مقالات عن باكثير->مقال في مجلة/صحيفة
قراءة استبطانية في نفسية البطل: رائعة

قراءة استبطانية في نفسية البطل
رائعة "الفارس الجميل" نموذجاً

هذا عنوان آخر الأعمال الروائية للكاتب الشامل والمثقف الموسوعي الراحل علي احمد باكثير، حيث اعتمد باكثير في هذه الرواية فكرة الاختزال الشديد والسرد الواضح الموشى بالنصوص التاريخية واستعارة  لغة الزمان والمكان، إيماء إلى طريقة التعبير عند العرب في عصر الدولة الأموية، وقد استطاع باكثير في هذه الرواية المختصرة تصوير البيئة السياسية والاجتماعية التي ترافقت مع الصراع المحموم بين بيوتات الحكم العربية، تلك التي اختزلت عوامل  التوسع الإسلامي في منطق المغالبة والظفر العسكري، فكانت الدماء والفتن والويلات مما نعرف عنه الكثير في تاريخنا المسطور.

 

د. عمر عبدالعزيز

منذ استهلال الرواية يفاجئك باكثير بصورة مشهدية عامة للبصرة، تلج بك إلى خفايا النفس البشرية، فالقائد السياسي الأمير مصعب بن الزبير “الفارس الجميل” يصل إلى البصرة حاملا في دواخله ذلك التناقض السافر بين منطق الحرب، وحالة الاسترخاء الإنساني في أحضان الزوجات الحبيبات. انه يترك ساحة الوغى لبضعة أيام لعله يهنأ بحياة مختلفة مع زوجاته الأربع، بتركيز خاص على اثنتين منها يمثلان الجمال والدلال، الحسب والنسب، بل فكرة الاعتلاء بالمثال القادم من أساس الزواج النبيل، لكنه لن ينعم بالهدوء والاستقرار، ولن يتمكن من استدعاء حياة الراحة والطمأنينة وهو القائد السياسي الذي يواجه البلايا والفتن والأنواء والدسائس في كل خطوة من خطواته، بل انه يواجه حرباً “ناعمة” داخل منزله، فزوجته سكينة بنت الحسين تؤهله للانتقام التاريخي من مقتل والدها الحسين عليه السلام، متفننة في ضروب الكلام والتأثيرات النفسية عليه، حتى يقبل بان يكون رأس حربة لهدفها السامي “الانتقام”، وزوجته الأخرى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله مستغرقة في نرجسية الأنا المترعة بالجمال والدلال، فهي الآسرة والأسيرة، وهي النقطة المحورية في حياة الأمير الأبيقورية.

ثم تأتي ادوار زوجتين “إضافيتين” تكملان حياة الزوج المحارب والقائد، فإذا بهذا المسكين يترنح بين لحظات الألق الجميل، وحالات الحروب الكيدية النسائية القاتلة، ومحنة اجتماع أربع نسوة على رجل واحد حتى ولو كان بمكانة ووسامة مصعب، في إشارة دالة على صعوبة أن تتوزع القلوب وان تقبل المرأة بشريكة لها في مثالها الحياتي.

لن يشفع لمصعب بن الزبير النصر المؤزر على خصمه “المختار بن أبي عبيد” كيما يمنع مذبحة بشعة تقام لأنصار خصمه بالرغم من توفر المبررات المنطقية في كسب ود هؤلاء، فالمنهزمون من أنصار المختار بن أبي عبيد يعرضون على الأمير مصعب بن الزبير أن يكونوا من جنده، وفي الصفوف الأولى من الجيش الذي سيذهب إلى الشام لمقاتلة عبدالملك بن مروان وجيشه، لكن نزعة الثأر المتأصلة في النفوس تجعل أنصار مصعب يصرون على قتلهم، وهكذا يتم ذبح ثلاثة آلاف فارس في ليلة ليلاء، ويظل مصعب يعيش هواجس الرعب والخوف مما جرى، فالانتقام كان من الخساسة والجبن إلى درجة التضحية بثلاثة آلاف رجل في ليلة واحدة، وما تم كان إضعافا مؤكدا لمكانة مصعب الذي حاول قدر جهده تلافي المصير المشؤوم للأسرى، وكان مصعب في ذلك الموقف أشبه بالحاكم الروماني الذي سلم السيد المسيح لمصيره بعد أن عجز عن إقناع اليهود بالتخلي عن فكر الانتقام منه، فظهر حاكما ضعيفا، وكانت اللحظة التاريخية التي ترافقت مع رغبات اليهود موازية لفتنة تاريخية جرت بين اليهود والمسيحيين.

***

مصعب بن الزبير الذي واجه محنة مشابهة اثر ذبح أنصار المختار سيواجه أخرى اقسى وأمر، فحالما يذهب لزيارة الخليفة عبدالله بن الزبير المقيم في الديار المقدسة “مكة” يعود خائبا، فإذا كان الأمير مصعب يسوس البلاد بالمرونة والكرم، فان أخاه الخليفة يرفض التفريط في المال العام، ويوصف من قبل خصومه بالبخل الشديد، بل أنه يتقمص حالة طهرانية تذكرنا بحالة الإمامين علي والحسين رضي الله عنهما، من دون أن يأخذ العبرة مما حاق بهما أمام دهاء معاوية وبراغماتية يزيد بن معاوية.

لا يقدم علي احمد باكثير نصائح وعظات، بل يصور ما جرى بلغة روائية تمازج بين الوصف والحوار والشواهد، وبنزعة درامية تجعلك أمام مشاهد ملحمية سينمائية جاهزة، ولا ينقصها إلا لمسة مخرج حصيف، وهو فيما يقدم المشاهد الحوارية المنتقاة بعناية وسبكة جميلتين، يظهر البعد الآخر لتجليات الحروب والتراجيديا الحياتية، كما انه يستغور في نفوس أبطاله سابحا في فضاء الأنا المترعة بالأحزان والحنين، الأنا غير القادرة على تغطية الدراما الوجودية الصعبة، المحاطة بالأجواء المخملية المترفة، ولا بالحالات الشجية لأيام الصفاء والهناء العابرة.

يتعمد باكثير تركيز بؤرة الضوء على الأمير مصعب بن الزبير بوصفه برزخ التفاصل والتواصل بين خليفتين للمسلمين، الأول أخوه عبدالله بن الزبير الذي يعتبر عبد الملك بن مروان مارقاً خارجاً عن إرادة الدولة ونواميسها، والثاني صديقه الحميم عبدالملك بن مروان الذي يحاول مصعب تلافي مصادمته، تماماً كما هو الحال بالنسبة لعبد الملك أيضا، والذي تمنى دوماً عدم مقاتلة مصعب، غير أن المنطق الداخلي للقوة والغلبة اكبر من الصداقة والإخاء معاً.

يفاجئنا الروائي الحصيف علي احمد باكثير بقطع اشاري استثنائي، بل بمونتاج ذهني لاستشراف القادم دون كلام، فيختصر الحروب القادمة والهزيمة المؤكدة لخلافة عبدالله بن الزبير ومقتل مصعب بن الزبير في آخر لقاء للوداع بينه وعبد الملك بن مروان.

ينهي الرواية وهي في حالة تواصل ضمني مع القادم الأفدح والأكبر!!

في ذلك اللقاء الأخير وما سبقه من مشاهد وشواهد حوارية نغوص في أعماق الأبطال، ونتابع النزعة البطولية، والشهامة، وحالات التطير المحفوفة بالماوراء.

 إن باكثير لا يقدم رواية تاريخية فحسب، بل سيكولوجية بامتياز، وهو إلى ذلك يكاشف ذلك الاشتباك غير الحميد بين العرب والتاريخ، فالمجد موصول بالدماء، والسلطة موصولة بالمُلك، كما انه يتقرّى عبقرية المكان ونواميسه في عديد الإشارات التي تومئ لأهل العراق بوصفهم “أهل شقاق ونفاق” وأهل الشام بوصفهم “أهل طاعة وولاء”، وبغض النظر عن تقييمنا لما جاء أصلا على لسان الحجاج بن يوسف الثقفي، إلا أن العراق كانت ومازالت بؤرة اشتعال تاريخي تستدعي من القارئ لسيكولوجيا الجماهير العربية أن يبحث عن الأسباب العميقة وراء ذلك.

***

ذهب بعض الذين قرأوا رواية “الفارس الجميل” لعلي احمد باكثير إلى أنها إسقاط ونبوءة لمصائر نظام عبد الناصر، لكنني شخصيا لا أرى ما يجمع عبد الناصر بالخليفة عبدالله بن الزبير، ولا أود هنا أن أستطرد في إجراء مقابلات ثنائية بين طبيعة الظروف التي كانت في عهد عبد الله بن الزبير وكيف أنها اتسمت بعامل جوهري مداه الصراع الداخلي، فيما كان عبد الناصر يواجه صراعا من نوع آخر، أيضا كان عبدالله بن الزبير يسوس الدولة بفرمانه الشخصي تماما كحال الامبراطوريات والممالك القديمة، فيما كانت دولة عبد الناصر تتعامل مع مصالح البشر من خلال المؤسسة الحديثة مهما كان مثالبها.

لا أزعم أن باكثير كان يولي كبير عناية للإسقاط المباشر “من التاريخ إلى الحاضر”، بل كان يرى في عبرة التاريخ ما هو قمين بالتأمل، وكان يرى أن خرائب الماضي مازالت ترزح بكلكلها على الراهن العربي الذي عاشه الروائي والمسرحي والشاعر علي احمد باكثير.
 


 


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4207599 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2019
افلام سكس عربي سكس مراهقات