مقالات عن باكثير->مقال في مجلة/صحيفة
علي أحمد باكثير صاحب الخيال الموصول بفلسفة التاريخ

الصفحة الأولى> الخليج الثقافي
02:01 آخــر تحديــــث 2007-08-25 

إبداعه السردي ينتهي إلى المستقبل
أعلام ... علي أحمد باكثير صاحب الخيال الموصول بفلسفة التاريخ


د. عمر عبدالعزيز 

الحديث عن قامة بطول الراحل الكبير علي احمد باكثير تقتضي وقفة أمام المقدمات الاساسية التي اسهمت في بلورة تلك القيمة الفكرية الثقافية الابداعية الاستثناء، تلك المقدمات الكامنة في نشأته الأولى في وادي حضرموت، النقطة الخاصة في جغرافيا الثقافة والفكر التاريخيين، الوادي الخصيب الذي يضم في جنباته مئات المساجد وعشرات المكتبات التاريخية، وآلاف الأروقة الثقافية الروحية، بالاضافة إلى اللازمة الثابتة في كل بيت، مكتبة خاصة تعتد بالكتاب وتعتبره الأهم في حياة الافراد، انه وادي حضرموت الذي يستمد فلسفة وجوده من الوسطية الدينية وحكمة التاريخ والتعايش المؤنسن بروح التضامن والتعايش السلمي.

 

 

من تلك النقطة بالذات يمكن قراءة المؤثرات الأولى التي تساوقت مع مستويين للوعي والموهبة: المستوى المطبوع القادم من المنة الآلهية والموهبة الربانية التي يتفاوت الناس في اقدارها، والتحصيل الدنيوي القادم من القراءة والاطلاع والتفاعل. وقد كان باكثير وافر الحظ في المستويين “المطبوع والمكتسب”، يقول الشاعر:

العلم علمان مطبوع ومكتسب

والبحر بحران مركوب وموهوب

ومن تلك المقولات يمكننا معرفة ما يتجاوز المعرفة التقليدية إلى المعرفة الموصولة بالذائقة والحساسية ولطائف الاشارات، فيما نرى له سنداً أكيداً في ابداع باكثير.

إلى ذلك فاز باكثير بنعمة الترحل وتنكب مشاق السفر في الزمان والمكان وما بينهما من أسرار واكتشافات وابتلاءات، فكان ابن اندونيسيا البعيدة، وشرق افريقيا القريبة، كما شهد دهرا من الأيام المثقلة بالمعاني في أرض الحجاز ونجد، وحل به المطاف أخيراً في ربوع مصر الكبيرة بتاريخها وذاكرتها ومعتركاتها الفكرية، حتى أنه تساوق مع جيل الاحيائيين الكبار، وكان أحد رواد تلك المرحلة، مقيماً في ابداعه بين السابقين واللاحقين ومعاصرا ثورة يوليو/ تموز وما تلاها من تصاريف وأحوال.

السير الوجودية الابداعية للاسماء لا يمكن قراءتها خارج نطاق الزمان والمكان، ومعارج الرؤية، والنظرة للأحوال المتغيرة.. حتى ان الواحد منهم يصل الأزمنة بالأزمنة، ويقرأ الأمكنة بالأمكنة، فيعيش الدهر كله بتقلباته ونواميسه العصية على المحاصرة.

ذلك الرائي المبدع يعيش الدهر بوصفه تحولا موضوعيا، ويعيشه في نطاق الأمل والرغبة، ويعيشه أيضا في فضاء يتسع لما بعد المكان والزمان، وهذا هو ديدن المبدعين الذين ينتمون جبراً لا خياراً ويحلقون على أجنحة البيان والبديع، ويتساوقون مع العصر بوصفهم ناظرين إلى ما وراء الأكمة.

الشاعر الروائي والمسرحي العربي المطبوع علي أحمد باكثير اسم آخر في زمن الابداع العربي الذي تاخم مشروع “الاحياء الثقافي الشامل”، وتخاطر مع كوكبة أدباء النهضة الذين اغترفوا من الماضي واندغموا في رماله وتلاله وهضابه.

لم يكن الاحياء الأدبي بمعزل عن الاحياء الثقافي الفكري بالمعنى الواسع، كما أن تلك اللحظة التاريخية التي أسهمت بها كوكبة واسعة من المؤصلين العرب كانت ضرورة موضوعية لتمثل ابداع الماضي العربي الاسلامي من جهة، وتقريب الآخر الانسان من جهة أخرى، والشاهد أن جيل النهضة الذي امتد أثره الكبير منذ بدايات القرن العشرين لم يترك شاردة ولا واردة في التراث العربي إلا وأعاد انتاجه بروحية جديدة، كما أنه الجيل ذاته الذي فتح اذرعا واسعة للآخر الانساني، والأوروبي منه على وجه التحديد. كان باكثير مسهماً في تلك الحركة النهضوية الثقافية الواسعة وقد انعكس هذا الاسهام في أعماله الشعرية والروائية والمسرحية.


لماذا الإحياء

كان باكثير مثل مجايليه الكبار يستشعر أهمية الاحياء الثقافي لأن تمثل الماضي يستلزم وبالضرورة إعادة استيعابه، والشاهد أن من يعرف آداب امرئ القيس وعنترة والنابغة، ثم يتابع مع المتنبي وأبي تمام والمعري.. ان من يفعل ذلك يقترب اكثر واكثر من أسرار البيان والبديع، كما يتواشج مع الرؤى والدلالات الفكرية الكبرى التي ارتسمت في أزمنة العرب، ابتداء من الجاهلية، مرورا بصدر الاسلام، وحتى لحظات الزهو والمجد الكبيرين في ظلال الدولتين الأموية والعباسية، وصولاً إلى محطة الأندلس.

الأسماء التي كان لها حضورها المتنوع في هذا الباب كثيرة، نذكر منها مثالا لا حصراً: حبيب جاماتي ومحمد حسين هيكل في التاريخ، محمود تيمور في السرد، طه حسين والعقاد في الأداب التاريخية والدينية والفكرية والنقدية، أحمد شوقي وحافظ ابراهيم في الشعر، وصولا الى جبران خليل جبران وايليا أبو ماضي، ومفكري القومية العربية وكل الذين عاصروا ثورة يوليو/ تموز واستتباعاتها في الخطاب والأمل، وكان باكثير في تضاعيف تلك المرحلة، وبالتجاور مع ذاكرتها المعرفية الابداعية، حاضراً في آفاق السرد والشعر والمسرح، مسهماً بقدر وافر من الانتاج والتفاعل.

باكثير الذي صانع في تنويعات الكتابة والبيان، واسهم في البديع وجماليات النص تكاثرت عليه الهموم، وتمازجت عنده الرؤية بالتوترات الداخلية، وكانت روحه الوثابة واخلاقه الحميدة وسيلته المثلى للتصالح مع الذات والمجتمع، هذا ما يعرفه عنه مجايلوه واصحابه، فقد كان الرجل سادراً في الترحال مع عبرة التاريخ وغرائب الجغرافيا، ورأى أن خير وسيلة لاستقراء ما كان، إنما يكمن في شهادة ما هو حادث وحاصل، فكأن الدهر يعيد انتاج نفسه بطريقة ملهاوية مأساوية، وكان نصه الحامل للزمان والمكان، وما يتجاوزهما إلى برازخ وقوانين لا تعترف بفيزيائية الأزمنة. وثبات الأمكنة، فجاءت رواياته تعبيرا عن دهور التحول والتوق والأماني، ومنها سنختار انموذجين للتدليل:

 

أنموذج “الفارس الجميل”

هذا عنوان آخر الاعمال الروائية للكاتب الشامل والمثقف الموسوعي الراحل علي احمد باكثير، حيث اعتمد باكثير في هذه الرواية فكرة الاختزال الشديد والسرد الواضح الموشى بالنصوص التاريخية واستعادة لغة الزمان والمكان، إيماء الى طريقة التعبير عند العرب في عصر الدولة الأموية، وقد استطاع باكثير في هذه الرواية المختصرة تصوير البيئة السياسية والاجتماعية التي ترافقت مع الصراع المحموم بين بيوتات الحكم العربية، تلك التي اختزلت عوامل التوسع الاسلامي في منطق المغالبة والظفر العسكري. فكانت الدماء والفتن والويلات مما نعرف عنه الكثير في تاريخنا المسطور.

ومنذ استهلال الرواية يفاجئك باكثير بصورة مشهدية عامة للبصرة، تلج بك إلى خفايا النفس البشرية، فالقائد السياسي الأمير مصعب بن الزبير “الفارس الجميل” يصل إلى البصرة حاملا في دواخله ذلك التناقض السافر بين منطق الحرب. وأن يترك ساحة الوغى لبضع أيام لعله يهنئأ بحياة مختلفة مع زوجاته الأربع، بتركيز خاص على اثنتين منهن تمثلان الجمال والدلال، الحسب والنسب، بل فكرة الاعتلاء بالمثال القادم من أساس الزواج النبيل، لكنه لن ينعم بالهدوء والاستقرار، ولن يتمكن من استدعاء حياة الراحة والطمأنينة وهو القائد السياسي الذي يواجه البلايا والفتن والأنواء والدسائس في كل خطوة من خطواته، بل انه يواجه حربا “ناعمة” داخل منزله، فزوجته سكينة تؤهله للانتقام التاريخي لمقتل والدها الحسين عليه السلام، متفننة في ضروب الكلام والتأثيرات النفسية عليه، حتى يقبل ان يكون رأس حربة لهدفها “الانتقام”، وزوجته الاخرى عائشة بنت طلحة بن عبيد الله مستغرقة في نرجسية الأنا المترعة بالجمال والدلال، فهي الآسرة والأسيرة، وهي النقطة المحورية في حياة الأمير الأبيقورية.

ثم يأتي دورا زوجتين “اضافيتين” تكملان حياة الزوج المحارب والقائد، فإذا بهذا المسكين يترنح بين لحظات الألق الجميل، وحالات الحروب الكيدية النسائية القاتلة، ومحنة اجتماع اربع نسوة على رجل واحد حتى ولو كان بمكانة ووسامة مصعب، في اشارة دالة على صعوبة ان تتوزع القلوب وان تقبل المرأة بشريكة لها في مثالها الحياتي.

***

لن يشفع لمصعب بن الزبير النصر المؤزر على خصمه “المختار بن أبي عبيد” كيما يمنع مذبحة بشعة تقام لأنصار خصمه رغم توفر المبررات المنطقية في كسب ود هؤلاء، فالمنهزمون من انصار المختار ابن أبي عبيد يعرضون على الأمير مصعب بن الزبير ان يكونوا من جنده، وفي الصفوف الأولى من الجيش الذي سيذهب الى الشام لمقاتلة عبدالملك بن مروان وجيشه، لكن نزعة الثأر المتأصلة في النفوس تجعل انصار مصعب يصرون على قتلهم، وهكذا يتم ذبح ثلاثة آلاف فارس في ليلة ليلاء، ويظل مصعب يعيش هواجس الرعب والخوف مما جرى، فالانتقام كان من الخساسة والجبن الى درجة التضحية بثلاثة آلاف رجل في ليلة واحدة، وما تم كان إضعافا مؤكدا لمكانة مصعب الذي حاول قدر جهده تلافي المصير المشؤوم للأسرى، وكان مصعب في ذلك الموقف اشبه بالحاكم الروماني الذي سلم السيد المسيح لمصيره بعدما عجز عن اقناع اليهود بالتخلي عن فكر الانتقام منه، فظهر حاكما ضعيفا، وكانت اللحظة التاريخية التي ترافقت مع رغبات اليهود موازية لفتنة تاريخية جرت بين اليهود والمسيحيين.

***

مصعب بن الزبير الذي واجه محنة مشابهة اثر ذبح انصار المختار سيواجه اخرى اقسى وأمر، فحالما يذهب لزيارة الخليفة “عبدالله بن الزبير” المقيم في الديار المقدسة “مكة” يعود خائبا، فإذا كان الأمير مصعب يسوس البلاد بالمرونة والكرم، فإن اخاه الخليفة يرفض التفريط في المال العام، ويوصف من قبل خصومه بالبخل الشديد.

لا يقدم على أحمد باكثير نصائح وعظات، بل يصور ما جرى بلغة روائية تمازج بين الوصف والحوار والشواهد، وبنزعة درامية تجعلك أمام مشاهد ملحمية سينمائية جاهزة، ولا ينقصها الا لسمة مخرج حصيف، وهو في ما يقدم المشاهد الحوارية المنتقاة بعناية وسبكة جميلتين، يظهر البعد الآخر لتجليات الحروب والتراجيديا الحياتية، كما أنه يستغور في نفوس ابطاله سابحا في فضاء الأنا المترعة بالأحزان والحنين، الأنا غير القادرة على تغطية الدراما الوجودية الصعبة، المحاطة بالأجواء المخملية المترفة، ولا بالحالات الشجية لأيام الصفاء والهناء العابرة.

يتعمد باكثير تركيز بؤرة الضوء على الأمير مصعب ابن الزبير بوصفه برزخ التفاصل والتواصل بين خليفتين للمسلمين، الأول اخوه عبدالله ابن الزبير الذي يعتبر عبدالملك بن مروان مارقا خارجا عن إرادة الدولة ونواميسها، والثاني صديقه الحميم عبدالملك بن مروان الذي يحاول مصعب تلافي مصادمته، تماما كما هو الحال بالنسبة لعبد الملك ايضا، والذي تمنى دوما عدم مقاتلة مصعب، غير ان المنطق الداخلي للقوة والغلبة اكبر من الصداقة والإخاء معا.

***

يفاجئنا الروائي الحصيف على أحمد باكثير بقطع اشاري استثنائي، بل بمونتاج ذهني لاستشراف القادم من دون كلام، فيختصر الحروب القادمة والهزيمة المؤكدة لخلافة عبدالله بن الزبير ومقتل مصعب بن الزبير في آخر لقاء للوداع بينه وعبد الملك بن مروان.

ينهي الرواية وهي في حالة تواصل ضمني مع القادم الافدح والأكبر، في ذلك اللقاء الأخير وما سبقه من مشاهد وشواهد حوارية نغوص في أعماق الأبطال، ونتابع النزعة البطولية، والشهامة، وحالات التطير المحفوفة بالماوراء.

ان باكثير لا يقدم رواية تاريخية فحسب، بل سيكولوجية بامتياز، وهو الى ذلك يكاشف ذلك الاشتباك غير الحميد بين العرب والتاريخ، فالمجد موصول بالدماء، والسلطة موصولة بالملك، كما أنه يتقرى عبقرية المكان ونواميسه في عديد الاشارات التي تومئ لأهل العراق بوصفهم “أهل شقاق ونفاق” وأهل الشام بوصفهم “أهل طاعة وولاء”، وبغض النظر عن تقييمنا لما جاء أصلا على لسان الحجاج بن يوسف الثقفي، إلا أن العراق كان ولايزال بؤرة اشتعال تاريخي تستدعي من القارئ لسيكولوجيا الجماهير العربية ان يبحث عن الأسباب العميقة وراء ذلك.


أنموذج الثائر الأحمر

في هذه الرواية الطويلة التي تمتد على مدى 320 صفحة استخدم باكثير منهجا مغايرا في البناء، وذلك كان ديدنه في التأليف، فقد عرف عنه المغايرة الأسلوبية والبنائية في اشارة دالة على ثقافته الدرامية الواسعة، ففي الوقت الذي اعتمد فيه على المشهدية البصرية الوصفية في رواية “الفارس الجميل” نجده هنا متكئا الى حد كبير على ممازجة الشخوص بالأماكن ونواميسها، كما انه يقدم لكل “سفر” من اسفار روايته بآيات قرآنية توكيداً على الدلالة المتوخاة، وايماء للحاضر الذي يصدق فيه قول الحق، فالتوطئة بالآيات القرآنية ليست مجرد دلالة مضمونية، بل إنها أيضا عتبة بناء صارم للعمل برمته، وإذا كانت رواية “الفارس الجميل” وثيقة الصلة بسيكولوجيا الابطال وعوالمهم الداخلية، فإن رواية “الثائر الأحمر” تعتد كثيرا بطبيعة المكان، وجغرافية الأحداث السياسية والفتن والقلاقل.

إن سرديات باكثير تحيلنا مباشرة الى جملة من الأسئلة والتعلقات الإبداعية التي أراها كالتالي:

 السرد

بداية لا بد من إشارة الى أن كل تعبير فني ينطوي على بعدين مؤكدين.. البعد الأول يتعلق بالظاهر أو المرئي، والبعد الآخر يتعلق بالمخفي أو اللامرئي، وكلا البعدين يتضافران في توكيد مصائر العمل الفني ومقاصده. على مستوى الأدب القوانين ذاتها تأخذ مداها الكامل لأن العمل الأدبي ينبني على اللغة باعتبارها الحامل الأول للأدب، واللغة كما يقول القدامى حمالة أوجه، لأنها تحمل من المشمولات الدلالية والإيحائية ما يتجاوز المعاني القاموسية، ومألوف الأفكار الصادرة عن المنطق البرهاني، ولهذا السبب تتقمص اللغة الأدبية طابعاً حركياً ديناميكيا قابلاً لتعدد الدلالات والمعاني، كما أنها تتواشج مع الأنواع الفنية الأخرى كيفما تتقارب من الصورة أو الإشارة أو الموسيقا، فالأصل أن اللغة وإن بدت محكومة بالقاموس والدلالات التشكيلية والمعنوية المباشرة، إلا أنها تحمل في طياتها كل موسيقا الوجود.

في الآداب السردية العربية القديمة رأينا كيف تم توظيف السجع في كتابة المقامات، وكان الاستناد هنا الى الموسيقا النابعة من توتر اللازمة النهائية لكل عبارة، مع استخدام المحسنات البديعية والزخارف اللفظية وغيرها من فنيات.

وفي الآداب الصوفية تحديداً ثمة ميل كبير لاستخدام النصوص المحيرة، والخارجة عن نطاق المألوف من القول أحياناً، مع إمعان كبير في توظيف الإشارة والإبحارات الماورائية، والمصطلحات المبتكرة، حتى أن تلك النصوص تبدو أبعد ما تكون عن مألوف النثر العربي الذي يستقيم على المعنى الناجز. والعبارة الواضحة المسبوكة، والقصد المحدد.

في هذا الباب سنجد الحلاج الذي يستخدم العبارات الغامضة، مع تعمد في إرباك المتلقي والإمعان في الإشارات القابلة لأكثر من تفسير، وبالمقابلة يلجأ أبو يزيد البسطامي الى النص الشاطح الذي يصعق المتلقي للوهلة الأولى غير أنك تجد المصوغ المنطقي والعقلي لما يرمي اليه النص بعد مرور فترة من التأمل والمراجعة، فأبو يزيد يتعمد فتح فجوة كبيرة بين النص والمتلقي بحثاً عن استدعاء تفكير المتلقي وإشراكه في بلورة النتائج النهائية المحتملة للنص.

يذكرنا هذا الأمر بنظرية موت المؤلف لرولان بارت التي ترى أن النصوص لا تكتمل بقول المؤلف، بل بالتداعي الإبداعي المفتوح في أثناء الكتابة والتواصل الدلالي مع المتلقي بعد اكتمال النص، وبالتالي فان مركزية المؤلف الموروثة من المفاهيم السائدة تتنازل أمام مركزية النص بوصفه حالة خلق وإبداع يتشارك في الكتاب في الزمان والمكان والقارئ أيضاً.

 

باكثير في هذا الأفق

لي احمد باكثير الذي خرج من منظومة ثقافية ومعرفية متنوعة بوصفه شاعراً روائياً، ومسرحياً، كان أيضاً مثقفاً موسوعياً في الآداب العربية والانجليزية، ويكفي للتدليل على ذلك الإشارة الى محاولاته المبكرة في استخراج منظومة موسيقا متجددة في الشعر العربي، وذلك عطفاً على قراءاته للشعر الإنجليزي، كما تكفي الإشارة للبنى “المتفارقة/المتواصلة” في أعماله السردية والمسرحية والتي تكشف عن إبحار حقيقي في العوالم الماورائية، ليس فقط لأنه مسلم موحد يؤمن بالغيب كمرجعية سابقة على الإدراك، بل أيضاً لأنه صاحب خيال موصول بادراك ومعرفة بفلسفة التاريخ، ولهذا السبب فان إبداع باكثير السردي ينتمي الى المستقبل بامتياز، وهذا ما أدركه الراحل في حياته عندما قال مرة: “ان ملحمة عمر بن الخطاب سيتم إنتاجها يوماً”. وقد قال ذلك لأنه يدرك أن أكبر صعوبة وقفت أمام إنتاج ذلك العمل الكبير يرجع الى الفتوى الخاصة بتحريم ظهور الصحابة وتشخيصهم في التمثيل.
 


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4207631 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2019
افلام سكس عربي سكس مراهقات