المسرحيات القصيرة->المسرحيات السياسية
الصرح الشامخ

"في رقم 10 داوننج ستريت. المستر بيفن في مكتبه منكباً على القطع الخشبية المكتوب عليها أسماء ممالك الشرق الأوسط يقلبها بين يديه ويحرك شفتيه بكلام غير مسموع"

(يقرع باب المكتب).

بيفن: من هناك؟ أنا مشغول الآن.. انتظر قليلاً أو ارجع إلي بعد قليل.

(يعود إلى الانكباب على عمله).

(يدخل رئيس الوزارة بهدوء فيراه كذلك).

أتلي: ما هذا يا مستر بيفن؟ دائماً تقلب هذه القطع.. لا شغل لك سواها!

بيفن: أرجو أن تحترم طريقتي في التفكير يا مستر أتلي فإن المسؤولية كلها تقع على عاتقي!

أتلي: (يلين لهجته): لكنك قد أخذت إجازة أسبوع كامل أمضيته في تقليب هذه القطع وأخبرتني أنك قد فرغت من وضع المشروع.

بيفن: نعم قد فرغت من ذلك فعلاً وإنما أقوم اليوم بالتجربة الأخيرة.

أتلي: فهيّا أسرع إذن وانته من هذه التجارب فإن الوفد العراقي سيصل غداً في الصباح.

بيفن: غداً في الصباح!

أتلي: نعم قد طار اليوم من بغداد.

بيفن: (يجمع قطعه وأوراقه ويضعها في محفظته ويأخذ في ارتداء معطفه). شكراً يا سيدي.. جئتني اليوم بخبر مفيد..

أتلي: (مستنكراً) اليوم!

بيفن: نعم.. اليوم. أم تريد أن أقول غداً أو أمس؟

أتلي: معذرة.. حسبتك تعني غير هذا المعنى.

بيفن: ماذا خطر ببالك؟

أتلي: لا داعي لذكره الساعة، فقد تبين لي أنك لم تقصده.. قل لي إلى أين أنت ذاهب الآن؟

بيفن: إلى بورتسموث.

أتلي: أما زلت مصراً على أن نجري المفاوضات هناك؟ ألا ترى أن العاصمة أهيب في صدورهم وأفخم؟

بيفن: لن نعقدها إلا في بورتسموث. هذه المدينة التي ثبتت للغارات الألمانية المدمرة فصانت الإمبراطورية من الانهيار أجدر بأن يوقع فيها هذا المشروع الذي سيصون الإمبراطورية مرة أخرى في ذلك المركز الحيوي من العالم.

أتلي: حسناً.. لكن فيم الإسراع بالذهاب إليها من الآن؟ إن لديك متسعاً من الوقت فما أخالك تقابل الوفد العراقي قبل الغد.

بيفن: لن أقابلهم إلا في اليوم الثالث من وصولهم.. يجب أن يعتقدوا أن لدي مسائل كثيرة أخرى أهم من مسألتهم.

أتلي: إذن فعلام هذا الإسراع؟

بيفن: لأستعد للأمر.

أتلي: ألم تقل لي إنك قد استعددت من قبل وأبرقت لسفيرنا في العراق فطبخ المسألة مع رجال الحكومة هناك حتى أنضجها؟

بيفن: بلى، كل ذلك قد وقع ولكن هذا استعداد للاستعداد!

أتلي: هذه عبارة جديدة يا مستر بيفن لم أسمعها قط من غيرك؟

بيفن: نحن في حاجة إلى الابتكار في مناهجنا السياسية وغيرها، وإنك –أنت الشاعر- لجدير أن تكون أول من يشجع هذا الاتجاه.

أتلي: لو قرأت أشعاري لعرفت أنني أميل إلى الابتكار، ولكن يجب مع ذلك أن تحافظ على الأصول المتبعة.

بيفن: أنا لا أعرف الشعر فقل ما تشاء ولا حرج. أما السياسة فلا آذن لأحد أن ينتقد اتجاهي فيها ولو بالتلميح!

أتلي: (بعد صمت قصير) أتريد أن تغيب عنا هذين اليومين في بورتسموث؟

بيفن: بالطبع.

أتلي: لكنا قد نحتاج في خلالهما إليك.

بيفن: لأي شيء؟ علينا أن نؤجل كل شيء ونقصر تفكيرنا وجهودنا على هذا المشروع.

أتلي: فقد نحتاج إليك في شؤون هذا المشروع ذاته.

بيفن: كلا فكل ما عليكم أن تعملوه في خلال هذين اليومين هو أن تقيموا حفلات التكريم للوفد العراقي وأن تبالغوا في الترحيب به والحفاوة. وما أخالكم بحاجة إلى عوني في تنظيم هذه الحفلات.

أتلي: هل عندك تعليمات أخرى قبل أن تغادرنا؟

بيفن: إن رأيت أن تنظم قصيدة في الترحيب بالوفد العراقي فافعل، فقد سمعت أن العرب يحبون قصائد المدح في حفلاتهم!

أتلي: قد بعد عهدي بالنظم فأخشى ألا أقدر عليه اليوم.

بيفن: هذا كل ما يطلب منك الآن عمله فإن قمت به فذاك..

أتلي: وإن لم أقم به؟

بيفن: فلا حرج عليك! (يتأبط محفظته ويتحرك ليخرج) إلى اللقاء يا مستر أتلي! (يخرج).

أتلي: (واقفاً كالمشدوه) إلى اللقاء.. (يحدث نفسه) لا بأس أن أجرب النظم ليلة.. ترى هل يسعفني أبولو فيصعد بي إلى جبل الأولمب؟

-2-

"في إحدى دور الحكومة ببورتسموث حيث انقطع المستر بيفن عن مقابلة الناس وليس معه سوى الطبيب النفساني الدكتور بلاكويل"

بيفن: (واقفاً أمام مرآة كبيرة وبين يديه كومة من الملابس بألوان مختلفة وهو يخلع لوناً ويلبس لوناً آخر) علام استقر رأيك الآن يا دكتور بلا كويل؟

بلاكويل: أرى أن ترتدي البذلة السوداء فهي أدل على الحشمة وأبعث للرهبة.

بيفن: لكني لا أريد أن أرهبهم فيتخوفوا مني.

بلاكويل: كلا.. أنا لا أعني الرهبة التي تحدث النفرة والتخوف بل أقصد الرهبة التي تحدث الطمأنينة والاستسلام.

بيفن: ألا ترى هذه البذلة الرمادية ذات الخطوط الدقيقة الحمر أروع وأجمل؟ إنها أحدث بذلي كلها.

بلاكويل: لو كنت ذاهباً لشهود حفلة رقص لكانت هذه هي الأليق. فهي رائعة حقاً.

بيفن: (يبتسم) أتظنني كنت أستطيع أن أجتذب أنظار الحسان هناك لو ارتديتها؟

بلاكويل: بالطبع.

بيفن: وأنا في هذه السن؟

بلاكويل: لم لا؟

بيفن: وبهذه البدانة والسمن؟

بلاكويل: نعم.. لن تعدم بينهن من يقاربنك في السن ويشاكلنك في البدانة.

بيفن: (يغيض الابتسام من شفتيه) ويلك.. تعني أولئك العجائز المترهلات!

بلاكويل: لا تغضب يا سيدي فقد قلت: يقاربنك في السن، وأنت في نظري ما تزال في حدود الشباب المكتمل. أما البدانة والنحافة فالناس في تقديرهما ليسوا على رأي واحد.

بيفن: أفي النساء من تعشق البدين؟

بلاكويل: نعم كما في الرجال من يعشق البدينة.

بيفن: (ينظر في ساعته) أوه... قد أضعت جزءاً كبيراً من وقتي في هذا الكلام الفارغ. ما لنا ولحديث الرقص والحسان الآن؟

بلاكويل: أنت الذي طرقت لنا هذا الموضوع يا سيدي.

بيفن: والآن أما زلت تفضل البذلة السوداء؟

بلاكويل: نعم.

بيفن: على مسؤوليتك؟

بلاكويل: هناك عوامل أخرى للنجاح غير لون البذلة فكيف تريد أن تحملني المسؤولية؟

بيفن: ما هي؟

بلاكويل: براعتك السياسية مثلاً فهي أساس الأمر كله.

بيفن: هذه ليست موضع جدل يا دكتور بلاكويل.. هذه مضمونة عند الكل.. موثوق بها كالجنيه الاسترليني!

بلاكويل: إن كانت كالجنيه الاسترليني فليست جد مضمونة!

بيفن: أعني كالجنيه الاسترليني سابقاً... وكالدولار اليوم.

بلاكويل: ها.. كالدولار.. هذا مضمون مائة في المائة.

بيفن: (مزهواً) أمريكا تعتز بالدولار.. أفتدري بم تعتز بلادك؟

بلاكويل: (باستخفاف) بم يا سيدي؟ أبالأسطول؟ فالأسطول الأمريكي قد صار أقوى وأعظم!

بيفن: بل بشيء آخر.

بلاكويل: أبالاستعمار؟ فإني أرى أمريكا قد نافستنا فيه، وروسيا لا تقل عنها نشاطاً في هذا السبيل، ولكل واحدة منهما أسلوبها الخاص المبتكر.

بيفن: ويلك.. إنك تتكلم بسخرية كما لو كنت المستر تشرشل؟

بلاكويل: المستر تشرشل! ما شأنه في هذا الحديث؟

بيفن: ذاك العجوز الأحمق لا ينفك يتشدق كل يوم وفي كل مجلس بأن حكومة العمال هي التي أفضت بالإمبراطورية إلى هذا الحال من الضعف متجاهلاً كل الظروف الدولية والأحوال العصيبة التي مرت بهذه البلاد. ترى في أي عصر يحسبنا هذا الغبي نعيش؟

بلاكويل: أؤكد لك يا سيدي أنني لست من رأيه.

بيفن: إذن فعلام استعرت لهجته الساخرة؟

بلاكويل: كلا يا سيدي ما قصدت السخرية قط. وإنما جرنا الحديث إلى الموازنة بين ما تعتز به أمريكا وما تعتز به بلادنا فذكرت أموراً أليمة حقاً ولكنها حقائق واقعة مع الأسف (يجهش بالبكاء).

بيفن: ماذا بك؟ أتبكي؟

بلاكويل: لكي تعلم أنني كنت مخلصاً في التعبير عن حزني وأسفي وما كنت بساخر كما زعمت.

بيفن: (متأثراً) لا تؤاخذني يا دكتور بلاكويل. لقد شط بي الظن بعيداً إذ توهمت في كلامك أثراً من نغمة ذاك العجوز المشاغب.

بلاكويل: (يكفكف دمعه) إنما هزني التألم لحال بلادي.!

بيفن: لا تبتئس كثيراً فحالنا بعد لا يدعو إلى مثل هذا التشاؤم. ومهما يكن من شيء فقد بقي لبلادك ما تعتز به دون غيرها من الممالك.

بلاكويل: قل لي يا سيدي ما هو ولا تدعني أذكر أموراً أخرى قد تغضبك مني أيضاً.

بيفن: ألا تعرف ما هو؟ يوجد الآن نموذج منه بين يديك!

بلاكويل: بين يدي! أفلا تريني إياه.

بيفن: (يقهقه) أريك إياه! هذا محال ما بقيت على قيد الحياة.

بلاكويل: ماذا تعني؟

بيفن: قد يتاح لك أن تراه بعد موتي إذا أذنت لك الجمعية الطبية البريطانية بذلك لأني قد كتبت وصيتي أن يوضع تحت تصرفها.

بلاكويل: كأنك تعني...

بيفن (يشير إلى رأسه) المخ الذي هنا!

بلاكويل: عجباً كيف لم أهتد من تلقاء نفسي إلى هذا الأمر الواضح جداً!

بيفن: أجل.. هذا غريب بالنسبة لمن هو في ذكائك وعلمك.

بلاكويل: أدركت الآن سر ذلك. إن شدة الظهور قد تؤدي أحياناً إلى الخفاء. هذا هو حالي معك.

بيفن: فليكن عند أمريكا الدولار والأسطول وما شئت أن تذكره، ولكن لن يكون عندها مثل هذا المخ أبداً. ألا توافقني على هذا؟

بلاكويل: بالتأكيد.

بيفن: أفلا تعتقد الآن أن براعتي السياسية مضمونة –على حد تعبيرك- مئة في المئة؟

بلاكويل: بلى يا سيدي... بل مئتين في المائة!

بيفن: لا تبالغ.. إني لا أحب المبالغة.

بلاكويل: ما قصدت المبالغة يا سيدي.

بيفن: يكفيني مئة في المئة.

بلاكويل: فليكن يا سيدي ما تريد.

بيفن: فهل تقبل الآن أن تتحمل مسئولية اختيار اللون الأسود فيما يقدر لي من النجاح أو الإخفاق؟

بلاكويل: ما تزال هناك عوامل أخرى يا سيدي غير البراعة السياسية ولون البذلة.

بيفن: فاذكرها لي لنجتهد في توفيرها جميعاً.

بلاكويل: ملامح الوجه مثلاً فإن لها أثرها في قوة الإقناع.

بيفن: هذا صحيح.. كيف فاتتني هذه النقطة الهامة؟

بلاكويل: وكذلك نغمة الصوت وإيماءات اليد وكيفية الابتسام والجلسة التي تجلسها على كرسيك.. كل أولئك له أثر كبير في استدراج الخصم إلى الإيمان برأيك والثقة بصواب منطقك.

بيفن: بورك فيك! لقد أدركت الآن أنني كنت ملهماً إذ اصطحبتك معي للاستعانة بعلمك. حقاً إن علم النفس لكبير النفع في ميدان السياسة.

بلاكويل: في كل ميدان من ميادين الحياة.

بيفن: كيف نسيت أن تذكرني بهذه الأشياء من قبل؟ فقد أضعنا وقتاً طويلاً في اختيار لون البذلة.

بلاكويل: ما نسيتها يا سيدي وإنما آثرت أن نتناولها نقطة، نقطة.

بيفن: فهيا. إذن أسرع فالوقت ثمين ولا بد من الاستعداد التام فإن بين رجال وفد العراق داهية لا يستهان به.. عميق الغور جداً!

بلاكويل: (يهتز طرباً) الآن فهمت لماذا أطلقوا عليه لقب "قبر".. قد راجعت هذه الكلمة في القاموس العربي الإنجليزي فعرفت معناها.. إنه عميق الغور كالقبر!

بيفن: ذاك رئيس الوزراء وليس هو الذي أعنيه.

بلاكويل: فمن تعني؟

بيفن: صاحب الكتاب الأزرق.

بلاكويل: قد عرفته! ذى هابي جبسي باشا!

بيفن: ما تقول ويلك؟ إن اسمه نوري السعيد باشا

بلاكويل: نعم.. نعم.. ذى هابي جبسي باشا. هذا معنى اسمه عندهم

بيفن: عجباً.. كأنك تعرف اللغة العربية يا دكتور بلاكويل؟

بلاكويل: أعرفها شيئاً ما.. ليس إلى حد الإتقان طبعاً.

بيفن: (تبدو عليه علائم التفكير) ذى هابي جبسي... ترى لماذا سموه هكذا؟

بلاكويل: من السهل تعليل ذلك يا سيدي.

بيفن: كيف؟

بلاكويل: ألم تقرأ ما كتبه (بورو) عن هؤلاء القوم؟

بيفن: عن العرب؟

بلاكويل: لا يا سيدي بل عن (الجبسيس)

بيفن: من (بورو) هذا؟

بلاكويل: بورو.. جورج بورو... أحد مشاهير كتابنا في القرن التاسع عشر وهو يمتاز بأسلوب خاص في الكتابة.. وقد كتب..

بيفن: (نافد الصبر) مهلاً يا دكتور بلاكويل.. لا تسرد لي تاريخ حياة هذا الشقي.. فقد عرفت أنه كاتب وكفى!

بلاكويل: كان ينبغي يا سيدي أن تقرأ له ولو كتاباً واحداً!

بيفن: إن وقتي ثمين لا أضيعه في مثل هذه التوافه! فقل لي ماذا كتب صاحبك هذا عن الجبسيس؟

بلاكويل: صور كثيراً من مكرهم وحيلهم في كتبه. لعلك فهمت الآن لماذا أطلق هذا الاسم على صاحب الكتاب الأزرق.

بيفن: إنك رجل مدهش حقاً يا دكتور بلاكويل!

بلاكويل: ليس في هذا ما يدعو إلى الدهشة يا سيدي فإن العلم الذي تخصصت فيه يقتضي الإلمام بأصول اللغات لاتصالها الوثيق بدراسة نفسيات الشعوب.

 بيفن: (ينظر في ساعته) أوه. ضاع علينا ربع ساعة في هذا العبث!

بلاكويل: ليس هذا عبثاً يا سيدي. إنه بحث سيكولوجي فيلولوجي سوشيولوجي ممتع!

بيفن: (متضايقاً) دعني من جيجياتك هذه.. ما لي ولهذه الكلمات التي لا معنى لها إلا في أدمغة الفارغين أمثالك؟ إن وقتي ثمين وأمامي صراع عنيف مع (ذى هابي جبسي باشا) الذي قد فرغ – لا شك- من استعداداته كلها لمنازلتي!

بلاكويل: (متلطفاً) لا يخفينك أمره ما دام هذا المخ الذي تعتز به الإمبراطورية كلها في رأسك!

بيفن: (يلين لهجته) هذا حق ولكن لا بد من الاستعداد على كل حال.

بلاكويل: ها هو ذا الاستعداد جار على قدم وساق.

بيفن: ما أخال (ذى هابي جبسي) إلا قد فرغ الآن من اختيار البذلة وملامح الوجه وكيفية الابتسام إلخ.. إلخ.. بينما أنا لم أنجز حتى الساعة سوى اختيار لون البذلة!

بلاكويل: ما يزال أمامنا متسع من الوقت يا سيدي.

بيفن: كلا.. كلا.. يجب الإسراع.

بلاكويل: حسناً يا سيدي. انظر وجهك في المرآة.

بيفن: هه...

بلاكويل: قطب وجهك قليلاً.

بيفن: هكذا؟

بلاكويل: لا ليس هكذا.. هذا عبوس يدعو إلى السخرية والضحك... جرب تقطيباً آخر.

بيفن: هكذا!

بلاكويل: هذا ألعن وأضل سبيلاً.. إنه يبعث النفور والاشمئزاز!

بيفن: ويلك.. قل لي كيف أفعل؟

بلاكويل: اقرن حاجبيك قليلاً..

بيفن: كذا؟

بلاكويل: نعم.. لكن لا تعض على شفتيك هكذا كأنك تريد أن تذبحهم!

بيفن: فهل افتحهما هكذا؟

بلاكويل: كلا لا تفتح فمك هكذا كما يفعل الأبله المعتوه!

أطبق شفتيك ولكن بدون زم ولا عض!

بيفن: هكذا؟

بلاكويل: نعم هكذا.. لكن أصلح عينيك.

بيفن: (يكظم غيظه) كيف أصلحهما ويلك؟ ماذا بهما؟

بلاكويل: نظرتهما هذه توحي بالقسوة والخبث..

بيفن: ما الحيلة؟ هل أسترهما بنظارة سوداء؟

بلاكويل: كلا يجب أن يروا عينيك فهما مرآة الضمير.. يجب أن يروهما كجدولين صافيين تترقرق فيهما الطيبة والوداعة!

بيفن: هكذا؟

بلاكويل: لا.. أجعلهما كالجدولين الصافيين.

بيفن: (يبذل جهداً كبيراً في تفتيح عينيه) هكذا؟

بلاكويل: لا يا سيدي.. أين الجدولان الصافيان؟

بيفن: (منفعلاً) ما بقي إلا أن أركب في نظارتي صنبوري ماء!

بلاكويل: (يقهقه ضاحكاً) هي هي هي هي يا مستر بيفن...

بيفن: (مزمجراً) أتضحك مني يا بلاكويل! أتسخر بي..

بلاكويل: معاذا الله يا سيدي وإنما أضحكتني النكتة (يغالب ضحكه).

بيفن: ما هذا وقت التنكيت ولا أقبل أن أكون موضعاً له!

بلاكويل: (يغالب الضحك) معذرة يا سيدي.. ظننتك تريد إضحاكي!

بيفن: (بغضب وصرامة) عذر أقبح من الذنب!

بلاكويل: (يتكلف الجد والاهتمام) حسناً يا سيدي لنعد إلى ما كنا بصدده.. قرن الحاجبين.. إطباق الشفتين.

بيفن: هكذا؟

بلاكويل: برافو!... بقيت مشكلة العينين... افتحهما قليلاً.. انظر كما لو كنت تحلم بشيء جميل.

بيفن: بأي شيء؟

بلاكويل: تخيل صوراً جميلة.. امرأة حسناء.. روضة غناء.. سماء.. صافية زرقاء..

بيفن: هكذا؟

بلاكويل: إي والله هكذا!

ها هما الجدولان الصافيان يفيضان بالوداعة والحنان!

بيفن: (يبتسم) هذا شعر يا دكتور بلاكويل.. أما إنك لشاعر أيضاً!

بلاكويل: كلا يا سيدي لا أجرؤ أن أدعي هذه الصفة.

بيفن: أراهن أن شعرك هذا خير من شعر المستر أتلي ألف مرة!

بلاكويل: ابق مبتسماً هكذا.. هذه هي الابتسامة المطلوبة!

بيفن: (جذلان فرحاً) أتقول الحق يا دكتور بلاكويل؟

بلاكويل: نعم.

بيفن: هذه ابتسامتي دائماً.

بلاكويل: إذن قد انتهينا أيضاً من أمر الابتسامة.

بيفن: (بصوت منغم) لكن إياك أن تخدعني يا دكتور بلاكويل!

بلاكويل: (هاتفاً) الله!! وهذه النغمة المطلوبة أيضاً.. هذه النغمة المبحوحة الرقيقة المتناسقة! هل تستطيع أن تلتزمها يا سيدي في حديثك؟

بيفن: (يشير بيده إشارة متئدة) هذا سهل جداً علي.

بلاكويل: (يتمايل طرباً). الله! ما أجمل هذه الإشارة الموزونة المعبرة!

بيفن: (يعيد حركة يده كالمرة الأولى) هكذا؟

بلاكويل: هذا توفيق عجيب. ما بقي أمامنا غير اختيار الجلسة.

بيفن: (يسحب كرسياً ليجلس عليه) علمني الآن كيف أجلس.

بلاكويل: كلا.. لا يصلح هذا الكرسي القصير.. يجب أن يكون كرسيك عالياً بحيث يكون مستوى عينيك أعلى من مستوى عيونهم.. إن لذلك أثراً كبيراً في ضمان انتصارك عليهم.

بيفن: خبرني يا دكتور بلاكويل هل تضمن لي النجاح والانتصار إذا ما استكملت هذه الأمور كلها؟

بلاكويل: نعم.. أضمن لك الانتصار الساحق!

بيفن: شكراً يا عزيزي بلا كويل لقد أنعشتني وزدتني يقيناً بالنجاح.. لن تدق (بيج بن) الليلة تسعاً حتى ينتشر في الدنيا كلها نبأ توقيع معاهدة بورتسموث!

بلاكويل: أجل...أجل... هذا مؤكد.

بيفن: هذه معاهدة لها ما بعدها يا عزيزي بلاكويل... أتدري ماذا يتلوها؟

بلاكويل: ماذا يا سيدي؟

بيفن: سيرتفع على أساسها ذلك الصرح الشاهق... صرح الدفاع المشترك بيننا وبين جميع دول الشرق الأوسط.

بلاكويل: هذا عظيم يا سيدي؟

بيفن: وسيذكر التاريخ غداً هاتين اليدين اللتين بنتا ذلك الصرح!

بلاكويل: بل سيذكر قبلهما هذا المخ الجبار الذي ستحفظه الجمعية الطبية أثراً خالداً للأجيال القادمة!

بيفن: صدقت... لولاه ما بنت اليدان شيئاً. هيا يا عزيزي بلاكويل أرني كيف ينبغي لي أن أجلس.

بلاكويل: (يدير طرفه في أنحاء الحجرة) ألا يوجد هنا كرسي أعلى من هذه الكراسي القصيرة؟

بيفن: جميع الكراسي هنا على ارتفاع واحد.

بلاكويل: (يمسك الكرسي) إذن فاجلس هنا على حافة المسند.

بيفن: على حافة مسند الكرسي؟

بلاكويل: نعم.

بيفن: أخشى أن يميل بي فأقع على الأرض.

بلاكويل: كلا لا تخف إني ممسكه من خلفك.

بيفن: (يعتلي الكرسي فيجلس على حافة مسنده) هكذا؟

بلاكويل: نعم.. فابقَ الآن هكذا.. سأجلس أنا على كرسي أمامك.

بيفن: كلا لا تتركني.. ابق ممسكاً بي.

بلاكويل: احفظ توازنك... لا خوف عليك البتة (يجلس على كرسي أمام المستر بيفن) أنت أعلى مني الآن..

بيفن: (يترنح فوق مقعده) أدركني.. إني سأقع!

بلاكويل: كلا لن تقع إلا إذا أردت أنت الوقوع.

بيفن: أنا لا أريد الوقوع ولكني سأقع.

بلاكويل: هذا يا سيدي علمياً غير صحيح. أما شهدت قط بهلواناً يمشي على حبل معلق؟ إنما يحفظه من السقوط إرادته ألا يسقط.

بيفن: من قال لك أنني بهلوان؟

بلاكويل: لا فرق يا سيدي بينك وبينه! اعتدل قليلاً في جلستك.. ارفع عنقك... ضع رجلاً على رجل.. لا تخف.

بيفن: (يرتجف) هكذا؟ (يختل توازنه فيسقط على ظهره).

بلاكويل: (قبل السقوط) نعم هكذا.؟

(بعد السقوط) لا لا.. ليس هكذا!.

(ستار)

 


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3728665 عدد الزوار
912 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017