستانك فستشعر نحوهم بالرقة والعطف والرحمة ولن يقسو قلبك أبداً.

أبو الليث    :    والعقوبات الشديدة الواجب تنفيذها عليهم كيف آمر بها إذن؟

مالك          :    تذكر كلما أمرت بعقاب أحد منهم الجريمة التي ارتكبها وما ينجم عنها من ضرر على الأبرياء من جماعة المسلمين فذلك أحرى أن يخفف عنك الأثر الذي تخشاه.

أبو الليث    :    لكني أصبحت اليوم لا أخشى الرقة بقدر ما أخشى القسوة. لقد كنت لا أطيق رؤية العقوبة الشديدة في أول الأمر فأصبحت أراها اليوم كأنها لا شيء. أليس معنى ذلك أن قلبي قد رانت عليه القسوة؟

مالك          :    كلا هذه القسوة التي تجدها غير تلك القسوة التي تخشاها.

أبو الليث    :    وما يدريك أن هذه غير تلك؟

مالك          :    لو كانت هذه تلك لما شعرت منها بخشية.

أبو الليث    :    جزاك الله خيراً. لقد أفضت على قلبي شيئاً من السكينة.

مالك          :    وأموراً أخرى تجدها هنا قد تعينك في السلوك إلى ملك الملوك.

أبو الليث    :    ما عساها أن تكون؟

مالك          :    السرائر تبلوها فترى ما يصطرع فيها من خير وشر، والأهواء تطالعها وهي تتبارى وتتسابق، والشهوات تلحظها وهي تتوهج وتتأجج والنيات تستشفها وهي تتشكل وتتلون، ونزغات الشيطان وهي تتسلل إلى قلب المسلم، والتقوى وهي تناضل وتقاوم حتى يغرقها المد فتستسلم.

أبو الليث    :    لله ما أبدع وصفك.

مالك          :    إني لأغبطك يا أبا الليث على مقامك بين هؤلاء.

أبو الليث    :    إن كنت صادقاً فيما تقول فتردد علينا لتغشاهم وتتصل بمن تشاء منهم عسى أن تعظهم وتنصحهم فينفعهم الله بك.

مالك          :    أجل إني أحب أن أفعل ذلك يا أبا الليث وقد جئت لمن ولى هذا الأمر قبلك وعرضت عليه مثل هذا فلم يقبل.

أبو الليث    :    أما أنا فإني أقبل وأرحّب وأضع كل شيء في هذا السجن تحت تصرفك تفعل فيه ما تشاء.

2

(بعد شهر أو شهرين)

أبو الليث    :    هل بلغك يا أبا يحيى أن بعض الناس تساءلوا ما بال مالك بن دينار يتردد على السجن؟

مالك          :    فماذا قلت لهم؟

أبو الليث    :    قلت لهم أنه يعظ المسجونين وينصحهم. أفتدري ماذا قالوا؟

مالك          :    ماذا قالوا؟

أبو الليث    :    قالوا: هل أفلح في وعظ من في المساجد حتى يعظ من في السجون؟

مالك          :    سامحهم الله لو كنا نراعي الناس ما استطعنا أن نعمل شيئاً.

أبو الليث    :    صدقت يا أبا يحيى إن الناس لا يرضيهم شيء. فدعهم ولا تبال بهم. خبرني كيف حالك مع أصحابك هؤلاء أهل السجن؟

مالك          :    أحسب أنني استطعت الآن أن أكسب ودهم.

أبو الليث    :    أجل إني أراهم يحبونك.

مالك          :    وأنا أحبهم كذلك.

أبو الليث    :    أما زلت تعالج صاحبنا أمين الخراج؟

مالك          :    أجل أنه أعضل مشكله فيهم يا أبا الليث فهو يعمل الخير والشر في آن واحد فلا تدري أتأمره أم تنهاه.

أبو الليث    :    تريد أن تعوده اليوم؟

مالك          :    نعم وأريد أن أعود صاحب الشاة وصاحب العجين.

أبو الليث    :    هل تحب أن أحضرهم إلى مكانك هنا أم تذهب إليهم؟

مالك          :    بل أذهب إليهم يا أبا الليث أفضل.

أبو الليث    :    وفقك الله يا أبا يحيى ونفع بك.

3

مالك          :    كيف أنت اليوم يا أبا أحمد؟ لعلك بخير.

أبو أحمد    :    الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

مالك         :    لعل الذي تحسبه مكروها يا أبا أحمد أن يكون خيراً لك والله تبارك وتعالى يقول: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) (البقرة 216).

أبو أحمد    :    أنا لست مثلك يا أبا يحيى. أنت رجل زاهد عابد وأنا كنت أمين الخراج أعمل في خدمة السلطان.

مالك          :    يا أبا أحمد لو كنت أعلم أني خير منك عند الله عزوجل ما جئت هنا ألتمس الهداية والخير منك.

أبو أحمد    :    تلتمس الهداية مني؟

مالك          :    ومن غيرك من نزلاء هذا المكان.

أبو أحمد    :    أنت تعظنا وتنصحنا يا مالك بن دينار فكيف تلتمس منا الهداية؟

مالك          :    إني حين أعظكم إنما أعظ نفسي فإذا اعنتموني على أنفسكم  وأنتم فاعلون إن شاء الله  فقد اعنتموني على نفسي.

أبو أحمد    :    خبرني يا ابن دينار كيف أعينك على نفسي؟

مالك          :    أن تصدقني في كل شيء ولا تكذبني في أي شيء.

أبو أحمد    :    لك عليّ ذلك يا ابن دينار.

مالك          :    إني سائلك فاجبني: كيف كنت ترى نفسك إذ كنت أميناً على الخراج؟ خادماً للسلطان أم خادماً للمسلمين؟

أبو أحمد    :    بل خادماً للسلطان فهو الذي ولاني.

مالك          :    ألم تكن تعلم أن الخراج للدولة والدولة للمسلمين عامة؟

أبو أحمد    :    بلى.

مالك          :    وأنه جعل عليها أمناء يديرونها ويدبرونها له؟

أبو أحمد    :    نعم.

مالك          :    فهؤلاء هم خدم السلطان. أما أنت فقد كنت خادماً للمسلمين.

أبو أحمد    :    أجل يا أبا يحيى هذا حق.

مالك          :    كنت تختلس أموال الخراج وتزور في حساباتها وأنت تعدها ملكاً للسلطان لا للمسلمين؟

أبو أحمد    :    أجل يا أبا يحيى كل من يلي مثل هذا الأمر يفعل ما فعلت.

مالك          :    أنت وحدك مناط حديثنا الآن فلا تتحدث عن غيرك.

أبو أحمد    :    سمعاً لك وطاعةً.

مالك          :    أكنت تختلسها بعد لو استشعرت أنها أمانة عندك للمسلمين؟

أبو أحمد    :    ربما كنت أصيب قليلاً منها عند الحاجة ولكني ما كنت لاختلس منها كل ما اختلست.

مالك          :    فالآن وقد أدركت إدراكاً تاماً إنها كانت أمانة عندك للمسلمين أفلا تردها عليهم؟

أبو أحمد    :    من أين وقد صودرت جميع أموالي وأملاكي؟

مالك          :    فمن أين إذن هذا الطعام الخاص الذي يأتيك من خارج السجن كل يوم ألوانا وافانين؟

أبو أحمد    :    من إخوان لي كرام طيبين.

مالك          :    يرسلونه إليك من مالهم أم من مال لك عندهم؟

أبو أحمد    :    من مالهم.

مالك          :    أصدقني يا أبا أحمد.

أبو أحمد    :    وتحفظ سري؟

مالك          :    نعم.

أبو أحمد    :    من مال تركته عندهم.

مالك          :    فقد كنت تتوقع أن تصادر أموالك؟

أبو أحمد    :    أجل ولولا ذلك يا أبا يحيى لمتّ اليوم من الجوع.

مالك          :    كأنك لا تريد أن ترد هذا المال؟

أبو أحمد    :    أتعني هذا الباقي لي؟

مالك          :    نعم.

أبو أحمد    :    إلى أين أرده؟ إلى دار الخراج؟

مالك          :    نعم.

أبو أحمد    :    ليأكله الأمين الجديد الذي حاك الدسائس ودبر المكايد ضدي ولفق التهم ووشي بي عند السلطان فولاه مكاني وألقى بي في قعر هذا السجن؟

مالك          :    أنت مسؤول عن نفسك. ليس لك أن تدخل الحرام في جوفك ولكن ليس عليك إلا يدخل جوف غيرك.

أبو أحمد    :    كلا والله لا أموت أنا جوعاً ليزداد العدو الذي نكبني في مالي وفي عملي وفي حريتي شبعاً على شبع.

مالك          :    لأن تموت من الجوع يا أبا أحمد خيرٌ لك ألف مرة من أن تعيش على الحرام.

أبو أحمد    :    وعشرات البيوت التي أنفق عليها من ذوي قرباي ومن غيرهم.

مالك          :    تنفق عليها حتى الآن؟

أبو أحمد    :    نعم.

مالك          :    ومنذ متى؟

أبو أحمد    :    منذ امتلكت شيئاً من المال.

مالك          :    أكان الإنفاق على هؤلاء من الأسباب التي دفعتك إلى كسب المال الحرام؟

أبو أحمد    :    نعم ما كنت لأبالي كم ذا أملك لولا حرصي على إعاشة هؤلاء.

مالك          :    كم جملة ما تنفقه عليهم؟

أبو أحمد    :    أكثر من ثلاثمائة دينار في الشهر.

مالك          :    وكيف كانوا يعيشون من قبلك؟

أبو أحمد    :    كان والدي رحمه الله ينفق على بعضهم.

مالك          :    والآخرون؟

أبو أحمد    :    لا أدري. ما سألتهم.

مالك          :    هل أوصاك أبوك بالإنفاق عليهم؟

أبو أحمد    :    نعم.

مالك          :    وترك لك مالاً واسعاً؟

أبو أحمد    :    لا ما ترك لي شيئاً فقد بدد ثروته كلها في لعب القمار ولكنه قال لي وهو يموت: يا بني إذا غناك الله يوماً فانفق على هؤلاء الذين كنت أنفق عليهم قبل أن يذهب مالي في القمار فإياك من القمار.

مالك          :    وكيف جمع والدك ثروته؟

أبو أحمد    :    من التجارة فقد كان تاجراً كبيراً. انظر يا أبا يحيى هذا ابن عمي قد جاءني بالطعام.

                     (يدخل ابن العم حاملاً ألواناً من الطعام ثم يبسطها أمام أبي أحمد في خوان).

أبو أحمد    :    بسم الله الرحمن الرحيم.. هلم يا أبا يحيى كل معي.

مالك          :    كل أنت هنيئاً مريئا.

أبو أحمد    :    وأنت. لابد أن تشاركني فيه فهو كما ترى كثير وسيفضل منه فيعطونه للمحتاجين.

مالك          :    أعفني يا أبا أحمد فأني لا آكل هذه الألوان المختلفة.

أبو أحمد    :    اقتصر منها على لون واحد.

مالك          :    إني أخاف يا أبا أحمد.

أبو أحمد    :    تخاف مماذا؟

مالك          :    أخاف إن أكلت مثل هذا أن يوضع في رجلي مثل هذا الذي في رجلك.

أبو أحمد    :    سامحك الله يا أبا يحيى. إني أعرف ماذا يمنعك منه؟ إنك تعده من المال الحرام.

أبن العم     :    يا أبا يحيى إن ابن عمي هذا رجل صالح كثير البر كثير الصدقة لا يعيش لنفسه أكثر مما يعيش لغيره وهو ينفق علي وعلى عيالي وعلى بيوت كثيرة من ذوي قربانا وغيرهم ولا يقصده أحد في حاجة إلا قضاها له. سل عنه جيرانه في درب أبي حنيفة وسل من شئت من معارفه يقصوا عليك الكثير من مبراته وخيراته.

مالك          :    قد علمت بذلك يا..

ابن العم     :    بدر.. اسمي بدر.

مالك          :    قد علمت بذلك يا بدر.

ابن العم     :    فإني أسألك بجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدعو الله لأبي أحمد أن ينجيه مما هو فيه فأنت مجاب الدعوة ليس بينك وبين الله حجاب.

مالك          :    لا أستطيع أن أدعو الله له يا بدر.

أبو أحمد    :    فيم يا أبا يحيى؟ لقد بلغني أنك دعوت لكثير من المسجونين هنا فَلِمَ لا تدعو لي أسوة بهم؟

ابن العم     :    إن أبا أحمد أحقهم جميعاً بدعائك فإنه يقوت بيوتاً كثيرةً.

مالك          :    ما يمنعني من الدعاء لأبي أحمد إلا علمي بأن الله لن يستجيبه أبداً.

ابن العم     :    أيأساً من رحمة الله يا أبا يحيى؟

مالك          :    كلا لا يأس من رحمة الله ولكن لله سنة في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا. أيها الحرسى.

الحرسى     :    لبيك يا سيدي.

مالك          :    احضر إلى هنا صاحب الشاة وصاحب العجين.

الحرسى     :    حالاً يا سيدي.

مالك          :    هذان جاران أكلت شاة أحدها عجين الآخر فانتفخ بطنها فماتت فاختصما وتشاجرا وتضاربا فأصاب هذا عين هذا فأعماها وأصاب هذا رأس هذا فشجه.

أبو أحمد    :    وما شأننا بهما الآن؟

مالك          :    إن في قصتهما لمثلا يضرب وبيانا وحكمة وعظة. إنهما محبوسان من أجل جناية كل منهما على الآخر. وقد عرفتهما وعرفاني فهما يعتقدان فيّ الخير والصلاح وإن دعوتي مجابة.

                     (يدخل الحرسى بصاحب الشاة والعجين والأول مربوط العين والثاني معصوب الرأس).

مالك          :    مرحباً بالجارين العزيزين. وددت لو تصافيتما فصرتما أخوين.

ابن النعائم  :    بعد ما فقأ عيني وأعماها كلا يا أبا يحيى هذا لا يكون

أبو علي     :    بعد ما شج رأسي؟ كلا لن أصافيه أبداً.

مالك          :    إني كما تعلمان لا أملك لكما شيئاً غير الدعاء فليسألني كل منكما أن أدعو له على صاحبه فيما أصاب شاته أو عجينه.

أبو النعائم  :    بوركت يا أبا يحيى هذا كل ما أريده منك.

أبو علي     :    لا أريد منك يا أبا يحيى غير هذا.

مالك          :    (يبتهل إلى الله) اللهم أنت العدل ذو العدل وأنت المنتقم ذو الانتقام أرنا عدلك وانتقامك فيمن أكل عجين أبي علي النجار وفيمن قتل شاة أبي النعائم. آمين.

أبو علي     :    الحمد لله. سترى يا هذا غداً ما يصيبك.

أبو النعائم  :    بل سترى أنت ما ينزل بساحتك.

مالك          :    أعدهما إلى مكانهما يا حرسي.

الحرسي     :    سمعاً وطاعةً.

مالك          :    أرأيت يا أبا أحمد؟ خبرني الآن لأي منهما يستجيب الله الدعوة على صاحبه؟ لصاحب الشاة أم لصاحب العجين؟

أبو أحمد    :    أنت أعلم يا أبا يحيى.

مالك          :    دعوتان متناقضتان تسقط إحداهما الأخرى. فلن يستجاب لا لهذا ولا لهذا.

أبو أحمد    :    لكن حالي يا أبا يحيى مختلف.

مالك          :    كلا لا اختلاف. تريد مني أن أدعو الله لك وأنت مقيم على ما يمنع الدعوة أن تجاب فهاتان دعوتان متناقضتان تسقط إحداهما الأخرى.

أبو أحمد    :    إنما هنا دعوة واحدة يا أبا يحيى لا دعوتان.

مالك          :    كلا بل دعوتان يا أبا أحمد. إحداهما بلسان مقالي والأخرى بلسان حالك.

أبو أحمد    :    ماذا علي أن أصنع لكي تستجاب الدعوة لي؟

مالك          :    أن تتوب إلى ربك فترد المال الذي عندك كله إلى حيث أخذته منه.

أبو أحمد    :    وإن جعت وجاعت البيوت التي أنفق عليها.

مالك          :    وإن... لا يقبل الله توبة تائب إذا اشترط.

أبو أحمد    :    وتدعو لي حينئذ يا أبا يحيى؟

مالك          :    أجل.. سأدعوا لك بخير الدنيا وخير الآخرة.

4

(في بيت أبي أحمد بعد مرور بضع سنين)

(مالك بن دينار وأبو الليث يأكلان معه على مائدته)

أبو أحمد    :    أتدري يا أبا يحيى ما أكبر سعادة عندي؟

مالك          :    قل يا أبا أحمد.

أبو أحمد    :    أن أراك اليوم تأكل الطعام على مائدتي.

مالك          :    هذا طعام حلال طيب يا أبا أحمد. أين أجد خيراً منه.

أبو أحمد    :    وأن أرى أبا الليث يزورني معك اليوم في بيتي.

مالك          :    الحمد لله الذي جمعنا نحن الثلاثة على الخير.

أبو أحمد    :    ما أراكما تأكلان كما ينبغي. كل يا أبا يحيى.

مالك          :    إني أحب أن آخذ من كل لون بنصيب فدعني وشأني.

أبو أحمد    :    وأنت يا أبا الليث. ألا تأكل؟

أبو الليث    :    هذا طعام يدعو إلى نفسه بنفسه يا أبا أحمد فلا حاجة إلى أن تدعونا إليه.

أبو أحمد    :    هنيئاً مريئاً وبالصحة والعافية.

أبو الليث    :    أحقاً يا أبا أحمد إن السلطان عرض عليك أن تعود لمنصبك في دار الخراج بعد ما عزل العرقوبي غريمك ونكبه؟

أبو أحمد    :    نعم ولكني لم أقبل فقد كانت التجارة خيراً لي واربح واسلم.

مالك          :    خبرني يا أبا أحمد أأنت اليوم أوسع غنى وأكثر مالاً أم حين كنت أمينا على دار الخراج؟

أبو أحمد    :    بل اليوم يا أبا يحيى. إني اليوم أملك في الحلال ضعف ما كنت أملك في الحرام.

مالك          :    وصدقاتك؟

أبو أحمد    :    هي اليوم أكثر وأوسع بفضل الله. خبرني هل تعلمان ماذا فعلت الأيام بصاحب الشاة وصاحب العجين؟

أبو الليث    :    إن لهما فضلاً علي لا أنساه مدى الدهر. لقد كانت قصتهما مفتاح توبتي إلى الله.


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3727882 عدد الزوار
911 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017