المسرحيات القصيرة->المسرحيات التاريخية
صديقة من كرمان


مسرحيــة
صديقة من كرمان
من الأعمال التي تنشر لأول مرة
مجلة الفيصل، العدد 179،
ـ1ـ
(في منزل الشيخ شاه بن شجاع الدين الكرماني بكرمان)

شـاه :  إني أعلم باحميراء يا ابنتي العزيزة أنك لا تفكرين في الزواج الآن.
حميراء :  لا الآن يا أبي ولا بعد الآن.
شـاه  :  أنت مشغولة عن ذلك بعبادة ربك.
حميراء :  أنت الذي ربيتني على ذلك.
شـاه  :  أجل أجل يا بنيتي الحبيبة.
حميراء :  فهل بدا لك اليوم غير ذلك يا أبي؟
شـاه  :  نعم يا حميراء على كره مني.
حميراء :  ماذا جرى يا أبتاه.
شـاه  :  الملك فيروز شاه ابن عمك يريد أن يخطبك مني وأنا أعلم يقيناً أنك لن ترضى به زوجاً لك.
حميراء :  ليس لدي ما يؤهلني للقيام بحقوق الزوج عليَّ.
شـاه  :  أعلم ذلك يا حميراء ولكن ماذا نصنع الآن وهو آت عندي ليخطبك مني بعد ثلاثة أيام.
حميراء :  هل بعث إليك يا أبي بذلك؟
شـاه  :  لا يا بنتي ولكن بلغني ذلك من أحد المحبين لي في القصر.
حميراء :  فماذا أنت فاعل يا أبي؟
شـاه  :  يخيل إليّ يا حميراء أن المخرج الوحيد لنا من ذلك هو أن نسرع فنختار لك زوجاً صالحاً لا يتحكم فيك ولا يشغلك عن عبادتك.
حميراء :  ومن لك بذلك الزوج يا أبي؟ فمثل هذا الزوج لا وجود له في هذه الدنيا.
شــاه  :  بلى، أنا كفيل لك به يا حميراء إن رضيت .
حميراء  :  لم لا تصارحه بالحقيقة أني لا أصلح للزواج.
شـاه   :  كلا لن يقتنع بذلك أبداً يا حميراء وسيظن بنا الظنون.
حميراء :  إنه إذن متعنت أعرض عنه ولا تبال به.
شـاه   :  كلا ليس هو بمتعنت يا حميراء بل له عذره الواضح.
حميراء :  أي عذر يا أبي؟
شـاه  :  لعلك يا بنيتي قد شغلت زمناً عن المرآة فنسيت أن لك جمالاً بديعاً لا نظير له في بنات ملوك هذا العصر.
حميراء :  يا أبت كل والد يرى ابنته كما تراني أنت.
شـاه  :  كلا يا حميراء إن أباك كان أخبر الناس بالجمال وما اختار أمك عبثاً.. لقد كانت ــ رحمها الله ــ أجمل نساء عصرها قاطبة.
حميراء :  وأين أنا يا أبي من أمي يرحمها الله؟
شـاه   :  لا أقول إنك أجمل منها أو مثلها ولكنك أقرب الناس شبهاً بها وما فاتتك إلا بقليل.
حميراء :  يا أبت افعل ما تراه. ستجدني إن شاء الله من الصابرين.

ـ2ـ
(الشيخ شاه يستقبل فيروز شاه ملك كرمان في منزله)

شـاه  :  مرحباً بالملك المعظم فيروز شاه، أهلاً بك يا ابن أخي شرفت بيتنا الصغير بزيارتك.
فيروز :  أيها العم الجليل إني إذ أزور بيتك إنما أزور بيت صلاح وتقوى فأنا الذي أتلقى الشرف وأستمد الخير والبركة.
شـاه  :  بوركت يا ابن أخي.. بوركت.
فيروز  :  لقد كان في نيتي من قديم أن أخطب إليك حميراء ابنتك لأصل حبلي بحبلك وتكون ذريتي من ذريتك، ولكن علمي بصغر سنها وبحاجتك إليها بعد وفاة أمها جعلني أؤجل خطبتها حتى اليوم، فهل لي يا عمي شاه أن أطمع في شرف الانتساب إليك؟
شـاه  :  يا ابن أخي أنت مني وأنا منك ولو لم تصهر ليَّ، وابنة عمك حميراء كانت تتشرف بالزواج منك لو لم تكن قد عقد عليها لغيرك، فلتكن لك أختاً إن فاتها أن تكون لك زوجة.
فيروز  :  ومتى كان ذلك يا عم؟
شـاه  :  منذ يومين فقط يا بني.
فيروز  :  ومن يكون ذلك الرجل السعيد؟  أملك هو أم أمير؟
شـاه  :  كلا ليس هو بملك ولا بأمير بل هو رجل من سواد الشعب.
فيروز  :  أهو إمام من أئمة العلم؟
شـاه  :  لا.
فيروز  :  فقيه من حملة الشريعة؟
شـاه  :  لا يا بني.
فيروز  :  سيد من السادات العارفين بالله.
شـاه  :  ولا هذا يا بني.
فيروم  :  هو إذن ليس بأفضل مني فعلام يقدم عليّ؟
شـاه  :  معاذ الله يا ابن أخي. إن أحداً لم يقدمه عليك.
فيروز  :  أو لست أنا أولى يا بنة عمي وأحق بها منه؟
شـاه  :  بلى يا ابن أخي لو لم يكن سبق إليها قبلك.
فيروز  :  منذ يومين فقط؟
شـاه  :  نعم.
فيروز  :  أوقد دخل بها يا عم؟
شـاه  :  لا ما دخل بها بعد. مازلنا نجهز لها.
فيروز  :  الحمد لله.
شـاه  :  لكنا عقدنا له عليها فهي امرأته بحكم الشرع.
فيروز  :  يا شيخ شاه لو لا احترامي لسنك وما اشتهر في الناس من صلاحك وتقواك لكان لي معك شأن آخر.
شـاه  :  ماذا تعني يا فيروز شاه؟
فيروز  :  إن ابنتك ما كانت تفكر في الزواج ولا كنت أنت تفكر لها فيه. لو لم يبلغك منذ أيام قلائل أنني سأخطبها منك فأردت أن تتقيني فجعلت تطوف من مسجد إلى مسجد بحثاً عمن تزوجها له قبلي. حتى عثرت على ذلك الغلام الصغير الفقير فعقدت له عليها في الحال دون أن تستشيرها في أمره بل دون أن تعرف عنه شيئاً إلا أنك رأيته يصلي ويحسن الصلاة.
شـاه  :  أجل قد كان مني ذلك يا فيروز شاه فماذا تريد؟
فيروز  :  اعترفت الآن أنك تعمدت ذلك؟
شـاه  :  نعم أنا حر اختار لابنتي من أشاء .
فيروز  :  من حقي الآن أن أحاسبك.
شـاه    :  تحاسبني على ماذا؟
فيروز  :  على سوء صنيعك معي من حيث أني ابن عمها أولاً ثم من حيث أني ملك هذه البلاد.
شـاه   :  أتهددني يا فيروز شاه؟
فيروز  :  التهديد قليل في حقك أنت تستحق ما هو أشد من ذلك.
شـاه   :  افعل ما بدا لك فإني لا أخافك.
فيروز  :  أن غرك يا هذا أنني ابن أخيك فاعلم قبل ذلك أنني أنا الملك.
شـاه   :  ويحك يا هذا لو كنت أخاف الملوك بعد لما زهدت في العرش الذي تجلس عليه الآن.
فيروز  :  أتدل عليّ يا هذا بما كان لك في الماضي من ملك وسلطان؟ أو تظن أن ذلك يعصمك مني أو يحميك؟
شـاه   :  لو كنت تعقل يا هذا لعلمت أن الله وحده هو الذي أحتمي به وأعتصم، وإلا لما خرجتُ باختياري عن كل ما كان لي من ملك وسلطان.
فيروز  :  أتراك ندمت اليوم على ما فعلت فأخذت تناهضني وتناصبني العداء؟
شـاه   :  (يلين لهجته قليلاً) سامحك الله يا ابن أخي، والله ما ندمت على ما فعلت ولا قصدت أن أناهضك أو أناصبك، وانني عن ذلك كله لفي شغل شاغل وإنما رأيت أن ابنتي لا تصلح لملك مثلك. فقد تعلق قلبها بعبادة الله والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة فأحببت أن أجنبكما سوء المصير فأسرعت بتزويجها لغيرك حتى لا أضطر إلى رد خطبتك.
فيروز  :  دعني من معاذيرك . لآمرن قاضي القضاة غداً أن يجد لنا مخرجاً فيبطل عقد نكاحها من ذلك الغلام ثم يزوجها لي وبذلك يستقيم الأمر وينتهي الإشكال.
شـاه    :  (غاضباً) اسمع يا فيروز شاه. إن فعلت ذلك فلا تلومن إلا نفسك. والله لأدعونَّ الشعب إلى خلعك ولأعلنن له أني أخطأت إذ خرجت عن ملكي ليليه ظالم مثلك.
فيروز  :  (في شيء من الخوف) أتظنهم يطيعونك أو يلبون دعوتك؟
شاه     :   سترى بنفسك ما يكون.
فيروز  : (يلين لهجته) حسبك الله يا عمي أما كفاك أنك حرمتني ابنة عمي حتى تريد أن تخلعني من ملكي؟
شـاه    :  قد شرحت لك يا ابن أخي حقيقة قصدي فأبيت إلا أن تكذبني وتتهمني بما لم يخطر لي على باب قط فماذا أصنع؟
فيروز  :  سامحني يا عمي فما أنا إلا ابنك وثق أنك لن ترى مني بعد اليوم إلا كل ما يسرك .

ـ3ـ
(بعد مرور أسبوع من حوادث المشهد السابق)

فيروز  :  معذرة يا عمي أن عدت اليوم إليك قبل أن ينقضي أسبوع واحد على زيارتي السابقة.
شـاه    :  مرحباً بك يا ابن أخي في كل حين، البيت بيتك.
فيروز  :  ما كنت لأشغلك عن وردك وعبادتك لو لا ما بلغني مما كان بين العروسين من خلاف فأزعجني أيما إزعاج.
شـاه   :  كلا لا تنزعج كثيراً فما هو إلا خلاف هين يسير لا يلبث أن ينتهي إلى وفاق إن شاء الله.
فيروز  :  أرجو ألا تعتبره فضولاً مني إذ رأيت من واجبي ــ ولاسيما بعد الذي كان مني في حقك أن أعرف ماذا حدث.
شـاه   :  بالعكس يا ابن أخي إنه ليسرني أن تجيء إلينا اليوم لترى بعينك وتسمع بإذنك مصداق ما شرحته لك من قبل فلا يبقى في نفسك مني شيء.
فيروز  :  أحقاً يا عمي؟ هذا والله يسرني ويسعدني منك. أخبرني إذا تفضلت ماذا حدث؟
شـاه   :  كل ما حدث يا بني أننا زففناها إليه كما اقترحت عليَّ في غير جلبة ولا ضوضاء ثم انصرفنا من عندهم وعدنا إلى البيت فما شعرنا بعد قليل إلا بحميراء تقرع علينا الباب فتدخل إلى حجرتها تصلي وتبكي.
فيروز  :  عجباً ألم تسألوها ما خطبها؟
شـاه   :  بلى سألناها وأخبرتنا بكل شيء.
فيروز  :  ماذا قالت؟
شـاه  :  إنا قد أرسلنا في طلبه منذ قليل لنواجه بينه وبينها فسيحضر الآن ونخبئك أنت في مكان فتسمع كل شيء بأذنك.

 

 

ـ4ـ

شـاه    :  لكن لماذا انتظرت يا بدر الدين حتى أرسلنا في طلبك؟ لماذا لم تجيء على إثرها في الحال؟
بدرالدين: لم أستطع يا سيدي أن أفعل ذلك. فقد قام في نفسي أن ابنة شاه الكرماني لما دخلت بيتي فرأت فقري ورقة حالي احتقرتني وقررت ألا ترضى بي بعلا فلحقت بأهلها قبل أن تقضي عندي ساعة واحدة.
شـاه    :  كلا لقد أخطأت يا بدر الدين إنك أسأت فهم مرادها فقلبته من النقيض إلى النقيض.
بدرالدين: كيف يا سيدي الشيخ؟
شـاه       :  اشرحي له يا حميراء.
حميراء     :  يا هذا ليس خروجي من منزل لفقرك بل لضعف يقينك.
بدرالدين: ماذا أنكرت مني يا حميراء؟
حميراء    :  ألم أجد عندك رغيفاً يابساً قد وضعته على رأس جرة ماء؟
بدرالدين:  بلى.
حميراء   :  وسألتك فقلت لي: هذا رغيف تركته من أمس لنفطر غداً عليه؟
بدرالدين: أجل وأي شيء في ذلك؟
حميراء    : أرأيت يا أبي؟ إنه لم يدرك حتى الآن الذنب الذي ارتكبه.
بدرالدين: سبحان الله. أي ذنب ارتكبت.
حميراء   : حقاً ليس الذنب ذنبك. الذنب ذنب أبي إذ قال لي: زوجتك يا حميراء بشاب مؤمن تقي، فكيف يوصف بالتقوى والإيمان من بلغ من ضعف يقينه بالله أن يدخر من أمسه رغيفاً لغده؟
بدرالدين: هذا إذن هو الذي نفرك مني؟
حميراء   :  نعم.
بدرالدين: وليس فقري ورقة حالي؟
حميراء   : لا.
بدرالدين: ما أكرمك يا حميراء وأعظمك سامحيني إذن هذه المرة فوالله لا أعود لمثلها أبداً ما حييت.
حميراء    : هيا بنا إذن.
بدرالدين: إلى أين.
حميراء    : إلى بيتنا.
بدرالدين: الحمد لله . الحمد لله.

ـ5ـ
شـاه    :  سمعت يا ابن أخي؟
فيروز   : (بصوت يخالطه البكاء) سمعت يا عماه.
شـاه    :  ويحك يا ابن أخي إنك لتبكي.
فيروز   :  (يشتد نشيجه) لوددت يا عماه لو أخرج من ملكي كله وتكون لي حميراء.

(ستار)


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3722838 عدد الزوار
910 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017