المسرحيات القصيرة->مسرحيات أخر
القوة الثالثة - مجلة الهلال - أكتوبر 1950م

قصة قصيرة تمثيلية لـ الاديب العربي علي احمد باكثير .. تخيل الكاتب علي احمد باكثير وقائعها في العصر الذري
مكانها : حصن قديم مهجور في بقعة منعزلة بجبال آسام
زمان القصة : العصر الحاضر
ابطال القصة وشخصياتها:
نيجاري: شيخ هندي متصوف اعتزل العالم في هذا الحصن منذ قيام الحرب الثانية
ويلهلم وهيلدا: عالم ألماني وزوجته كانا هاربين فآواهما نيجاري
توجو وريجا: شاب ياباني وزوجته فرا من هيروشيما بعد كارثتها الذرية

-1-
( يظهر ويلهلم في معمله العلمي بين أجهزته و آلاته و قد غرق في تفكير عميق – تدخل هيلدا متسللة في رفق حتى تقف أمام النافذة قريبًا منه ) 
هيلدا: ( بعد تردد ) ويلهلم! ويلهلم حبيبي العزيز!
ويلهلم: ( دون أن يلتفت إليها ) هيلدا . . . ما خطبك يا عزيزتي؟
هيلدا: ألا تستريح قليلاً يا ويلهلم؟ هذه الشمس قد أوشكت أن تغيب أفلا نستمتع معًا بشهود الغروب؟
ويلهلم: اعذريني يا هيلدا الآن فإني في شغل شاغل. 
هيلدا: سيفوتك منظر الغروب الرائع!
ويلهلم: أوه . . . مالي و الغروب؟ إن طلوع شمس ألمانيا من جديد لهو المشهد الرائع الذي أشتهي أن أراه! 
هيلدا: يا زوجي العزيز ذرنا نعش هنا بسلام في ضيافة هذا الشيخ الهندي الكريم
. . . دع عنك هذا التفكير في الحرب و الاشتغال باختراع آلات الدمار.
ويلهلم:  يا عزيزتي هل الحرب تاركتنا إذا تركناها؟ ها هي ذي شرارتها الأولى قد انطلقت في كوريا.
هيلدا: هذه حرب أهلية لا تلبث أن تنتهي.
ويلهلم: كلا . . . إنها بداية الحرب الثالثة لا ريب ،
و على كل ألماني أن ينتهز الفرصة و يعمل لتسترد بلاده مجدها و مكانتها. يجب أن تكون المانيا فوق الجميع!
هيلدا: ماذا جنينا من كل ذلك يا ويلهم؟
لقد قام هتلر بمغامرته الطائشة فأضاع كل شيء. ترك بلاده أطلالاً و ترك قومه عبيدًا يسخرهم الأعداء من كل جنس و لون!
ويلهلم: تلك اليهودية العالمية يا هيلدا . .
هي التي ألبت الدنيا كلها علينا لأننا كنا سنكشف خداعها للعالم. ويل لليهود مني . . . لأنتقمن منهم! لأخلصن البشرية من شرورهم!
هيلدا: اخفض صوتك . . . لو سمعك نيجاري لساءه هذا منك و أغضبه.
ويلهلم: دعيني الآن من نيجاري . . إن بلاده لم يخربها اليهود. 
هيلدا: ويلك تذكر يا ويلهلم نعمته علينا إذ آوانا عنده في هذه البقعة الهادئة من العالم
فلولاه لما برحنا حتى اليوم هائمين على وجوها نهرب من مكان إلى مكان خشية الوقوع في قبضة أعدائنا الشرقيين أو الغربيين
ويلهلم: إني لست أنكر فضله يا هيلدا و إني لأكن له الحب و الاحترام ما لم أكنه لأحد قط ولا للفوهرر نفسه. 
هيلدا: أفلا تخلص إذن لدعوته الكبرى للسلام؟
لقد ظن هذا الرجل العظيم بعد هذه السنين الخمس التي قضيتها معه أنه قد نجح في إقناعك بفكرة السلام العالمي و الإخاء البشري
فمن نكران الجميل يا  ويلهلم أن يجدك اليوم كما كنت مفتوناً بعد بالحرب و أحلامها الكاذبة! حنانيك يا عزيزي لا تخيب رجاء هذا الرجل العظيم فيك
ويلهلم: ثقي يا حبيبتي إني لن أخيب رجاءه في أبداً.
 ستعلمين غداً أن هذا البحث العلمي الذي أقوم به الآن إنما أقوم به لإرضائه و تحقيق أهدافه السامية
هيا يا هيلدا دعيني الآن وحدي لأواصل عملي.
هيلدا: (في دلال) ألا تصغى يا حبيبي إلى تغريد الطيور على الشجرة؟
ويلهلم: يا حبيبتي مالي و تغريد الطيور؟ إني عنها لفي شغل.
هيلدا: تعال و انظر معي من هنا فسترى منظرا ساحراً . . .
ويلهلم: غروب الشمس؟
هيلدا: بل أبدع من ذلك و أجمل!
ويلهلم: أرجوك يا هيلدا!
هيلدا: نظرة واحدة ثم تعود إلى عملك و انصرف! 
ويلهلم: أمرك (ينهض من مقعده إلى حيث تقف زوجته أمام النافذة المطلة على سفح الجبل) ماذا تريدين أن تريني يا هيلدا؟
هيلدا: انظر!
ويلهلم: أين؟
هيلدا: هناك عند تلك الشجرة الباسقة!
ويلهلم: هيه . . . لقد عرفت ما دفعك إلى اقتحام معملي في هذا الوقت!
هيلدا: أليس لك من قلب يا ويلهلم؟ أما يهزك هذا المشهد؟
ويلهلم: بلى يا حبيبتي انه لمشهد رائع (يعانقها فيقبلها طويلا).
هيلدا: ويلهلم!
ويلهلم: هيلدا! (يرسلها من بين ذراعية) هل تأذنين الآن؟
هيلدا: انظر إليهما كرة أخرى!
ويلهلم: يا حبيبتي إننا لا نستطيع أن نجاري هذين الحبيبين اليابانيين. أراهنك إنهما في عناقهما هذا منذ ثلاث ساعات أو أطول!
هيلدا: (تتضاحك) ماذا يمنعنا يا ويلهلم؟ ألسنا مثلهما زوجين حبيبين؟
ويلهلم: بلى يا هيلدا، ولكن . . .
هيلدا: لكن ماذا؟
ويلهلم: ليس في وسعنا أن نكون مثل توجو و ريجا. إن حبهما هذا حب غير عادي أنسيت أنهما نجوا من كارثة هيروشيما بقوته الخارقة؟
هيلدا: ونحن نجونا بقوة حبنا أيضا من معسكرات الاعتقال الروسية.
 أو تظن يا ويلهلم أنه كان يتسنى لنا التغلب على كل تلك المصاعب و الخطوب لولا حبنا المتين؟
ويلهلم: صدقت يا حبيبتي ولكن لا يقاس أمرنا بأمر هذين اللذين كان بجوار المنطقة
 التي انفجرت فيها القنبلة الذرية فدمرت كل ما حولهما وبقي كوخهما الخشبي سليماً لم يمسه سوء.
هيلدا: يخيل لي يا ويلهلم أن لو كنا في هيروشيما إذ ذاك لنجونا كما نجا توجو و ريجا. 
ويلهلم: لشد ما تأثرت يا عزيزتي بصوفيه هذا الشيخ الهندي و مشاربه الروحية!
هيلدا: ما أسعدني بذلك يا ويلهلم لقد فتح هذا الشيخ عيني على ما كان محجوبا عني من جمال الحياة!
ويلهلم: (مبتسما) ما أدري يا هيلدا أنيجاري هو الذي فتح عينيك أم هذان العاشقان اليابانيان!
هيلدا: انظر إنهما قد برحا مكانهما الأول و انحدرا بعيدا في السفح.
ويلهلم: لعلهما لمحا عيون الرقيبين! 
هيلدا: ماذا يمنع الرقيبين أن يكونوا شريكين؟
ويلهلم: هل تشتهين ان نلحق بهما؟
هيلدا: لا ، لا ينبغي أن نزعج خلوتهما . . . هلم بنا إلى الجانب الآخر من السفح.
ويلهلم: (يأخذها بيده) حيث تشائين يا حبيبتي . . . كما تشتهين! 
هيلدا: (تتنفس الصعداء) آه يا ويلهلم لست أدري كيف أشكرك على ما تركت من أجلي عملك.
ويلهلم: عملي . . . ما أهونه يا هيلدا في سبيل عينيك هاتين! (يقبلها ثم يسحبها فيخرجان منطلقين).
-2-
 نيجاري: كيف قضيت وقتك يا صديقي في أثناء هذا الأسبوع الذي غبته عنكم؟
ويلهلم: الحق يا سيدي أن هذا الأسبوع كان عندي كأنه عام كامل.
نيجاري: كيف؟
ويلهلم: كنت أترقب انتهاء خلوتك بصبر نافذ. 
نيجاري: لتحدثني عن أحداث الحرب في كوريا؟
ويلهلم: لا بل لأعرض عليك فكرة خطيرة عنت لي.
نيجاري: خيراً إن شاء الله . . .
ويلهلم: كنت تقول يا سيدي أن كل حادث لابد أن يكون لله حكمة فيه؟
نيجاري: نعم . . . أو تشك في ذلك بعد؟
ويلهلم: كلا لقد آمنت بذلك كل الإيمان.
نيجاري: الحمد لله.
ويلهلم: وقلت يا سيدي أن على العارف أن يسعى جهده ليهتدي إلى تلك الحكمة الإلهية فيعمل بمقتضاها و يسير على هداها.
نيجاري: أجل هذا حق.
ويلهلم: إذن فلا بد أن يكون لله حكمة في اجتماعنا نحن في هذه البقعة المنعزلة؟
نيجاري: ما في ذلك ريب.
ويلهلم: فقد خطر لي أني ربما اهتديت إلى بعض تلك الحكمة . . .
نيجاري: جميل . . حدثني ماذا سنح ببالك؟
ويلهلم: لعل الله أراد بذلك أن يظهر آية من آياته الكبرى في الخلق . . .
نيجاري: أفصح بربك لقد زدتني شوقاً.
ويلهلم: إنك لو عاونتني لربما استطعنا معا أن نزاوج بين إمكانيات المادة و إمكانيات الروح فتنجم من بينهما قوة ثالثة . . .
نريد يا سيدي أن نتحكم في الطاقة الروحية الهائلة و نخضعها لقوانين العلم.
نيجاري: (يطرق هنيهة ثم يرفع رأسه) هذا أمر بالغ الخطر إن أمكن تحقيقه.
ويلهلم: مبلغ ما هداني إليه بحثي أن ذلك ممكن التحقيق إذا تفضلت فوضعت قدرتك الروحية في خدمته.
نيجاري: و كيف ذاك؟
ويلهلم: لقد فكرت طويلا في نجاة هذين الحبيبين توجو و ريجا من كارثة هيروشيما . . .
نيجاري: أو لم تزل في شك من صحة ذلك؟ لقد أخبرني توجو بأنك لا تفتأ تسأله عن الحادثة مرة بعد مرة.
ويلهلم: كلا يا سيدي لقد آمنت بصدقها ومن ثم سأتخذ حبهما موضع تجربة.
نيجاري: ماذا تقصد؟
ويلهلم: لعلك تذكر يوم سألتني عن مصدر الطاقة الذرية.
نيجاري: نعم . . . لقد شرحت لي يومئذ أن تلك طاقة ناتجة من فلق ذرة اليورانيوم.
ويلهلم: فاعلم يا سيدي أنني بعد ما خالطتك و أفضت علي من ثقافتك الروحية
لم يبق عندي من شك في أن القانون الأعظم الذي يسيطر على الوجود كله لابد أن يكون واحداً لأنه من صنع الواحد الأحد. 
نيجاري: هذا كلام نفيس . . . و لكن ما شأن ذلك بتوجو و ريجا؟
ويلهلم: سنتخذ حبهما محل التجربة . . . سنجرب فيه طريقة الفلق.
نيجاري: كيف؟
ويلهلم: نحاول التفريق بينهما بقوة روحية من عندك.
 وحيث أن الروح أقوى من المادة فالطاقة المنبعثة من فلقها ستكون حتماً أعظم من الطاقة المنبعثة من فلق الذرة.
نيجاري: لكن كيف يسوغ لنا أن نفرق بين هذين الحبيبين؟ إنها إذن لكبيرة.
ويلهلم: إن فيما ننشده من تحقيق السلام العالمي ما يغفر لنا هذه السيئة. اذكر يا سيدي أن الحرب الثالثة على الأبواب
و يوشك إذا وقعت الواقعة ألا يحجم أحد المعسكرين أو كلاهما عن استعمال القنابل الذرية ثم الإيدروجينية
و لا يعلم غير الله وحده ماذا تكون العاقبة. حقًا  إننا سنفرق بين حبيبين بريئين و لكننا سنوفق بين شعوب العالم و ننقذها من كارثة لا تبقي و لا تذر.
نيجاري: أغلب الظن أنك لن تدعني حتى تقنعني بفكرتك!
ويلهلم: أنت الذي أقنعتني بفكرة السلام فهي يا سيدي فكرتك.


-3-
( في نحو منتصف الليل. نيجاري في البهو وعنده هيلدا و ريجا وهو يجاذبهما أطراف الحديث كأنما يحاول أن ينسيهما ما هما فيه من القلق )
نيجاري: إنك نعسانة يا ريجا فقومي إلى سريرك فنامي.
ريجا: ألا تنامين معي في حجرتي يا هيلدا فإني أخشى النوم وحدي. 
هيلدا: مم تخافين يا ريجا؟ نحن بجانبك.
ريجا: كلا لا آمن أن يقتحم توجو علي الباب فيقتلني و أنا نائمة!
هيلدا: يقتلك! ماذا يدعوه إلى قتلك؟
ريجا: ألا تعلمين أنه عدوي اللدود، وأن أهله أعداء أهلي من قديم الزمان؟
هيلدا: لكنكما كنتما زوجين حبيبين!
ريجا: كانت على عيني غشاوة إذ ذاك فانقشعت. يا ليت أهلي أحياء اليوم . . . يا ليت القنبلة الذرية لم تقض عليهم . . .
إذن لسرهم اليوم أن يروني قد كرهته و انفصلت عنه!
 بل ليت القنبلة أهلكتني معهم فلم أعاشر هذا الوحش طوال هذه السنين المشؤومة! (تنفجر باكية)
نيجاري: (يدنو منها مواسيًا) لا لا تبكي هكذا يا ريجا فإن بكائك يوجع قلبي. أنت هنا في رعايتي و حمايتي و لن يمسك يا بنتي أي سوء
(يجفف دموعها بمنديله) هيا يا بنتي إن كنت تحبينني فقومي إلى حجرتك آمنة مطمئنة. 
ريجا: (تنهض) حذار أن تدع توجو ينام عندي و إلا قتلته!
نيجاري: اطمئني يا ريجا . . . إن توجو الآن مع ويلهلم في معمله و إذا أراد النوم فسأدعه ينام في حجرتي (تخرج ريجا)
هيلدا: عجبًا يا سيدي كيف تحول حبهما الشديد إلى هذا البغض الشديد!
نيجاري: من الخير يا سيدتي ألا نناقشها في هذا الموضوع فنثير شجونها . . . ألا تقومين أنت أيضًا لتنامي؟ 
هيلدا: أنى لي أن أنام يا سيدي و الدنيا على فوهة بركان يوشك أن ينفجر من لحظة إلى أخرى؟
ما بقي غير ربع ساعة وينتهي الأجل الذي جعلته أميركا لإنذارها النهائي باستعمال القنبلة الذرية.
نيجاري: لا تخافي . . . في خلال ربع ساعة يغير الله من حال إلى حال.
هيلدا: هذا إذا لم تكن روسيا قد بادرتها باستعمال القنبلة الذرية - قبل هذا الأجل كما يتوقع ذلك معظم المعقبين على الأخبار.
نيجاري: أما أنك لشديدة الخوف . . .
هيلدا: العالم كله الساعة خائف و جل. إني لأعجب لك و لويلهلم كيف بقيتما هادئين أمام هذه الكارثة التي توشك أن تكون نهاية الحضارة البشرية.
نيجاري: (يضحك) لن تقع الكارثة بحول الله.
هيلدا: و تضحك يا سيدي في هذا الظرف؟
نيجاري: ألم يخبرك زوجك بشيء؟
هيلدا: متى؟
نيجاري: آنفا إذ كنت عنده في معمله.
هيلدا: كلا يا سيدي . . كان رابضًا أمام المذياع يديره من محطة إلى محطة و هو عني في شغل (يدخل ويلهلم)
نيجاري: ماذا وراءك؟ هل من نبأ جديد؟
ويلهلم: أبشر يا سيدي . . قد ألقت الطائرة الروسية قنابلها الذرية على عدد من القواعد الأمريكية . . .
هيلدا: يا للكارثة!
ويلهلم: أي كارثة يا عزيزتي؟. . إنها لم تنفجر! (يعانق نيجاري).
نيجاري: (في فرح) الحمد لله.
هيلدا: و لكن أميركا . . .
ويلهلم: اطمئني فلن تنفجر قنابلها أيضًا.
نيجاري: هل سمعت عنها شيئًا؟
ويلهلم: كلا يا سيدي . . . تركت توجو يستمع إلى المذياع و عجلت إليك لأبشرك.
هيلدا: هاهو ذا توجو قد أقبل ترى أي أنباء يحمل!
نيجاري: خيرًا إن شاء الله.
ويلهلم: هل سمعت شيئًا جديدًا؟
توجو: نعم ألقت الطائرات الأمريكية قنابلها الذرية على مستودعات الزيت في باكو . . .
هيلدا: يا إلهي!
توجو: و لكنها لم تنفجر!
(توجو و ويلهلم يتعانقان)
ويلهلم: لقد نجحنا يا سيدي! لقد نجحنا!
نيجاري: الحمد لله.

- 4-
 ( نيجاري في خلوته. ويلهلم يقرع بابها عليه فيفتح نيجاري )
ويلهلم: معذرة يا سيدي . . ما كان ينبغي لي أن أزعجك في خلوتك لولا أمر هام لا يحتمل التأجيل.
نيجاري: ماذا حدث؟
ويلهلم: سمعت آنفا من إذاعة لندن أن الولايات المتحدة أرسلت إلى موسكو إنذارًا نهائيًا آخر باستعمال القنبلة الإيدروجينية
إذا لم تبدأ روسيا في سحب جنودها من جميع الأماكن التي احتلتها أخيرًا في يوغوسلافيا و أذربيجان في ظرف أربع و عشرين ساعة. 
نيجاري: القنبلة الإيدروجينية؟
ويلهلم: نعم.
نيجاري: إذن فكأننا لم نصنع شيئًا بعدما فرقنا هذين الحبيبين اليابانيين بغير حق
إن ضميري ليؤنبني على هذه الفعلة حتى عند نجاحنا في إبعاد خطر الدمار العالمي، فكيف و الخطر الآن باق على حالة! 
ويلهلم: لا تبتئس يا سيدي فقد عنت لي فكرة إذا عاونتني على تحقيقها فلعلها تقضي على هذا الخطر الجديد أيضًا.
نيجاري: عسى ألا تدعوني إلى إقتراف سيئة أخرى في حق هذين المسكينين توجو و ريجا.
ويلهلم: كلا يا سيدي . . سنصلح لهما في هذه المدة ما أفسدنا عليهما في المرة الأولى.
نيجاري: ماذا تقول؟
ويلهلم: قد ازددت اليوم يقينًا بأن العناية الإلهية هي التي تسيطر على حركاتنا و أعمالنا و تهيمن على خطرات نفوسنا و أفكارنا.
نيجاري: هذه حقيقة لا مراء فيها يا ويلهلم و لكن أفصح لي عما تقصد.
ويلهلم: كما أبطلنا عمل الطاقة الذرية مثلها سنبطل عمل الطاقة الإيدروجينية بطاقة روحية مثلها كذلك.
نيجاري: كيف؟
ويلهلم: إن الطاقة الإيدروجينية ناتجة من توحيد ذرات الإيدروجين لتكون ذرة من الهليوم
فالأساس هنا هو الجمع و التوحيد من حيث أن الأساس هناك الشطر و التفريق.
نيجاري: كأنك تدعوني الآن إلى التوفيق بين توجو و ريجا.
ويلهلم: نعم. ما عليك إلا أن تجمع شملهما بقوتك الروحية فنحصل على طاقة تفوق الطاقة الإيدروجينية و تبطل عملها.
نيجاري: هذا جميل. هذا سيقر عيني و يثلج صدري.
ويلهلم: لكن يجب العمل فورًا فالوقت ضيق.
نيجاري: كم بقي دون انتهاء الإنذار الأمريكي من الزمن؟
ويلهلم: اثنتان و عشرون ساعة و لكنا نخشى أن تكون هذه القنبلة عند روسيا أيضًا و أن تبادر باستعمالها كما فعلت من قبل. 
نيجاري: صدقت . . . يجب العمل فورًا . . . لكن هل أعددت أنت ما يلزم لالتقاط هذه الطاقة؟
ويلهلم: نعم . . . قد أعددت كل شيء فهيا بنا إلى المعمل.
نيجاري: هيا بنا . . . ( يخرجان ).


- 5 -
( بعد مضي شهر من حوادث المشهد السابق . . يظهر ويلهلم جالسًا في البهو . . تدخل هيلدا )
هيلدا: ألا نخرج إلا المروج يا ويلهلم ، فالجو بديع؟
ويلهلم: ليس الآن يا هيلدا. علينا أن ننتظر هنا فهذا أوان خروج الشيخ من خلوته و سيشتاق إلى تلقي أنباء العالم منا.
هيلدا: صدقت (تجلس إلى جانبه) أخبرني يا ويلهلم: متى نعود إلى ألمانيا؟
ويلهلم: لابد من استئذان الشيخ في ذلك يا هيلدا. أولا تحبين البقاء هنا في هذه البقعة الهادئة الطيبة؟
هيلدا: لا يا ويلهلم . . . لابد أن نعود إلى وطننا بعد أن استرد حريته و استقلاله.
ويلهلم: أولا يعز عليك فراق هذا الشيخ الكريم؟
هيلدا: بلى يا عزيزي و لكنا سنزوره حينًا بعد حين و سندعوه لزيارتنا في الوطن.
ويلهلم: ما أحسبه يا عزيزتي يرضى أن يغادر هذه الصومعة.
هيلدا: ما أعجب هذا الرجل! كيف يصبر على البقاء في خلوته ثلاثين يومًا بلياليها
و الأنباء المثيرة تتوارد من كل أنحاء العالم مبشرة بنجاح ما تصبو إليه نفسه من زوال الحرب و سيادة السلام.
ويلهلم: تلك قوته الروحية الهائلة يا هيلدا . . . إنه أقوى الناس سيطرةً على نفسه . . .
هيلدا: صه . . هاهو ذا قد أقبل يا ويلهلم! (يقف الزوجان احترامًا)
نيجاري: (يدخل): صباح الخير أيها الزوجان السعيدان!
الزوجان: صباح الخير يا سيدي.
نيجاري: تفضلا . . . (يجلس فيجلسان) لاشك أن لديكما إلي أنباءً جمة.
هيلدا: نعم يا سيدي سيسرك سماعها كثيرًا.
نيجاري: حدثاني فإني في شوق شديد.
ويلهلم: ما برحت شوارع المدن الكبيرة تغص كل يوم بجموع المتظاهرين بالسلام في كل قطر من أقطار العالم . . .
هيلدا: وصلوات الشكر تقام في كل مكان! لقد تحقق يا سيدي ما تنبأت به من أن موجة عظيمة من الروحية ستسري في شعوب العالم.
نيجاري: الحمد لله.
ويلهلم: ومنذ سقطت دكتاتورية الدولار لم تنقطع سلسلة انتحارات سماسرة الحرب و تجارة الأسلحة لإفلاس مصارفهم و شركاتهم
و آخر ما رددته الأنباء من ذلك إفلاس شركة إسرائيل التي أسسوها في فلسطين.
نيجاري: هل تعني دولة إسرائيل؟
ويلهلم: نعم.
نيجاري: هذه دولة فكيف تسميها شركة؟ 
ويلهلم: هكذا أصبحت تدعى اليوم في جميع الصحف و الإذاعات
لقد تبين للناس يوم أعلن إفلاسها و تصفيتها أنها لم تكن دولة بالمعنى المفهوم من هذه الكلمة
و إنما كانت شركة تجارية بأسهمها و مساهميها و إدارتها و مديرها و دفاتر حساباتها و عمالها و موظفيها و هلم جرا . . . 
نيجاري: هذا شيء عجاب.
هيلدا: أجل قد دهش الناس لذلك دهشًا عظيمًا.
نيجاري: أكانت شركة أمريكية؟
ويلهلم: بل كانت شركة دولية يا سيدي اشترك فيها أميريكان و روس و انكليز و فرنسيون و بولونيون و غيرهم من سائر الدول.
نيجاري: يا الله . . . هذا أعجب! و أغرب!
ويلهلم: من عرف حقيقة هؤلاء يا سيدي لم يعجب لأمرهم هذا!
نيجاري: و الثورة في روسيا . . ماذا كان من أمرها؟
ويلهلم: قد انتهت.
نيجاري: كيف انتهت؟
هيلدا: سقطت الدكتاتورية الإلحادية وسلم أنصارها لحكومة الشعب الجديدة.
نيجاري: الحمد لله . . وهيئة الأمم الجديدة هل تم تشكيلها؟
ويلهلم: نعم . . . قد تم تشكيلها منذ أكثر من عشرين يومًا.
هيلدا: و عقدت جلستها الأولى في احتفال عظيم.
نيجاري: عسى أن تكون مختلفة عن سابقتها؟
ويلهلم: كل الإختلاف . . لقد اختير مندوبو الأمم فيها من المخلصين لقضية السلام
فهم لا يتناقرون فيها تناقر الديكة و لا يضيعون الوقت في الجدل العقيم
وحسبك أن تعلم أنهم قد بحثوا مشكلات شتى و أتفقوا على قرارات هامة.
نيجاري: ماذا قرروا؟
ويلهلم: قرروا في الجلسة الثالثة إلغاء الاستعمار بجميع صوره و أشكاله في كل جزء من أجزاء العالم
وبطلان كل ما ترتب عليه في الماضي من احتلال بالقوة أو تقسيم بالكره أو معاهدة غير متكافئة. 
نيجاري: بورك فيهم! لقد وضعوا حجر الزاوية في بناء صرح السلام.
هيلدا: وثمَّ قرار آخر سيملأ قلبك يا سيدي غبطة و سرورًا . . .
نيجاري: هيه . . . ما هو؟
ويلهلم: اتفقوا في الجلسة السابعة على تكوين هيئة دولية من العلماء و الفنيين
لتنظيم استغلال الطاقة الذرية و غيرها من المكتشفات العلمية فيما يعود على شعوب الأرض كلها بالرفاهية و الخير.
نيجاري: الحمد لله إذ لم أمت حتى تحقق هذا الحلم السعيد!
هيلدا: هذا يا سيدي حلم السيد المسيح!
نيجاري: أجل . . . و حلم سائر الرسل الصادقين . .
هلموا يا أولادي  نحتفل بميلاد هذا العهد الجديد . . أين توجو وريجا؟
هيلدا: خرجا من أول الصباح يهيمان في المروج.
ويلهلم: هذا دأبهما كل يوم.
نيجاري: ما أحسن ما يصنعان . . هيا بنا ننطلق إليهما لنحتفل جميعًا بيوم الحب و يوم السلام!!!

(اسدل الستار)


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3817549 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017