المسرحيات القصيرة->المسرحيات السياسية
بالرفاء والبنين

-1-

(في قصر السماني باشا بالخرطوم- السماني باشا عابس الجبين- يستأذن عليه القاضي محبوب فيدخل)

محبوب: السلام عليك يا ملك السودان!

السماني: أتسخر بي يا محبوب؟

محبوب: معاذ الله أنت ملك السودان ولو كره المصريون المستعمرون!

السماني: إنك تزيدني بقولك هذا غما على غمي.

محبوب: ماذا يغمك يا مولاي؟ أرى الأمور سائرة على خير ما يرام.

السماني: نعم على خير ما يرام بالنسبة لك لأنك ستتولى منصب قاضي القضاة قريبا (يتنهد) أما أنا..

محبوب: كلا يا مولاي، إن دون مطلبي مصاعب جمة بعد فإن مصر مصممة على استبقاء هذا المنصب الذي هو عنوان سيطرتها على بلادنا. إنني أعتقد أن نزع هذا المنصب من أيدي المصريين أهم من كل شيء آخر.

السماني: أهم من توليتي ملكا على السودان؟

محبوب: نعم.

السماني: أتجرؤ أن تقول هذا أمامي ويلك؟

محبوب: ما أردت إغضابك يا مولاي ولو فهمت قصدي لسرك قولي.

السماني: أتتهمني بسوء الفهم ويلك؟

محبوب: حاشاي يا مولاي.. لعلي لم أحسن التعبير عما في قلبي.

السماني: ليس في قولك أي غموض أو إبهام. ألم تقل إن توليتك منصب قاضي القضاة أهم من توليتي ملك السودان؟

محبوب: بلى يا مولاي، لأن هذا المنصب تتولاه مصر حقاً وصدقاً. أما الحكم في السودان فليس لها منه إلا الاسم. ولذلك فلا قيمة لنزع ذلك الحكم الاسمي من أيدي المصريين.

السماني: معنى هذا أنه لا قيمة لتوليتي ملك السودان عندك لقد غرك تقريب الحاكم العام لك، فظننت أنه لن يسمع قولي فيك!

محبوب: كلا يا مولاي.. لا أجهل أنك مقرب إليه أكثر مني.

السماني: منك ومن أي واحد غيرك!

محبوب: لا جدال في ذلك ، لأن مرتبتي عنده تلي مرتبتك.

السماني: تلي مرتبتي! ما شاء الله.. فأين إذن تضع مراتب الأمراء؟

محبوب: كأنك نسيت يا مولاي أن ميثاقنا القومي لا يعترف بأمراء مصر ولا باشاواتها ولا قضاتها، وأن علينا أن نقطع بها كل صلة.

السماني: مالنا ولمصر؟ أنا لا أعني الأمراء المصريين.

محبوب: فمن تعني؟

السماني؟ أمراء السودان.. أبنائي يا غبي.

محبوب: معذرة.... لقد أنساني الشيطان أن أبناءك سيكونون أمراء السودان حين يكون أبوهم ملكاً للسودان (بصوت خافت) لعنة الله عليك يا شيطان!

السماني: ماذا تقول؟

محبوب: قلت: لعنة الله عليك يا شيطان!

السماني (يستشيط غضباً): بل لعنة الله عليك يا قاضي الشيطان:

محبوب: ماذا أغضبك يا مولاي؟

السماني: أتلعنني وتسميني شيطاناً ولا أغضب؟

محبوب: أنا لم أوجه الخطاب إليك يا مولاي:

السماني: فلمن توجهه؟

محبوب: للشيطان نفسه!

السماني: أغرب من وجهي يا لعين (يهدد بضربه)

محبوب: (يتقهقر عنه): صدقني يا مولاي أنني عنيت الشيطان الحقيقي!

السماني: ويلك (يرفع عليه الهراوة ليضربه فيخرج محبوب ناجياً بنفسه)

السماني: (يعود وهو يهمهم بكلمات غير مفهومة فيعمد إلى المرآة المعلقة في الحائط ويقف أمامها) أهذا ... ؟ كلا.. أنا ملك السودان! أنا ملك السودان!

-2-

في قصر الحاكم العام- القاضي محبوب يتحدث إلى صاحب القصر.

محبوب: هذا شيء لا يطاق يا صاحب الفخامة.

الحاكم: يجب أن تحتمله يا قاضي محبوب على علاته. وقد أكدت له حين شكاك إلى أنك لم تقصد إغضابه وأنك لا تحمل له إلا كل تجلة واحترام .

محبوب: فماذا قال؟

الحاكم: زال من قلبه كل شيء في الحال. إنه صافي القلب كما تعلم. وسيجيء الساعة فتراه وقد رضي كل الرضا عنك.

محبوب: مادمت راضيا عني يا صاحب الفخامة فلا يعنيني رضاه أو غضبه.

الحاكم: إذا شئت رضاي فعليك أن تراعي خاطره. إنك تعلم أن موقفنا دقيق فعلينا جميعا أن نوجه جهودنا كلها لتحرير البلاد من نير الاستعمار المصري الغاشم!

محبوب: لاشك يا صاحب الفخامة.. لاشك.

(يستأذن السماني باشا فيدخل)

السماني: تحياتي لصاحب الفخامة.

الحاكم: مرحبا بك.. تفضل.

السماني: أأنت هنا يا محبوب؟

محبوب: نعم يا مولاي.. أما زلت غاضبا علي؟

السماني(يجلس): لقد عفوت عنك هذه المرة إكراماً لخاطر صاحب الفخامة، فحذار أن تعود لمثلها.. أفهمت؟

محبوب: نعم يا مولاي؟

الحاكم (يسحب أوراقاً من مكتبة ويناولها للسماني باشا): خذ هذه فوقع عليها.

السماني (يتناولها): ما هذه؟

الحاكم: قرارات واحتجاجات حضرناها باسمك لتنشر في الصحف.

السماني: لا أقدر الآن أن أقرأها لأنني متعب.

الحاكم: (مقطباً): ما أعطيتكها لتقرأها، بل لتمضي عليها.

السماني: (يبلع ريقه فيمضي عليها ويردها إلى الحاكم العام): ألم تجيء أنباء جديدة من لندن يا صاحب الفخامة؟

الحاكم: أنباء سارة يا سير سماني باشا إن جمعية الصداقة الإنجليزية السودانية قد تم تشكيلها نهائيا، وبدأت تتخذ خطوا ت العمل.

السماني: (بدون اكتراث): ما عسى أن تصنع هذه الفئة القليلة من الرجال؟

الحاكم قد انضم إليها أعضاء جدد كثيرون، ويكفي أن يكون فيهم البروفسور هارولد لاسكي.

السماني: وما هارولد لاسكي هذا؟

الحاكم: (ممتعضاً): أعظم أستاذ في العلوم السياسية والاقتصادية في بريطانيا وهو بعد يهودي، فهو يكره المصريين الذي يقاومون الحركة الصهيونية. إنه قوة عظيمة لنا يا سير سماني باشا... مالي أراك واجماً؟ ألم تسرك هذه الأنباء؟

السماني: ليست هذه هي الأنباء التي أسألك عنها.

الحاكم: فعن أي أنباء تسأل؟

السماني: إنك تعرف ما أريد.

الحاكم: تسألني عن ميعاد يوم التتويج؟

السماني: نعم يا مولاي.. لقد طال الانتظار وعيل الصبر.

الحاكم : يؤسفني أنني لم أتلق بعد شيئاً بخصوص يوم التتويج. فاصبر قليلاً فلن يطول انتظارك بإذن الله.

السماني: إلى متى أصبر وأصبر؟ لقد وعدني المستر أتلى نفسه بأنه سيحدد يوم التتويج بمجرد رجوعي من لندن إلى السودان.

الحاكم: بودنا أن يتم التتويج اليوم أو غداً لولا أن هناك عقبات كثيرة لابد أولا من تذليلها.

السماني: فما بالكم أنجزتم مسألة قاضي القضاة سريعاً، وتركتم مسألة التاج التي هي أهم وأجدر بالإسراع والمبادرة؟

الحاكم: لاشك أن مسألة التاج أهم المسائل كلها. ولذلك فهي الخطوة الأخيرة ويجب أن تسبقها خطوات كثيرة.

السماني: لقد ضقت ذرعاً بالانتظار ولم أعد أحتمل هذه السياسة البطيئة التي تدب دبيب السلحفاة.

محبوب: دبيب السلحفاة الناجح خير من جري الأرنب الفاشل يا مولاي.

الحاكم : نعم يا قاضي محبوب، اشرح للسير سماني باشا هذه الحكمة الذهبية.

السماني: كل ما يعني القاضي محبوب هو أن يتولى منصب قاضي القضاة وقد أصبح هذا على طرف التمام فلا يهمه بعد ذلك شيء.

الحاكم: (يتشاغل بالكتابة في أوراقه) إنك متعب يا سير سماني باشا.

السماني: أنا لم أتعبكم في شيء.. لقد نفذت مقترحاتكم وأوامركم كلها، وإنما أنتم الذين أتعبتموني وأطرتم النوم من عيني!

الحاكم: أما زلت تشكو الأرق يا سير سماني باشا؟

السماني: أمست عيني لا تغمض أبداً.. لقد كدت أجن!

الحاكم : لابد أنك تركت تعاطي حبوب النوم التي صنعها لك طبيبي الخاص.. يجب أن تداوم عليها.

السماني: لم تعد تلك الحبوب الملعونة تنفعني.

الحاكم: هذا عجيب.. زد قليلاً في عدد الحبوب التي تبلعها.

السماني: لقد بلعت الأنبوبة كلها البارحة فلم تؤثر في!

محبوب: خذ لك يا مولاي كتاباً تقرأ فيه عندما تأوي إلى فراشك..

السماني (يقاطعه): هذه وصفة أعرفها من قديم، وقد كانت تنفعني في الماضي، ولكنها أصبحت عديمة الجدوى الآن.

محبوب: لعلك لم تجربها في هذه الأيام.

السماني: جربتها فلم تنفع بل زادتني أرقاً على أرق.

محبوب: (يترنم):

أرق على أرق ومثلي يأرق.

وجوى يزيد وعبرة تترقرق!

السماني (غاضباً): أرأيت يا صاحب الفخامة كيف يسخر بي هذا القاضي الخبيث؟

الحاكم: ألم أقل لك يا قاضي محبوب

محبوب: والله ما سخرت به يا صاحب الفخامة، وإنما ذكرتني كلمته مطلع قصيدة مشهورة للمتنبي.

السماني: هل هذا البيت من شعر المتنبي؟

محبوب: نعم يا مولاي: إنك لفصيح القول، وحسبك فخراً أن يجري بعض عبارات المتنبي في كلامك.

السماني(يشرق وجهه بالبشر): والله ما سمعت بيت المتنبي من قبل!

محبوب: هذا يشهد بأنك فصيح بالطبع والسليقة، وأنك لا تقل عن المتنبي في ميدان البلاغة.

الحاكم: ومن يكون هذا المتنبي؟

محبوب: شاعر كبير ادعى النبوة قديماً وطمعت نفسه في الملك.

الحاكم: همة عالية وطموح عظيم حدثني عن تلك الشخصية العجيبة ماذا تم من أمرها يا قاضي محبوب؟

محبوب: كانت نهايته مؤلمة فقد قتله جماعة من البدو.

الحاكم (مقاطعاً): دعنا من حديثه إذن. إنني لا أحب حديث المخفقين (يتنحنح) ماذا كنا نتحدث فيه؟

محبوب: كنا نتحدث عن علاج الأرق يا صاحب الفخامة.

الحاكم: أجل، يهمني جداً أن نجد دواء للأرق الذي يشكو منه السير سماني باشا.

السماني لا دواء له إلا تحديد يوم التتويج.

الحاكم: هذا الدواء لم يتم تحضيره بعد في صيدلية لندن.. ألا نستطيع أن نجد دواء آخر الآن؟

محبوب: أحسن دواء للأرق عندي هو أخذ كتاب عند النوم. وإني واثق أنه سينفع مولاي السير لو أنه كرر التجربة.

السماني: (محتداً): قد جربته مراراً فلم ينفع!.

محبوب: خذ لك كتاباً آخر إذا لم ينفع الكتاب الأول.

السماني: لقد وضعت مكتبة والدي كلها على السرير واضطجعت بين مجلدات الكتب فلم تنم لي عين!

محبوب: هل أمرت يا مولاي بنفض تلك المجلدات أولاً فلعل فيها.

السماني: فيها ماذا؟ تكلم!

محبوب: (متلعثماً): معذرة يا مولاي لعل فيها. لعل فيها غباراً فقط يا مولاي.

السماني: ظننت أنك ستقول شيئا آخر.

محبوب: لا يا مولاي، لاشيء غير الغبار.

- 3 -

في ديوان الحاكم العام - الحاكم العام جالس إلى مكتبه وأمامه السير سماني باشا والقاضي محبوب.

الحاكم: لا أمل في إقناع الشيخ حسن مأمون إذن؟

السماني: لقد حاولت إقناعه بكل سبيل فلم يزدد إلا تشبثاً برأيه.

محبوب: لقد تخلصتم من هذا الشيخ المصري فلماذا تحاولون إرجاعه للخدمة؟ أليس في بلادنا من يسد مسده؟

السماني: تقول هذا لأنك تطمع في أن تتولى منصبه.

محبوب: إن كنتم لا تريدونني فولوا المنصب لأحد من السودانيين غيري، ولا تعيدا هذا الشيخ المصري.

الحاكم: إنه إنْ عاد إلى منصبه فسيعود إليه سودانياً لا مصرياً.

محبوب: حتى لو رضي التخلي عن جنسيته المصرية في الظاهر فسيبقى مصري النزعة في الباطن، والله لا أفهم لماذا تتكبدون كل هذا العناء في محاولة إقناعه؟ اتركوه يرجع إلى بلاده.

الحاكم: ألا تعرف غرضنا من ذلك يا قاضي محبوب! إننا إذا نجحنا في إقناع الشيخ حسن مأمون بالتخلي عن جنسيته المصرية إلى الجنسية السودانية فقد رمينا قنبلة عظيمة على رؤوس المصريين.

السماني: يعرف القاضي محبوب كل هذا ولكنه يتجاهله لحاجة في نفسه.

محبوب: كلا يا مولاي ولكني موقن أنه لن يرضى بهذا العرض فمن العبث محاولة إقناعه بالقبول. سيقول لكم دائماً: أنا مصري وسوداني معاً، وحدة وادي النيل.. مصر والسودان وحدة لا تتجزأ.. السودان لمصر ومصر للسودان، وأمثال هذه الكلمات التي يرددها المصريون ولا يزال يرددها معهم -وا آسفا- تسعون في المائة من أهل هذه البلاد.

السماني: هذه مبالغة منك.

محبوب: كلا يا مولاي.. هذه هي الحقيقة مع الأسف ومن قال لكم غير هذا فقد خدعكم.

الحاكم: حذار أن تقول مثل هذا للناس.

محبوب: لا يا صاحب الفخامة لست مجنوناً حتى أقول مثل هذا للناس.

السماني: فما غرضك من التشدق بهذا أمامنا؟ أأردت أن تملأ قلوبنا يأساً؟

محبوب: بل أردت أن تفتحوا عيونكم على هذه الحقيقة لتضاعفوا من نشاطكم وتأخذوا بالحزم في أموركم.

السماني: إن كان ما يقوله القاضي محبوب صحيحاً فسيطول أرقي وعذابي.

محبوب: لو كنت تخالط الناس مثلي لما تشككت في صحة ما قلت.

الحاكم: لا تبتئس يا سير سماني باشا فإن الزمن يخدمنا ولا يخدم المصريين. إن يكن تسعون في المائة من السودانيين اليوم مع المصريين فستنقص نسبتهم في العام القادم إلى ثمانين في المائة ثم تكون سبعين في العام الذي يليه وهكذا حتى لا يبقى سوداني واحد لا يحب استقلال بلاده.

السماني: أعليّ أن أصبر كل هذه السنين الطويلة لأتولى عرش السودان؟ أأظل مؤرقاً لا يغمض لي جفن طوال هذه المدة؟ قلت لكم إنني أكاد أجن فلئن طال بي المدى ليجلسنَّ على عرش السودان رجل مجنون!

محبوب: إن الدولة السودانية على كل حال ستكون دولة دستورية!

السماني: ماذا تعني يا قاضي محبوب؟

محبوب: لا.. لا أعني شيئاً.. إنما أعني أن الملك في الدولة الدستورية لا يتحتم أن يكون عاقلاً جداً!

السماني: كأن جنوني سيسرك يا محبوب!

محبوب: كلا لا أعتقد أنك ستجن يا مولاي، وإذا وقع المحذور -لا قدر الله- فإن الطب الحديث كفيل بشفائك.

الحاكم: هذا صحيح لقد تقدم الطب العقلي في السنوات الأخيرة تقدماً عظيماً.

السماني: لم يستطع هذا الطب الحديث أن يشفيني من الأرق، فأنّى يستطيع أن يشفيني من ال...

محبوب: يظهر لي أن علاج الجنون أسهل من علاج الأرق. وصاحب الفخامة أعرف بهذه الأمور مني على كل حال.

الحاكم: ليس هذا صحيحاً على إطلاقه فلئن استعصى علاج الأرق عند السير سماني باشا فلأنه قد أزمن. ولكننا لن ندع الجنون يزمن عنده فسنبادره بالعلاج أول ما تبدو بشائره فاطمئن يا سيدي فإني ساهر على خدمتك.

- 4 -

(يدخل أحد شيوخ القبائل فيحني للحاكم العام تحية له).

الحاكم: لقد قرأت عريضتكم، ولكن ماذا أستطيع أن أصنع؟

الشيخ: تستطيع يا صاحب الفخامة أن تأمر بإطلاق الماء في الأرض التي أزرعها.

الحاكم: لقد قمت بكل ما في وسعي لمساعدتكم، فأعطيتكم البذور والماشية في العام الماضي لتزرعوا تلك الأرض الموات، ولكن مهندس الري المصري هو الذي قطع المياه عنكم بحجة أنها من النصيب المخصص لمصر فلاحق لكم في ذلك فماذا أصنع أنا؟

الشيخ: ألا تستطيع أن تنصفني يا فخامة الحاكم؟

الحاكم: لا أستطيع إنصافك الآن فانتظر حتى ننجح في تحرير السودان وإعطائه الحكم الذاتي، وحينئذ سيتم الإنصاف لا لك وحدك بل لجميع الشعب السوداني.

الشيخ: ألا تقطعني أرضاً أخرى لا يكون سقيها من المياه المخصصة لمصر؟

الحاكم: لا أقدر أن أقطعك مرتين اذهب فكافح مع المكافحين في سبيل استقلال بلادك، وأيد جهود صديقتكم بريطانيا العظمى في هذا السبيل.

(ينحني الشيخ احتراماً ويتقهقر ثم يخرج).

الحاكم: أرأيت يا سير سماني كيف أمهد لك الأمور وأنت نائم مستريح؟

السماني: قلت لكم أنني لا أنام!

الحاكم: أنا لا أعني النوم الحقيقي.

السماني: وأنا لا أنام لا نوماً حقيقيا ولا نوماً مجازياً!

محبوب: إن فخامة الحاكم العام يعني أنه يتحمل عبء الحركة الاستقلالية وحدة في سبيلنا.

السماني: لا يستطيع أحد أن ينكر مجهوداتي في الحركة.

الحاكم: (يبتسم): لعلك تعني سفرك إلى لندن!

السماني: وعشرات الألوف من الجنيهات التي أنفقتها؟ أيضيع كل هذا سدى؟

الحاكم (يحد إليه النظر): لا تضطرني يا سير سماني باشا إلى أن أسألك من أين لك هذه الأموال، وإن راتبك الرسمي عندنا لهو خمسة عشر جنيها فقط في الشهر؟ أفتريد أن تجحد فضلنا من الآن؟ فماذا يكون موقفك منا إذن حين تجلس على العرش؟ يخيل لي أننا قد ذهبنا إلى أبعد مما يجب في الاعتماد عليك!!

السماني: (بانكسار): معاذ الله أن أجحد فضلكم، ولست إلا من صنائعكم وما صيرني إلى ما ترى إلا طول الانتظار وقلة النوم ونفاذ الصبر. وستراني حين أجلس على العرش أطوع لكم من بنانكم.

محبوب: الحقيقة يا صاحب الفخامة أنكم لم تجدوا أشد إخلاصاً لبريطانيا العظمى من مولاي السير سماني باشا.

وما دفعه إلى مثل هذا القول إلا شعوره بماله من الدالة عليكم.

الحاكم (يبتسم): أتريد أن تعرفني يا قاضي محبوب بصديقي العزيز القديم؟

السماني: أشكرك يا صاحب الفخامة على لطفك وكرمك.

الحاكم: لا. لا أريد شكرك يا صديقي العزيز، وإنما أريد أن لا تزعجني بعد الآن بإلحاحك في استعجال يوم التتويج الذي سيجيء في حينه. فهل تعدني بذلك يا سير سماني باشا؟

السماني: إن تكن هذه مشيئتكم فسأصبر نفسي ما استطعت.

الحاكم: عليَّ الآن أن أشكرك على هذه المعاونة القيمة منك.

محبوب: ومسألتي أنا يا صاحب الفخامة إلى متى تبقى معلقة؟

الحاكم: يخيل إلي أن هذا المنصب منصب خطير جداً في نظر المسلمين جميعاً، فقد قامت الدنيا وقعدت إذ عزلنا الشيخ حسن مأمون عنه. وأخشى أن لانسد مكانه إذا أسندنا المنصب إليك فتكون حجة للمصريين علينا.

السماني: نعم وتكون عنوانا سيئا للمصريين.

محبوب: كلا لا تخافوا شيئا من هذا. إن محسوبكم لا يقل كفاية للمنصب من قاضي القضاة المصري.. فجربوني إن شئتم.

الحاكم: كيف لي بهذا وأنا أجهل الموضوع تماماً؟

محبوب: المسألة في غاية البساطة يا صاحب الفخامة.. فإذا شئتم أجريت الساعة عقد زواج شرعي أمامكم على سبيل التجربة.

الحاكم: حسناً فافعل لنرى.

محبوب (يدنو منهما): أنت الزوج يا صاحب الفخامة ومولاي السير سماني باشا الزوجة.

السماني (يستشيط غضباً): ماذا تقول يا لعين؟ أتجعلني امرأة؟

محبوب: كلا يا مولاي.. ستمثل دور الزوجة فقط، وستبقى بالطبع رجلاً كما أنت.

السماني: (في غضبه): اخرس يا لكع!

محبوب: معذرة يا مولاي.. ما ظننتك تغضب لمثل هذا!

السماني: ويلك.. أتجعلني امرأة ولا أغضب؟

محبوب: إذن فلتكن أنت يا مولاي الزوج وليأخذ صاحب الفخامة دور الزوجة... على سبيل التمثيل يا فخامة الحاكم فهل من مانع لديك؟

الحاكم: إن كان على سبيل التمثيل فقط فلا مانع عندي! إن هذا لشيء طريف.

محبوب: وأنت يا مولاي السير هل تقبل دور الزوج؟

السماني (يعتدل في جلسته): أما هذا فنعم. كان عليك أن تقترح هذا من أول الأمر.

محبوب: (يلتفت إلى الحاكم العام) وكليني يا هادلستونة أن أزوجك.... (يدخل سكرتير الحاكم العام من الغرفة المجاورة مسرعاً).

السكرتير: كلا يا صاحب الفخامة لا تقبل هذا.. إن هذا لا يليق بمنصب فخامتك.

الحاكم: لا تظن هذا حقيقياً.. إنما هو على سبيل التمثيل.

السكرتير: ولا على سبيل التمثيل. إنك إن فعلت هذا وتسامع به الناس فستكون ضحكة في هذه البلاد والبلاد الشرقية أجمع. لا تنس يا صاحب الفخامة أنك في بلد شرقي.

الحاكم: إنك على حق.... لا أدري كيف غاب هذا عني.

السكرتير: عن إذنك يا صاحب الفخامة (يخرج).

الحاكم: أوقد فعلتها في يا قاضي محبوب؟

محبوب: والله ما قصدت بهذا أي سوء لك يا فخامة الحاكم. وقد اقترحت في أول الأمر أن تأخذ أنت دور الزوج ولكن مولاي السير لم يرض..

السماني: لقد أردت أن تفعلها في يا قاضي السوء وتجعلني سخرية في البلاد أتحسبني أبله إلى هذه الدرجة؟

محبوب: لا والذي رشحك لعرش السودان ما قصدت شيئاً من ذلك، وإنما أردت أن أريكم براعتي في القضاء الشرعي.

السماني: أما تستطيع أن ترينا براعتك إلا بأن تجعل أحدنا امرأة؟! أما تعرف يا قاضي القضاة أبسط قواعد الفقه أن لا يصح عقد الزواج إلا بين ذكر وأنثى؟

محبوب: بلى.. إنني أعرف هذه القاعدة بالطبع، ولكني أردت إجراء العقد على سبيل التمثيل فقط.

السماني: يجب أن يكون العقد مستوفياً للشروط حتى في التمثيل!

الحاكم: عجباً.. إنك لتعرف هذه الأشياء أيضاً يا سير سماني باشا؟

السماني (مزهواً): بغير شك يا صاحب الفخامة، فمن شروط ولي الأمر عندنا أن يكون عالماً بقواعد الفقه الإسلامي.

الحاكم: أما أنت يا قاضي محبوب فيؤسفني أنك لم تنجح في الامتحان.

محبوب: لما ينته الامتحان وما رأيتم من براعتي الفقهية شيئاً بعد.

الحاكم: فأرنا براعتك إذن.

محبوب: دعني أفكر قليلاً... أمهلني دقيقتين فقط.

الحاكم: أعن قاضي قضاتك يا سير سماني باشا.

محبوب: كلا لا أريد أن يعينني أحد.. هأنذا حللت لكم المشكلة.

الحاكم: كيف؟

محبوب: لقد اهتديت إلى حل لا يقدر حتى الشيخ حسن مأمون أن يجيء بمثله.

الحاكم: وما هو؟

محبوب: إن جمهور الفقهاء يشترطون أن يحضر ولي الزوجة ليتولى عنها، العقد فأنت يا صاحب الفخامة ولي الزوجة.

الحاكم: وأين الزوج؟

محبوب: مولاي السير.

السماني: وأين الزوجة؟

محبوب: بريطانيا العظمى.

الحاكم: بريطانيا العظمى؟!

محبوب: نعم.. إنها أنثى كما تعلم وبذلك تتم الأركان كلها! فها بنا نجري العقد على بركة الله (يضع يد أحدهما في يد الآخر) الآن قل معي يا صاحب الفخامة الكلمات التي سأقولها:

الحاكم: ماذا أقول؟

محبوب: يا سير سماني باشا.

الحاكم: يا سير سماني باشا.

محبوب: زوجتك..

الحاكم: زوجتك..

محبوب: عمتي بريطانيا العظمى..

الحاكم: عمتي بريطانيا العظمى..

محبوب: على مهر قدره سبع أوقيات ذهب.

الحاكم: على مهر قدره سبع أوقيات ذهب.

السماني (بدون أن ينتظر التلقين من محبوب): قبلت زواجها بالمهر المذكور.

محبوب: مباركة عليك يا مولاي.

الحاكم: أهذا كل ما عندك؟

محبوب: نعم، يا صاحب الفخامة، وأشياء أخرى أسهل من هذا وأبسط أتراني لا أصلح لمنصب قاضي القضاة؟

الحاكم: أعتقد الآن أنك تصلح له جداً!

(يدخل السكرتير ثانية)

السكرتير: مكالمة تليفونية من لندن يا صاحب الفخامة.

الحاكم (ينهض من مجلسه): عن إذنكما

(يدخل إلى الحجرة المجاورة وخلفه السكرتير)

محبوب: أرأيت يا مولاي كيف خدمتك هذه الخدمة العظيمة؟

السماني: أي خدمة تعني؟

محبوب: ألا تدري ماذا ينطوي عليه هذا العقد من المزايا العظيمة لك؟

السماني: ماذا تعني؟

محبوب: إنك صرت الآن زوجاً لبريطانيا العظمى.

السماني: (بقلة اكتراث): وماذا في هذا؟

محبوب: أصبحت بريطانيا العظمى الآن في طاعتك بحكم الشرع!

السماني: (ينطلق وجهه): أصحيح هذا؟

محبوب: لاشك... أصبحت الآن متصرفاً في دواننج ستريت رقم 10 ووايتهول وغيرها من الدوائر.

السماني: إذن فسآمرها بتعيين يوم التتويج غداً.

محبوب: افعل ما بدا لك... مرها بما شئت، فلن تعصي لك أمراً.

السماني: أرى فيك قاضي القضاة!

محبوب: بالرفاه والبنين يا مولاي!

(ستار)

 

*نشرت بتاريخ : 25/1/1947


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3813915 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017