ذكريات عن باكثير
مع أستاذي الكبير علي أحمد باكثير
 

 

جعفر محمد السقاف

الحمد لله الموفق لمن شاء من عباده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
وبعد:
فإن الحديث عن العملاق الكبير علي باكثير يحلو،  والكتابة عنه تطيب، لأن ذلك يرجع بنا إلى أمجاد حضرموت وازدهارها ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً.
باكثير يعلمنا الخط
عرفت أستاذي علي باكثير وأنا صغير في مقتبل العمر وهو يُدِّرس بمدرسة النهضة، كان  يدِّرسنا علم تحسين الخط، حيث تعلَّم علم الخط من شيخه بهذه المدرسة العلامة محمد بن عوض بافضل الذي انبهر لتفوق باكثير على أقرانه فأنشأ بيتاً من الشعر وكتبه على السبورة بخطه الجميل وطلب من التلاميذ أن يتدربوا على كتابته:

عليٌ من نوادر ذا الزمانِ            نحوِّطه بآياتِ المثاني

ثم عرفته في زاوية عمِّه العلامة محمد بن محمد باكثير بمسجد قيدان،  وكنا نصلي التراويح وكنت أرى علي باكثير منكباً على قراءة (إحياء علوم الدين) للغزالي حتى في فترات استراحات ركعات التراويح العشرين.
وبعد انتهائه من قراءة (إحياء علوم الدين) كتب عليه:

خسر العلمُ فيك أكبرَ داعٍ          إذ تشرَّبتَ نزعةً صوفية

ولأن باكثير عاش في أسرة ميسورة الحال فقد كان والده يوفر له كل الكتب والصحف التي تصدر في مختلف البلدان العربية، مثل الفتح والرسالة وأبولو، فتفاعل معها، وتأثر بما يكتب فيها. ثم أنشأ مجلة (التهذيب) بعد أن أنشأ زميله عبد الله بن يحيى مجلة (عكاظ) بتريم.

باكثير في مصر:
وأخيراً غادر سيئون واستقر في أرض الكنانة وكانت تصلنا مؤلفاته وكتاباته في تلك الصحف فنقرأها ويحللها زملاؤه صالح الحامد وحسن بن عبد الرحمن بن عبيد الله في جلساتهم الثقافية بإعجاب وفخر واعتزاز، وأحياناً بتحفظ بسبب تحمسه للقومية العربية واعتبارها الأصل أو درع الإسلام كما جاء في قوله:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل           ألا كل شعب ما خلا العرب بائدُ

وهز الشوق كل  من صديقيه صالح الحامد وحسن بن عبيد الله  فسافرا إلى القاهرة لزيارة زميلهما باكثير ولا تسل عن فرح كل منهما بهذا اللقاء الأخوي المثمر. واقتفيت أثرهما فزرته بالقاهرة ورأيت كثيراً من طلبة اليمن الدارسين في القاهرة يزورونه ويعطيهم من وقته الغالي، مثل الدكتور عبد العزيز المقالح والفنان إسكندر ثابت الذي طلب منه بعد تخرجه مقطوعة شعرية يغنيها فأعطاه مقطوعة من رواية (ليلة النهر) وقال له خذ هذه جرب حظك ومطلعها:

ليلة النهرِ * درة العمرِ* ساهرُ البدرِ* وحده يدري * بالذي كانا

زيارته لحضرموت :
وعاد باكثير إلى سيئون التي نشأ بها تعلم وترعرع وتزوج  وبنى بيته (دار السلام) فروى لنا ذكرياته بهذه الدار. منها أنه كان يتستر بإحياء  سهرات الغناء بدار السلام وأقامتها في محل خفي بأسفل قاعة بركة السباحة، بعد إفراغها من الماء كي لا يعلم والده وعمه محمد، وذلك لأن أسرته كانت أسرة محافظة يرون الغناء بالأوتار حراماً وكان والده يعنفه أشد التعنيف لميله إليها.
وروى باكثير لنا ذكرياته بسيئون في العشرينات والثلاثينات عندما كانت تعج أربطتها وزواياها بعلوم العربية وخاصة النحو فكتب بقلمه بعض مؤلفات عمه وشيخه العلامة  محمد بن محمد باكثير ومنها (أحكام الألف الممدودة والمقصورة) و(الفرائد) ولدينا نسخ منها لا زالت مخطوطة، كما روى لنا أن خلافاً قد وقع بين العلامتين عمه محمد بن محمد باكثير والسيد محمد بن هادي السقاف في إعراب البيت:

ألا يا اسلمي يا دارَ ميٍّ علي البِلى             ولا زال مُنهلاً بجرعائِك القطرُ

ورُفع الخلاف  لعلماء الأزهر وجاء ردهم بتأييد السقاف.
أقمنا له حفلة ترحيب عامة بساحة قصر السلطان الكثيري (قصر الدولة الآن) ألقى كلمة الدولة عبد القادر بن أحمد باكثير ثم ألقيت كلمتي ثم قصيدة أخيه عبد الرحمن بن أحمد باكثير ثم قصيدة ابن أخيه أحمد بن عبد القادر باكثير ثم كلمته الجامعة وقد سجلتها على شريط كبير أحتفظ به وأعطيت نسخة منه للإعلام بسيئون، كما أحتفظ بصورة ملونة له مع أهله من آل باكثير ببيت أخيه عمر. كما أقيمت له حفلات ترحيبية بمدارس سيئون وبتريم وغيرها من مدن حضرموت.
وكان من برنامج علي باكثير أثناء زيارته لسيئون أن يصحو مبكراً وبعد أدائه صلاة الفجر، ومع انبلاج نور الصباح، يمشي إلى الحديقة فيأخذ أزهاراً ويذهب إلى مقبرة أجداده فيضع الزهور ويقرأ الفاتحة على أرواحهم.
وحين وصل سيئون ولاحظ أن الناس يثنون على أحمد سعيد المذيع بمحطة صوت العرب بالقاهرة، عندها فاجأهم بالقول أن أحمد سعيد عميلٌ بالمخابرات الأمريكية.
وقد أبدى تبرمه من أوضاع بلاده العربية وذكر أنه ضويق بمصر ويخشى أن تبعده الأوضاع العربية إلى بلد أجنبي يعيش فيه في حرية وهدوء كما يعيش الكثير من رجال الفكر العرب في تلك البلدان الأوربية التي أصبحت مفضلة لديهم لما وجدوه فيها من حرية.

بين مستور وباكثير :
كان باكثير – قبل سفره إلى مصر - على علاقة بشعراء الشعر الشعبي ومغنيه في حضرموت أمثال مستور حُمادي وسالم باحويرث المطرب المعروف الذي غنى له مقطوعات كتبها باكثير بالشعر الشعبي بل سجلها على قرص شمع ومطلعها:

يقول ولد أحمد علي يا ريت حد يرثى لحالي
قلبي مولّع مبتلي بالعشق ودموعه على خده  سيالي

كما سجل الفنان أحمد باحويرث مقطوعة غنائية لعلي باكثير على شريط مطلعها:

يقول علي بن أحمد باكثير الدان يطربنا بالله غنوا لي على صوات الدان

وعندما زار باكثير حضرموت زار صديقه الشاعر الأمي مستور حُمادي بسيئون وتجلى مستور بإنشاد ملحمة (ابن زامل) حفظاً وتنغيماً ثم نفخ على الشبابة وضرب على الطبل فأعجب باكثير بهذه الحافظة وبهذا النبوغ. وقد سجل باكثير قصة (ابن زامل) وأشعاره بصوت الشاعر مستور حُمادي وأخذها معه إلى مصر حيث كان ينوي أن يكتب مسرحية عن هذه الأسطورة الشعبية التي تشبه قصة حب (قيس وليلى) ولكن المنية عاجلته قبل أن يتم تأليفها وقد وُجدت بين مخطوطاته فصول غير كاملة منها بعنوان (عاشق من حضرموت).

عودته إلى مصر:
عاد باكثير من حضرموت إلى مصر وقد قرت عينه برؤية بلده التي نشأ وترعرع ،كما أثنى على ما تبقى من شيوخه الذين درس عليهم بمدرسة النهضة بسيئون مثل العلامة القاضي علوي بن عبد الله بن حسين السقاف وغيرهم.
كتبه: جعفر محمد السقاف
أبوظبي 21/8/2003م


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3724491 عدد الزوار
910 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017