مقالات عن باكثير->مقال في مجلة/صحيفة
    
في الذكرى الخامسة والعشرين لرحيله: مسرح علي أحمد باكثير ))
مجلة الموقف الأدبي - مجلة أدبية شهرية تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق - العدد 312 نيسان "ذو الحجة" 1997
  

في الذكرى الخامسة والعشرين لرحيله:  مسرح علي أحمد باكثير  ـــ علي الفقيه

في زاويته الأسبوعية "قراءات في الأدب والفن" التي يكتبها الدكتور عبد العزيز المقالح في جريدة 26 سبتمبر اليمنية عدد 630 تاريخ 15 تشرين الثاني 1994 م كتب يقول: ليس غريباً أن تمر الذكرى الخامسة والعشرون لوفاة أديب اليمن الكبير الأستاذ علي أحمد باكثير ونحن جميعاً في شغل عنه وعن الأدب بما نصطنعه لأنفسنا ولأهلنا من مشكلات .ومرور ربع قرن على وفاة أديب في حجم الراحل الكبير كانت كافية لتجعل الأدباء في بلادنا منذ عام على الأقل في حالة استعداد واستنفارلتغطية هذه المناسبة بالدراسات والمهرجانات للتعريف بالأديب الكبير الذي هو في غنى عن كل تعريف.‏ ومن حسن حظ الأدباء الكبار في الوطن العربي أنهم لم يعودوا محل إهتام الأقطار التي ينتمون إليها، وإنما هو وآثارهم محل إهتمام عام عربياً وإسلامياً وعالمياً كما هو الحال مع أديبنا الكبير الذي كسر حواجز الإقليمية وأصبح إنتماؤه للوطن العربي بمختلف أقطاره أيضاً ومن هنا إذا كانت ذكراه في بلاده قد تعرضت للإهمال فقد قيض الله من يحييها في أكثر من قطر عربي.‏ نظم باكثير أول قصيدة عندما كان في سن الثالثة عشرة أما المراحل الشعرية فقد كانت "1" منطقة حضر موت "2" إندونيسيا "3" عدن "4" الحجاز "5" مصر .وبالنسبة لمسرحيات باكثير القصيرة السياسية والاسلامية فهي تزيد عن 120 مسرحية، فالمسرح السياسي ما كان ينتشر في جريدة "الدعوة" وأما المسرح الاسلامي فهو عبارة عن قصص من التراث الإسلامي.. لقد تأثر باكثير بمسرح توفيق الحكيم كما حدث على سبيل المثال في مسرحية شهرزاد، وأُريس.. ومأساة أوديب التي تأثرت مع إختلاف الأهداف "إيزيس" و"شهرزاد"و"أوديب ملكاً" لتوفيق الحكيم فضلاً عن إتجاه مسرح باكثير نحو المسرح الذهني، وإن كان باكثير قد أغفل في كتابه "فن المسرحية" الاشارة إلى الحكيم وإلى مسرحه إغفالاً تاماً وحاول أن يرجع معرفته بالمسرح وبعناصره الفنية إلى دراساته وقراءاته للمسرح الأوروبي القديم والحديث وأن يظهر في موقف الند لتوفيق الحكيم وإذا كان أغلب ما كتبه باكثير من مسرحيات ذا صفة تاريخية أو حديثة قد ضلت طريقها نحو المسرح والجمهور فإن لذلك عنده تفسيراً آخر غير الذهنية وخصوصية الرؤية وهو الاهمال مما جعله ينشرأعماله الأدبية كنصوص أدبية دون النظر إلى إخراجها على المسرح. كتب باكثير مسرحية "الزعيم الأوحد" وذلك بطلب من المؤتمر القومي للثقافة والفنون الذي عقد في دار الأوبرا في القاهرة في أواسط أبريل 1959 لمواجهة الخطر الشعوبي.. المسرحية تتحدث عن الزعيم الأوحد في عالم العرب، لكن المقصود في المسرحية، هو عبد الكريم قاسم، هذه المسرحية يمكن أن يطلق عليها إسم مسرحيات المناسبات.. بدأ باكثير أولى محاولاته المسرحية الجادة والجديدة منطلقاً من نفس الموقع وأعني المسرحية الشعرية "إخناتون" نفرتيتي، ثم أتبعها بالمسرحية النثرية "الفرعون الموعود" في سلسلة من مسرحياته التأريخية التي حاولت أن تمسح تأريخ الوطن العربي بأكمله، وذلك في محاولة للرد علي الدعوات الاقليمية التي نشأت من خلال التمييز الجزئي ببعض المراحل التأريخية أن تقيم كياناً قومياً معاصراً يشذ عن الكيان العربي الواحد ويفتت وحدة الوطن الكبير.‏

يقول باكثير في كتابه "فن المسرحية" وتحت عنوان المسرحية والقومية العربية، إن القومية العربية بمفهومها الحديث ما بدأت تظهر في أقلام الكتاب العرب وفي قصائد شعرائهم بصورة واضحة إلا منذ الحرب العظمى الأولى عندما أحس العرب بثقل وطأة الحكم التركي الذي كان يسيطر على معظم بلادهم وبخاصة منذ ظهرت في الأتراك تلك النزعة العنصرية الداعية إلى الجامعة الطورانية والراميه فيما ترمي إليه إلى تتريك العناصر الخاضعة للدولة العثمانية ومنها العنصر العربي، وما يقتضيه ذلك من القضاء على كيان العرب ولغتهم وآدابهم فكان ذلك سبباً لانجاز العرب إلى معسكر الحلفاء المناهض للمعسكر المنسوبة إليه تركيا بمقتضى وعود قطعتها لهم بريطانيا وحلفاؤها أن تظل البلاد العربية على إستقلالها وحريتها بعد الحرب، ولكن الحلفاء أخلوا بمواثيقهم فأقتسموا الشام والعراق وليبيا فيما بينهم وبقيت القومية العربية حلماً يتغنى به الشعراء وتجري به أقلام الكتاب من ذلك الوقت حتى أتاح الله لها من أحال هذا الحلم إلى حقيقة واقعة في شخص الرئيس جمال عبد الناصر، ويتابع القول: وقد تأثرت بهذه الروح فيما تأثرت به من قراءاتي الأولى للشعر العربي المعاصر في مصر والعراق والشام منذ كنت يافعاً في حضرموت ثم نمت هذه الروح عندي بعد الرحلات التي قمت بها في أطراف اليمن وربوع الحجاز إلى أن إستقربي المقام في مصر فكان ذلك يظهر في الشعر الذي كنت أنظمه والذي لا صلة له البتة بالقومية العربية ولكن الواقع أنني اخترته بدافع إيماني بها، ذلك أنني حين قدمت إلى مصر في غضون سنة 1934م كانت لا تزال هناك بقايا من روح الدعوة الاقليمية التي روج لها الاستعمار ليقطع بها أوصال الأمة العربية ويفرقها "شيعاً" وكان بعض الكتاب المتحمسين للقومية العربية ينعون على مصر اعتزازها بتأريخها الفرعوني القديم، ويودون لو تكفر بتلك الأمجاد الفرعونية وتكتفي بأمجادها العربية، لكن هذه الطريقة لم تعجبني ولم أقتنع بها فيما بيني وبين نفسي، فمن الشطط إن لم يكن من المحال أن تحمل مصر على تناسي أو تجاهل حضارتها القديمة التي أذهلت العالم، والتي صارت تراثاً إنسانياً مشتركاً يعنى به العلماء من جميع الشعوب ويدرس في كل جامعات العالم ، فلم يعترف العرب بهذه الحضارة، ولم لا يعتزون بها وقد نبتت في قديم هذا الشرق العربي فهم أولى بذلك من غيرهم؟‏ وما الفرق بين هذه الحضارات وبين الحضارات السبئية أو المعينية في اليمن؟ لعل بعض الكلام قد سقط من هنا أليست كلها منسوبة لسكان هذه البلاد الأقدمين الذين هم أجداد عرب اليوم في هذه الأمجاد التأريخية القديمة إلى رصيد مجد الأمة العربية، وارثة هذه الحضارات كلها ووارثة الأرض التي نبتت فيها هذه الحضارات... ومن هذا المنطلق الذي يعتبر كل تواريخ الأقطار العربية تأريخاً مشتركاً، ويرى في كل خاص من تأريخ أي قطر عربي تأريخاً عاماً وشاملاً حدد باكثير ووعى علاقته بالتأريخ وكتب وفقاً لذلك الوعي مسرحياته التأريخية، ولم يستغرقه الحدث كما وقع في الماضي بمقدار ما أفاد منه نظرة نقدية تأملية للحاضر ويمكن قراءة ذلك في مسرحه الفرعوني وفي مسرحية "الفرعون" على وجه الخصوص فهذا الفرعون الموعود قد جاء كي يخلص مصر من فساد فرعونها الظالم العابث .وقد استلهم باكثير أحداث مسرحيته هذه من التراث الأدبي الفرعوني . حيث أثبت في مقدمتها النص التأريخي نقلاً عن كتاب "ومن أدب الفراعنة" ويـتألف النص التأريخي من أسطورة وجدت مكتوبة بالهيروغليفية؟ على "مدرج بردي" وعنوانه "الشقيقان" ويحكي قصة أخوين من مصر القديمة، كان الأكبر يعيش في منزله مع زوجته لا يمارس العمل سوى في أيام الحرث والحصاد وكان الشقيق الأصغر الذي نشأ في رعاية أخيه وكأنه إبنه يقوم بكل المهام الضرورية وغير الضرورية بما في ذلك إعداد الخبز، وقد فتنت الزوجة بالأخ الأصغر وحاولت أن تدفع به إلى خيانة أخيه معها فرفض أن يقترف الإثم وعندما تيقنت أنه لن يرتكب الجريمة التي تدعو إلى إرتكابها شكته إلى أخيه الأكبر، بأنه راودها عن نفسها، خاف الفتى من أن يتسرع أخوه في الغضب عليه وهاجر من مصر إلى السند إلى حين يكتشف الأخ براءته وخيانة الزوجة وبعد حوادث إسطورية غريبة تأكدت براءة الشقيق الأصغر وعاد ليكون فرعوناً أو ملكاً على مصر.‏ تلك هي أحداث الأسطورة التأريخية التي نسج باكثير من أحداثها مسرحية "الفرعون الموعود" الوقائع لم تتغير كثيراً حتى الخوارق الاسطورية ظلت قائمة في المسرحية مع تعديل طفيف وإضافات لا تؤثر في الجوهر، ولا تفضح الواقع التأريخي المعادل فضحاً مباشراً أو كاملاً، فقد هدفت المسرحية من خلال وصف الفساد القائم في قصر فرعون مصر القديم، إلى تعرية فساد قصر"فاروق" فرعون مصر الحديث، وتمكن من أن يدمغ القصر وصاحبه بالفسق ومن أن يحلم لمصر بميلاد حاكم صالح يعدل بين الرعايا ويتحول قصره إلى مقر سياسه البلاد لا أن يستمر ماخوراً لجميع الوصيفات أو اغتصاب الجميلات من نساء عاريات، وكالعادة لم تجد المسرحية طريقها إلى خشبة المسرح، وما كان لأي مسرح أن يقبل بها حتى لا يثير عداء الملك وحاشيته بما سوف يكشف التمثيل من إسقاط واضح الدلالة لما هو فعلاً يمارس داخل قصر فاروق.‏ ومن المعروف أن المهم في الأحداث التأريخية المستقاة، أو المستلهمة في الأعمال المسرحية ليس الأحداث ذاتها بل ما توحي به وما تخلقه في الأذهان من رؤية جديدة لأحداث مماثلة في الواقع.‏

والكاتب المسرحي لا يقدم هذه الأحداث بالطبع، ولا يعرضها كما يفعل المؤرخ أو لا يقصد إلى دراستها أو تحليلها وإنما إلى إسترجاع مناخها الحضاري والفكري والخروج بمنظور يساعد على تفجير التناقض في ذهن المشاهد ومحاولة فتح آفاق جديدة في حياته وإلى اتخاذ موقف مغاير من أحداث اليوم والأمس.. ومسرح باكثير التأريخي لا يخلو من هذا المعنى ومن المزج في الرؤية المعنوية بين الحاضر والماضي وربما كانت مسرحية "أبودلامة" وهي أقل المسرحيات التأريخية قدرة على تجاوز الماضي إلى الحاضر مع ذلك المهرج المضحك والعروف للعامة قبل الخاصة بما روي عنه من أحاديث وما روى عنه من نوادر جعله في مواقف بعينها من المسرحية يقوم بدور المعارض للخليفة المهدي، وإذا كانت المعارضة قد اتسمت في بعض المواقف بقدر من الدعابة والمرح إلا أنها في بعض المواقف قد اتخذت الطابع الجاد والتحريض كما هو الأمر في موضوع الخوارج.. فقد استطاع "أبو دلامة" أن يشكك الجنود في حرب الخوارج، وأن يضع الخليفة في حرب باظهاره مشغولاً وشاغلاً بحرب فئة من المسلمين لا ذنب لهم إلا معارضة الخليفة.‏ في أوائل عام 1963م عرضت لباكثير مسرحية "جلفدان هانم" هذه المسرحية عكست شذوذ الواقع الأدبي الذي كان ينخر سراً في الحياة الأدبية في مصر، ويتمثل في ظاهرة الأدباء الفقراء الذين لا يملكون غير الأدب وفي الظاهرة هواة الأدب الأغنياء الذين يملكون كلّ شيء إلا الأدب ويعتقد أن مسرحية "جلفدان هانم” تعبيراً عن تجربة عاشها باكثير نفسه حيث تعرض كغيره من الأدباء للابتزاز، وكتب عدداً من القصائد وربما عدداً من المسرحيات بطلب من بعض ذوي النفوذ الأدبي والمالي ليشتري بها رضاهم تارة وعطفهم المالي تارة أخرى.‏ يمكن القول أن نجاح المسرحية ترك في نفس باكثير ألماً عميقاً وحسرة دفينة فقد ثبت أن في إمكانه أن يغدو محور الإهتمام في مجال المسرح لو هبط به عن مستواه الرفيع لما كان ذلك النجاح يجعله يتراجع عما قر في نفسه من مفهوم خاص بالمسرح ولغته سواء من ناحية الحوار أو مع أساليب التعبير بعامة، ومن يشاهد مسرحية "جلفدان هانم" على المسرح أو يقرؤها مع قرينتها في المستوى الفني "حبل الغسيل" لابد أن يشارك المؤلف حسرته على اضطراره أو اضطرار أي كاتب أن يحتال لكي يصل إلى الجمهور وتتمكن نصوص المسرحية من الوصول إلى خشبة المسرح ولابد أن باكثير لكي يصل بمسرحية "جلفدان هانم" إلى المسرح قد تنكر لمعنى من المعاني التي نادى بها وجادل عنها في كتابه "فن المسرحية" وفي مقدمتها تلك المعاني المرتبطة بلغة المسرح وبواقعية العمل الفني عموماً وواقعية المسرحية عل وجه الخصوص وهذا الجانب من ذلك الجدل العنيف الذي جعل من باكثير ومن مسرحه التأريخي والاجتماعي علامة متميزة وسط المسرح المصري الغارق بين الذهنية والسطحية وبين سيطرة الجانب الأدبي وسيطرة جانب التسلية ومؤثرات التبسيط.. وهذه المعاني والأفكار التي آمن بها باكثير والتزم بها طوال الفترة غير المحددة التي كتبت هموم العصر في مسرح باكثير.‏ إن باكثير لم يتوقف عند المسرحيتين الكوميديتين "جلفدان هانم" و"حبل الغسيل" بل كتب عدداً غير قليل من المسرحيات السياسية والاجتماعية التي تتناول شتى أبعاد الحياة المعاصرة، وفيها يعبر باكثير عن رؤيته لكثير من أهم قضايا عصره في حدود الزمان العربي والمكان العربي وهي مسرحيات جنى عليها جمال الأسلوب ورقة البيان وسلامة الأداء والتركيب اللغوي الذي يصل أحياناً إلى درجة رفيعه من الشاعرية وتتجلى الجناية في طبيعة المسرح كما يفهمها المخرجون والمشرفون على المسارح العربية، هذا ومن بين أهم مسرحياته المعاصرة مسرحية "شيلوك الجديد" وهي عن القضية الفلسطينية وقد كتبها قبل ثلاثة أعوام من النكبة ثم" شعب الله المختار" و "إله اسرائيل " وكلتاهما عن القضية ذاتها مع إختلاف في مصادر الاستلهام ثم مسرحية "مسمار جحا" وهي تدور حول وجود الاحتلال البريطاني في قناة السويس بعد الاستقلال الصوري الذي حققته مصر، وهناك عدد آخر من المسرحيات المعاصرة منها "الدكتور حازم" وإمبراطورية في المزاد "والدنيا فوضى" و" قطط وفيران" .‏

وهكذا يتضح لنا أن باكثير قد إهتم بعصره كثيراً كما اهتم بالتأريخ أكثر وكان ذلك الإهتمام ينطلق من إهتمامه بمعاصريه فالانسان لا يخرج من فراغ الكون ولا يأتي إلى الحياة المعاصرة منقطع الجذور منبت الأصول وقد حاول بعض النقاد-لأسباب غير أدبية وغير فنية- أن يستدلوا على رفض باكثير للعصر من خلال هذا الاهتمام والانجذاب نحو التأريخ واعتذر نقاد آخرون عن الاشارة إليه والاهتمام بكتاباته بحجة أنه قد هرب من حقائق عصره إلى مناطق عصره إلى الماضي. إن اللحظة المهمة تتعلق بموضاعات مسرح باكثير المعاصر وكيف اهتدى إلى أفكارها الرئيسية.. فإذا كان واضحاً بالنسبة لأفكار مسرحه التأريخي أنه قد استوحاها واستلهمها من وقائع التأريخ وأحداثه فلابد أن تتبين لنا المصادر الحديثة التي استوحى منها أفكار مسرحياته المعاصرة وهل تعود هذه الأفكار إلى قراءاته وما تتركه تلك القراءات في نفسه من تجارب وأفكار، ولا شك أن العدد القليل من هذه المسرحيات هو الذي استمد فكرته الأساسية من الحياة اليومية ومن العلاقات الاجتماعية كمسرحيتي "جلفدان هانم" و"حبل الغسيل" أما بقية هذه المسرحيات فقد استوحى أفكارها الرئيسية من قراءاته المرتبطة بمعاناته الفكرية والنفسية.‏ المسرح الشعري لباكثير:‏ يعد علي أحمد باكثير من رواد المسرح الشعري في اليمن، وأديباً متعدد الجوانب كونه كتب الرواية والقصة القصيرة والمسرحية بالاضافة إلى الكتابات النقدية وفي مقدمتها كتابه الهام "فن المسرحية من خلال تجاربي الذاتية"..‏ يتحدث الدكتور المقالح عن باكثير فيقول:‏

بدأ باكثير حياته الأدبية ثائراً كأعنف ما يكون الثائر، فقد ثار على واقع اللغة العربية فساهم في تحريرها من بقايا السجع والمحسنات الإنشائية وثار على واقع الشعر فكتب شعراً مرسلاً حراً.. وكانت محاولاته الأولى باجماع كل النقاد أول إرهاصة هيأت لظهور ثم إنتشار حركة الشعر الجديد في الوطن العربي. "1"‏ كان تحول باكثير إلى الشعر المرسل إثر مناقشة حامية له مع مدرّسه البريطاني في قسم اللغة الإنكليزية بآداب القاهرة الذي زعم أنه لا وجود للشعر المرسل في اللغة العربية، فسارع باكثير إلى ترجمة روميو وجولييت بالشعر المرسل. "2"‏ هنا يبرز سؤال وهو ما الذي دفع باكثير إلى التأليف الشعري للمسرح.؟! والجواب هو أن باكثير قد فتن بأحمد شوقي رائد المسرح الشعري، وهو يعترف بذلك قائلاً: "فلم أشعر إلا برغبة جامحة في محاكاة هذا اللون الجديد الذي وجدته عند شوقي، فكان أن كتبت مسرحية سميتها "همام في عاصمة الاخفاق" وذلك في مدينة الطائف حيث كنت أقضي فترة الصيف بين طائفة من أدباء الحجاز، وقد كتبت هذه المسرحية دون إلمام سابق بفن المسرحية.."3"‏ مسرحية إختاتون ونفرتيتي.‏

ظهرت المسرحية لأول مرة عام 1938م كما ذكر باكثير نفسه في مقدمة المسرحية، وهذا عكس ما قيل أنها كتبت في عام 1940م"4".. كانت المسرحية نقطة تحول وإنقلاب في تأريخ الشعر العربي الحديث كله من حيث ألفها باكثير شعراً مستخدماً البحر المتدارك على النحو الذي ترجم به روميو وجولييت، لقد آثر باكثير تأليف المسرحية شعراً حيث دمج التأريخ بالاسطورة، أو تحرير الأسطورة، مما يشوبها من تخريف وذلك يجعلها تأريخاً حقيقياً، ومن هنا فقد اختار شخصية إختاتون، ذلك الفرعون الشهير في عصر الدولة الفرعونية الحديثة ليجعله بطلاً فرداً ونبياً ورسولاً ممن لم يذكرهم القرآن الكريم.. وليبعد عن ذلك البطل التهم الباطلة التي ألصقها به المؤرخون...!‏ تنقسم المسرحية إلى مقدمة وأربعة فصول ودراسة عن شخصيات المسرحية... يقول باكثير في إيثاره شخصية الفرعون الموحد: وقع إختياري على موضوع إختاتون الذي استهواني تأريخ حياته وحركته الدينية وثورته على كهنة أمون وتبشيره بالحب والسلام، والجديد في ذلك أنني التزمت بحراً واحداً في هذه المسرحية هو البحر المتدارك الذي أدركت من تجربتي الأولى أنه أصلح البحور كلها لهذا الضرب."5"‏ كتبت المسرحية بالشعر الحر، ومن هنا فإنها أول مسرحية عربية تجعل التفعيلة الوحدة النغمية وهي المحاولة الأولى لتوظيف التراث فنياً في الأدب العربي وهي تؤكد تعاطف باكثير مع إختاتون الذي يعده الرمز لبعث الأمة العربية عن الذات في مواجهة الأعداء.. من خلال المسرحية يدعو باكثير إلى الحب والسلام، لكن الدعوة لن تتحقق إلا عن طريق القوة.. لقد صور باكثير بطله إختاتون شاكّاً، ويبدأ تصويره في المسرحية كشاب غرّ يستسلم لإيحاء أمه الملكة "تي" التي توهمه أن زوجته المتوفاة "تارو" قد عادت إلى الحياة في شخص "نفرتيتي" وتنطلي عليه الحيلة.. بل أنه يتزوج من نفرتيتي ويحبها..؟ يرفض إختاتون تأديب الحيثيين الذين هددوا الامبراطوية المصرية قائلاً: - الرب سيحمي وينصر أبناءه الصالحين، ويغفر الرب للحيثيين أن كانوا جاهلين "6". صحيح أن إختاتون باحث عن الحقيقة وثائر عظيم، لكن هل يسوع له أن يجدف في خق إلهه أتون صائحاً:‏ - أين تأييدك؟ يا ربي أين أنت؟ أموجود أنت أم شبح؟‏

الخطأ الذي وقع في المسرحية هو إعتقاد باكثير أن أرواح المصريين تلتقي في العالم الآخر لأنه لا يوجد من هذا القبيل في الديانة المصرية القديمة تناول باكثير الجانب التوحيدي عند إختاتون، ونبذ الجانب الأسطوري وختم المسرحية برأيه وهو أن القوة لابد منها للحصول على السلام لقد انتقل إختاتون باكثير من الشك إلى الإيمان الثوري، فهو يهتف وهو على فراش الموت.‏ - السيف... السيف..!‏ حقاً، مات إختاتون ولم يحصل على السلام، لكن الرسالة سيكملها أتباعه من بعده، وعلى يد‏ حور محب قائد جيشه المخلص..‏

المسرحية من حيث الشكل تصطفي الكلاسيكية الجديدة فتنقسم إلى فصول ومقدمة طويلة أو ما يعرف قديماً با"البرولوج" الجديد في المسرحية هو الصياغة الشعرية التي كان لها إنعكاس خطير وتأثير مذهل على مسيرة الشعر العربي الحديث والمعاصر عند السياب ونازك الملائكة وغيرهما من الشعراء المعاصرين.‏ إن باكثير هوالرائد الأول للمسرح الشعري في اليمن، لكن الغريب أن يلقي عصا الريادة ويهجر المسرح الشعري.. مؤثراً الكتابة للمسرح النثري.. فكيف حصل هذا التحول؟ يقول: "كنت أظن أني سأتابع كتابة المسرحيات بهذا الشعر، غير أن تجاربي جعلتني بعد ذلك أقطع بأن النثر هو الأداة المثلى للمسرحية ولا سيما إذا أراد بها أن تكون واقعية وأن الشعر لا ينبغي أن يكتب به غير المسرحية الغنائية التي يراد بها أن تلحن وتغنى أي " الأوبرا " ."7"‏ كتب باكثير الأوبر "قصر الهودج" لكنها لم تنجح فتراجع إلى الأسلوب النثري ليكتب روائعه النثرية مثل " سر الحاكم بأمر الله، شيلوك الجديد، أبو دلامة، مسمار جحا، إمبراطورية في المزاد، هاروت وماروت.. هنا لابد من الاشارة أن الدكتور عبد العزيز المقالح وفي معرض كلامه عن اتجاه باكثير إلى المسرح النثري حيث يقول: لقد أحسن باتجاه هذه لأنه فرق بين إتجاهين في الكتابة للمسرح: أحدهما شعري والآخر واقعي، والزمن الأدبي يتجه نحو الواقعية. "8" يكفي باكثير أنه أثر في جيل كامل من الشعراء، ومن هؤلاء صلاح عبد الصبور في مسرحيته "مأساة الحلاج" .. إن الحلاج عند صلاح شاك ثائر، تأخذه الحيرة تماماً مثل إختاتون باكثير.. يقول: لا أبكي حزناً يا ولدي، بل حيرة‏ من عجزي يقطر دمعي‏

من حيرة رأيي وظلال ظنوني‏ يأتي شجوي، ينسكب أنيني‏ هل عاقبني ربي في روحي ويقيني‏ إذ أخفى عني نوره..؟‏

هل أرفع صوتي؟ أم أرفع سيفي؟‏ ماذا أختار؟ ماذا أختار؟"9"‏ إن باكثير يعتبر بحق أستاذاً لعبد الصبور كونه لجأ إلى الإسقاط السياسي في شخص إختاتون كما فعل صلاح عبد الصبور بالنسبة للحلاج وأيضاً استاذاً للشرقاوي وبسيسو وغيرهما كون بطل باكثير هوالذي يقرر السلام والذي لا يأتي إلا بالقوة لا بالمواجهة بالكلمة.‏ مسرحيات باكثيرالتي لم تنشر.:‏

بعد موت الأديب باكثير وجد في مكتبته أكثر من عشر مسرحيات وهي: الوطن الأكبر- مسرحية شعرية تكمن أهميتها في كونها مكتوبة بالشعر الحر الذي هجره باكثير في المسرح منذ كتابته إختاتون ونفرتيتي عام 1940م، وهذا يمثل إنعطافاً فنياً جديداً بدأه في آخر أيامه.. مسرحية- إبراهيم باشا- وهي المسرحية الثانية التي كتبها باكثير بالشعر الحر.. "قضية أهل الربع" مسرحية إجتماعية مستمدة أحداثها من الحياة المصرية المعاصرة وما استجد فيها من مشكلات في أواخر الستينات.. -مأساة زينب وأحلام نابليون" جزآن من ثلاثية تصور كفاح الشعب المصري ضد المستعمر الفرنسي.. -حرب البسوس- مسرحية سياسية رمزية كتبها في أعقاب هزيمة 1967م- حزام العفة مسرحية سياسية فكاهية يحمل فيها على الرئيس التونسي السابق بورقيبة الذي تنكر للمبادي التي كان يدعو لها بعد أن تولى مقعد الحكم في تونس وهي تمثل أيضاً خيبة أمل باكثير الشخصية في هذا الرجل الذي كان صديقاً له وكثيراً ما لجأ إلى بيته أيام تشرده في مصر ثم أدار ظهره للرجال والمبادي بعد أن أصبح رئيساً.. شلبيه- مسرحية إجتماعية من الحياة المصرية المعاصرة مكتوبة بالعامية المصرية- عرائس وعرسان: مسرحية إجتماعية من الحياة المصرية- فاوست الجديد، مسرحية مأساوية مستوحاة من الأسطورة الأوربية المعروفة التي إشتهرت بها مسرحية جوته ومن قبله مارلو الانجليزي ومسرحية باكثير تمثل صياغة جديدة لهذه الأسطورة بصورة تتفق مع التصور الاسلامي.. عاشق من حضر موت: مسرحية شعرية مستوحاة من تراث القصص الشعبي الحضرمي ذات الأصول الواقعية وبطلها الشاعر الشعبي الحضرمي إبن زامل الذي أحب فتاة حتىالموت في قالب مأساوي أشبه بقصص قيس ولبنى وروميو وجولييت وهي مستوحاة من رحلته الأخيرة إلى حضر موت عام 1968م.. وقد وجدت في مذاكراته تسجيل للخطوط العريضة لقصة الشاعر ابن زامل كما سمعها من الرواة.. الشاعر والربيع: وهو عنوان مسرحية شعرية قصيرة تضم مسرحيات شعرية قصيرة.‏

الهوامش:‏

1- قراءة في أدب اليمن المعاصر 98-99‏ 2- اليمن الجديد-نوفمبر 1988-مقابلة لباكثير مع فاروق شوشة بتلفزيون الكويت 48.‏ 3- فن المسرحية من خلال تجاربي الذاتية 112‏ 4- د. محمد رحوحة: دراسات في الشعر والمسرح اليمني دار الكلمة صنعا 111‏

5- فن المسرحية 160‏ 6- الفصل الثالث من المسرحية‏ 7- فن المسرحية 133‏ 8- البدايات الأولى 46‏

9- مأساة الحلاج- الفصل الثاني‏ أهم المراجع:‏ 1- جريدة 26 سبتمبر اليمنية العدد 630، 631، 632، 633- التاريخ كانون أول 1994- كانون ثاني 1995م.‏ 2- مجلة اليمن الجديد- العدد-3- السنة التاسعة عشرة- آذار 1990م .‏

3- مجلة اليمن الجديد آب 1987م.‏


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4888720 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2020
افلام سكس عربي سكس مراهقات