ذكريات عن باكثير
علي أحمد باكثير

بقلم الأستاذ: وديع فلسطين

"يسمونك باكثير بينما أنت باقليل!" كانت هذه هي دعابة المطربة أم كلثوم (ت 1975) عندما طلبت رؤية مؤلف رواية (سلامة القس)  قبل تمثيل دور البطولة فيها إذ كانت تتصور الأديب علي أحمد باكثير ضخماً كاسمه  فلما رأته قصير القامة خجولاً يتعثر في بداوته مازحته بهذه العبارة جرياً على مألوف عادتها في التنكيت والمداعبة. ولعل هذه كانت المرة الأولى والأخيرة التي رأى فيها أم كلثوم رأي العين بسبب ما تركب في جبلته من انطوائية موروثة من أيام البداوة الأولى فصار يجفو مجتمعات الفن ولا يغشاها إلا وهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى في حين كان غيره من المؤلفين والروائيين والمسرحيين يحشرون أنفسهم في هذه المجتمعات كيما يتأتى لرواياتهم ومسرحياتهم أن تعرف طريقها إلى الشاشة العريضة أو الصغيرة أو خشبات المسارح .
كان علي أحمد باكثير يسبح ضد التيار أو على الأصح أنه كان يفتقر إلى الحس الذي يجعله يتوخى المسايرة والملاينة وتفصيل آثاره وفقاً "للموضة"  السائدة . ففي الوقت الذي كانت تطغى فيه العقائد المادية الاشتراكية طغياناً عاصفاً كان باكثير يؤلف روايات عن "القرامطة" و"حبل الغسيل" وغيرهما استخفافاً منه بهذه العقائد بجبروتها المخيف . وفي الوقت الذي كان حكم الفرد هو الظاهرة الصارخة في الوطن العربي كان باكثير يؤلف مسرحية عن "الزعيم الأوحد" عبد الكريم قاسم بكل انعكاساتها وإسقاطاتها على النظم الفاشية القائمة هنا وهناك . وقد أفضى به هذا المنهج إلى استبعاده من الأنشطة المسرحية مع استثناءات قليلة كمسرحية "مسمار جحا" التي مثلت في حينها وكانت تنطوي في قالب فكاهي على سخرية مريرة من الاحتلال البريطاني لمصر.
زار مصر في عام 1968 شاعر عراقي تربطه بباكثير صداقة فرغب في تكريمه في مأدبة غداء في جزيرة الشاي بحديقة الحيوان بالقاهرة ، ودعا مجموعة من أصدقائه للمشاركة في هذه المناسبة، وكنت من جملتهم . وفي صباح يوم التكريم هاتفني قائلاً : هلا مررت علي مبكراً فنتوجه سوية إلى الحديقة لأنني أريد أن أفضفض عما في صدري إليك قبل أن يتوافد المدعوون. فرحبت باقتراحه، ولا سيما لأني كنت بدوري راغباً في الفضفضة إليه بما يعتمل في صدري. وعندما انفردنا في الحديقة قال لي، وكأنه يفضي إلي بشهادته الأخيرة ، إذ لم نلتق بعد ذلك لسفري إلى الخارج بنية عدم العودة ولوفاته بعيد ذلك في العاشر من تشرين الثاني (نونمبر  1969) وأسر إلي باكثير وهو يشعل غليونه قائلاً :

"ستكون شاهدي ذات يوم ، فلا تكتم الشهادة .تعرف أنني عشت في مصر معظم عمري، وتجنست بجنسيتها، وشاركت في الأنشطة التربوية مدرساً، وفي الأنشطة الثقافية عمومأ، ولكنني بت أستشعر، ولا سيما في هذه الأيام، بغربة شديدة ، ولهذا قررت السفر إلى إنكلترة للإقامة والعمل هناك بلا عودة. وأنت تعرف أنني أجيد اللغة الانكليزية بحكم دراستي إياها في قسم اللغة الإنكليزية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة الآن) كما أنني أطلعتك على بعض مسرحياتي التي نقلتها بنفسي إلى اللغة الإنكليزية، وكنت راضياً عنها. وفي نيتي أن أحاول إقناع أصحاب الفرق المسرحية في لندن بتمثيلها هناك بعدما أعيتني محاولات تمثيلها هنا. كما أن لي صلات ببعض المستشرقين الإنكليز الذين أبدوا استعداداً للاستعانة بي في التدريس الجامعي".

وشكا علي أحمد باكثير من "الشلل"  التي قاطعت جميع أعماله لأنها تستوحي قضايا عربية إسلامية وطنية بدعوى أنها أعمال رجعية، وقال إنه عاجز عن أن يقتحم الدائرة المحكمة بسبب منابته غير المصرية، ولأن طبيعته لا تتسم بالشراسة المطلوبة لتحقيق هذا الاقتحام، يضاف إلى هذا أن وظيفته الحكومية في مصلحة الفنون، التي تحولت بعد ذلك إلى وزارة الثقافة ، لا تهيئ له أسباب العيش الكريم . وبقدر تعاطفي مع علي أحمد باكثير في كل ما قال، لأنني كنت أتابع كمراقب أو متفرج الحركة الثقافية في مصر، نقد نصحته بألا يقفز قفزة في الظلام ، بمعنى أن يترك عملاً دائماً على أمل أن يجد عملاً بديلاً في بلد غريب .وأشرت عليه بأن يجري اتصالات مبدئية بالجهات الثقافية والفنية في العاصمة البريطانية عساه يوفق إلى عمل أو وعد بعمل قبل الإقدام على الهجرة النهائية. 
وتواعدنا على أن نلتقي في أي عاصمة من عواصم العالم، إذ كنت بدوري أتأهب للالتحاق بعمل في الخارج فراراً من البطالة القاتلة و نشداناً للكرامة مع الحرية . ومن أسفٍ أننا لم نلتق بعد ذلك لأن عمره اختصر قبل أن يبلغ الستين .
ولد علي أحمد باكثير في إندونيسية في عام 1910 لأبوين من حضرموت، وكان الحضارمة تجاراً نشطين في الشرق الأقصى في ذلك الحين، وربما إلى هذا اليوم . وانتقل وهو صغير السن إلى حضرموت حيث تلقى تعليمه الابتدائي و الثانوي، ثم تنقل في شبه الجزيرة العربية والصومال والحبشة قبل أن يقرر السفر إلى القاهرة في عام 1934 للالتحاق بجامعتها ثم بالمعهد العالي للتربية كي يؤهل للتدريس . وكان في تقديره أن يعود إلى حضرموت ليخدم بلده في ميدان التعليم، ولكن ظروف الحرب العالمية الثانية حالت دون ذلك . فبقي في مصر، وزاول التدريس بين عامي 1940و1955متنقلاً بين مدن مختلفة في مصر. ولما أنشئت مصلحة الفنون وعهد في إدارتها إلى الأديب يحيى حقي (1905-1992) الذي حيل بينه وبين استمراره في السلك الدبلوماسي بعد زواجه من سيدة أجنبية  ضم إليها علي أحمد باكثير ونجيب محفوظ وعبد الحميد جودة السحار (1913-1974) وغيرهم من الأدباء الذين كانوا يشغلون وظائف في المصالح الحكومية المختلفة.
تزوج باكثير في القاهرة للمرة الثانية، وكانت زوجته الأولى حضرمية تزوجها بعد قصة حب، ولكنها ماتت في شرخ الشباب، فكان هذا من أسباب تعجيله بالخروج من بلاده نشداناً لنسيان هذه التجربة المريرة . ولم ينجب من زوجته الجديدة، ولكنه احتضن ابنتها وعاملها وكأنها ابنة من صلبه، وبهذا كون لنفسه أسرة هانئة هو عميدها، ولا سيما بعدما تزوجت هذه الإبنة في حياته .
واختار باكثير السكنى في حي "منيل الروضة " متنقلاً من بيت إلى آخر في نفس الحي، وذلك منذ أيام التلمذة الجامعية، نظراً لقربه من الجامعة ولأنه حي للطبقة المتوسطة أو نصف الشعبية . وبمجرد وفاته، أقام صاحب البناية التي كان يستأجر فيها شقة تطل على النيل من زاوية، دعوى طرد على أسرة باكثير، واستصدر فعلا حكما بذلك بادر بتنفيذه بالقوة الجبرية، فألقيت كتب باكثير وأوراقه ومتعلقاته خارج البيت، فكانت هذه المعاملة "آخر تحية" وجهت إلى باكثير.
نال في شبابه بعض الجوائز الأدبية، كما نال جائزة الدولة التشجيعية عن مسرحية "هاروت و ماروت" في عام 1962، واختير عضواً في لجنة الشعر ولجنة القصة في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وشارك في بعض الوفود الأدبية التي توجهت إلى عواصم مختلفة .
ولئن استأثرت المسرحية بمعظم إنتاج باكثير، فقد أصدر عدداً من الروايات، كما أنه كان شاعراً مجيداً بث شعره في بعض رواياته مثل "ليلة النهر". ولكن ديوانه، وفيه شعر كثير عن الفترة التي قضاها في المملكة العربية السعودية، لم يجمع أو ينشر في حياته، وربما بعد وفاته . ومواطنه الدكتور محمد أبو بكر حميد معني بجمع هذا الشعر.
بدأ ظهور علي أحمد باكثير عندما انضم إلى لجنة النشر للجامعيين في عام 1943 مع رفاق عمره عبد الحميد جودة السحار ونجيب محفوظ،  وعادل كامل، وقد عرفتهم في هذه اللجنة في بداياتها، وكانوا ما زالوا شبانا يتحسسون خطواتهم في الحياة الأدبية ورأس مالهم هو الموهبة ثم الإصرار على النجاح . وقد انسحب عادل كامل مبكرا للتفرغ لعمله في المحاماة قائلا : إن الأدب لا يطعم خبزاً . وبقي الثلاثة الآخرون ثابتين في الميدان على تفاوت في الحظوظ . فنجيب محفوظ ارتقى إلى العالمية بفوزه بجائزة نوبل في الآداب . والسحار تقلد وظائف عليا منها منصب رئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للحراريات، ثم رئيس مجلس إدارة مؤسسة السينما . أما علي أحمد باكثير فكان أقلهم حظاً، وإن كان من أوفرهم إنتاجاً. بل إنه بدأ الإنتاج حتى قبل أن يجيء إلى القاهرة بمسرحيته الشعرية "همام أو في بلاد الأحقاف" التي أهداها إلى زوجته الراحلة .
وتدفق إنتاجه في لجنة النشر للجامعيين وفي خارجها بعد انفضاض سامرها، فأصدر "إخناتون و نفرتيتي" و"الفرعون الموعود" وهما من الأدب الفرعوني و"سلامة القس" و"إسلاماه" و"سر الحاكم بأمر الله" و"الثائر الأحمر حمدان قرمط" و"قصر الهودج" وهي من التراث الإسلامي، وتنوعت آثاره في موضوعاتها مثل "ليلة النهر" و"روميو و جوليت" و"الدكتور حازم" و"مأساة أوديب" و"السلسلة والغفران" و"إبراهيم باشا" و"جلفدان هانم" و"دار ابن لقمان" و"قطط وفيران" و"شيلوك الجديد" و"سر شهرزاد" و"إله إسرائيل" و"شعب الله المختار" و"مسمار جحا" و"الزعيم الأوحد" و"عودة الفردوس"، وغيرها، فضلا عن نشره كتابا يحوي سيرته الذاتية عنوانه "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية".
و إذا كان نجيب محفوظ أخذ يحتفي في الأزمنة الأخيرة "بحرافيش" من الأدباء الطالعين، فمن حقنا أن نعتب عليه بسبب قلة اهتمامه بالتذكير بزملاء النشأة وبداية الطريق. وقد قال الشاعر:


إنَّ الكِرَامَ إِذَا َمَا أَيْسَرُوْا ذَكَرُوْا

مَنْ كانَ يَأْلَفُهُمْ في المَوْطِنِ الخَشَنِ

فالأحاديث الكثيرة التي صدرت عن نجيب محفوظ بعد ظفره بالنوبلية. والتي أملاها حتى قبل ذلك تكاد تخلو من أي إشادة بباكثير والسحار. ودع عنك أن يحاول تقييم آثارهما ولا سيما بعدما صارا في ذمة التاريخ. وانتفت بذلك الخشية من الميل مع الهوى، مجاملة أو مناوأة، وإن لم ينل هذان الأديبان الإنصاف الحق من رفيق الدرب، فما أشده ظلما من رجل يملك أن يجاهر بالرأي الصائب، أياً كان.
ومن طريف ما يرويه الشاعر عبدالله بلخير أنه عندما كان وزيراً للإعلام السعودي زار القاهرة زيارة رسمية، ورغب وقتها في أن يفاجئ صديقه علي أحمد باكثير بزيارة في بيته. وتوجه بموكبه إلى حيث يقيم، وكلف جندياً من جنود حراسته بالصعود إلى الطابق الثالث للتأكد من أن باكثير في بيته. ودق الجندي الجرس، وبوغت باكثير وهو يرى هذا الجندي يسأل عنه،  فاضطرب اضطراباً شديداً وتوهم أنه سيساق إلى مصير تاعس! وقبل أن يفيق من الرعب الذي استولى عليه، وجد بلخير يرتمي عليه معانقاً ومقبلاً. فقد كان باكثير شديد الحساسية، يسلك في حياته بأمانة وشرف ولا يتحرش بأحد، بل يرضى بأن تضيع حقوقه حتى لا يستعدي الذين اهتضموها. ولهذا فزع عندما رأي الجندي واقفاً بباب بيته يسأل عنه، فهو لم يجترح إثماً، ولا ارتكب جريمة، ولا اغتال حقاً، ولا امتدت يده إلى مال حرام. بل كان عف اللسان لا يذكر أحداً بمساءةٍ.
ومن المفارقات في مسلك باكثير، أنه وإن كان قد فزع من هذا الطارق لبابه، فإنه لم يخش من الوقوع في شر أعماله عندما تطوع بحمل رسالة من طريد البوليس المجاهد محمد علي الطاهر (1896-1974) الذي كان يقيم متخفياً في مدينة المنصورة إلى زوجته التي كانت تتلهف على معرفة أخباره، وكان العسس يحيطون ببيتها للانقضاض على المجاهد الكبير إذا ما تراءى له أن يعود إلى بيته.
وقد روى المجاهد أبو الحسن قصة هذه الشهامة من جانب باكثير في كتابه "ظلام السجن - مذكرات ومفكرات سجين هارب" وكيف أنه أفلح في توصيل هذه الرسالة لإنجاد صديقه، حتى ولو أصابه من ذلك بلاء كثير، ليس أقله الفصل من عمله كمدرس للغة الإنكليزية في مدرسة الرشاد بالمنصورة، وربما الترحيل من مصر بعد اتخاذ الإجراءات القانونية ضده.
كان باكثير قيمة أدبية ووطنية عظيمة، فاستطاع أن يكسب صداقات كثيرين من كبار المجاهدين العرب في ذلك الحين حتى إن الحبيب بورقيبة بعث برسالة خاصة للسؤال عنه وهو رئيس للجمهورية التونسية. كما أن مكتب ولي عهد المملكة العربية السعودية -الأمير سعود- وجه إليه رسالة تقدير وإطراء لأنه استطاع من خلال الأدب أن يتبنى قضايا الأمة العربية، فسخر الأدب في خدمة الوطنية نثراً وشعراً. ومع ذلك، فالمتتبع لحياته لا يؤوده أن يخرج بنتيجة فاجعة هي أن باكثير عاش في هذا الوطن العربي الذي خدمه بعصارة فكره غريباً، وهي غربة رجا أن يبرأ منها بهجرة إلى العالم الغربي، لولا أن حياته قصفت قبل أن يتم رسالته.
بحث اليوم عن آثار باكثير، فلن تجد منها شيئا في المتناول. وقد طبعت في مشروع "القراءة للجميع" عشرات من آثار الأدباء الراحلين، فلم يحظ أي من مؤلفات باكثير بالمشاركة في هذا المهرجان. وفي الوقت الذي تنشر فيه المجموعات الكاملة لأدباء ما زالوا في بدايات الطريق، فإن أحداً لم يفكر في إخراج المجموعة الكاملة لباكثير.


وَ سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الحُظُوْظَ

فلا عِتَابَ و لا مَلامَه

وحسب باكثير فضلا أنه شيّد بمفرده صرحاً خالداً في الأدب المسرحي العربي، وأن الكلمة الشريفة لن تموت حتى ولو مات صاحبها.

* نقلاً عن كتاب: وديع فلسطين يتحدث عن أدباء عصره – دار القلم – دمشق- 2003


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3815028 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017