مقالات عن باكثير->مقال في مجلة/صحيفة
علي باكثير أو مأساة النبوغ -الحرس الوطني 2003
علي باكثير
أو مأساة نبوغ
بقلم: مصطفى يعقوب عبدالنبي
مجلة الحرس الوطني-العدد 257-التاريخ 1/11/2003
  
كانت القاهرة في العقود الأولى من القرن الماضي مقصد طلاب العلم الوافدين إليها من سائر أقطار الوطن العربي، شرقه و غربه.
ولم يكن غريباً على القاهرة -في تلك الفترة- أن تحظى بمثل هذا الاهتمام من قبل قصادها والوافدين إليها في طلب العلم، فقد كانت فيها الجامعة المصرية (1908م) التي تحولت فيما بعد إلى جامعة القاهرة (1925م) وفيها أيضاً الأزهر الشريف بما يضمه بين جدرانه وبين أروقته من القيمة الإسلامية الكبرى منهجاً وتدريسا...
ليس هذا فحسب، بل شهدت القاهرة وقتها زخماً أدبياً قدر له أن يؤثر في مجرى تاريخ الأدب العربي في العصر الحديث، ففي الشعر كان هناك الأربعة الكبار، شوقي وحافظ ومطران ومحرم، وفي الرواية شهدت القاهرة مولد أول رواية عربية وهي قصة "زينب" للدكتور محمد حسين هيكل (1914م) وفي النقد كانت هناك مدرسة الديوان التي تزعمها شكري والمازني والعقاد، وقد أصدر العقاد والمازني كتابهما النقدي الشهير "الديوان" (1921م)، بالاضافة إلى المعارك النقدية والمساجلات الأدبية وما أكثرها في ذلك الوقت. أما في فن المسرحية فقد شهدت القاهرة بزوغ هذا الفن الجديد عندما أصدر توفيق الحكيم مسرحية "أهل الكهف" سنة 1933م.
ولقد واكب هذا النشاطَ الأدبي، نشاطٌ مماثل في ميدان الصحافة الأدبية فقد ازدحمت الأوساط الأدبية بالقاهرة بعدد غير قليل من المجلات والصحف الأدبية، نذكر منها على سبيل المثال؛ "الرسالة" و "الثقافة" و"أبوللو" و "البلاغ الأسبوعي" و "السياسة الاسبوعية".... الخ.
تلك كانت حال القاهرة عندما وفد اليها الطالب الحضرمي علي أحمد باكثير، ولم يكن هذا الوافد إلى أرض الكنانة كأترابه من الوافدين الذين مكثوا بمصر سنوات طالت أم قصرت ثم ما لبثوا أن رحلوا عنها عائدين إلى بلادهم بعدما أتموا دراستهم، بل اتخذ مصر وطناً له وتزوج من مصرية، ليس هذا فحسب بل عمل مدرسا في مدارسها، شأنه في ذلك شأن أي مواطن مصري عريق الآباء والجدود.
والحقيقة التي لا شك فيها أن علي أحمد باكثير قد أحب مصر فبادلته حباً بحب شأنه شأن أبنائها البررة النابغين، ولكن... وآه من لكن هذه..
السيرة.. وجوانب المأساة
ولعل باكثير هو أفضل نموذج يجسد امتزاج العروبة بالإسلام، فقد ولد علي أحمد باكثير في مدينة "سورابايا" باندونيسيا من أبوين عربيين من حضرموت. وأرسل وهو دون العاشرة إلى حضرموت حيث نشأ وتلقى ثقافةً إسلامية، ثم غادرها ليتجول في عدن وبلاد الصومال، ثم رحل إلى الحجاز حيث قضى أكثر من عام يتنقل بين مكة والمدينة والطائف.
وقد بدأ حياته الأدبية بنظم الشعر واتجه بعدها إلى كتابة القصة والمسرحية.
وقدم باكثير إلى مصر سنة 1934م والتحق بجامعة القاهرة حيث حصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية سنة 1939م، ثم حصل على دبلوم التربية للمعلمين سنة 1940م، واشتغل بالتدريس في المدارس الثانوية من سنة 1940 حتى سنة 1955م، ثم نقل بعدها إلى "مصلحة الفنون" وقت إنشائها وحصل على منحة تفرغ لمدة عامين (1961 - 1963م) حيث أنجز الملحمة الإسلامية الكبرى عن عمر بن الخطاب، وهي من أروع ما كتب حتى الآن.
وقد توفي إلى رحمة الله في العاشر من نوفمبر سنة 1969م، بعد أن ترك كمّاً زاخراً من المؤلفات القصصية والمسرحية، فمن مؤلفاته القصصية "سلامة القس" و"واإسلاماه" و "الثائر الأحمر" و "سيرة شجاع". أما مؤلفاته المسرحية فمن أهمها "إخناتون ونفرتيتي" و "مسمار جحا" و"دار ابن لقمان" و "شيلوك الجديد" و "سر الحاكم بأمر الله" و "جُلفدان هانم".....الخ.
يقول الدكتور أبو بكر حميد في دراسة له عن باكثير: "اقتحم باكثير ميدان الحياة الأدبية في مصر بجرأةٍ وثقةٍ وجسارة، وأصبح كما يقول محمود تيمور في كتابه "طلائع المسرح العربي": "إنه ذلك الشاب المثقف الذي وفد إلى مصر ليغتصب جوائز المسابقات الأدبية اغتصاباً لأنه لم يكن يترك مسابقة إلا ويدخلها فتفوز مسرحياته بالجائزة وبالطبع". وقد داعبته إحدى الصحف طالبة من الحكومة منع الأستاذ باكثير من دخول المسابقات. فقد نالت أولى مسرحياته في مصر "إخناتون ونفرتيتي" جائزة المباراة الأدبية للفرقة القومية سنة 1940م، كما نالت روايته الأولى "سلامة القس" جائزة السيدة قوت القلوب الدمرداشية مناصفة مع نجيب محفوظ عن رواية "رادوبيس".
ومضى باكثير بعدها يكتب بعزيمة لا تعرف الكلل، تاركاً أعماله تفرض نفسها على الجوائز الأدبية، فينال سنة 1945م جائزة وزارة المعارف عن روايته الشهيرة "واإسلاماه" التى قررت على المدارس فيما بعد في عدد من البلاد العربية. وتحصل أكثر مسرحياته حظاً في العروض المسرحية "سر الحاكم بأمر الله" قبل عرضها على جائزة وزارة الشئون الاجتماعية سنة 1943م، وينال نفس الجائزة في السنة التالية 1944م عن مسرحية "السلسلة والغفران". وعن مسرحية "أبو دلامة مضحك الخليفة" يحصل على جائزة وزارة الشئون الاجتماعية أيضاً سنة 1950م حتى قيل وقتها -غبطة أو حسداً- إن جائزة وزارة الشئون الاجتماعية أنشئت خصيصاً لباكثير"(1).
كان هذا هو حال باكثير في مصر، أديب نابه نابغ ذو موهبة فطرية أصيلة لا تقف أمامه جائزة من الجوائز إلا ونالها عن جدارةٍ وعن استحقاق.
الصمت المميت!
وقد يبدو من ظاهر تلك السيرة الوجيزة أن الأمور كانت تسير بباكثير من حسن إلى أحسن، فإنتاجه الغزير من الشعر والقصص والمسرحيات تملأ صفحات المجلات الأدبية في مصر، والجوائز تسعى إلى مؤلفاته سعياً حثيثاً.
غير أن بواطن الأمور ليست كظاهرها، فقد نقل عنه في أخريات حياته قوله: "لأن أكون راعي غنم في حضرموت خير لي من الصمت المميت في القاهرة"(2). ولقد شاع هذا المعنى على ألسنة بعض الكتاب نقلاً عن باكثير، ولسنا في مقام نفي هذا القول أو الادعاء بغير ذلك، على الرغم من أننا نرجح أن هذا القول له فعلاً، ولكن يهمنا بالدرجة الأولى أن نشرح الملابسات والظروف التى حدت بباكثير أن يردد هذا القول.
إن الوسط الأدبي في مصر في الثلاثينيات من القرن الماضي -كما سبق أن أشرنا- كان مشغولاً بالمعارك الأدبية التي اتسم معظمها بالحدة والعنف وهجر القول.
وكان القاسم المشترك في هذه المعارك أربعة من فرسان النقد الأدبي هم: طه حسين والعقاد والرافعي وزكي مبارك.
ولانجاوز الصواب إذا قلنا: إن تلك المعارك كان وقودها الأدباء الشبان الذين كانوا بين فريقين: فريق وجد نفسه مضطراً للدفاع عن إنتاجه الأدبي، ويمثل هذا الفريق أصدق تمثيل شعراء أبوللو الذين كان لهم العقاد ومريدوه بالمرصاد. وفريق آثر الانضواء- علانية أو من وراء ستار- تحت لواء قطب من أقطاب الفكر، كما كان الحال مع الأديب محمد سعيد العريان الذي تولى الدفاع عن أدب مصطفى صادق الرافعي بعد وفاته وقد كان ملازماً له في حياته.
ولكن أديبنا الشاب والوافد الجديد لم يشأ أن ينخرط في تلك المعارك أو ينضوي تحت لواء أحد من الكبار ابتغاء شهرةٍ يصيبها، لكنه انشغل بما هو مؤهل له وهو العمل الإبداعي دون أن يحفل بما حوله من معارك، وحسناً فعل، فغزارة الإنتاج لدى باكثير قد اتسمت بالجودة والاتقان لانشغاله بما هو أهم من معركة أدبية قد يلفت نظر البعض إليه وإلى أدبه.
لذا فقد كان من الطبيعي أن يغفل النقاد عنه- كما غفلوا عن غيره -باستثناء ناقدين أشادا به وهما عبدالقادر المازني لدى تقديمه لمسرحية "إخناتون ونفرتيتي" أما الناقد الآخر فهو سيد قطب عندما كان له باب ثابت في "الرسالة".
ثانيا: لم يكن باكثير هو الأديب الوحيد الذي تجاهله النقاد، فقد سبقه إلى ذلك نجيب محفوظ الذي تجاهله النقاد طويلاً، وعانى مرارة شديدةً من هذا التجاهل. وفي ذلك يقول: "إن أول ناقدين كتبا عن مؤلفاتي في مجلة "الرسالة" هما سيد قطب وأنور المعداوي، فقد كان لهما الفضل في انتزاعي من الظلام إلى النور. أتعلم ما الذي جعلني أستمر ولا أيأس... لقد اعتبرت الفن حياةً لا مهنة، فحينما تعتبره مهنة لا تستطيع إلا أن تشغل بالك بانتظار الثمرة، أما أنا فقد حصرت اهتمامي بالإنتاج نفسه وليس بما وراء الإنتاج... كنت أكتب وأكتب، لا على أمل أن ألفت النظر إلى كتاباتي ذات يوم، بل كنت أكتب وأنا معتقد أني سأظل على هذا الحال دائماً.... أتعرف عناد الثيران؟... إنه خير وصف للحالة النفسية التي كنت أعمل بتأثيرها"(3).
ولعل سيد قطب -وهو من أبناء جيل نجيب محفوظ- قد هاله تجاهل النقاد لكاتبٍ موهوب فكتب يقول عندما كان له باب ثابت في مجلة "الرسالة": "من دلائل غفلة النقد في مصر، أن تمر هذه الرواية القصصية "القاهرة الجديدة" دون أن تثير ضجة أدبية أو ضجة اجتماعية، ألأن كاتبها مؤلف شاب؟ لقد كان توفيق الحكيم قبل خمسة عشر عاما، مؤلفا شابا عندما أصدر أولى رواياته التمثيلية "أهل الكهف" فتلقاها الدكتور طه حسين، وأثار حولها فرقعة هائلة كانت هي مولد توفيق الحكيم الأدبي. ولم يمنع كونه في ذلك الحين شاباً من إثارة ضجة حوله، أبرزت أدبه للناس فانتفعوا به، كما انتفع هو نفسه لأنه وجد الطريق بعدها مفتوحاً أمامه للنشر والشهرة.
"و "القاهرة الجديدة" شأنها شأن "خان الخليلي" للمؤلف نفسه لا تقل أهمية في عالم الرواية القصصية عن شأن "أهل الكهف" و"شهرزاد" لتوفيق الحكيم في عالم الرواية التمثيلية.
"ولكن كان على النقد اليقظ - لولا غفلة النقد في مصر- أن يكشف أن أعمال نجيب محفوظ هي نقطة البدء الحقيقية في إبداع رواية قصصية عربية أصيلة، فهو من هذه الناحية يساوي أعمال توفيق الحكيم التمثيلية. أم إنه لابد لنجيب محفوظ وأمثاله أن يلقوا بأنفسهم في أحضان أحدٍ ليقدمهم إلى الناس؟
"لقد فات الوقت الذي كانت هذه هي الوسيلة الوحيدة للظهور، والجمهور لم يعد ينتظر هؤلاء الشيوخ ليقرأ ويحكم. فعلى هؤلاء الشيوخ أن يؤدوا واجبهم إذا شاؤوا أن تظل الأنظار معلقة بهم كما كانت الحال"(4).
لقد كان سيد قطب -رحمه الله- نافذ البصيرة إلى حد كبير في إدانته للوسط الأدبي في مصر وعلى الأخص شيوخه الذين بيدهم مفاتيح الشهرة.
ثالثا: ومهما كان من أمر الإحباط واليأس الأدبي -إن صح التعبير- الذي أصاب باكثير من جراء صمت النقاد عن أدبة فإنه -ولا شك في هذا-كان أحسن حظاً من الدكتور أحمد زكي أبو شادي مؤسس جماعة "أبوللو" الشهيرة، فقد حاربه العقاد وأنصاره أشد ما تكون الحرب، ولاقى من العنت والعسف الشيء الكثير. ليس هذا فحسب بل كما قال في مقال له: "بعد اضطراري الى وقف إصدار مجلية "أبوللو"، سرعان ما تعرضت من جديد لكيد الناقمين، وتعقب النيابة والبوليس، وللمظاهرات المطالبة بطردي من عملي الحكومي، وهددت في رزقي ورزق أسرتي ثم حوربت بقطع جميع مواردي تقريباً...الخ(5).
ولم يجد أبو شادي مفراً وقد ساءت أحواله بمصر سوى الرحيل مهاجراً إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد لخص أبو شادي حاله في قصيدته "وداع مصر" بقوله:
وغربة الفكر في دار يمجدها
أقسى على الحر من فقدان ناظره
لئن أميت كفاحي في منابته
فسوف يحيا كفاحي في مهاجرة(6)
وفي قصيدة أخرى بعنوان "لم ارتحلت" يقول:
سألوني لم ارتحلت كأني
لم أجبهم بسيرتي نصف قرن
ما كفاهم أني أعاني وجودي
في وجود بقاؤه محض غبن
ما كفاهم أني أواصل ليلي
بنهاري لأجلهم وسط منِّ
ما كفاهم أني أضحي بروحي
حينما عز من يضحّي ويفني
ما كفاهم أني أرتضيت شقائي
لي جزاء ويهدمون وأبني(7)
أما أن موقف طه حسين، فهو موقف يتسم بالغرابة الشديدة حيال أبي شادي إذ لم يكتف بتجاهل نتاجه الأدبي، على كثرة ما تعرض طه حسين بالنقد لمعاصريه من الأدباء. فقد كتب في بعض فصول كتابه "حديث الأربعاء" مايوحي إلى القراء بأن أبا شادي يستجدي منه النقد حيث يقول: "وأديب آخر لا بد من ذكره وإن كنت لم أعرض له بعد، وهو الدكتور أبو شادي. فقد بلغه أني أريد أن أعرض لشعره في بعض حديث الأربعاء، فتفضل وأرسل إلي بعض دواوينه، وكتب إلي يسبق النقد بالشكر مسجلاً على نفسه أنه شاكر لهذا النقد مهما يتكشف عنه من الآراء، ومهما يكن هذا النقد مرضياً له أو غير مرض"(8) .
ولأمر ما لم يتعرض طه حسين بالنقد لشعر أبي شادي وأغلب الظن أنه كان يجامل العقاد الذي كان على خصومة قاسيةٍ مع أبي شادي.
رابعا: لعلي أكاد أجزم أن باكثير الذي توفي إثر نوبة قلبية في سنة 1969م اعتراه في أخريات حياته نوع من الاكتئاب الذي من أبرز ظواهره الانطواء وعدم التكيف مع الواقع.
والدليل على ذلك أن كاتب هذه السطور كان كثير التردد على "دار الأدباء" بالقاهرة حيث تعقد فيها أسبوعياً ندوة يؤمها لفيف من الأدباء - ومن بينهم باكثير نفسه- بالإضافة إلى جمهور المثقفين.
وكان من الملاحظ على باكثير أنه يتسلل الى الندوة بهدوء لايكاد يلفت نظر أحد من الرواد، ويجلس صامتا لا يشترك في حديث أو يعقب على حديث أو يدلي بدلوه في قضية من قضايا الأدب التي تثيرها الندوة على الرغم من أحقيته في الحديث أو التعقيب من كثير من المتحدثين أو المعقبين. وقبيل انتهاء الندوة وفي هدوء تام يتسلل إلى الخارج دون جلبةٍ أو ضوضاء كثيراً ما يحدثها بعض الأدباء عند قدومهم إلى الندوة، أو عند انصرافهم منها.
وكنا نعجب أشد العجب من صمت باكثير، فالجميع -من الأدباء أو الجمهور من رواد الندوة- يتحدثون في نقاش متصل حول الأدب وقضاياه، وكل يدلي بدلوه بما يتفق واتجاهه في تناول تلك القضايا. ومن الغريب في الأمر أنه علي طول ترددي على هذه الدار ومواظبتي على شهود جلساتها والاستماع إلى ما يثار فيها من قضايا أدبية، لم ألحظ يوماً أنها طرحت كتاباً من كتب باكثير للمناقشة على كثرة ما طرحت من كتب وداووين شعرية للنقاش والبحث. فهل كان صمته احتجاجاً على تجاهل مؤلفاته؟ ربما...
خاتمة:
لقد توفي باكثير فجأةً، وفي صدره مرارة شديدة من بني عصره الذين تجاهلوه ولم يقدروه حق قدره. وبعد وفاته انبرى جمع من النقاد والأدباء يشيدون بأدبه الرائد وفكره المتجدد مع أنه كان في حياته أشد حاجة إلى كلمةٍ واحدة مما قالوه بعد ذلك. ويبدو لنا أن الأديب -في مصر وقتها- لا يكون أديباً حقا إلا بعد وفاته. ومن عجائب المصادفات، أن تسبق وفاة باكثير وفاة الناقد والأديب أنور المعداوي الذي عانى ما عاناه باكثير، الأمر الذي حدا بالقصاص الشهير محمد عبدالحليم عبدالله أن يكتب مقالاً دامياً في مجلة "الهلال" في يناير 1970م بعنوان: "الضمير الأدبي... ومأساة المعداوي وباكثير" يقول فيه:
"كان موت الأستاذ علي أحمد باكثير حدثاً مفاجئاً كطبعه في الحياة لمن يعرفونه جيداً.
"وفي صباح اليوم الأول من شهر رمضان رأيت الأغلبية العظمى من حملة الأقلام ورجال الفكر يودعونه. وتخلى معظمهم عن وقاره فبكى. وكان في ذهن كل رجل منهم فكرة، ربما كانت مخالفة لما في ذهن غيره لكنني واثق أن هناك فكرتين دارتا بمعظم الرؤوس وهما: أن علاقةً ما تقوم بين مأساة فقده ومأساة فقد الناقد أنور المعداوي. وأن كلا الرجلين قد أنهيا احتجاجهما على الضمير الأدبي -كل بطريقته- أنهياه.... بالموت.
"كان المعداوي يضرم زناده في وجه من يريد... أما باكثير فكان زناده داخلياً رائحة الاحتراق شممتها تفوح منه وهو صامت. ولعل ذلك راجع لتكوينه فقد كان غريباً دخل مصر الكريمة لكنه لم يكن يشعر بأواصر الصداقة التي عقدها بين نفسه وبين المشهورين من كتاب جيلنا (عفا الله عنهم). لم يكن يشعر أنها قادرة على أن تعطيه كل ما يريد، لذلك كنا نرى حياته في السنوات العشر الأخيرة يظللها رضا المغلوب، وسمعته كثيراً يتحدث عن العودة إلى وطن مولده.
"كان باكثير من المظلومين الذين يخافون أن يتحدثوا عن ظلم أنفسهم، ولعله كان يريد من يجره قهراً وقسراً إلى قضاةٍ في محكمة الضمير- لن تخلو مصر منهم- ويشرح مظلمته بالنيابة عنه"(9).
ولأن الأدب الجيد يبقى ولا يموت بموت صاحبه، ولأن "الذكر للإنسان عمر ثان" على حد تعبير شوقي في بيته المشهور، فقد تأسست بمصر في سنة 1996م جمعية ضمت لفيفاً من محبي باكثير ومقدري أدبه، أطلقت على نفسها "جمعية أصدقاء علي أحمد باكثير" ومقرها القاهرة، وأصدرت مجلة غير دورية بعنوان "الأديب"، حوت بين دفتيها عدداً من الدراسات والأبحاث عن باكثير وأدبه.
رحم الله باكثير رحمة واسعة..
الهوامش:
(1) الأديب، العدد الأول، ديسمبر 1999م، علي أحمد باكثير.... بين خذلان اليمين وحرب اليسار، د. محمد أبوبكر حميد، ص 22.
(2) الحرس الوطني، العدد 152، شوال 1415ه، باكثير.. وصفحات سعودية مجهولة، د. محمد أبو بكر حميد، ص21.
(3) عشرة أدباء يتحدثون، فؤاد دوارة، ص 280.
(4) الرسالة، العدد 704، ديسمبر 1946م، على هامش النقد، سيد قطب، ص31.
(5) رائد الشعر الحديث، د. محمد عبدالمنعم خفاجي، ص63.
(6) من السماء، د. أحمد زكى أبو شادي، ص 97.
(7) رائد الشعر الحديث، مصدر سابق، 62.
(8) حديث الأربعاء، د. طه حسين، ج3 ص 174.
(9) قضايا ومعارك أدبية، محمد عبدالحليم عبدالله، ص18.

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4233784 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2019
افلام سكس عربي سكس مراهقات