المسرحيات->مشاهد من ملحمة عمر
يوسف هذه الأمة

ملحمة عمر-الجزء 18-القوي الأمين-المشهد السابع

(يدخل عمر من خارج المنزل)

عمـر : ألم تأت الشفاء بعد يا عاتكة؟
عاتكة : لا لم تأت بعد. لعلك تنتظر منها أن تأتيك بأخبار جدد؟
عمـر : نعم.
عاتكة : أصبحت يا أمير المؤمنين ولا هم لك إلا ما تتسقطه لك الشفاء من أسرار هذا الأمر وتفاصيله حتى يوفقني لعلاجه على هدى وبصيرة. أوقد نسيت يا عاتكة إنني أخذت على نفسي للمسلمين من فوق منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم إذا غابوا في البعوث فأنا أبو العيال؟
عاتكة : ولا كل هذا يا أمير المؤمنين. ما أنت وما يهتفن به في مخادعهن؟
عمـر : ذلك أصدق شيء يخبر عنهن. والله ما حرفت بشعر سمعته من أحد قط فرحي بما سمعته من تلك المرأة المغيبة وهي تقول من حيث لا تتوقع أن يسمعها أحد.

تطاول هذا الليل وأخضل جانبه*وأرقني ألا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا رب غيره*لحرك من هذا السرير جوانبه

عاتكة : أعجبك هذا الشعر يا أمير المؤمنين؟
عمـر : أعجبني أو لم يعجبني. فقد نبهني إلى أمر كنت غافلاً عنه. لأجعلن للبعوث أمدا لا يتجاوزونه فلا يغيب الرجل عن امرأته أكثر مما تحتمل.
عاتكة : وتلك التي سمعتها تقول:
هل من سبيل إلى خمر فاشريها
  أو من سبيل إلى نصر بن حجاج

  ماذا أنت صانع بها.
عمـر : قد أمرت الشفاء فتحرت عنها فوجدت أنها امرأة ذات عفاف ودين وأن الشعر ليس لها وإنما تمثلت به.
عاتكة : فلمن هو إذن؟
عمـر : لنصر بن حجاج وعصابته من الفتيان الرقعاء فهم ينظمون هذه الأشعار لتترنم بها العواتق في خدورهن.
عاتكة : وتركتهم يا أمير المؤمنين.
عمـر : كلا لقد تحريت عنهم وأرسلت في طلبهم. والله لأجعلنهم نكالاً لغيرهم.
أسلم : (يظهر على الباب). يزيد بن أخت النمر يا أمير المؤمنين.
عمـر : دعه يدخل. (تنسحب عاتكة).
  (يدخل يزيد ومعه نصربن حجاج وأبو ذئب السليمان وقد تكحل كل واحد منهما وزجج حواجبه ورجل جمته على هيئة خاصة ولاث عليها عامته بحيث تظهر الشطر الأكبر من الجمة).
يزيـد : السلام عليك يا أمير المؤمنين.
عمـر : وعليكم السلام يا يزيد ورحمة الله. (يلتفت إلى نصر) أنت يا هذا نصر بن حجاج؟
نصـر : نعم يا أمير المؤمنين.
عمـر : (لأبي ذئب) وأنت ذئبهن؟
أبو ذئب : أنا أبو ذئب يا أمير المؤمنين؟
عمـر : ترى أيكما أعدى الآخر؟
نصـر : بأي شيء يا أمير المؤمين؟
عمـر : بهذا التأنث والتخنث.
نصـر : أتجدنا كذلك يا أمير المؤمنين؟ إنما أردنا أن نتجمل ونبدو في أحسن صورة.
عمـر : ويلكما ما هكذا يصنع الرجال إنما يصنع هذا النساء.
أبوذئب : أصلحك الله يا أمير المؤمنين. هذا مختلف عما تصنعه النساء.
عمـر : وهذه الجمة الناتئة إلى العلى كأنها قرن الشيطان.
نصـر : هذه نحن ابتدعناها يا أمير المؤمنين ولا تعرفها النساء.
عمـر : بخ. بخ. فقد قلتما النساء.
أبوذئب : إنهن يا أمير المؤمنين لا يلثن العمائم هكذا على جممهن.
عمـر : ليت يا أبا ذئب. غداً يتشيهن بك وبابن عمك. خبراني هل خرجتما للجهاد قط؟
نصـر : لا يا أمير المؤمنين
عمـر : إنكما لشابان جلدان فما أخركما عن الجهاد؟
نصـر : أنت منعتنا من ذلك يا أمير المؤمنين.
عمـر : متى جئتمان فمنعتكما؟
نصـر : إنك أصدرت أمراً يا أمير المؤمنين إن من له أب كبير وأم عجوز فليس له أن يتركهما ويخرج إلى الجهاد وأنا لي أم عجوز.
أبوذئب : وأنا لي أبوان كبيران.
عمـر : (يرفع يديه إلى السماء) اللهم اغفر لعمر ما يعلم وما لا يعلم. خبرني يا نصر ما عملك؟
نصـر : لا عمل لي يا أمير المؤمنين.
عمـر : وأنت يا أبا ذئب؟
أبوذئب : وأنا كذلك لا عمل لي يا أمير المؤمنين.
عمـر : فمن أين إذن تعيشان؟
نصـر : إن أبي ترك لنا ميراثاً حسناً يا أمير المؤمنين.
أبوذئب : وأبواي موسران وأنا في كنفهما أعيش.
أسلم : جرير بن عبد الله البجلي يا أمير المؤمنين.
عمـر : دعه يدخل.
  (يدخل جرير بن عبد الله البجلي)
جرير : أرسلت في طلبي يا أمير المؤمنين؟
عمـر : نعم ليراك هذان الفتيان من بني سليم اللذان يتزينان كما تتزين النساء. انظرا إلى يوسف هذه الأمة. ويلكما هكذا جمال الرجال.
نصـر : لكل منا أسلوبه في التجمل والتزين يا أمير المؤمنين.
عمـر : اخلع عمامتك يا نصر. (يخلع نصر عمامته برفق) أعطنيها (يقلبها عمر متعجبا) ترى كم تقضى من الوقت في لوث هذه العمامة (يبعجها).
نصـر : (يصيح) دعها يا أمير المؤمنين. لا تحلها. دعها بريك.
عمـر : ألا تستطيع أن تعقدها مرة أخرى؟
نصـر : بعد لأي وجهد يا أمير المؤمنين.
عمـر : تعال إذن مني يا أبا ذئب (يدنو منه أبو ذئب في حذر فينزع عنه عمامته بشدة).
أبوذئب : (يصيح كالمستغيث) الجمة يا أمير المؤمنين.
عمـر : ما بالها؟
أبوذئب : أفسدتها إذ نزعت العمامة بشدة.
عمـر : فلاجرنها لك يا لكع. يا يزيد جزنا صيته وناصية نصر بن حجاج.
نصـر : حنانيك يا أمير المؤمنين لا تفعل.
أبوذئب : ليس لك يا أمير المؤمنين أن تفعل ذلك؟
نصـر : الله أنبتها وليس لك أن تجزها.
عمـر : الله أنبتها ولأجزنها ولا كرامة.
يـزيد : (يدنو من نصر بالمقص في يده فيتباعد عنه نصر) ويلك أتعصى أمير المؤمنين؟
نصـر : ليس على أن أطيعه فيما لا يعنيه من أمري.
عمـر : كيف لا يعنيني أمرك يا عدو الله وأنت تستغوى النساء بما تصقل من هيئتك وترخى من إزارك وترسل من أشعارك؟
نصـر : معاذ الله يا أمير المؤمنين.
عمـر : ويلك أتظنني غافلاً عنك وعن أشباهك؟ هل من سبيل إلى خمر فاشريها؟ أو من سبيل إلى نصر بن حجاج؟ ألست أنت الذي تصنع هذا الشعر لتتمثل به العواتق في خدورهن؟ أمسكه يا جرير ليجز يزيد ناصيته. (يمسكه جرير فلا يستطيع حراكاً فيجوز يزيد ناصيته).
نصـر : يا أمير المؤمنين لو كانت لك جمة مثلها لضننت بها على الجز ولكنها غيرة الا صلع من الأفرع.
عمـر : عليك الآن يا أبي ذئب فجز ناصته.(يمسكه جرير فيجز يزيد ناصيته أبي ذئب).
أبوذئب : لقد ظلمتنا يا عمر ولم تكن من العادلين.
عمـر : أجل لقد ظلمتكما إذا أعفيتكما من الجهاد فصرتما إلى ما صرتما إليه. يا جرير بن عبد الله إني قد عهدت بهما إليك فتربيهما وتدفعهما في ميادين القتال حتى يكونا رجلين.
جرير : إني مرتحل غداً يا أمير المؤمنين.
عمـر : فخذهما معك.
أبوذئب : وأبواي يا أمير المؤمنين من يقوم بشأنهما؟
عمـر : أنا أقوم بشأنهما ولأكونن أبر بهما منك.
نصـر : وأمي يا أمير المؤمنين ألا ترق لحالها؟
عمـر : إنما أرق لحالها حين أقصى عنها بلاءك وشرك. انصرفا الآن. خذهما يا جرير إليك واتفق معهما على موعد الرحيل من الغد.
  (يخرج جرير ونصر بن حجاج وأبوذئب)
  (تدخل عاتكة)
عاتكة : الشفاء يا أمير المؤمنين قد حضرت منذ قليل.
عمـر : أين هي؟ دعيها تدخل.
عاتكة : أدخلي يا أم عبد الله.
  (تدخل الشفاء)
الشفاء : السلام عليك يا أمير المؤمنين.
عمـر : وعليك السلام ورحمة الله. ويحك يا شفاء ماذا أخرك؟
الشفاء : ستعذرني يا أمير المؤمنين إذا سمعت حديثي.
عمـر : حدثيني يا ابن عم.
الشفاء : ذهبت إلى أم نصر بن حجاج وأم أبي ذئب كما أمرتني فوجدتهما غير راضين عن ولديهما ولكنهما زعمتا أن الذي أفسد ابنيهما هو جعدة السلمى.
عمـر : ومن جعدة السلمى؟
الشفاء : أدركت من حديثهما عنه يا أمير المؤمنين أنه هو الابيض الشيظمى الذي كنت تبحث عنه.
عمـر : صاحب بقيلة الاشجعي؟
الشفاء : نعم. فرأيت يا أمير المؤمنين أن أتصل بامرأته لعلى أعرف المزيد منها عنه.
عمـر : واتصلت بامرأته؟
الشفاء : نعم فذلك هو الذي أخرني.
عمـر : إذا كنت في حاجة مرسلاً... فأرسل حكيماً ولا توصه. أحسنت يا أم عبد الله فماذا عرفت منها عن زوجها؟
الشفاء : إني أحضرتها معي يا أمير المؤمنين لتسألها بنفسك.
عمـر : فأين هي؟
الشفاء : (تدنو من الباب الداخلي) أدخلي يا سلمى عند أمير المؤمنين. (تدخل سلمى) حدثي أمير المؤمنين يا سلمى عن زوجك.
سلمى : يا أمير المؤمنين كان يكون زوجي من أفضل الرجال لولا تلك الخصلة فيه.
عمـر : وما هي يا سلمى.
سلمى : أنه غزل صاحب نساء. يحدثهن ويضحكهن ويمازحهن فكن يستلطفن مجلسه ويجتمعن حوله.
عمـر : أكان يعقلهن بالحبال؟
سلمى : كيف عرفت يا أمير المؤمنين؟
عمـر : من قول بقلية الاشجعي في أبيات له وجهها إلى:
قلائعنا هداك الله أنا
يعقلهن أبيض شيظمى
  شغلنا عنكم زمن الحصار
وبئس معقل الذود الخيار

سلمى : أجل يا أمير المؤمنين أنه ليعقل المرأة منهن ثم يأمرها أن تثب ويزعم لها أن المرأة الحصان تثب في العقال فإذا وثبت سقطت فتنكشف فيتضاحكن من ذلك.
عمـر : لا حول ولا قوة إلا بالله. يا ويل عمر. أيحدث كل هذا في ظهر المدينة وعمر على الناس؟
سلمى : لا أحب أن أظلمه يا أمير المؤمنين. أنه يفعل ذلك لغير ريبة إلا المداعبة والممازحة ولولا الغيرة ما شكوته إليك.
عمـر : قبحه الله من رجل سوء. إخوانه يجاهدون في سبيل الله وهو قاعد يمازح نساءهم لا والله لا يكون هذا أبداً.
سلمى : ماذا أنت فاعل به يا أمير المؤمنين؟
عمـر : لا نفينه إلى بلد بعيد لا يعرف أحداً فيه ولا يعرفه أحد.
سلمى : وإذا صلح هناك واستقام أتعبده يا أمير المؤمنين إلى المدينة؟
عمـر : نعم.
سلمى : إذن فانفنى معه يا أمير المؤمنين؟
عمـر : وما ذنبك أنت؟
سلمى : إني أحبه يا أمير المؤمنين وأرجو أن يصلحه الله بهذا النفى.
عمـر : بوركت من امرأة صالحة. اذهبي معه إن شئت فإذا رأيته قد تاب واستقام فاكتبي إلى الآذن له بالرجوع إذا أحب.
سلمى : جزاك الله خيراً يا أمير المؤمنين وأخرى أريدها منك.
عمـر : اقترحي.
سلمى : ألا يعلم جعدة أني شكوته إليك.
عمـر : كلا ما شكوته أنت. بقيلة الاشجعي هو الذي شكاه.
  (تستأذن سلمى وتنصرف)
الشفاء : (تنهض) هل من مهمة أخرى يا أمير المؤمنين اليوم؟
عمـر : نعم استقرئي لي من النساء كم تصبر المرأة عن زوجها حتى أكتب إلى الآفاق إلا يغيب الرجل عن امرأته في البعوث أطول من ذلك.
الشفاء : أمهلني إذن يا أمير المؤمنين يوماً أو يومين حتى أسأل لك عدداً كبيراً منهن.
عمـر : قد فعلت يا أم عبد الله.
  (تخرج الشفاء)
عاتكة : (تدنو من عمر وتتنفس الصعداء) الحمد لله يا أمير المؤمنين.
عمـر : على ماذا؟
عاتكة : على أن فرغت من هذه الأمور.
عمـر : هيهات.. يا عاتكة. رب أمور أخرى أنا غافل عنها سيحاسبني الله عليها يوم القيامة.
عاتكة : ويلى عليك يا عمر. أبعد الروم وفارس وهرقل ويزدجرد تشغل نفسك بجعدة وامرأة جعدة وأبي ذئب وأم أبي ذئب؟
(ستار)


 


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3776276 عدد الزوار
914 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017