مراجع عن باكثير->مقالات
مكابدات الحداثة في المسرح الشعري

مكابدات الحداثة في المسرح الشعري

مهدي بندق
tahadyat_thakafya@yahoo.com
الحوار المتمدن - العدد: 1651 - 2006 / 8 / 23

توجد الأشياء أولاً ثم تعرف من بعد وتـُسمى، مثلاً من طبيعة الأرض أن تجذب إلى سطحها –بقوة معينة- كل ما يحاول الارتفاع عن ذلك السطح. وقد حدد اسحق نيوتن I. Newton (1642-1727) مقدار هذه القوة الجاذبة، وكيفية عملها فيما أسماه بقانون الجاذبية العامة، كذلك فإن النجم المسمى ألفا سنتوري كان موجوداً بالطبع قبل أن يعرفه البشر ويسمونه بهذا الاسم، وعليه ينبغي أن يقرر لدينا أن الحداثة Modernity إنما هي حالة انطولوجية، كانت تفعل فعلها في تطور المجتمعات البشرية حتى وإن لم يدرك الناس تلك التسمية. بيد أنهم لا ريب قد أحسوها بحسبانها حالة من التوافق الفكري والسلوكي مع المستجدات والتغيرات الهيكلية في أنماط إنتاجهم المادي والمعنوي.
وقد عرف التاريخ الإنساني حداثتين فارقتين؛ أولاهما تلك التي انتقل بها الإنسان من مرحلة القنص وجمع الثمار وصيد الأسماك، إلى معرفة الزراعة Culture، مما اقتضى اختراع الكتابة، لنقل منذ خمسة آلاف عام تقريباً، وبالتحديد في الحضارتين السومرية والمصرية القديمة (قبل عصر الفراعنة) ثم في الصين وجنوب المكسيك بعد ذلك. وبواسطة الكتابة بدأت العصور التاريخية، العصور التي دوّن فيها بعض الناس الأحداث الكبرى، والآداب، والفلسفات، علاوة على تدوينات التعاملات اليومية من تجارة وقروض وعقود وتعاهدات.
ومن حيث تتسم حداثة الزراعة بثقافة الاستقرار، وتأسيس القيم الأخلاقية على مبادئ معينة، مثل سيادة الذكور، وأنساق القرابة (بغرض التوريث) مستعينة على ذلك بخاصية التحريم (الجنسي) وبصك قوانين العقوبات، عزلاً للمتمردين عن حياة الجماعة؛ فإن تلك الحداثة الزراعية ما لبثت حتى أوجدت منظومتها الأعم، ممثلة في "الدين" بما يطبع القداسة على تلك المنظومات. ويغدو تعميم الدين مكافئاً لتوسع الجماعة سواء في الأقليم باتساعه، أول أو حين ينفتح الباب أمام الفتوحات لتأسيس إمبراطورية.
والمثل الواضح لهذه الحالة هو ما جرى في عصر الدولة الفرعونية الحديثة.. خاصة الأسرة 18 التي بلغ بجيوشها تحتمس الثالث ذروة فتوحات الدولة عام 1405 ق.م. ومن ثم كان على أمنحتب الرابع (أخناتون، 1367- 1350 ق.م.) أن يسعى لحماية هذه الإمبراطورية، بل وتوسيعها بغير أسلوب الحملات العسكرية، فكان التوحيد الديني لرعايا الإمبراطورية بمثابة استراتيجية حداثية تقدمية.
ومن ناحية أخرى فإن المنهج الآركيولوجيArchaeology Method إنما يكشف لنا عن الأسباب المادية في حداثة الزراعة لتحريم الزنا، هذا التحريم الذي راح يعبر عن نفسه دينياً بعد اكتمال المنظومة واستقرارها.
فلا شك أن ميل الذكر إلى مضاجعة النساء، دون توقف، إنما يعود إلى الخبرة الجمعية البدائية Erotic. وهي خبرة تأسست على مبدأ الضرورة البيولوجية، قوامها حفظ النسل والتكاثر الطبيعي. ورغم بقاء هذه الخبرة كامنة في اللاوعي الفردي الموروث حتى بعد الاستقرار؛ فإن تدخل الثقافة كان أيضاً ضرورة وإن أعوزها البعد البيولوجي. ومن ثم أقرت الديانات مبدأ التحريم لبعض العلاقات الجنسية بغرض دعم حقوق الذكر –صاحب الحقل- ولمنع التقاتل بين الذكور للحصول على الإناث، (ابتعد عن أنثاي أتجنب امرأتك) وفي هذا السياق صار اشتهاء الذكر البالغ لإناث العائلة محرماً ومؤثماً، فالأم ونظيراتها: الخالة، العمة.. الخ، والشقيقة وفروعها، كذلك الابنة والحفيدة، كلهن مخصصات لآخرين مقابل الأخريات الغريبات –إناث العائلات الأخريات- المخصصات لذكور "عائلاتنا". ويأتي بعد ذلك تأثيم (وليس تحريم) العلاقة مع النساء اللواتي يمتلكهن بالزواج رجال آخر. فهؤلاء النسوة يعتبرن خارج مؤسسة الزواج الشرعية، ما دمن قد أصبحن ملكاً لأزواجهن، حينئذ فإن مباشرتهن جنسياً لا غرو يعد زنا Fornication يستلزم العقاب في ظل الحداثة الزراعية.
أما حداثة العصر الصناعي فقد شيدت على أساس الفكرة (المادية) القائلة إن المرء هو ما ينتج. والإنتاج هنا يعني الجانبين المادي والفكري. فاكتشاف قوة البخار عام 1705، وتطوير استخدامها على يد جيمس وات James Watt عام 1769، قد فتح المجال أمام الثورة الصناعية، وبدل بثقافة الاستقرار ثقافة التغيير، حيث اعتبر الإنسان هو الفاعل المريد حقاً في عالم الطبيعة، وليس الآلهة، وبذلك أصبح العقل مصدر المعرفة، وتراجع دور الوحي السماوي إلى درجة الصفر. وبهذا أيضاً صار لزاماً على المجتمعات الصناعية (=الغربية) أن تفكر وتعمل طبقاً للغة العلم القابلة للتعديل وللتخطئة وللتجاوز. فلا غرو أن تحل منظومة قيمية جديدة محل المنظومة القديمة، ولكن دون محوها بالإطلاق.
مثال ذلك أن المجتمع الحداثي المعاصر لم يسمح لنفسه بإباحة الزنا، والترويج له، بل على العكس، فلقد راح يوسع من دائرة استهجان امتلاك الذكور للإناث، فاعتبر الزواج بأكثر من امرأة فعلاً قبيحاً، وربما أثــّمته القوانين، باعتبار أن العلاقة الصحية بين الرجل والمرأة هي علاقة الحب المتكافئ، الذي من جذوره تورق أزهار الوفاء، والغناء، والشعر، والأخلاق الراقية. وبعد أن كانت المرأة تلجأ إلى وسائل دفاعية رخيصة مثل إدعاء الحياء والعفة والعزوف عن طلب المضاجعة، وعدم إظهار الشهوة تحفيزاً للرجال أن يقوموا بدور الطالب الذي يسدد وحده "الفاتورة"، صارت المرأة –في ظل حداثة الصناعة- كائناً عادياً، يستطيع أن يدخل في علاقة متكافئة مع الرجل، فالاعتداد بالذاتية هو الوجه الثاني من عملة وجهها الأول الاعتراف بالآخر، والوجهان يقتضيان التسليم بأن الأنا والآخر إنما يتبادلان موقعيْ "الموضوع" (الإيروتيكي الجنسي) و "الذات" (الطالبة للعالم) وهذا هو معنى المساواة الذي به يتبين أن "الحب" رغم شحوب سحره الرومانسي "المصطنع"، إنما هو ارتقاء بالوعي الإنساني إلى ما هو أبعد من حدود الأنانية المطلقة، ومن حدود "الغيرية" المستسلمة المنهزمة.
كذلك تتميز حداثة العصر الصناعي بانعطافة حادة في علاقة الفيزيقا بالميتافيزيقا. فإذا كان العيش في إطار الثقافة الزراعية ذات الاستقرار، تقتضي البحث عن ماضي الوجود، (=الإله) فإن العيش داخل ثقافة العلمنة إنما تتجاوز هذا البحث، إلى السؤال عن مستقبل الوجود. ذلك أن الظاهرة Phenomenon المعطاة للوعي، لا تخرج عن كون "الأنا" موجوداً كجزء من هذا العالم، ومن ثم فلا معنى للتساؤل عما وراءه. تجد الذات أن الأصح هو أن تسأل الذات نفسها: ماذا تريدين أن تكوني؟ بدلاً من السؤال القديم: ماذا يراد بي أن أكون؟ فالسؤال الثاني يكرس المفعولية، أما الأول فنابع من شعور عميق بإمكانية الفعل في هذا العالم. وبهذا السؤال تتحول الذات إلى خالق لأفعالها ومصيرها، وتصبح وجوداً لا يتحقق إلا من خلال مشروع إنساني محض، قوامه الإنتاج والمباشرة والإبداع والابتكار.
بهذا الوعي يغدو الخير والشر نسبيين، ويقر لدى المرء الحداثي أن الشر ليس عمل الشيطان ذي القرون والذيل، ذلك الذي يعد المسئول عن خطايا البشر، بما يوسوس لهم من زيغ وهرطقة. فكما تبين أن الخير هو في قدرة الشخص على الإنتاج المفيد، بما يحق له أن يمتدح لأجله، كذلك تبين أن الشر هو العمل السيئ. بما يستحق صاحبه اللوم دون أن يسمح له بالاعتذار منه، والاختباء من تبعاته في جلباب كائن خرافي أطلق عليه قديماً اسم إبليس. وبهذا لم يعد للشر ذلك المعنى المتعالي على التجربة، المعنى القابع في عالم الميتافيزيقا فيما وراء الخبرة البشرية، ولم يعد مقنعاً القول بأن الشر ولد فحسب حين عصى آدم الأمر الإلهي ألا يأكل من الشجرة المحرمة، لأن الاقتناع بهذا القول يعيد أصحاب الحضارة الصناعية إلى التسليم بآلية النقل، بالضد على أسلوب عيشهم الجديد الذي استبدل بآلية النقل هذه آلية العقل. ولا ريب أن العقل سيرفض الإقرار بأن مجرد تذوق ثمرة من شجرة معينة هو عمل شرير في حد ذاته، ما دام هذا التذوق لم يجر أذى على أحد، العقل لا يقبل الانصياع لفكرة كهذه إلا باعتبارها رمزاً كلياً متخيلاً، ولما كان المصدر المباشر لذلك التخيل هو إنسان أيضاً (الأنبياء بشر بالطبع) فإن العقل لابد أن وأن يناقشهم في التفصيلات، وعليه فإن قصة خلق السماوات والأرض في سفر التكوين تقابل بنظريات "لافون" و "لابلاس" وغيرهما من علماء الطبيعة، وتنهض نظرية الانفجار الكبير Big Bang وما تفرع عنه من تغيرات اقتضت مليارات من السنين، في مواجهة قصة الأيام الستة التي استراح الرب بعدها، كذلك تقف نظريات التطور (أشهرها نظرية دارون) مقابل قصة خلق آدم وحواء ونزولهما إلى الأرض كاملي الهيئة البشرية دون علاقة لهما بسائر المخلوقات، أضف إلى ذلك مناقضة رواية خروج بني إسرائيل من مصر (وإغراق ملكها وجيشها) للوثائق التاريخية التي خلت تماماً من أي ذكر لهذه الحادثة، فضلاً عن تجاوزها للمنطق. إن العقل ليعجز عن فهم أي خرق لقوانين الطبيعة، والشخص العاقل في حاجة إلى لمس سلك الكهرباء العاري لكي يعلم أن الكهرباء تصعق. ولو أن شخصاً عاش عمره في بادية ثم قيل له إن ماء البحر ملحيّ لا يروي عطشاً لما أفاده ذلك بشيء، أو ضره فتيلاً. لكن جرب أن تطلق رصاصة من بندقيتك عليه لكي يدرك من آثارها أن في إطلاق الرصاص على الجسم الإنساني أذى كبيراً. وعليه فإن من يريد الحديث عن الشر أن يربط حديثه بنتائج الأفعال الضارة الموجهة ضد البشر. عندها سيقول إن الشر هو تسلط إنسان على غيره، هو تحويل الذات إلى موضوع، هو تشييء Reification الكائن الإنساني، بسحق إرادته، بحرمانه من ثمرة عمله، بتقييد حريته، وإلزامه بإنجاز أعمال لا يريد، إن هو ترك لحاله، أن يؤديها.
كانت هذه الأفكار، وغيرها، قد بدأت تتسلل إلى وعي النخبة المتعلمة في مصر بدء من ثلاثينات القرن العشرين، فالفردية Individuality التي أسس لها ديكارت بمنهج الشك، تجد طريقها إلى المثقفين المصريين عن طريق طه حسين، بالرغم من مأساة كتاب الشعر الجاهلي، وأما مناهج الثوارت فيتعرف عليها المصريون عن طريق سلامة موسى، وبترجمة إسماعيل مظهر، لكتاب أصل الأنواع (داروين) تتعرف النخبة المثقفة على منهج التطور، وحين يلجأ عصام الدين حنفي ناصف إلى نقد الفكر الديني بدء من ترجمته لكتاب هيرمان كلانسن "النشوء والارتقاء" عام 1927، وحتى صدور كتابه المؤلف "موسى وفرعون بين الأسطورية والتاريخية" عام 1965 فإن مرحلة جديدة تكون قد دُشنت، مقابل استمرار النهج الأصولي معبراً عن نفسه في حركة الإخوان المسلمين. لقد سعت الأفكار التقليدية للإخوان المسلمين إلى تكريس الجمود الفكري بينهم لأهمية الاقتصاد السياسي، ورفضهم لقراءة ثروة الأمم لآدم سميث أو رأس المال لكارل ماركس (فالقرآن فيه إجابة لكل سؤال) وبالمقابل كان الفكر الجديد يسعى للتعبير عن نشوء وتطور الرأسمالية المصرية سواء بالتأييد أو بالنقد القاصد التجاوز، والوصول إلى الاشتراكية التي كانت تقدم أوراق اعتمادها كدواء لأدواء الرأسمالية.
في هذه المرحلة الفارقة.. كان على المسرح الشعري أن يأخذ خطوة بل خطوات يتقدم بها إلى الأمام، ويمثل على أحمد باكثير –في جانب من جوانب أعماله الدرامية هو جانب الشكل العروضي- واحدة من هذه الخطى. كان باكثير، وهو من أهل حضرموت أصلاً، قد ألف أولى مسرحياته المسماة "همام أو عاصمة الأحقاف" عام 1924 على نفس الشكل التقليدي مسايراً أحمد شوقي. فجاءت المسرحية أقرب إلى سذاجة الانتقاء منها إلى النقد الحضاري ذي الأبعاد السياسية والثقافية والفنية. ومن ذلك "معايرته" لأهل حضرموت الذين يغمطون حق المرأة أن تختار لنفسها زوجاً تحبه، وليس حقها في أن تتساوى بالزوج في كافة الميادين. ومن ثم فإن النهاية السعيدة للمسرحية تدشن رغبة الإصلاح الجزئي وليس الثورة على مجمل قيم المجتمع البدوي الزراعي. ولسوف يتواصل هذا الخط الإصلاحي في مسرحيات باكثير التالية: أخناتون ونفرتيتي، روميو وجولييت، قصر الهودج بالرغم من لجوء الشاعر إلى شكل فني مستحدث هو الشعر المرسل، ربما بتأثير الترجمة، وليس بتأصيل التجربة الفنية في ارتباطها بالتطور الفكري للثقافة العربية.
والحق أن هذا التطور الثقافي المشار إليه هنا، لم يكن قد تجذر في التربة الاجتماعية، وإنما وجد سبيله إلى النخب المتعلمة حسب. أما في البعد السوسيولوجي، فلسوف نرى كيف استمر تهميش دور المرأة في الحياة السياسية اتصالاً مع بنية فيودالية راسخة، تراتبية وذكورية، تستبعد نصف المجتمع من الحياة العامة، وإذا كانت ثمة استحالة في تقديم مسرحيات تخلو من العنصر النسائي، فإن اختراق بعض النسوة لهذا التابو الاجتماعي (أمثال فاطمة رشدي وفاطمة اليوسف) إنما كان بمثابة الاستثناء المسموح به أحياناً، من قبيل تنفيث البخار. وربما يفسر هذا ضعف الحركة المسرحية بعامة في هذه المرحلة، تأليفاً وإخراجاً وتمثيلاً. وفيما يتعلق بعلي أحمد باكثير، كمؤلف للمسرح الشعري، جرؤ على التجديد في النسق العروضي، فإن الضعف الفكري الذي لازمه ظل مانعاً له من التجديد في الرؤية السوسيولوجية للعلاقة بين الرجل والمرأة. ففي مسرحية "أخناتون ونفرتيتي" نرى الملكة الجميلة لا تلعب إلا دوراً ترفيهياً بالنسبة لزوجها رائد التوحيد الديني. ولو أن مؤلفنا باكثير تعمق في دراسة شخصياته من الناحية التاريخية على الأقل، لكان قد وضع يده على مفاتيح شخصية نفرتيتي ذات القوة والبأس، ولأدرك أن ثمة ناراً كانت تتوهج تحت الجليد، عبرت عنه نفرتيتي (التاريخية وليس الباكثيرية) في موقفها العدائي من الملكة تي أم أخناتون. وموقفها العدائي أيضاً من ابنته الأميرة "ميريت" تلك التي شك كثير من المؤرخين في أنها كانت ابنه سفاح بين أبيها وجدتها ، وهي المادة التي كان ممكناً لباكثير أن يشكلها سواء بالقبول أو الرفض، الأمر الذي كان ممكناً أن يتيح تفجير الأسئلة ذات الشأن، والمتعلقة بزنا الأقارب Incest وتحولات السلطة، فضلاً عن وضع القيم الدينية موضع المساءلة سياسياً وثقافياً.
لكن باكثير لم يكن بالشاعر الحداثي، ولم يكن أمر الحداثة والتحديث مما يعنيه، اللهم إلا شكلاً، وحتى هذا فلقد اقتصر على عنصر الموسيقى، دون أن يتطرق إلى غيره من العناصر الفنية مثل الصورة الشعرية، ومن ثم جاءت مسرحياته وذهبت كأن لم تكن، والدليل على هذا أن أحداً لا يقدر ولا يرغب، في عرض نص واحد من نصوصه على خشبة المسرح، ولو كان ذلك على سبيل التكريم لأسم مبجل حقاً، وكاتب كان شجاعاً بقدر ما أتاحت له نشأته وثقافته أن يكون، وكيف لا يكون شجاع الروح صادق السريرة من يكتب مثل هذه الأبيات:

ولولا هوى مصــر لما حــن شـاعرُ**من العـالم البـاقي إلى العـالم الفـاني
لقد كنت أهواهــا ولم تك لي رضــا **وكان نـُـفاتي حـاكميها وسجـاني
وقوم كأهل الكهــف طــال سباتهم**ودونهم الدنيا على فـم بركــــان ِ

... ... ...
غير أن شجاعة الروح، وصدق السريرة شيء، والإبداع في المسرح الشعري شيء آخر، وفي هذا الشيء الآخر لم يكن باكثير إلا مقلداً بالرغم من حيلته الشكلية في الخروج عن عامود الشعر.
*
أما عبد الرحمن الشرقاوي (1920-1987) فقد اقترب إلى حد كبير من هذا الشيء الآخر –المسرح الشعري- بمقدار ما التحم بقضايا الوطن سياسياً واجتماعياً، وبمقدار ما أفاد فنياً من تجذر شعر التفعيلة الذي صك له عملته جديدة براقةً نازك الملائكة والسياب وأدونيس وصلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي وأحمد عبد المعطي حجازي في عقد الخمسينات من القرن العشرين.
في هذا العقد تحديداً، كانت النزعة "القومية" قد تبلورت عبر نضال البرحوازيات العربية للتخلص من الحكم العثماني ذي الأيديولوجية الدينية من ناحية، ومن أخرى عبر النضال الوطني للتخلص من الاستعمار الذي مضى في تحجيم تلك القوى البرجوازية تبعاً لمصالحه في تصريف منتجاته في أسواق الشرق، ونزح موارده الخام بسعرها الرخيص (تحدده الدولة المستعمرة) ضماناً لتقليل تكلفة السلعة.
أما النزوع إلى أيديولوجية القومية العربية، فقد بدأت بدعوة عبد الرحمن الكواكبي الإصلاحية (وقد وضعت في سياق إسلامي يستدعي أمجاد الدولة العربية الأموية) ومعروف أن الكواكبي كان سورياً ليبرالياً وكان منتمياً إلى المجتمع الماسوني، (شانه شأن الإمام محمد عبده) الأمر الذي فتح المجال لأفكار التنظيمات السرية التي شارك البريطانيون أنفسهم في دعمها. ويبرز نموذج "لورنس" الميجور البريطاني الذي قاد العرب للتحرر من الأتراك المسلمين! ينهض هذا النموذج دليلاً على التناقض الهيكلي في بنية أيديولوجية القومية العربية. فبينما يأخذ البرجوازيون العرب من الثقافة الغربية علمانيتها (=إقامة الدولة على أساس قومي لا ديني كما قررته معاهدة وستفاليا 1648) تراهم –أي البرجوازيين العرب- لا يزالون يمتاحون، لأسباب شعبوية ودعائية، من بئر التاريخ الفاشي لأسلوب الحكم في الإمبراطوريات الإسلامية الغابرة.وفي حالة مصر بالذات فإن الناصرية بنزعتها التلفيقية الفلسفية، راحت تجسم بامتياز هذا التناقض الهيكلي في توجهاتها نحو بناء الدولة الحديثة، ونحو مطلب الوحدة بين الدول العربية التي جزأها الاستعمار.
أما الشيوعيون العرب، والمفترض أنهم يعبرون عن البعد الطبقي في المسألة القومية، فما لبثوا حتى أدركوا عقم الاستراتيجية الجدانوفية والتي كانت تصر على تخوين البرجوازيات المحلية في العالم الثالث، وتفترض أن الصراع ضد الإمبريالية لا يمكن أن يؤتى ثماره إلا بتكوين جبهة من العمال والفلاحين يقودها "الحزب الشيوعي". ولكن لم يكن هذا الإدراك –في حقيقة الأمر- نتاج جهد نظري ذاتي بقدر ما كان استجابة لتوجيهات المؤتمر العشرين عام 1956 الذي بنى استراتيجية جديدة تستبعد تهمة الخيانة عن البرجوازيات القومية، بل وأكثر من ذلك تعلن الموافقة على أن تكون قيادة الجبهة المعادية للاستعمار في أيدي البرجوازيين شريطة أن يكونوا ثوريين!
لا نقول أن الشيوعيون العرب قد أدركوا ضخامة هذا التحول الاستراتيجي فور إعلانه (وإلا لكانوا مجرد أبواق لموسكو) بل إنهم احتاجوا إلى وقت طويل نسبياً لكي يعوا حقيقة أن البروليتاريا ضعيفة بقدر ضعف التطور الصناعي، وكذلك الفلاحين. وبالنسبة للحزب الشيوعي المصري الذي كان وحد منظماته في 8 يناير 1958، فلقد انتهى به الأمر لا للتسليم –حسب- بقيادة ناصر للجبهة، بل وإلى الموافقة على حل الحزب ذاته، تحت وطأة الاعتقال الذي دام ستة أعوام كاملة. لكن عبد الرحمن الشرقاوي كان من اليساريين الأكثر ذكاء، الذين وفروا على أنفسهم مغبة الصدام مع السلطة ذات التوجه القومي البرجوازي، ومن ثم نجا من الاعتقال الكبير الذي بدأ مع فجر عام 1959 دون أن يتخلى عن يساريته الفكرية والسياسية، حيث انتقد حرب اليمن، وألمح في مسرحيته الشعرية "الفتى مهران" إلى غضبه من النهج البوليسي والمخابراتي لدولة عبد الناصر، بل وانتقد زملاءه اليساريين أنفسهم لإجرائهم المتسرع في حل الحزب.
وفيما يتعلق بمسرح الشرقاوي الشعري، فلقد بات ممكناً، بفضل انعكاس توترات المرحلة ما بين فكر قومي وفكر طبقي على وعي شاعر حداثي النزعة، أن نرى توفر عناصر الدراما الشعرية الحقة والتي خلت منها محاولات شوقي وعزيز وباكثير. تلك العناصر التي توظف الشعر في نسيج أعم هو النسيج الدرامي الفاعل، بحيث تمثل الدراما الشعرية الواقع، دون أن تكون مجرد مرآة له، وفي ذات الوقت دون أن تنعزل عنه. حقاً لقد بدت قصيدة عبد الرحمن الشهيرة "رسالة من أب مصري إلى الرئيس الأمريكي" تلك التي كتبها عام 1951 زاعقةَ، مباشرةً، لكنها كانت بمثابة "المانفستو" الذي يربط ما بين الشاعر وبين قضايا أمته في مستواها الواقعي لا الخيالي. ومن جهة أخرى فإنها بما حققته –فنياً- من ربط بين ما هو خاص وما هو عام؛ تكون بذلك قد مهدت للشاعر نفسه الأرض للانسلاخ من ترهات الرومانسية، والالتحاق بركب الواقعية "الاشتراكية"، وعلامات التنصيص حول كلمة الاشتراكية هنا إنما تعني تحفظنا على تسمية الآداب التي تنشأ في مجتمعات رأسمالية (بما فيها الاتحاد السوفييتي) باسم الواقعية الاشتراكية لكننا نقبل بهذه التسمية تجاوزاً بحسبانها تسعى إلى تحقيق تلك الغاية النبيلة، فهي موجودة إذن بالإمكان، وإن لم توجد بالفعل. ومن جهة ثالثة فإن نجاح الشرقاوي في صياغة قصيدة متوهجة، متأججة بالمشاعر من خلال قاموس يقترب اقتراباً شديداً من لغة الحياة اليومية، قد فتح الممرات التي كانت مسدودة أمام الدراما الشعرية أن تتنفس لغة الحياة، ومن ثم يتمكن كاتبها من الوصول مباشرة إلى جمهور النظارة الذي لم يكن على استعداد إطلاقاً أن يوقف العرض ليبحث عن معنى كلمة في القاموس، كما أن هذا الجمهور الذي أيقظته معارك التحرر الوطني بالضد على نظام الملكية الارستقراطية، وبالضد على مكائد الاستعمار وصلفه، لم يعد مستعداً لتلقي إيقاعات البحر العروضي الرتيب، المخدرة للوعي، ومن ثم جاء ترحيبه بالسطر الشعري في تنوعه وتبدله،حاراً متحمساً.
هكذا نجح الشرقاوي في مسعاه لتأسيس مسرح شعري حقيقي، بما قام به من توظيف للشعر في سياق الدراما، وبما جدد في النسق العروضي الخليلي من تفعيلات يحدد عدَدها في السطر الواحد زخمُ الموقف الدرامي للشخصيات، وليس عدد الكلمات المتممة للبيت حتى وإن قسم بين قائلين أو أكثر، كما كان يفعل شوقي.
غير أن الوضع السوسيولجي العام الذي وضع عملية تحديث الدولة والمجتمع داخل دائرة التناقض بين الولع بالغرب وكراهيته في آن أيضاً، كان له مردوده على مسرح الشرقاوي الشعري (فضلاً عن مؤلفاته الإسلامية الأخرى) فالشرقاوي المثقف الثوري، المتطلع إلى مجتمع تقدمي اشتراكي، كان مشدوداً من ناحية أخرى إلى ثقافة أمته الموروثة، بما فيها تراث الاستبداد والانصياع إلى الحاكم الأب، الخليفة أو الأمير (وهو ما يفسر انصياعه لعبد الناصر مع بعض النقد المستتر له، ثم إلى السادات الذي استدعى القوى الفاشية الدينية لضرب اليسار سياسياً) الأمر الذي طبع مسرحه الشعري بطابع التناقض الهيكلي فكرياً وفنياً وآية ذلك دعمه لحركة التحرر الوطني في الجزائر (مأساة جميلة عام 1961) ولنضال الشعب الفلسطيني (وطني عكا 1970) دون إعمال للنقد في بنية القيادة لهذه الحركة وهذا النضال، مع إدراكه للطبيعة القيادية لتلك القيادات، أو لنقل بسبب تجاهله الفكري لهذه الطبيعة. ومقارنة بروائي جزائري هو الطاهر وطـّار(روايته اللاز) يتبين خطأ الموقف الفكري الذي اتخذه الشرقاوي، ومن قبله مفكروا المؤتمر العشرين (دون أن يعني هذا الإقرار بالصواب المطلق للجدانوفية) حيث التسليم غير المشروط لجبهة تقودها البرجوازية، لم يكن ليؤدي إلا إلى التفريط في حقوق الشعب أمام الضربات الموجعة من قبل الإمبريالية، فضلاً عن ابتعاث القوى الظلامية من مرقدها كما حدث فعلاً في عهد السادات بمصر (الذي كافأته تلك القوى باغتياله شخصياً) وكما حدث بعدها في الجزائر على يد الشاذلي بن جديد. درامياً كيف حدث أن الشرقاوي بكل ثقافته التاريخية شبه الموسوعية لم ير في شخصية مثل صلاح الدين الأيوبي غير منجزاتها الايجابية، والمتمثلة في تحرير القدس من أيدي الصليبيين، دون جوانبها السلبية مثل قمع تمرد الفلاحين الفقراء بقسوة لا تصدق، ومثل اغتيال المثقفين أمثال "السهرودي" دون أن تطرف له عين؟! الإجابة على هذا السؤال تكمن في تجاهل المثقف "اليساري" للبعد الطبقي في المسالة القومية.
يصف محمود أحد شخصيات مسرحية "النسر الأحمر" طائفة من طوائف الشيعة الإسماعيلية (أطلق عليها أعداؤها اسم الحشاشين Assassins) وهي فرقة كانت ثورية في الإسلام، يصف أعضاءها بأنهم "أفسدوا في الأرض والقتل جزاء المفسدين" مع أن التاريخ يذكر إحجام سنان بن رشيد شيخهم الأكبر عن اغتيال صلاح الدين، وكان في مقدوره أن يفعل، فقد كان تقديره أن صلاح الدين حليف (موضوعياً) في صراع المسلمين، سنتهم وشيعتهم، بالضد على الصليبيين ، لكن الشرقاوي لم ير فيهم إلا ما رآه خصومهم، مما جعل النسر الأحمر مسرحية مسطحة، ليس فيها إلا بطل وحيد هو صلاح الدين، يمثل اللون الأبيض الناصع، وكل ما عداه مندرج تحت لون السواد. فهل كان الشرقاوي يرمي إلى تغطية مثالب السادات الذي استرد سيناء المحتلة بحرب أكتوبر بإعادة إنتاج نموذج صلاح الدين الذي استرد القدس من قبل؟! ليكن ذلك صحيحاً أو غير صحيح، إنما المهم في العمل المسرحي أن تكون الشخصية ذات أبعاد، وإلا صارت أقرب إلى البوق الذي يتكلم المؤلف من خلاله.
والحاصل أن شخصيات عبد الرحمن الشرقاوي إنما كانت نقطة الضعف في مسرحياته، فجميلة والحسين، والفتى مهران، وصلاح الدين، جميعهم أقرب إلى الملائكة منهم إلى البشر، لا تكاد ترى فيهم خطأ واحداً. والمعروف أن الشخصيات التراجيدية العظيمة لا تكون كذلك لبراءتها التامة من الأخطاء، بل لعلها لا تكون كذلك إلا لكونها تخطئ الخطأ العظيم، لكن اندماج الشاعر الشرقاوي في بنية السلطة الناصرية أولاً، ثم الساداتية ثانياً، كان محتماً أن يضعف من قدرته على النقد الراديكالي لتلك البنيات السلطوية التي قامت على مبدأ العسكرتاريا، مما سحب هذا الضعف على بناء شخصياته في عالم الدراما الشعرية، ولم يكن ممكناً والحال كذلك إلا أن يستعيض شاعرنا الشرقاوي عن حركة تنامي الشخصيات المفروض وجودها، بمنولوجات طويلة تشرح فيها الشخصية أهدافها، أو تألم للعقبات التي تواجهها، وهي عقبات تتنصل الشخصية من مسئوليتها عنها! الأمر الذي أضاف ضعفاً فنياً إلى الضعف الفكري الموجود أصلاً.
ومع ذلك فمما لا شك فيه أن عبد الرحمن الشرقاوي ليعد علامة فارقة بين من كانوا يكتبون الشعر المسرحي وبين كتـّـاب المسرح الشعري بمعنى الكلمة.
*
على رأس هـؤلاء، وفي موقـع الريـادة منهم، يقـف الشـاعر صــلاح عبـد الصـبور (1931-1981) ذلك الذي تفتح وعيه ومواهبه مع سوط النظام الملكي، وإحلال النظام الجمهوري محله بكل ما فجر هذا التحول من آمال، سرعان ما أحبطها ضرب الليبرالية الناشئة، ووأد الديموقراطية الوليدة.
والحق أن ثورة شعبية كانت على الأبواب، تسعى إليها البرجوازية الصغيرة ممثلة في حركة الإخوان المسلمين، وبعض الأحزاب "شبه الثورية" مثل حزب مصر الفتاة (الذي أصبح اسمه الحزب الاشتراكي) باختراق لجموع العمال والطلبة، وبتأييد من الفلاحين الفقراء الذين أضناهم استغلال الإقطاع وكبار الملاك الزراعيين لهم. ولما كانت هذه التركيبة الاجتماعية عاجزة عن تشكيل جبهة شعبية ذات برنامج ثوري، وهيكل تنظيمي ملائم، فلقد بقيت تراوح في مكانها، مكتفية بالمظاهرات وبأعمال التمرد والشغب في الريف، مما دفع الجناح العسكري القادم من أصول برجوازية صغيرة (تنظيم الضباط الأحرار) أن يتقدم معتمداً على تأييد هذه القوى، ليسقط النظام الملكي ، ولكن بدلاً من دعوة الوفد صاحب الأغلبية المعزول عن الحكم، ليتسلم سلطته ومسئولياته، وبدلاً من تفعيل دستور 1923 الذي جاء الانقلاب العسكري بزعم حمايته، رأينا قادة الانقلاب، يعلنون إلغاءه، بل وإلغاء الأحزاب جميعاً، وكانت أزمة مارس 1954 العلامة الفارقة بين عهد الليبرالية المنصرم، وعهد الدكتاتورية الوليد، صحيح أن القيادة الجديدة أجرت الإصلاح الزراعي الذي عجز حزب الوفد عن إجرائه، وصحيح أن هذه القيادة العسكرية أبدت انحيازاً للطبقات الكادحة، لكنها فعلت ذلك بقرارات فوقية تعبر عن نفسية ومزاج وثقافة أصحابها. ولما كان العسكر –بطبيعتهم- لا يعرفون إلا لغة الأمر. ولا يقبلون إلا التنفيذ ممن تصدر إليهم الأوامر تبعاً للتسلسل التراتبي، فلقد لجأت قيادة حركة يوليو إلى قمع أية معارضة سياسية، فكانت الاعتقالات بالجملة تلك التي طالت الإخوان والشيوعيين والليبراليين دون تمييز، وكان الاعتماد على تنظيم سياسي وحيد أنشأته تلك القيادة باسم هيئة التحرير، ثم الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي، قوامه المنتفعون والموافقون بالإجماع، وكان أن ظهرت مراكز القوى، وكان أن توحشت الأجهزة البوليسية والمخابراتية، فكان طبيعياً أن يـُـمنى المشروع الثوري جميعه بالإخفاق الذي كان هزيمة حزيران 1967 علامته ونتيجته.
التقطت حساسية صلاح عبد الصبور تلك المعطيات لتنبجس شعراً موجوعاً ينطق بما في قلب الأمة تصريحاً ذات مرة (قصيدة عودة ذي الوجه الكئيب) وإيماء مرات ومرات.
ففي قصيدة "رحلة في الليل" نرى طائراً يعيش مع أليفه، وفجأة ينقض عليه أجدل منهوم
جاء
ليشرب الدماء
ويعلك الأشياء
... ... ...
الطارق المجهول يا صديقتي ملثم شرير
عيناه خنجران مسقيان بالسموم
والوجه من تحت اللثام وجه بوم
لكن صوته الأجش يشرخ المساء
إلى المصير! والمصير هوة تروع الظنون
فلا يخفى على أحد عمن يتكلم الشاعر. إنه يكتب عن هؤلاء الذين وضعوا أنفسهم فوق مستوى البشر، فما أخبرهم بالخيل والليل والضراب والكمائن. والتجريب والتخريب.. "وباختصار. أنتم هدية السماء لنا.. نحن معشر البشر الفانين. ليس على الله بمستنكر.. أن يجمع العالم في عشرين" والعشرون هم مجلس قيادة "الثورة" بغير شك، هؤلاء الذين قالوا له:
لا تدسس أنفك فيما يعني جارك
لكني أسألكم أن تعطوني أنفي
وجهي في مرآتي مجدوع الأنف
... ... ...
هذي جبال الملح والكبريت
فكل مركب تجيئها تدور
تحطمها الصخور
فأي زمن هذا الذي أصبح الناس يعيشون فيه؟
هذا زمن الحق الضائع
لا يعرف فيه مقتول من قاتله
ومتى قتله
ورؤوس الناس على أجسام الحيوانات
ورؤوس الحيوانات على أجسام الناس
فتحسس رأسك
فتحسس رأسك
وفي تقديرنا أن هذا المقطع من قصيدة "رحلة في الليل" إنما كان البذرة التي أثمرت عمله الدرامي الشعري الثاني "مسافر ليل" 1969 حيث يعري وجه السلطة ممثلة في "عامل التذاكر" الذي يعذب ثم يقتل راكب القطار. وبعدها يدعو الشاهد "الرواي" (رمز المثقف) ليعاونه في التخلص من الجثة. فإذا استعرنا تعريف سارتر القائل إن المثقف هو المنوط به شرح حقائق الصراع الطبقي للجماهير، لأيقنا أن صلاح عبد الصبور إنما كان مثقفاً بحق، ملتزماً (دون عضوية حزب شيوعي) بفضح علاقات القوة داخل نسيج المجتمع الطبقي، وبإدانة المثقفين الذين يكتفون بالمراقبة والتعليق اللفظي المائع على ما يحدث
ولأنك لا تدري معنى الألفاظِ
فأنت تناجزني بالألفاظ
اللفظ منية
اللفظ حجر
ولأنك لو ركبت كلاماً فوق كلام ٍ
من بينهما استولدت كلام
لرأيت الدنيا ولوداً بشعاً
وتمنيت الموت
أرجوك الصمت.. الصمت
من هنا نراه يذكر على لسان الشاعر"سعيد" بطل مسرحية "ليلى والمجنون" الصادرة عام 1970 أنه:
نبي يحمل قلماً
ينتظر نبياً يحمل سيفاً
وبهذا يكون قد تجاوز موقف الاستلام الصوفي في مسرحيته الأولى "مأساة الحلاج" المكتوبة عام 1964 حيث يتشرنق المثقف داخل نفسه مكتفياً بأنواره الباطنة، أو معبراً عنها بكلمات عامة عن الفقد الذي لا يـُـرضي الله.. الخ. ومن ثم يكون سهلاً على السلطة أن تؤول كلماته إلى معان سياسية مضمرة ثم تصلبه بها. أما أن يدعو البطل (في مسرحية ليلى والمجنون) إلى تجاوز الكلام إلى الفعل، فذلك موقف متقدم، إنما ينتكس فجأة حين يكتشف "سعيد" في سجنه أن حبيبته ضاجعت الجاسوس "حسام" الذي وشى بأعضاء التنظيم. ويكشف انهيار "سعيد" عن الضعف الذاتي في تكوين المثقف الثوري ابن تلك المرحلة [لا تنس قرار قيادة الشيوعيين بحل الحزب وهم داخل معتقل ناصر عام 1964] الأمر الذي يدعو سعيد إلى القول في نهاية المسرحية:
أنا.. لا
أنا وقت مفقود بين الوقتين
أنا أنتظر القادم
والحق أن هذا القول إنما يعبر بصدق عن المعطيات السوسيولوجية لمرحلة خانقة، وقعت فيها هزيمة منكرة، ومع ذلك فقد خرج الناس يطالبون المسئول عنها بالبقاء تحت تأثير دعاية مكثفة استمرت عقدين كاملين. ألقى فيها بروع الناس أن هذا الحاكم ليس مجرد رئيس، بل هو أب الأمة وراعيها، ومجسـِّـدُها في الزمان الممتد من الفراعنة إلى الأبد، وما الناس إلا صورة له! أليس الكل في واحد؟!
وبالطبع فلم يكن هذا هو المخرج. ففيم إذن كان في رؤية صلاح عبد الصبور، ذلك الشاعر المثقف الذي تعرف على الماركسية دون أن يعتنقها؟ والذي آمن بإله خيّر جميل ولكن دون ارتضاء العبودية له؟
يتحدث عبد الصبور عن فزعه –كما فزع أبو العلاء قبلاً- من إدراكه أن الحياة ذاتها عبودية وأسر.. فإما انتحار شبيه بانتحار الفيلسوف امبادوقليس، وإما أن يقول المرء كلمته فناً إبداعياً خالصاً ويمشي .
وتلك مكابدة حداثية لا غش فيها، وآية ذلك أننا أن استعرنا نموذج جريماس Greimas (نظرية الفاعل الدلالي) لرأينا أن صلاح لم يستطع أن يغدو ماركسياً بالرغم من تخليه عن الموقع الإيماني الكلاسيكي الموروث فالماركسية ترى أن الفاعل هو الإنسان، والموضوع الذي تتجه إليه فاعليته هو المجتمع الشيوعي الخالي من الطبقات، وأن المرسل هو التاريخ والمرسل إليه هو جموع البشر، وان العامل المساعد يتمثل في طبقة البروليتاريا، والعائق هو البرجوازية. وبالمقابل فإن الإيمان الكلاسيكي يقوم على اعتبار الفاعل الكنيسة أو الجماعة المؤمنة، وموضوعها: العالم، والمرسل هو الله، والمرسل إليه هو الإنسانية. والمساعد هو الروح القدس أو النبوة، بينما تمثل المادة العقبة. وعلى غير هذا وذاك يرى صلاح عبد الصبور أن الفاعل هو التاريخ (يمثله القرندل في مسرحية الأميرة تنتظر) وهو أيضا المرسل والمرسل إليه، والشعر هو العامل المساعد، أما الشر الأصيل في الحياة فهو العقبة، وفي مسرحية "بعد أن يموت الملك" نرى "الشاعر" يتسلم زمام المملكة (كيف؟! لا ندري) ويرسل الحاشية إلى حيث ذهب الملك المتوفي، من خلال صياغة رمزية عبثية لا جدوى منها. وهكذا نستبين كيف أدت المعطيات الثقافية الاجتماعية ، والجمود السياسي المستمر إلى حالة حصار شامل، ألقى بكلكله على الإبداع المسرحي الشعري لصلاح عبد الصبور، الأمر الذي أضعف من عنصر الصراع الدارمي في أعماله، كما شتت الحبكة في بعض هذه الأعمال، لا سيما مسرحيتيه "الأميرة تنتظر" و "بعد أن يموت الملك".
ومع ذلك فسيذكر لصلاح عبد الصبور أنه الشاعر الذي منح المسرح الشعري في مصر أوفى جمالياته التي عكست أشواق الإنسان نحو عالم أفضل، عالم تتألق فيه الحرية بجانب العدل، تصنعه الجماهير وليس الطغاة باسم الجماهير، كذباً ومراءاة.
وتلك هي الحداثة التي نصبو إليها، سواء في حياتنا الاجتماعية والسياسية، أو على مستوى الإبداع الفني، وفي المقدمة منه الدراما الشعرية.
... ... ... ...
... ... ... ...
... ... ... ...
يبقى أن نشير في ختام هذه الدراسة، أننا نكتشف الكثير والكثير عن جوهر وخصائص المسرح الشعري، إذا نحن قرأناه في سياقه السوسيولوجي، وليس بمعزل عن هذا السياق. وقد نجد الإجابة عن سؤال يتردد كثيراً في أوساط النقاد والباحثين، يقول: لماذا يأخذ المسرح الشعري –غالباً- مادته من التاريخ والأسطورة والتراث الشعبي؟ والإجابة الصحيحة أن تلك العناصر الثلاثة ذاتها إنما هي تمثيل فنيّ للواقع، وان الواقع "الراهن" لا يمكن أن يصلح بحالته "الهيولية" المشتتة ليكون مجالاً للإبداع، ما لم تتم إعادة تشكيله، وبناؤه بواسطة حبكة فنية تنظم عناصره. فالمسرحية المسماة خطأ بالواقعية، ليست هي الواقع ، بل هي تقليد فني له، مع الوعي بأن التقليد الفني ليس مجرد صورة فوتوغرافية، بل صورة ترسم بريشة الفنان الشعرية، ومن ثم يقع الفنان وريشته موقع المصفاة ما بين التراب والتبر، أو قل بين الجوهري والعارض. على أن الشاعر في القصيدة يبدوا واضحاً، موجوداً بذاته، وكأنه يقول لسامعيه: هأنذا. بينما تتراجع ذاتيته وتنحسر في المسرحية الشعرية، فلا يبقى منه سوى تلك الريشة الشعرية. تعمل عملها، وتنسج نسيجها، فتغدو الحبكة الموضوعية وكأنها مصفاة ثانية، تحجب الشاعر، كي تسمح للشعر وحده أن يكون الممثل Representative للغة، صانعة العالم الإنساني. هذا الممثل إنما هو العنصر المعنوي الموضوعي الذي تستغرب له الحواس، مثلما تستغرب الأذن لسماع المقطوعة الموسيقية المؤلفة، غير أن الحواس ما تلبث حتى تألف تلك الموسيقى المؤلفة، لأن شيئاً فوق الحواس Meta-sens يتوق إليه، ويتقبله، وينهل منه. هكذا الحال مع المسرح الشعري، الذي يسعى لتمثيل الواقع في مستوياته المختلفة: الأسطورية والتاريخية والأحداث الراهنة، وكأنه سفير فوق العادة، مهمته أن يسمع ما يقول الآخر الذي هو جوهر التاريخ أو جوهر الأسطورة، أو جوهر الواقع المعيش، ثم يعود إلى قومه مترجماً لهم ما سمع، ومستخدماً في ترجمته لغةَ، ليست هي بالضبط ما سمع، وليست هي بالضبط ما يقول، ذلك أن هذه اللغة الشعرية الدرامية -من جانبيها- محض تمثيل للجوهري، وللحقيقي في عالم الأشياء، بقدر ما هي تمثيل للجوهري والحقيقي فيما يتغياه البشر.


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
2476364 عدد الزوار
811 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2014