مقالات عن باكثير->مقال في مجلة/صحيفة
دعوة لإعادة قراءة أعمال مبدع كبير ونشر تراثه
دعوة لإعادة قراءة أعمال مبدع كبير ونشر تراثه
باكثير من رواد الشعر الحر والمسرح السياسي والرواية التاريخية

بقلم: أسامة الألفي              - جريدة الأهرام -            2 ديسمبر 2003م

تذهب مقولة نقدية إلى أن أعمال المبدع لا تقوم تقويماً حقيقياً إلا بعد سنوات طويلة من رحيله، وغياب أبناء الجيل الذي عاصره، ليأتي جيل آخر يتعرف عليه من خلال نتاجه ،ونتاجه فقط، بعيداً عن أية مؤثرات عاطفية أو شخصية قد تطبع أو تحكم آراء الذين عاصروه وأحبوه أو اختلفوا معه.

على ضوء هذه الرؤية تنبثق دعوتنا لإعادة قراءة تراث الشاعر والروائي والكاتب المسرحي اليمني المتمصر علي أحمد باكثير ،الذي يكاد يكون شبه مجهول لكثير من أبناء الأجيال التي ولدت بعد رحيله.
وعلي أحمد باكثير أديب متنوع العطاء، غزيرة، ولا يزال كم كبير من نتاجه مهملاً لم ينشر، وقد اطلعت شخصياً في نهاية الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي على كم مهول من تراثه الشعري والمسرحي والقصصي لا يزال مخطوطاً في كراسات مدرسية، أطلعني عليها باحث حضرمي متخصص في المسرح آلا على نفسه لسنوات طويلة تتبع تراث باكثير وجمعه، هو الصديق الدكتور محمد أبو بكر حميد، وبقدر ما اتفقت مع د. حميد على أهمية جمع تراث باكثير والعناية بنشره، بقدر ما اختلفنا حول رؤيته التي تروج لنظرية المؤامرة، وترى أن هناك ظلماً متعمداً وتجاهلاً مقصوداً من قبل نقاد معينين في مصر لوأد نتاج باكثير أثناء حياته وبعد وفاته، واعتمد د. أبو بكر في رؤيته هذه التي أوردها في كتابه علي أحمد باكثير في مرآة عصره على حكايات تكاد تنطق بالافتعال في ثنايا سطورها رواها له زوج ربيبة باكثير.
صحيح أن باكثير ظلم نقدياً، حين سكت النقاد ولم يشيروا إلى ريادته للشعر الحر والشعر الدرامي، فهو أول من أدخل الشعر المرسل إلى المسرح الشعري، بترجمته الرائعة لمسرحية شكسبير «روميو وجوليت» عام 1938م، والتي أهلته لأن يسبق د.لويس عوض والسياب ونازك الملائكة في نزعتهم إلى تجديد الشعر، فضلاً عن ريادته التي لا ينازع عليها في مجالي الرواية التاريخية الإسلامية والمسرح السياسي.
إلا أنه صحيح أيضاً أن هذا التجاهل النقدي لم يكن متعمداً، وإنما يعود - في الغالب- إلى طبيعة باكثير النائية عن الأضواء، المتميزة باستقرار نفسي وفكري في عصر ماج بالاضطراب، فانشغلت الحركة النقدية - كما قال الكاتب الكبير فاروق خورشيد- عن باكثير وما يحظى به من سلام فكري إلى رصد ومتابعة وتحليل مظاهر الحيرة والقلق التي غلفت نتاج معاصريه، والتي رأى النقاد فيها شيئاً من سمات عصر متقلب غير مستقر.
وما حظى به باكثير من تقدير إن عنى شيئاً، فإنما يعني أن باكثير كان يحظى بمكانة وتقدير لدى معاصريه، وينفي في الوقت ذاته تهمة الظلم المتعمد، والحقيقة أن علي أحمد باكثير لم يكن ليتهم كثيراً بالنقاد، ولم يكن يحتاج إليهم ليكتبوا له شهادة ميلاد، فأعماله تتحدث عنه.
فلندع جانباً إذاً نظرية المؤامرة لنمحص كتابات باكثير ونتاجه المتنوع، فهذا المبدع الفذ الذي ولد عام 1910م في اندونيسيا قد أدركته حرفة الأدب في بواكير صباه، إذ أعاده والده إلى حضرموت لتلقي العربية والإسلامية وهو ابن الثامنة، وما لبث حين بلغ الثالثة عشرة من عمره أن كتب الشعر، وأسعفته بيئته البدوية النقية في تنقية لغته من الشوائب حتى إذا ما ناهز العشرين كان شاعراً يشار إليه بالبنان، وصار ينظر إليه على أنه «شاعر اليمن» وكأي شاعر شاب كان يتوق إلى أرض الكنانة، قبلة الشعراء والأدباء، وقاعدتهم إلى الشهرة والنجومية.
وحين وصل باكثير إلى مصر قادماً من الحجاز عام 1934م كانت شاعريته قد اكتملت وبات اسمه معروفاً لدى كثير من أدباء مصر، وكان في نيته استكمال دراسته بالأزهر الشريف، لكنه ما لبث أن غير مساره ليلتحق بكلية الآداب بالجامعة المصرية «جامعة القاهرة» -قسم اللغة الإنجليزية- وتخرج فيها عام 1939م ودرس في العام نفسه في كلية المعلمين وحصل على دبلومها عام 1940م، وعمل بالتدريس وتزوج من أرملة مصرية لها ابنة رباها كما لو كانت ابنته حيث لم يعقب ذرية.
وفي مصر التي حصل باكثير على جنسيتها، اندمج بفاعلية في الحياة الأدبية والثقافية، وأسهم في إثرائها من خلال عضويته في لجنة النشر للجامعيين التي كانت تضم كوكبة من الأدباء الشباب آنذاك- منهم عبدالحميد جودة السحار، ونجيب محفوظ، وعادل كامل وآخرون جمع بينهم كونهم أبناء جيل تلقى ثقافته الأصلية واطلع على ثقافة الآخر في وطنه، فهم على عكس الجيل السابق جيل الدكتور طه حسين والحكيم ، لم يتلقوا الثقافة الغربية في مواطنها، لهذا كان تأثرهم بالثقافة الوافدة أقل، وكان ارتباطهم بثقافتهم أكبر.
وحقاً كان تأثير الثقافة العربية الإسلامية كبيراً في إبداع باكثير الشعري منه والنثري، إذ لم ينظر إلى الإسلام باعتباره ديناً فقط، وإنما نظر إليه من حيث كونه بناء حضارياً متكاملاً، فنجده في شعره يتمثل روح الإسلام، ويتبنى من القضايا ما هو قومي، فإذا ما أضفنا إلى ذلك أن نشأته الأولى في مجتمع بدوي لم تفسد لغته حضارات وافدة قد أكسبته سلامة اللسان وجزالة اللفظ، وقوة العبارة، لأدركنا أن أشعاره تميزت بما كان يتميز به شعراء السلف الأول في صدر الإسلام من براعة تصوير وقدرة على تطويع اللغة، فانسابت أشعاره في سلاسة ورقة مقدمة مضموناً إسلامياً في قالب معاصر يعالج قضايا عصرية، إذ انحاز في شعره لهموم أمته، وكان يرى أن نهوض أمة الإسلام لن يكون ما لم ينهض العرب، ويؤرقه ما يراه حوله من تخاذل أهل العروبة عن النهوض ببلدانهم ومسايرة ركب التقدم.
وعلى الرغم من تأصل الثقافة العربية في نفس باكثير، إلا أن هذا لم يحل دون أن يكون سباقاً إلى التجديد كما أسلفنا، إذ أتاح له إطلاعه على الآداب العالمية قناعة بأهمية تجديد القريض سواء أكان في اللغة والأسلوب أم الوزن، ومن نماذج التجديد عنده تراجمه عن كبار الشعراء الغربيين، التي تتبدى فيها إرهاصات الشعر الحر في العربية، يقول في قصيدة «إلى الليل» التي ترجمها عن شاعر الإنجليزية الأشهر شيلي:
اسحب فوق الموج الغربي الذيل
أسرع يا روح الليل
أخرج من كهف الشرق الذي لا يرى النور
حيث تنسج النهار وحيداً
أحلام الخوف لنا والسهاد

ولم يعش باكثير ليرى ديوانه مجموعاً، إذ سبقه أجله وهو ينهض بهمة لجمعه، بل اختار له عنوان: أزهار الربى في شعر الصبا»، وقيض الله له من المحبين من يعنى بهذه المهمة حيث صدر الديوان عام 1987م أي بعد رحيله بـ 18 عاماً في قرابة ثلاثمائة صفحة حاملاً الاسم الذي اختاره الشاعر، ضاماً ما أمكن جمعه من أشعاره وقصائده، ولا ريب أن هناك إشعارا أخرى له لا تزال مجهولة لم تنشر.
ويعد المسرح أهم المجالات التي تبدى فيها جهد باكثير التجديدي سواء في الشكل الفني أو المضمون، فمن حيث الشكل الفني أعيد القارئ إلى ما سبق أن ذكرته من ريادته للشعر الحر، بإدخاله الشعر المرسل إلى المسرح الشعري في مسرحيته «روميو وجوليت» المترجمة عن شكسبير عام 1938م، ومن حيث المضمون كان له أيضاً فضل ريادة ما أصطلح على تسميته فيما بعد بالمسرح السياسي، كما بشر بالمسرح الواقعي، المعتمد على كوميديات اجتماعية راقية تنتقد السلبيات بروح مشبعة بالسخرية اللاذعة، وتنوعت مجالات مسرحياته، وتعددت أيضاً ما بين طويلة وأخرى قصيرة ذات فصل واحد.. وان جمع بينهما جميعاً انها تطرح فكرا يناقش قضايا معاصرة أو قضايا فكرية من منظور إسلامي توفيقي وقد تعود في معظم أعماله على تصديرها بآية قرآنية توحي بمضمونها وبلغ ما نشره باكثير من مسرحيات خلال حياته نحو 39 مسرحية، فضلاً عن عشر مسرحيات أخرى محفوظة لم تنشر أحصيتها ضمن تراثه الذي يحتفظ به د. محمد أبو بكر حميد، والأمر المثير للدهشة أن المسرح المصري لم يستفد من مسرحيات باكثير بسوى خمس أو ست مسرحيات، وأهمل الباقي برغم المزاعم القائلة إن هناك أزمة نصوص!.
ومن أبرز إسلاميات باكثير ملحمته «عمر» التي تناول فيها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب في 19 جزءاً ومسرحيته «هاروت وماروت» التي قدم من خلالها معالجة عصرية مسرحية لنص ديني مستمد من تفاسير القرآن الكريم ونال عنها جائزة الدولة التشجيعية.
كما كان التراث الإسلامي والفرعوني موضوعاً لمسرحيات أخرى نذكر منها «سر شهرزاد» و«الحاكم بأمر الله» و«الفرعون الموعود» و«اخناتون ونفرتيتي» وهذه الأخيرة أشاد بها المازني، معترفاً بالتجديد الذي أحدثه باكثير في المسرح الشعري، حيث توسع في التحرر من القافية وشطرية البيت الشعري، قد أثبت باكثير من خلال هذه المسرحية قدرته الفذة على اختيار موسيقى الشعر المناسبة لجو الموضوع، حين اختار أن يكتبها كلها ببحر «المتدارك» أو الخبب الذي يتميز بموسيقى خفيضة تتيح للحدث الدرامي أن يعلو صوته وهو ما نهج عليه كثيرون من بعده كان أشهرهم وأقدرهم صلاح عبدالصبور، وبالمثال حملت مسرحياته الاجتماعية طروحاً جريئة، ففي «جلفدان هانم» لا يكتفي برفض ما يراه من أوضاع اجتماعية انتهى زمانها، لكنه أيضاً يواجه هذه الأوضاع التي عفى عليها الزمن بالنقد الساخر من خلال تعريتها وكشف زيفها، وهذه الرؤية الناقدة تتصاعد لتبلغ ذروتها في مسرحية «حبل الغسيل» التي فضحت الزيف والنفاق في المجتمع والكلام ذاته يقال عن مسرحية «قطط وفئران».
وهاجم باكثير الاستعمار الذي كان يستنفد خيرات البلدان العربية، هاجمه بعنف وشدة من خلال مسرحياته الجريئة، مثبتاً أن الأديب ضمير أمته، ومؤكداً من خلال هذه المسرحيات أن أمة الإسلام تملك العوامل المؤدية إلى النصر لكنها لا تستغلها، نراه في مسرحية «دار ابن لقمان» يستلهم من التاريخ ما يستنهض به الهمم للتخلص من المستعمر الغاصب، مبرزاً قدرة الشعب على قهر المحتل، بل وإذلاله أيضاً، أما في مسرحية «إمبراطورية في المزاد» فنراه يسخر من المستعمر، الذي لا يزال يتمسك بأحلامه برغم عشرات الشواهد الدالة على أن زمن إمبراطوريته قد ولى، وأن الأسد العجوز قد شاخ وسقطت أسنانه واهترأت مخالبه، وكانت هذه المسرحيات وغيرها إرهاصة لقيام المسرح السياسي.
كما كان لقضية العرب الأولى - قضية فلسطين- موقع مميز في مسرحيات باكثير، حيث أولاها اهتماما غير محدود، فكتب عام 5491م «شايلوك الجديد» محذراً من مخططات الصهاينة للسيطرة على كامل تراب فلسطين، ومتنبئاً بالنكبة قبل ثلاث سنوات من وقوعها، وداعياً العرب والمسلمين إلى الحيلولة دون سقوط فلسطين في قبضة الصهاينة من خلال إتباع سياسة المقاطعة الاقتصادية واتخاذها سلاحاً يفسد ويصد مخططات التهويد.
أما في مسرحية «إله إسرائيل» فتناول بالعرض والتحليل من خلال حوار مسرحي راق المشكلة اليهودية منذ أقدم العصور، وقدم في مسرحية «شعب الله المختار» عوامل انحلال اليهود محذراً من خطورتهم.
واتخذ باكثير من التاريخ الإسلامي والتراث مادة وموضوعاً لرواياته نراه في «وا إسلاماه» يتخذ من نضال السلف ضد الهجمة التترية الشرسة التي أكلت الأخضر واليابس، ولم تدع بلدا إلا ودمرته، حتى لقد كادت تبيد الحضارة البشرية، يتخذ من هذه الهجمة التي أوقعها السلف من المسلمين بقيادة الملك المظفر قطز سبيلاً لاستعادة أمجاد المسلمين وتذكير الأجيال المعاصرة بالنخوة والشجاعة التي كان عليها الأجداد، لينتصروا لدينهم على عدوه وعدوهم، مبشراً بانتصار الحق في النهاية، مهما طال زمن القهر.
إن تراث باكثير لتضيق هذه السطور عن حصره فهو يحتاج لتناوله إلى مجلدات ومجلدات، تنصف هذا المبدع العملاق الذي لم ينل حقه اللائق من التناول النقدي النزيه، في وقت ترك لنا نتاجاً ثراً، طبع منه نحو 70 مؤلفاً خلال حياته، وحال القضاء بينه وبين طبع الباقي والذي يصل إلى عشرين كتاباً، ومن أبسط حقوقه علينا أن نعيد قراءة أعماله وننشر منها ما لم ير النور بعد ونقدمها للأجيال التي لم تعرفه تكريماً للرجل، ووفاء بحقه وتعريفاً به لدى الأجيال الشابة.


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4888698 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2020
افلام سكس عربي سكس مراهقات