المسرحيات->مشاهد من ملحمة عمر
قدر الله

المشهد السابع- عام الرمادة

في سرغ على مقربة من تبوك. الوقت: أول الليل بعد صلاة العشاء، يرى عمر جالساً أمام خبائه وعنده يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة والعباس بن عبد المطلب وعثمان وطلحة وسعيد بن زيد وعبد الله بن عباس وأبو طلحة الأنصاري

 شرحبيل: أجل يا أمير المؤمنين كنا أهل الشام نرثي لأهل الجزيرة من عام الرمادة فإذا نحن نُنكب بطاعون عمواس.

عمر: (يدعو مبتهلاً) اللهم كما رفعت عنا المحل فارفع عنا هذا الداء. اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي عمر.

يزيد: لقد أحسنت يا أمير المؤمنين إذ عزمت على العودة بالناس إلى المدينة

طلحة: لعلك يا يزيد قد خشيت علىالشيخ أبي سفيان

يزيد: لا والله يا أبا محمد .. ما أبو سفيان إلى من مع أمير المؤمنين من أصحاب رسول الله وبقية الناس؟ من للإسلام بعد هؤلاء؟

طلحة: ويلك يا ابن أبي سفيان إن للإسلام رباً يحميه

سعيد: وإن الذي أرسل هذا الداء لقادر أن يحمي منه عباده الصالحين

عمر: على رسلكما.. والله لقد ذكرتماني بقولكما هذا ما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا  إنا هاهنا قاعدون.. إن من حماية الله للإسلام أن نجنب المسلمين هذا الموتان العمم

شرحبيل: والله لقد وصفته أصدق وصف يا أمير المؤمنين إذ جعلته كالموتان الذي يفشو في الماشية فلا يبقي منها ولا يذر

عمر: ليت شعري ما فعل أبو عبيدة؟

يزيد: لعله الآن في طريقه إلينا يا أمير المؤمنين

عمر: لست أدري كيف لم تصادفاه في الطريق

يزيد: لابد أنه سلك طريقاً غير الطريق الذي جئنا منه

شرحبيل: متى فصل من عندك يا أمير المؤمنين؟

عمر: اليوم عند الفجر

شرحبيل: من المرحلة التي قبل سرغ؟

عمر: نعم

شرحبيل: فلن يتجاوز تبوك الليلة إلا قليلاً .. وسيلحقه رسولك يا أمير المؤمنين إن شاء الله

يزيد: ماكان ينبغي لأبي عبيدة أن يتركك يا أمير المؤمنين إلا بعد أن نستقبلك من الشام

عمر: أنا الذي أشرت عليه بذلك. رحمته إذ طال غيابه عن أهله فقلت له اسبقنا إلى أهلك بحمص فأقض بينهم أياماً ثم موعدنا الجابية

أبو طلحة: (يدخل) أبشر يا أمير المؤمنين..فقد رجع رسولك ومعه أبو عبيدة.

عمر: اللهم لك الحمد.. الآن اطمأن قلبي (يدخل أبو عبيدة).

أبو عبيدة: السلام عليك يا أمير المؤمنين.

عمر: (يقوم له فيعانقه) وعليك السلام ورحمة الله، بأبي وأنت وأمي، أين أدركك الرسول يا أبا عبيدة؟

 أبو عبيدة: على مرحلة بعد تبوك يا أمير المؤمنين؟

عمر: الحمد لله.

أبو عبيدة: ما هذا الذي بلغني يا أمير المؤمنين؟ أحقاً إنك اعتزمت النكوص عن الشام؟

عمر: نعم. لا أريد أقدمهم عليه ولي مندوحة عنه.

أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله يا عمر؟

عمر:(يبهت قليلاً) ماذا تقول يا أبا عبيدة؟

أبو عبيدة: أقول أفراراً من قدر الله؟

عمر: لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله؟

أبوعبيدة: لو غيرُك قالها يا ابن الخطاب. إن الله تبارك وتعالى يقول: (قل لنا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا).

عمر: وإن الله تبارك وتعالى يقول: ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة).

 أبو عبيدة: إنك لتعلم يا أمير المؤمنين أن الآية إنما نزلت في ترك الجهاد والإمساك عن النفقة فيه.

عمر: أجل نهانا الله عن ترك الجهاد لأن ذلك يُفضي إلى التهلكة. فأحرى أن ينهانا عن الإلقاء بأيدينا إلى التهلكة ذاتها.

أبو عبيدة: الشام عندك هلكة؟

عمر: الطاعون بالشام. والطاعون هلكة.

أبو عبيدة : إين إذا اليقين بالله يا عمر؟

عمر: ويحك يا أبا عبيدة من تمام اليقين بالله أن تعرف سنته في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، هذا الوباء مثله كمثل النار، ليس لنا أن نضع أصابعنا فيها ونقول: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا).

أبو عبيدة: كلا يا عمر أن النار تحرق لا محالة فأما الوباء فيصيب بعض الناس دون بعض وإنما مثله كمثل القتال في سبيل الله يتعرض فيه المجاهدون للقتل، فمنهم من يقتل ومنهم من يسلم من القتل.

عمر: كلا يا أبا عبيدة القتال فريضة كتبها الله علينا لننصر الحق على الباطل وننقذ المستضعفين من ظلم ذوي الظلم، ولتكون كلمة الله هي العليا ( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً)

أبو عبيدة: أرأيت يا عمر لو فر رجل من الزحف. أليس من يفر من قدر الله إلى قدر الله.

عمر: بلى.

أبو عبيدة: فهل يحل له ذلك.

عمر: كلا.

أبو عبيدة: فعلام قلت آنفاً نفر من قدر الله إلى قدر الله؟

عمر: ويحك يا أبا عبيدة ليس الفرار من الوباء كالفرار من الزحف. الفرار من الزحف إثم عظيم، لأنه فرار مما فرضه الله عليك وليس لأنه فرار من قدر الله فإن قدر الله لا مفر منه البتة إلا إلى قدره، أما الفرار من الوباء فمن التقوى التي أمرنا بها الله.

أبو عبيدة: أنَّى لك يا أمير المؤمنين أن ذلك من التقوى التي أمرنا بها الله؟ أعندك بها حجة من كتاب أو من سنة؟

عمر: لا يا أبا عبيدة ما عندي بها حجة من كتاب أو من سنة اللهم إلا الفهم ومعرفة الأشباه والأمثال وقياس الأمور.. ولقد ظللت منذ الظهر أسال أصحاب رسول الله من المهاجرين الأولين ثم من الأنصار فلم أجد عندهم شيئاً، واختلفوا في رأيهم أيما اختلاف فرجعت إلى مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فوجدتهم على رأي واحد أن ارجعوا إلى المدينة فصدعت به.

أبو عبيدة: لا غرو يا عمر أن يكون هذا رأي مسلمة الفتح من الطلقاء وأبناء الطلقاء الذي لا هم لهم إلا الدنيا فكيف بالله تأخذ به؟

عمر: إن فضل الرأي في الرأي ذاته وليس في قائله أو صاحبه. الحكمة ضالة المؤمن يأخذها أنى يجدها.

أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين إني لا أرى ذلك من الحكمة في شئ. الا تخشى أن يأتي الروم أنك رجعت بمن معك من المسلمين عن اشام خوفاً من طاعونها فتسول لهم أنفسهم أن يقوموا بحملة جديدة كالحملة الأولى وأشد؟

عمر: كلا لا خوف من ذلك ولقد كتب لي المغيرة بن شعبة أول ما ظهر الطاعون في البصرة يتخوف من وثوب الفرس بالمسلمين ثم ما لبث أن كتب لي مرة أخرى يقول إنه وجد الفرس أشد خوفاً من الطاعون منهم من سيوف المسلمين .. وإن الروم يا اباعبيدة لأخوف وأحصف من أن يواجهوا سيوف المسملين والطاعون معاً

العباس: لكنهم ستربصون حتى ينقشع الوباء فيبادرون بالوثوب وقد مات من المسلمين خلق كثير

عمر: إذن ليجدننا إن شاء الله حيث يكرهون فلا ينالون منا ما يطلبون

العباس: ما إخال أبا عبيدة الآن إلا اقتنع برأيك يا أمير المؤمنين.

عمر: أحقاً يا أبا عبيدة؟

أبو عبيدة: لا والله يا أمير المؤمنين. هذا الفرار من قدر الله إلى قدر الله ما زال في نفسي شيء منه.

عمر: يا أبا عبيدة كيف بالله أبين ذلك لك؟ دعني أضرب لك مثلاً: أرأيت لو كان لك إبل فهبطت وادياً له عُدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله.؟

أبو عبيدة: بلى يا أمير المؤمنين، ولكن شأننا مختلف، إنك قد خرجت بنا إلى العدوة الجدبة ابتغاء مرضاة الله وإرادة ما عنده، فلا ينبغي أن يصدك عنها مشقة تلقاها أو بلاء عرض لك.

عمر: يا أبا عبيدة قد شرح الله صدري لهذا الرأي فلن أعدل عنه أبداً إلا إن جئتنا ببرهان من كتاب أو سنة.

أبو عبيدة: يا عمر أنت أمير المؤمنين فاصدع بما شرح الله له صدرك فإني وإن لم أكن على رأيك لسامع لك مطيع.

عمر: جزاك الله خيراً يا أمين هذه الأمة. يا عبد الله بن عباس.

ابن عباس: لبيك يا أمير المؤمنين.

عمر: اخرج فناد في الناس: بأننا مرتحلون غداة غد فليصبحوا جميعاً على ظهر.

ابن عباس: سمعاً يا أمير المؤمنين(يخرج)

عمر: انصرفوا إلى رحالكم وانتظر أنت يا أبا عبيدة (ينصرف الجميع ما خلا أبا عبيدة).

أبو عبيدة: ائذن لي يا أمير المؤمنين استأنف مسيري الليلة.

عمر: ماذا ترى يا أبا عبيدة لو رجعت معنا إلى المدينة وأرسلنا من يجيء بأهلك وعيالك من حمص؟

أبو عبيدة : وعملي يا أمير المؤمنين بالشام؟

عمر: سأعفيك منه وأوليه لغيرك.

أبو عبيدة: أسخطت مني شيئاً يا أمير المؤمنين؟

عمر: معاذ الله، ولكن عرضت لي حاجة إليك بالمدينة.

أبو عبيدة: هل لك يا أمير المؤمنين أن تذكرها لي؟

عمر: إني قد عزمت أن أزور العراق، وأطوف بمدنه، وأتفقد أحوال الناس هنا، فأريد أن أستخلفك على المدينة.

أبو عبيدة: إنك تستخلف علي بن أبي طالب في كل مرة.

عمر: أريد أن استصحب علياً معي في هذه الرحلة.

أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين لا تداورني فإني قد عرفت حاجتك.

عمر: أجبني إذن إليها يا أبا عبيدة جزاك الله صالحة.

أبو عبيدة: إني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم فلست أريدُ فراقهم.

عمر: لكني أنا يا أبا عبيدة لا أريد فراقك.

أبو عبيدة: ويحك يا ابن الخطاب قد علمت أننا لسنا عليها بمخلّدين.

عمر: إني أخشى أن يأتيني قضاء الله وأنت يا أبا عبيدة غير موجود.

أبو عبيدة: وأنا والله يا أمير المؤمنين لا أرغب أن أبقى بعدك. إن البقاء بعدك لمحنة ما لي بها يدان.

عمر: بلى يا أبا عبيدة إنك لجدير بها، فأنت أمين هذه الأمة.

أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أردت آنفاً أن تفر من قضاء الله وتريد الآن أن تسبقه.

عمر: أن أسبق قضاء الله يا أبا عبيدة فإلى قضاء الله.

أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين نشدتك بالله إلا ما حللتني من عزمتك وتركتني في جندي فلست أرى فراقهم حتى يقضي الله فيَّ وفيهم أمره وقضاءه..

عمر: كما تحب يا أبا عبيدة.

أبوعبيدة: وتأذن لي أن أسري الليلة فقد اشتقت إلى عيالي وأهلي؟

عمر: مصاحباً يا أباعبيدة

أبو عبيدة: جزاك الله من أخ صالح. لا تنسني من صالح دعائك يا عمر.

عمر: (تدمع عيناه) وأنت يا أخي لا تنسني كذلك عند ربك (يخرج أبو عبيدة)

عمر: عند ربك! أقلتُ عند ربك؟ اللهم لا تجعل لساني يسبق قضاءك. يا ويح أبي عبيدة.. أحقًا إني لن أرى وجهه ولن أسمع صوته إلا يوم يجمعنا الحشر (يدخل ابن عباس)

عمر: ابن عباس ناديت في الناس؟

ابن عباس: كما أمرت يا أمير المؤمنين.

عمر: فماذا قالوا؟

ابن عباس: رضي الكثير يا أمير المؤمنين وتذمر القليل.

أسلم:(يدخل) عبد الرحمن بن عوف يا أمير المؤمنين.

عمر: (فرحاً) ادخل يا أبا محمد.

ابن عوف: (يدخل) السلام عليك يا أمير المؤمنين.

عمر: وعليك السلام ورحمة الله أين كنت يا ابن عوف؟

ابن عوف: تخلفت يا أمير المؤمنين بعض الطريق عرجت على معارف لي من عهد الجاهلية فأخروني عندهم.

عمر: ألم يبلغك ما حدث؟

ابن عوف: بلى يا أمير المؤمنين وعندي من هذا الذي اختلفتم فيه علم.

عمر: عندك منه علم؟هات.

ابن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه وإذا وقع وأنتم به فلا تخرجوا فراراً منه.

عمر: الله أكبر. قد أيدنا الله بالبرهان الواضح. أدركوا أبا عبيدة وأرسلوا وراءه من يعود به.

ابن عباس: على رسلك يا أمير المؤمنين أتريد أن تحول بينه وبين أهله؟ ليس له أن يدخل الشام إذا سمع هذا الحديث وليس لأهله أن يخرجوا منها

عمر: صدقت يا ابن عباس .. لله درك يا فتى الكهول .. لك لسان سؤول وقلبٌ عقول .. دعوه إذن يمضي إلى أهله. دعوا اباعبيدة يمضي إلى أهله (ينشج باكياً) فقد غاب كثيراً عن أهله

ابن عوف: أراك تبكي يا أمير المؤمنين أمن أجل أبي عبيدة؟

عمر: اجل يا ابن عوف لقد ألقي في روعي أنه يمضي بالحري إلى أجله

ابن عوف: يا أمير المؤمنين وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً

ابن عباس: وما تدري نفسٌ ماذا تكسب غداً وما تدري نفسٌ بأي أرض تموت

عمر: صدق الله العظيم


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3775869 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017