مذكرات باكثير
قيام الليل في فيينا

 

يوم الجمعة 14 نوفمبر 1958

الواقع أنني لما أردت أن آوي إلى سريري شعرت برغبة شديدة في الوضوء ثم الصلاة وكان ذلك في الساعة الثانية عشرة ليلا فتوضأت وتطهرت ثم توجهت إلى ماأظنه القبلة فإني لم أستطع أن أتأكد منها عملا بقوله تعالى: «فأينما تولوا فثم وجه الله» ولا أذكر أنني صليت بخشوع قط مثل خشوع البارحة وقد أحسست وأنا أصليها أن اللّه سبحانه وتعالى سيجيبني إلى طلبي إن دعوته بعد مثل هذه الصلاة، وبعد الفراغ منها دعوت بالدعوات المأثورة ثم دعوته أن يفرج كربي في الغد وأن يجيئني مكتوب من مصر ، ونمت عقب ذلك نومة هادئة.

واستيقظت في الصباح وأنا شديد الشوق إلى معرفة هل جاء كتاب أم لا... ومن عادة البريد أن يوزع في الساعة التاسعة صباحا فأخرت قيامي عمدا حتى الساعة الثامنة والنصف خشية ألا تتحقق الأمنية فأصاب بخيبة أمل جديدة قد تكون أقسى من الأولى. وقلت لنفسي ما كان ينبغي أن أتكل على الدعاء مثل هذا الاتكال خشية أن يهتز  إيماني إذا لم يستجب اللّه دعائي، وذهبت أمهد لنفسي عدم قبول الدعوة لقصور ونقص فيّ،  وإذا بالباب يدق ففتحته فإذا بواب الفندق وهو شخص لطيف وليس في الفندق شخص لطيف غيره. أما الآخرون فترى على وجوههم الغبرة ولا يمكن لأحد أن يعقد آصرة مودة بينه وبينهم وهذا البواب يتكلم الفرنسية بطلاقة، وحدثني أنه يميل إلى سماع برنامج الإذاعة المراكشية ويعجب بالموسيقى التي تذاع فيها ـ إذا هذا البواب يبشرني بأن البنك اتصل بالفندق ليبلغه وصول حوالة باسم فلان (باسمي) فكدت أقبل هذا الرجل من الفرح والواقع أن هذا الرجل قد بدأ يشاركني اغتمامي لتأخير الرسائل المنتظرة وإن كان لا يعلم مضمونها ، ثم بعد قليل يعود مرة أخرى وأنا أتناول إفطاري يسلمني برقية مختومة فإذا هي من الولد عمر عثمان العمودي وفيها ذكر المبلغ الذي حول إلى بواسطة البنك المشار إليه فازداد فرحي وسروري إذ قرأت في البرقية توقيع عمر العمودي.

وقد شعرت وقتئذ بنشاط عجيب بعد التخاذل والملل الذي استحوذ عليّ منذ أربعة أيام أو ثلاثة حتى لأكاد أحيانا أن أعزم السفر إلى القاهرة في الحال دون انتظار لأي شيء حتى ولو ضاع المبلغ الذي طلبته من القاهرة أو استولي عليه صاحب الفندق، ولكن عدم كفاية المبلغ الذي عندي لأدفع ما استحقه الفندق عليّ كان أكبر مانع يحول دون هذا التسرع، والواقع أنني بدأت أكره فيينا وأراها كسجن كبير أنا طليق فيه أتجول في أنحائه كيف أشاء ولكني مسجون على كل حال ، واشتد حنيني إلى أهلي بالقاهرة ولم أستطع أن أصبر أطول مما صبرت وأحسست كذلك بالوحدة القاتلة بعد أن كنت في أول الأمر أي أول ما نزلت فيينا منفردا أشعر أن الرحلة لا تكون جميلة وممتعة إلا إذا كان المرء يقوم بها وحده دون رفيق لأن الرفيق يحجب عن المرء كثيرا من الشؤون التي ينبغي أن يعرفها عن البلد الذي هو فيه ولا يتيح له أن يستقل بمسؤوليته ويعتمد على نفسه في كل صغير وكبير، وهذه أول مرة أسافر فيها وحدي وقد أدركت أنني عرفت شوارع فيينا معرفة لابأس بها في وقت قصير، على أنني أعتقد أنني ضعيف الحاسة الجغرافية، والحقيقة أنني كنت أعتمد في الرحلات السابقة على رفاقي فلا أرى البلد بعيني ولا أتأمل شوارعها وطرقها بنفسي فتكون النتيجة أنني لا أهتدي إلى سبيلي فيها مهما تطل إقامتى في ربوعها، ولكني في أثناء هذا الضيق حننت إلى الرفيق ليسليني ويشعرني بالطمأنينة والسلامة.

 


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3815004 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017