الروايات
عودة المشتاق

أمسى أبو بكر بن عبد الرحمن ذات ليلة كئيباً محزوناً على غير عادته وبات يتقلب على فراشه كالملسوع دون أن يدري أحد سر همه واكتئابه. ولما سألته زوجته الشابة الجميلة عما به أبي في أول الأمر أن يفضي إليها بذات صدره وجعل ينتحل لها المعاذير ويوهمها أن به وعكة خفيفة مالت بمزاجه عن الاعتدال. وظل بعدها أياماً يكاتمها سر همه، وربما تكلف لها البشر والبشاشة ليبدي لها أن ما به قد زال، وأنه قد عاد إلى سالف مرحه وسعادته ولكن عينها الولهى وقلبها العامر بالحب كانا يكشفان لها بالنظر والإحساس الصادقين أن شيئاً ما قد طرأ على حال زوجها وأنه حريص على كتمانه عنها. أتراه يشفق عليها أن يشركها في هم لايد لها فيه؟ أم أن شيئاً قد رأبه منها فلم يجرؤا أن يكاشفها به؟.

لقد كان أبو بكر وصالحة أسعد زوجين في مدينة الرسول. كان هو أحب زوج إلى زوجته. وكانت هي أحب زوجة إلى زوجها. ولد كلاهما في بيت حسيب يلتقي فيه شرف الدين وجاه الدنيا على حد قوام، فهذا جده المسور بن مخرمة الزهري من أعلام المهاجرين وهذه حفيدة الزبير ابن العوام ابن صفية عمة الرسول وزوج أسماء ذات النطاقين.

تزوجها هذا الشاب السري الجميل بعد حب برّح به طويلاً، وبعد أن كاد ييأس من الظفر بها. إذ كان لها ابن عم سميت له من صغرهما فهو أحق بها من غيره. وقد ظل أبو بكر برهة يتردد في خطبتها خشية أن يرد طلبه من أجل ذلك. فلما قسم الله بها له تمت النعمة عليه وعد نفسه أسعد الناس.

لم يكن أبو بكر بن عبد الرحمن يقرض الشعر إلا بعد أن علق بحب صالحة فجعل ينسب بها في أبيات قوية صادقة. ولكن مكان بيته وبيتها كان يحول دون إذاعة هذا النسيب للناس. وكان فوق ذلك يخشى أن يبلغ أهلها تشبيبه بابنتهم فيحملهم ذلك على الامتناع من تزويجها له على عادة العرب في ذلك. وطالما تمنى وهو يتقلب في سعير الحب بين الرجاء واليأس لو استطاع أن يوصل شيئاً من شعره إلى تلك التي كانت مصدر الهامه وأن يعرف صداه في قلبها دون أن يدري أحد من أهلها أو من غيرهم ولكن كيف السبيل؟

لم يطل به التفكير في ذلك إذ وجد السبيل أيسر مما قدر. فقد كان له غلام ذكي أمين يدعي أيمن وكان يرعى الغنم في المرعى خارج المدينة. كما كانت لآل الزبير جارية تدعى مرجانة ترعى لهم الغنم كذلك. فأخذ أبو بكر يلقن غلامه بعض أشعاره ليلقنها هو لمرجانة فترويها هذه سراً لسيدتها صالحة. واستمر على ذلك زمناً ينقل أشعاره إلى حبيبته عن طريق غلامه وجاريتها حتى شغفت به صالحة حباً. وجرؤت ذات يوم فردت عليه بأبيات من شعرها تبادله فيها حباً بحب وتشير عليه من طرف خفي بأن يتقدم لخطبتها من أهلها فإنهم لن يرفضوه.

ولما زفت صالحة إلى أبي بكر صحبتها الجارية مرجانة إلى منزلها الجديد. وما هي إلا أشهر معدودات حتى تبين للزوجين السعيدين ما بين الغلام والجارية من رباط الحب القوي فزوجا أحدهما للآخر. وبذلك تمت النعمة على أيمن ومرجانة كما تمت على سيدتهما من قبل. وعاش الأربعة في سعادة ونعيم وكان من دأب أيمن ومرجانة أن يغني أحدهما أو كلاهما ببعض تلك الأشعار التي قالها أبو بكر في صالحة كلما طاب لهم مجلس من مجالس الصفو فتهفو قلوبهم لتلك الذكريات العزيزة الغالية.

وتصرم على زواج أبي بكر وصالحة عامان لم يشعرا بمرورهما من فرط السعادة والسرور. لولا هذا الهم الثقيل الذي طرأ على أبي بكر فألقى ظله القاتم على ذلك البيت السعيد الذي كان يموج بالفرح والبهجة.

ولما ألحت صالحة على زوجها في معرفة ما به أنبأها في رقة وأسى بأن المال الذي في يده قد أوشك أن ينفد. وبأنه يعتزم السفر إلى الشام ليتجر هناك عسى أن يربح ما يصلح به حاله.

ولم يكن عجباً أن ينفد المال الذي في يد أبي بكر على سعة ثرائه. فقد كان مفرط الجود، متخرق الكف ينفق على المعوزين من أصحابه وغيرهم إنفاق من لا يخشى الفقر. وكان مولعاً خاصة بتحمل المغارم وإقالة العثرات. وقد تضاعف جوده بعد أن تمت عليه نعمة الزواج بمن أحب، كأنما يريد أن يفيض من سعادته على الناس فلا يرى بينهم وجه بائس أو محروم.

قالت له زوجته: هون عليك يا أبا بكر. هذا مالي بين يديك وأنه لكثير. فماذا عليك لو سددت به خلتك؟

كلا. لا ينبغي أن آخذ من مالك يا صالحة.

إنه مالك يا أبا بكر.

لا أعد مالي إلا الذي أستطيع أن أنفح منه لمن أريد دون أن يلومني فيه أحد.

فأفعل به ما تشاء فلن ألومك فيه أبدا.

فقد كنت تلومينني في مالي يا صالحة.

نعم كنت أخشى عليك من مثل هذا اليوم.

فسيكون لومك أعنف حين ترينني أتصدق من مالك.

بأبي أنت وأمي.. والله لا تسمع مني كلمة لوم ولو أنفقته إلى آخر درهم.

إذن يلومني أهلك وأقاربك.

لا شأن لك بهم.. أنت اليوم أهلي يا أبا بكر.

كلا يا صالحة. إنني لا أطيق أن يقول الناس إن زوجتي تنفق عليّ.

وكيف يعرف الناس ذلك؟

إنهم يعلمون أنك مثرية. فإذا قل ثراؤك علموا أني أنا الذي رزأته.

إنك ثمرّت لي مالي يا أبا بكر حتى صار ضِعْفَىْ ما كان.

ما ثمرته لا ستولى عليه في آخر الأمر.

عز على صالحة أن يضطر زوجها إلى الرحيل عنها ولما يمض على زواجهما غير عامين قصيرين، وخشيت صروف الدهر أن تحول بينه وبين الرجوع أو أن يطول غيابه فيمتد بضع سنين وهي التي لا تصبر عنه يوماً أو بعض يوم. ولما لم تُجدِ فيه توسلاتها اغتمت غمّاً شديداً وأصابها حزن عظيم. غير أنها لم تيأس من حمله على الانتثاء عن عزمه ولو من بعض الطريق، لما تعلم من شدة حبه لها وتعلقه بها. فأخذت تفكر في السبيل إلى ذلك ووجدت في أيمن ومرجانة خير معوانين على ما تريد. فقد كانا يشاركانها في شعورها ويشفقان من مثل ما تشفق لأن رحيل أبي بكر سيتبعه لا محالة رحيل أيمن معه. والتقت مخاوف هؤلاء الثلاثة عند نقطة واحدة فأخذت تأتمر على سيد البيت دون أن تجد في ذلك حرجاً لأن الباعث على ذلك إنما هو الحب الخالص الذي تكنه له.

ورجع أيمن ذات ضحى إلى البيت يتسلل ومعه أحد الجمالين الذين يحملون المسافرين على جمالهم ويهدونهم الطريق فدخل به على سيدته صالحة فقالت له: إنها ستكلفه بمهمة إذا نجح في أدائها فستجزل له أجره على شرط ألا يبوح بهذا السر لأحد. فلما سالها الجمال عن المهمة طلبت منه أن يصف لها مراحل الطريق إلى الشام مرحلة مرحلة. فجعل الرجل يسميها لها ويصفها حتى إذا ما وصف لها (بلاكث) قالت له:" حسبك قد وجدت ما أريد. ثم اتفقت معه على أن يقيم في المدينة أياماً وأن يكون دائماً على صلة بغلامها أيمن. حتى يحين موعد سفر زوجها فيدعوه أيمن حينئذٍ ليكون هو الجمال الذي يرافق زوجها في سفره. وأعطته عشرة دنانير صلة منها له. على أن يقبض أجره الكبير من أيمن بعد أن يؤدي مهمته في أثناء الطريق.

فتعجب الرجل مما سمع. ولكن الدنانير الذهب التي تلمع في يده لم تدع له مجالاً للتردد في قبول هذا العرض العجيب.

وأزف يوم الرحيل وحانت ساعة الوداع. فتعانق الزوجان الحبيبان عناقاً طويلاً وبكيا أحر البكاء وكذلك فعل أيمن مع زوجته مرجانة.

وفصل الركب الصغير من المدينة ميمما شطر الشام وألقى أبو بكر نظرة دامعة على آخر معالم المدينة وهي تختفي رويدا عن ناظريه. فلما غابت كفكف دمعه واظهر التجلد واستقبل الطريق البعيد بقلب صابر ونفس مطمئنة.

وكان أيمن وصاحبه الجمال يتعاقبان الحداء طوال الطريق. فإذا فرغ الجمال من حدائه المألوف أخذ أيمن يحدو ببعض الأشعار التي قالها مولاه في مولاته فيهتز أبو بكر اهتزاز الفنن وربما غلبه الشجو فتندت عيناه بالدمع ولكنه سرعان ما يمسحه بطرف ردائه ويأخذ نفسه بالتأسي والصبر.

ومضت أيام..

حتى انتهوا ذات يوم إلى بقعة ذات ظل وماء. فأناخوا بها مظهرين ليستريحوا تحت ظلال نخيلاته ريثما يبرد حر الشمس من العشية فيستأنفون السرى مدلجين.

وأعد أيمن غداءهم فجلسوا يأكلون وتنهد أبو بكر قائلاً:" لشدّ ما تذكرني هذه البقعة بطيبة".

فقال أيمن: "أجل.. اللهم أعدنا إليها سالمين".

ثم التفت أبو بكر إلى الجمال وسأله: ما اسم هذه البقعة يا عامر؟

ـ هذه بلاكث.

فقال أيمن: بلاكث! هذا اسم غريب ما سمعت به في حياتي قط.

عجباً لك يا أيمن كيف لم تسمع بهذا الاسم وأنت تروي الشعر؟

فنظر أيمن إلى سيده قائلاً: "وهل سمعت به يا سيدي من قبل؟".

لا والله ما سمعت به قط.

فأظهر الجمال دهشه قائلاً: "هذا عجيب.. أن لهذا الموضع لشهرة عظيمة منذ خلده ذلك الشاعر بأبياته السائرة".

فسأله أبو بكر باهتمام: "أي شاعر تعني؟".

شاعر من دمشق لا أذكر اسمه الآن. ولا يهتم الناس باسمه قدر ما يهتمون بالحادث الظريف الذي وقع له في هذا المكان.

ماذا حدث له؟

يقولون رحل عن دمشق مغاضباً زوجته لخلاف وقع بينهما وكان شديد الحب لها في الباطن. فلما بلغ هذا الموضع في طريقه إلى المدينة هزته الذكرى وغلبه الوجد فأنشأ تلك الأبيات التي سارت بها الركبان. ثم كر راجعاً إلى بلده.

أنشدني تلك الأبيات.

لا ريب أنك قد سمعتها فإنها لمشهورة.

فقال أيمن في شيء من الحدة:" يا هذا أنشدها أولاً لعل سيدي يتذكرها حين يسمعها منك".

فتنحنح الجمال قليلاً ثم أنشد: 
بينما نحن مـن بلاكـث  بالقـاعِ        سراعـاً والعيـسُ تهـوي هُويـا
خطرت خطرةٌ على القلب من ذكر   اكِ وهناً فمـا استطعـتُ  مضيـا
قلتُ: لبيكِ إذ دعاني لـك  الشـو     قُ وللحادييـنِ: كـرا  المطـيـا 
 
فاستعادها أبو بكر منه مراراً ثم انفتل عن صاحبيه نحو العين الجارية فطفق يغسل يديه ويرش الماء بين عينيه ليعفى فيهما على آثار الدمع.

وانتبذ الجمال ناحية ففرش رداءه واضطجع وهو يقول:" دعونا ننم قليلاً في هذا الظل الظليل. فإن المرحلة القادمة ستكون طويلة شاقة". قال ذلك وسحب طرف الرداء فستر به وجهه. وما لبث أيمن أن حذا حذوه فاضطجع واغمض عينيه.

أما أبو بكر فقد اضطجع مثلهما ولكنه لم ينم. فقد ظلت تلك الأبيات الثلاثة تتردد في خاطره وهو يتقلب على جنبيه كأنما كانت تنشد نفسها له مرة بعد مرة وعودا على بدء وخيل إليه ـ كلما نظر إلى صاحبيه فوجدهما يغطان في نومهما ـ إن الوقت قد طال. وإن الهجير ليس له آخر فكأنما وقف الفلك عن دورانه أو حبس الشمس عن مسيرها حابس. وقد هم غير مرة أن يقوم فيوقظهما من نومهما ليقول لهما: هيا بنا إلى السير ولكنه لا يلبث أن يتراجع.

وغلبه التعب آخر الأمر فأخذته سنة من النوم لا يدري على التحقيق كم من الزمن استغرقت غير أنه لما انتبه منها وجد الأصيل قد لون كل شيء بلون الذهب. فعجب من سرعة ما مر من الوقت. وخيل إليه أن الفلك الذي توقف قبل عن المسير قد انطلق بعد استجمامه مسرعا ليصل إلى ميقاته كما فرضه عليه الخالق العظيم.

ونهض أبو بكر من مضجعه فتوضأ ثم دنا من صاحبيه فأخذ يرش الماء عليهما قائلاً:" هيا انهضا لنصلى العصر".

فجلس الرجلان يتمطيان فقال لهما:" أسرعا لندرك العصر قبل الغروب".

وقام الرجلان يتوضأان عند العين وهما يتهامسان.

ابشر يا عامر.. إن مهمتنا ستنجح إن شاء الله.

ليس ذلك من شأني. عليك أن تقبضني الثلاثين الدينار وخلاك ذم.

ويلك أن سيدتي ستزيدك عليها إذا نجحت المهمة.

لا تطر عقلي يا أيمن.. دعنا نر ما يكون من الرجل..

ووقف الثلاثة يصلون العصر ولم يفت أيمن وهو يصلى خلف سيده أن سيده يخفف الصلاة على خلاف عادته.

وما كاد أبو بكر يسلم من صلاته حتى نهض قائلا: شدا الرحال.

ونظر أيمن إلى وجه سيده خلسة فوجد الشوق في أساريره يريد أن يتكلم فطفق يساعد الجمال في شد الراحلتين ويداه ترتعشان.

وما إن نهض الجملان من مبركهما حتى وثب أبو بكر فامتطى راحلته وصاح قائلا: سق بنا يا عامر.

وأدار راحلته صوب المدينة فصاح به الجمال:" من هنا يا سيدي.. من هنا الطريق".

بل من هنا يا عامر.

ما خطبك يا سيدي أتعود بنا إلى المدينة؟

أجل يا أخا العرب. والله لا ينبغي أن تكون دمشق أعز على أهلها من طيبة على أهل طيبة.

لكنا..

سق بنا ويلك.. إن دار رسول الله لخير من دار بني أمية.

فأطاع الجمال فرحاً وانطلق أيمن أمام الراحلتين حادياً يترنم بصوته العذب.


خطرت خطرةٌ على القلب من ذكر        اكِ وهناً فمـا استطعـتُ  مضيـا
قلتُ: لبيكِ إذ دعاني لـك  الشـو       قُ وللحادييـنِ: كـرا  المطـيـا 
 
(النهاية)


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3722896 عدد الزوار
910 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017