المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
الحائط القصير

 

المنظر: في الجيزة بمصر. فناء متوسط بين بيتين صغيرين أحدهما لفرتونة السوداء والآخر لفرتونة البيضاء
 يرفع الستار عن فرتونة السوداء جالسة بجوار باب بيتها في الفناء تغربل حباً لها و إذا صوت فرتونة البيضاء يسمع من داخل بيتها.

الصوت : فرتونة! يا سوداء يا فحمة يا جنح الليل!
السوداء : لا حول ولا قوة إلا بالله. متى يتوب الله علىّ من جوار هذه السليطة المؤذية.
البيضاء : (تدخل حاملة ديكاً أبيض يصيح في يدها) أنت هنا تغربلين الحب وتسيبين ديكك ينقر فراخي ويأكل الحب عليهن! (ترمي الديك في حجر صاحبتها بقوة)
السوداء : (تأخذ الديك) معذرة يا أختي.. ما علمت والله أنه تسور الحاجز إلى حائطك.
البضاء : ألم أقل لك أن تحبسى هذا الديك اللعين في القفص؟
السوداء : لا أستطيع أن أحبسه في القفص طول اليوم.
البيضاء : بل تعمدت إرساله ليأكل الحب عندي!
السوداء : خذي ما شئت من هذا الحب مكان ما أكله عندك واكفيني شر لسانك.
البيضاء : (ثائرة) خذي ما شئت من هذا الحب! هل قال لك أحد إني محتاجة إلى حبك؟
السوداء : ماذا أصنع لك؟ هاتي ديكاً من ديوكك ليأكل عندي.
البيضاء : ما عندي ديك جائع.. الحظيرة عندي ملأ بالحب.
السوداء : والحظيرة عندي كذلك ولله الحمد ولكن هذا الديك الشقي يترك الخير الكثير ويتقمم عندك ما حيلتي فيه؟ دنئ النفس!
البيضاء : مثل صاحبته.
السوداء : بل هو من فصيلتك.. أبيض مثلك!
البيضاء : والله لئن وجدته عندي مرة أخرى لأقصفن رقبته.
السوداء : اتق الله يا هذه في الرحم!
البيضاء : قد أنذرتك فلا تلوميني!
  (يقبل شنودة الكاتب)
شنودة : عوافي يا مولاتي ذي أصبح! عوافي! ما الخطب؟ دائماً في شجار وخصام؟ أي عيشة هذه؟
السوداء : ماذا أعمل يا شنودة؟ تتحرش بي في كل حين كأن لها ثأراً عندي. ليتك تدلني على بيت آخر أسكنه بعيداً عن هذه المؤذية!
البيضاء : علام التعب؟ دعيه يكتب لك رسالة أخرى إلى أمير المؤمنين بدمشق ليبنى لك قصراً في حلوان!!
السوداء : أوه! انتهينا من قصة الديك ورجعنا إلى قصة الرسالة! الويل لنا منها.. ستظل ترددها حتى الليل!
البيضاء : بل سأظل أرددها ما حييت. إنها أطرف قصة يتفكه بها الجلاس والسمّار (تضحك متهانفة) رسالة ممن؟ من فرتونة السوداء بالجيزة! إلى من؟ إلى أمير المؤمنين بدمشق! في أي شيء؟ في حائطها القصير: تريد من أمير المؤمنين أن يرسل بنائيه المهرة ليبنوا لها حظيرتها حتى يرتع دجاجها في الرخام والمرمر!!
السوداء : (تكظم غيظها) اسخري ما شئت.. لن أرد عليك.. سأذهب إلى بعض جاراتي وأترك الدار لك! (توصد باب بيتها وتهم بالخروج).
شنودة : وأنا أيضاً سأنصرف.
البيضاء : انتظر قليلاً يا شنودة.
شنودة : دعيني أسترزق يا فرتونة.
البيضاء : عندي رسالة أريد أن تكتبها لي.. انتظر. (تلتفت إلى صاحبتها) إياك أن تذهبي بعيداً فقد يجيء رسول أمير المؤمنين بالجواب فلا يجدك.
السوداء : إن جاء فخذي الجواب لك (تخرج).
البيضاء : (ترفع صوتها لتسمعها) آخذه؟ أنا مجنونة؟ آخذ السياط في ظهري مكان ظهرك؟!
شنودة : لا حق لك أن تروعيها هكذا يا فرتونة.
البيضاء : أحلق شعر رأسي هذا إن لم يجيء شرطي الأمير غداً فيسحبها من قرونها إلى السجن!
شنودة : هذا محال.
البيضاء : وأنتف أهداب عيني هاتين إن لم يسألوا عن الذي كتب لها الرسالة ليقطعوا يده.
شنودة : هذا غير معقول.
البيضاء : غير معقول عندك. إنك لا تعرف مقام أمير المؤمنين وعقوبة التطاول عليه. خبرني هل تكتب بيدك اليسرى أيضاً؟
شنودة : لا.. بيدي اليمنى فقط.
البيضاء : فسينقطع عيشك يا بطل!!
شنودة : (يدركه شيء من الخوف) لكن ما ذنبي أنا؟ الرسالة ليست مني.
البيضاء : أنت كتبتها بيدك.
شنودة : بالأجرة.. هذا عملي الذي أعيش منه.
البيضاء : كان عليك أن تنصحها وتبصّرها بما ينبغي وما لا ينبغي فهي جاهلة حمقاء وأنت لبيب تعقل وتفهم.
شنودة : على كل حال ما كتبت اسمي على الرسالة فلن يعلموا أني أنا الذي كتبت.
البيضاء : وأين أنت مني؟ لأدلنهم عليك.
شنودة : حنانك يا فرتونة.. لا تفعلي أحسن الله إليك.. علام تريدين أن تخربي بيتي؟ هل أسأت يوماً إليك؟
البيضاء : لولاك ما استطاعت هذه السوداء أن تستطيل علي وتتنفج أمام الناس بأنها تراسل أمير المؤمنين وأن رسالتها قد حملها بريد أمير المؤمنين إلى دمشق!
شنودة : لو لم أكتب لها لوجدت من يكتب لها غيري.
البيضاء : كلا، ما كانت لتجد أحمق سواك يعينها على ارتكاب هذه الجريمة.
شنودة : لكن الكاتب بالأجرة غير مسئول عما في الرسائل التي يكتبها للناس.
البيضاء : ما شاء الله! أئذا أمليت عليك هجاء في أمير المؤمنين فكتبته لي وأرسلته في بريده لا يعاقبك أمير المؤمنين بل يأمر لك بجائزة سنية تبعث إليك؟!
شنودة : لكن الذي كتبته لها ليس هجاء في أمير المؤمنين.
البيضاء : لا فرق بينه وبين الهجاء. والله لو أن فرتونة السوداء راسلتني أنا لعددت ذلك إهانة لقدري!
شنودة : يقولون عن عمر بن عبد العزيز هذا إنه عادل رحيم.
البيضاء : نعم ولكن هل جزاء العادل الرحيم أن ينتهك مقامه ويتطاول عليه؟ أليس للملوك مقام عندكم؟
شنودة : (ينظر أمامه) وي! هذا شرطي قد أقبل في الزقاق!
البيضاء : ألم أقل لك؟ وهذه بغلة أحد الأمراء فيما أظن.
شنودة : رحماك يا فرتونة.. استري عليّ ستر الله عليك. سأكتب لك رسائلك بغير أجر.
البيضاء : إذن فادخل جوّ البيت لئلا يروك! (يتواري شنودة خلف الباب).
  (يظهر الأمير أيوب بن شرحبيل في طرف الفناء).
أيـوب   : السلام عليكم يا أهل الدار!
البيضاء : وعليك السلام.
أيـوب : أهذا منزل فرتونة مولاة ذي أصبح؟
البيضاء : نعم يا سيدي.
  (يظهر الشرطي بجوار الأمير).
أيـوب : (للشرطي) هلاّ لزمت البغلة أن تند؟
الشرطي : قد ربطتها يا سيدي الأمير.
أيـوب : (للمرأة) أنت فرتونة مولاة ذي أصبح؟
البيضاء : (متلعثمة) نعم يا سيدي.. لا لا يا سيدي الأمير!
أيـوب : ويحك ألست أنت التي كتبت إلى أمير المؤمنين ليصلح لك حائطك؟
البيضاء : حاشا يا سيدي أن أفعل ذلك. أنا أرتكب مثل هذا الجرم؟!
أيـوب : (يضحك متعجباً) لا تراعي يا جارية. إنما جئنا لإصلاح حائطك بأمر أمير المؤمنين.
البيضاء : (تتلعثم) معذرة يا سيدي الأمير.. لقد توهمت... لقد ظننت.
أيـوب : ماذا توهمت؟
البيضاء : توهمت أن الرسالة قد أغضبت أمير المؤمنين وأنك..
أيـوب : كلا، بل أمرني أمير المؤمنين أن أركب بنفسي إليك لأقضي حاجتك.
شنودة : (يظهر من خلف الباب) كلا، لا تصدقها يا سيدي الأمير. هذه ليست صاحبة الرسالة. أنا الذي كتبت تلك الرسالة إلى أمير المؤمنين بخطي.
أيـوب : (متعجباً) ويحك من تكون؟
شنودة : أنا شنودة الفيومي أكتب للناس بالأجرة.
أيـوب : أو لم تكتب الرسالة لهذه الجارية؟
شنودة : لا يا سيدي بل لفرتونة السوداء.
أيـوب : مولاة ذي أصبح؟
شنودة : نعم.. مولاة ذي أصبح كذلك.
أيـوب : فأين هي؟
سنودة : سأدعوها لك الساعة (ينطلق خارجاً).
الشرطي : ويلك أتكذبين على عامل أمير المؤمنين؟ (تجهش فرتونة باكية).
أيـوب : دعها.. دعها يا عمرو.
البيضاء : (في خجل وخوف) سامحني يا سيدي الأمير.
أيـوب : إن صدقتني القول سامحتك. ماذا حملك على ما صنعت؟
البيضاء : ظننت في أول الأمر أنكم جئتم لمعاقبة فرتونة السوداء لتطاولها بالكتابة إلى أمير المؤمنين، فلما علمت أنكم جئتم لإصلاح حائطها طمعت يا سيدي أن تصلحوا لي حائطي أنا أيضاً فإنه قصير يتسوره اللصوص فيسرقون منه الدجاج.
أيـوب : واسمك أيضاً فرتونة؟
البيضاء : نعم يا سيدي الأمير. يدعونني فرتونة البيضاء ويدعونها فرتونة السوداء.
  (تدخل فرتونة السوداء ومعها شنودة).
شنودة : هذه هي يا سيدي الأمير.. هذه صاحبة الرسالة.
السوداء : (تنقل طرفها في وجوه الحاضرين كأنها ما زالت في شك من الأمر..).
أيـوب : (يخرج الرسالة) هذا جواب أمير المؤمنين لك يا فرتونة.
السوداء : (تتمتم) جواب أمير المؤمنين!
أيـوب : نعم هل تحبين أن يتلوه كاتبك هذا عليك؟
السوداء : نعم يا سيدي الأمير.
شنودة : (يفض الرسالة فيقرأ) بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى فرتونة السوداء مولاة ذي أصبح. بلغني كتابك وما ذكرت من قصر حائطك، وأنه يدخل عليك منه فيسرق دجاجك فقد كتبت لك كتاباً إلى أيوب بن شرحبيل آمره أن يبنى لك ذلك حتى يحصنه لك مما تخافين إن شاء الله والسلام.
السوداء : (تطلق زغرودة عالية ثم طفقت تدور حول فرتونة البيضاء وهي ترقص وتترنم):
من أمير المؤمنين جاءتني التحية
فاقتلي نفسك من غيظك يا روميّة!

الشرطي : مه يا هذه. إن الأمير ما جاء ليشهد رقصك!
أيـوب : أجل.. حسبك يا فرتونة!
البيضاء : (تجد متنفسا) قل لها يا سيدي الأمير. إنها لا تعرف مقام أحد!
السوداء : (تدق الأرض بقدميها وتضرب كفا بكف وتصيح في لهجة شامتة):
اقتلي نفسك من غيظك يا رومية!
من أمير المؤمنين جاءتني التحية


أيـوب : (بين الغضب والابتسام) حسبك يا فرتونة. لن يرضى صنيعك هذا أمير المؤمنين.
السوداء : معذرة يا سيدي فقد غلبني الفرح لكتاب أمير المؤمنين فلم أملك نفسي.
أيـوب : (ملاطفا) هل عندك دجاج كثير؟
السوداء : الحمد لله يا سيدي عندي الكثير الطيب. أتحب أن أريك؟.. تعال انظر من هذه الكوة!
أيـوب : (يتقدم إلى الكوة فينظر) ما شاء الله ـ ما شاء الله.
السوداء : لو لم يسرق اللصوص منه لكان عندي أكثر.
أيـوب : غداً نبعث إليك من يصلح لك هذا الحائط ويرفعه فلا يتسوره أحد.
البيضاء : (تتقدم إلى أيوب في خجل) وحائطي هذا يا سيدي الأمير.. إنه قصير أيضاً كما ترى أفلا تصلحه لي أصلح الله حالك؟
السوداء : (في حدّة) كلا يا سيدي الأمير لا تفعل. ليس من العدل أن تصلح لها حائطها على نفقتي!
أيـوب : (ضاحكاً) بل على نفقة أمير المؤمنين.
السوداء : كلا لن يرضى أمير المؤمنين ذلك. أنا التي دفعت أجرة الكاتب. سله فهو أمامك.
شنودة : أجل يا سيدي الأمير.
أيـوب : كم دفعت له يا فرتونة؟
السوداء : درهمين.
أيـوب : فليكن منك درهم ومنها هي درهم.
البيضاء : أحسنت يا سيدي وعدلت (تخرج درهماً من بين ثيابها) خذي الدرهم.
السوداء : (تعرض عنها) كلا ماذا أصنع أنا بدرهمها؟ والله لا أرضى أبداً أن تنال خيراً على يدي.
أيـوب : ويحك إن لها عليك حق الجوار وحق الولاء لسيد واحد فهي أختك.
السوداء : أختي؟! كلا يا سيدي. هذه دائماً تعيرني بلوني وتسخر مني وتتندر علىّ. سل عنها الجيران والجارات.
البيضاء : لا تصدقها يا سيدي الأمير إنها تكذب!
أيـوب : (ينهرها) ويلك قد كذبت أمامي مرة فلا تحاولي أن تكذبي مرة ثانية. توبي إلى ربك يا جارية واعلمي أن الناس سواسية كأسنان المشط لا يفضل أحد أحداً بلونه أو ماله أو نسبه، وإنما الفضل بالتقوى. ويلك ألم تسمعي قول الله عزوجل: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن) (الحجرات 11).
البيضاء : (تبكي) قد تبت يا سيدي الأمير. لن أفتح فمي بما يؤذيها أبداً.
أيـوب : راضيها فإني لن أبني لك حائطك إلا إذا رضيت عنك.
البيضاء : (تدنو من صاحبتها فتقبل رأسها) سامحيني يا أختي. والله لا أسمعك ما تكرهين أبداً.
السوداء : والديك أتقصفين رقبته إن عاد إلى حائطك؟
البيضاء : كلا يا أختي.. سأتركه يفعل ما يشاء.
أيـوب : ما قصة الديك يا فرتونة؟
السوداء : عندي يا سيدي الأمير ديك أبيض دنئ النفس يترك الحب الوفير في حظيرته ويذهب إلى حظيرتها يتقمم!
البيضاء : أتسمع يا سيدي الأمير إنها تشتمني وتعيرني بلوني!
أيـوب : ويلك يا فرتونة. أهكذا أنت؟
السوداء : توبة يا سيدي الأمير. لن أعود لمثلها أبداً (تقبل رأس صاحبتها) سامحيني يا أختي حقك عليّ. لا تعيريني ولا أعيرك. اتفقنا؟
البيضاء : اتفقنا!
السوداء : أشهد أنت يا شنودة!
أيـوب : (يضحك) عليّ بالبغلة يا عمرو!
(ستار)


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3815505 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017