محاضرات عن باكثير
عالم بلا حدود:جامعة عدن تحتضن علي أحمد باكثير ودوره الوطني
 عالم بلا حدود:جامعة عدن تحتضن علي أحمد باكثير ودوره الوطني

صحيفة: 26 سبتمبر - العدد 1388

فاروق لقمان
كشفت  المحاضرة التي ألقاها الكاتب والباحث المعروف الدكتور محمد أبوبكر حميد في جامعة عدن، بدعوة كريمة منها، بعنوان "علي أحمد باكثير ومحمد علي لقمان وصفحات مطوية من تاريخ الحركة الثقافية والوطنية في عدن" كشفت بالفعل عن تاريخ مجهول وأوراقاً جديدة تضاف إلى تاريخ عدن الثقافي والوطني،
فقد حققت العلاقة الحميمة والانسجام الروحي والفكري الذي ربط محمد علي لقمان بباكثير في عشرة أشهر أقامها باكثير في عدن أكثر مما حققه غيرهما في عشر سنين. وكان إصدار الدكتور حميد ديوان باكثير "سحر عدن وفخر اليمن" الذي وزع أثناء المحاضرة وثيقة حية بين أيدي الناس تشهد بما قال.
 ولم أعجب لهذا كله فالدكتور محمد أبوبكر حميد يعمل منذ حوالي 25 عاماً على خدمة تراث باكثير ونشره وإعادته إلى وطنه الأصلي اليمن، وهو في هذه المحاضرة قدم جانباً جديداً عن محمد علي لقمان لم تتطرق إليه الندوة التي أقيمت عنه بجامعة عدن عام 2006، وهذا إضافة. وخلصت المحاضرة إلى أن باكثير ولقمان شخصيتان يمنيتان كبيرتان عملتا من أجل اليمن كله ومن أجل وحدته قبل أن يرتفع صوت بالحديث عن الوحدة، فقد كانت طموحات فكر باكثير أكبر من حضرموت وكانت طموحات لقمان أكبر من عدن، لهذا اتحدا من أجل اليمن واتصلا بعالمهما العربي والإسلامي من أجل ذلك الهدف الكبير.
لهذا لا عجب أن تصبح – بعد ذلك – دار محمد علي لقمان في عدن ملاذاً للأحرار اليمنيين ومقراً لاجتماعاتهم وتصبح جريدته "فتاة الجزيرة" لسان حالهم وأن يمثل الأحرار اليمنيون ومحمد علي لقمان في عدن وباكثير من مصر اليمن كلها، ولم يكن عجباً أن يطلب الأحرار اليمنيون من محمد علي لقمان أن يكتب لصديقه باكثير في القاهرة لينظم نشيداً لليمن يكون نشيد الأحرار الرسمي وقد وضعه الدكتور محمد أبوبكر حميد في هذا الديوان:
اليمن الخضراء أمنا            أكرم بأمنا اليمن
والثورة البيضاء همنا            على عواثير الوطن
إن لم نثر لها فمن؟          تحيا اليمن تحيا اليمن
ثم يقول باكثير داعياً للنهوض والصحوة، ولا يزال صدى كلماته يتردد إلى الآن:
هذي شعوب الأرض قد صحت       ونحن في نوم عميق
غايات سيرها توضحت                 ولم يلح لنا الطريق
وباكثير هو نفسه يستكمل الطريق بعد وفاة صنو روحه محمد علي لقمان ويكتب نشيداً للوطن الذي لم يشهد لقمان استقلاله، فيدعو باكثير في نشيد دولة الجنوب إلى الوحدة اليمنية عام 1967م إذ يقول في بداية النشيد:
يا دولة الجنوب        يا بلسم الجراح
في ظلمة الخطوب        أشرقت كالصباح
ثم يصل إلى بيت القصيدة والحديث عن الوحدة اليمنية:
يا دولة الجنوب
عيشي مع اليمن     في داره الشرف
والوحدة الثمن     والسؤدد الهدف
لواؤك الجديد    يُمن على العرب
فاليمن السعيد    ميلاده اقترب
كانت زيارة باكثير لعدن نقطة تحول هامة في حياة هذا الأديب الكبير إذ أنها أيقظت في نفسه رغبة جامحة في التحصيل العلمي الأكاديمي بعد فترة من الجمود في حضرموت أشار إليها في أشعاره.
ويقول الأستاذ حميد إن عدن غرست كيانها في نفسية باكثير مما جعله يقول بعض أجمل أشعاره في التغني بها والإشادة بأهلها. وبعد عشرة أشهر من عام 1932 شد الرحال إلى الحجاز حيث بقي بها عشرة أشهر أخرى ثم غادرها عام 1934م إلى مصر التي كانت في قمة توهجها الأدبي والعلمي والصحافي إذ أنها كانت فعلاً قلب العرب النابض وعاصمة ثقافتهم في كل مجال. وهناك انخرط في الدراسة الجامعية فور وصوله ليس في صفوف الأدب العربي كما قد يتبادر إلى الذهن بل في الأدب الإنكليزي. والسبب؟ لأن علومه العربية كما قال له أساتذته عند المقابلة الأولى كانت أرقى مما تستطيع الجامعة أن تقدمه له. ذلك وهو في العشرين من العمر فقط ولم يعرف من العالم سوى إندونيسيا التي ولد فيها عندما كانت تعج بمئات الألوف من الحضارم، وحضرموت التي ذرف الدمع شعراً على جمودها، ثم عدن التي كانت منارة ثقافية وسياسية واجتماعية في الجزيرة العربية آنذاك.
وقد اجتذب اهتمامي واعجابي ما قام به الدكتور حميد منذ الثمانينيات عندما كرس جهوده الأكاديمية وما بعدها لدراسة حياة باكثير وجمع تراثه ورسائله وجعل منها مادة منظمة لحياة أحد أشهر أبناء اليمن في العالم العربي في النثر والشعر والمسرحية رغم كل الصعاب التي صادفها في مصر من قبل الماركسيين ومن لف لفهم الذين لم ترق لهم ميول باكثير الإسلامية وكتاباته الوسطية المستنيرة. فحاربوه ومنعوا بروزه في المجتمع الأدبي الكبير بقدر الإمكان أيام الهجمة اليسارية في الخمسينيات والستينيات مما أحزنه كما أساء إليه وتسبب في إصابته بالاكتئاب وخيبة الأمل حتى مات حزيناً متألماً.
كل ذلك نشره الدكتور حميد خلال العقدين الماضيين ولست هنا في صدد إعادة بعض ما نشره لأن حديثي اليوم يأتي بمناسبة إلقاءه محاضرة غنية في جامعة عدن عن باكثير وفترة إقامته في المستعمرة السابقة و(العاصمة التجارية حالياً) في الثلاثينيات، وإصدار الدكتور وتقديمه لديوان باكثير الذي جمع قصائده العدنية أو "عدنياته" في مجتمع التنوير كما وصفه الأستاذ الدكتور أحمد علي الهمداني، في ندوة الجامعة عن محمد علي لقمان رحمه الله. بل أن المحاضرة والديوان المذكورين دارا حول باكثير في عدن وعلاقاته الوثيقة بمحمد علي لقمان الذي اتفق معه على العمل معاً في الخروج باليمن من قوقعة الجمود والانطلاق إلى رحاب العلم الجامعي الحديث. فأفادته لأنها فتحت أمامه أفاقاً واسعة عن طريق الأدب الإنكليزي وخصوصاً الشعر والمسرحية – شكسبير بالذات. يقول في إحدى قصائده:
مضى زمن الجمود فودعوه        ووافاكم زمان العاملينا
زمان ليس يعلو فيه إلا              عصامي جرى في السابقينا
وإن لنا مواهب ساميات            بني الأحقاف أدهشت القرونا
ألا فاستعملوها في المعالي        تنالوا في الورى المجد الأثينا
فقد لعبت بأدوار كبار               جدودكم الكرام السالفونا
ولو ثقفت يوماً (حضرمياً)                لجاءك آية في النابغينا
يقول المؤلف: "وفيما يلي هذا النشيد الذي نظمه تلبية لرغبة صديقه محمد علي لقمان وزملائه بنادي الإصلاح العربي الإسلامي بعدن ليكون نشيداً رسمياً للنادي:
نحن للعز خلقنا    نأنف الضيم ونأبى
نحن أبناء رجال    ملكوا الدنيا كعابا
قد برانا الله نوراً    إذ برى الناس ترابا
نحن أسدٌ قد تخذنا    (نادي الإصلاح) غاباً
همُنا المجد فلن نأ    لوه الدهر طلاباً
قد تقلدناه ديناً    وتلوناه كتاباً
أيها الظالم مهلاً    سنقاضيك الحسابا
سوف تدري عن قريب    أن للرئبال نابا
لا نهاب الموت إنا    نشرب الموت شرابا
وعن حب باكثير لعدن يقول الدكتور محمد تحت العنوان الفرعي "حبه عدن الوطن والإنسان: "أحب علي أحمد باكثير (عدن) وعبر عن حبه لها بمشاركته الحميمة في الحياة الأدبية بها، وصلاته الوثيقة بأدبائها ومثقفيها، فقد كانت عدن في هذه الفترة سنة 1932م تزدحم بزخم من الأحداث السياسية والثقافية والاجتماعية، وقد جعلها ميناؤها العالمي أثناء الاستعمار البريطاني لها مركزاً تجارياً ومحطة عبور واستراحة لكثير من قيادات التحرير في العالم العربي والإسلامي، وارتبط باكثير وشارك في أنشطة نواديها الأدبية من خلال صداقته للأستاذ محمد علي لقمان محور الحركة الثقافية والفكرية في (عدن) آنذاك.
"كان هناك (نادي الأدب العربي) الذي أُسس سنة 1925م برئاسة الأمير أحمد فضل القمندان (1884-1943)، وإدارة الأستاذ محمد علي لقمان، وكان هناك (نادي الإصلاح العربي) الذي أُسس على عدة فروع، فرعه الأول أُسس في (التواهي) سنة 1929م على يد الأستاذ عبده غانم ثم ظهر فرعه الثاني سنة 1930م في (الشيخ عثمان) على يد الأستاذ أحمد محمد سعيد الأصنج (1910-1969م)، ثم ظهر فرعه الثالث في السنة نفسها في (كريتر) على يد الأستاذ محمد علي لقمان.
"قامت هذه النوادي الثقافية من خلال أنشطتها الفكرية المتنوعة بأدوار مبكرة لمناهضة الاستعمار في (عدن)، وقد أشار الدارسون لتاريخ هذه الفترة أن علي أحمد باكثير كان من أهم الشخصيات التي دعت إلى مناهضة الاستعمار جنباً إلى جنب مع محمد علي لقمان وأحمد محمد العبادي (1883-1968م)، حيث ألقى المحاضرات ونظم الأناشيد الوطنية، فنجد له في هذا الديوان ثلاثة أناشيد نظمها لفروع نادي الإصلاح العربي الإسلامي الثلاثة بمناطق (التواهي) و(كريتر) و(الشيخ عثمان)، فنشيد (عدن ثغر جميل) نظمه ارتجالاً أثناء احتفال (نادي الإصلاح) فرع (التواهي) فيقول فيه:
يا بني الإصلاح سيروا للأمام    وليعش ناديكم في كل عام
سرني ما شمت في محفلكم        من وفاق واتحاد ووئام
إلى أن يقول:
(عدن) ثغر جميل ضاحك        وبنو الإصلاح في الثغر ابتسام
"ثم يكتب لنادي الإصلاح العربي الإسلامي فرع (كريتر) نشيده الرسمي بناء على رغبة صديقه الأستاذ محمد علي لقمان بعنوان: (أيها الظالم مهلاً) مطلعه:
نحن للعز خلقنا        نأنف الضيم ونأبى
نحن أبناء رجال        ملكوا الدنيا غلابا
وقد ذاع صيت هذا النشيد الذي ردده جيل من أبناء نادي الإصلاح في (عدن)، وخُلد به ذكر باكثير في تاريخ هذا النادي.
"وتحت عنوان (نهضة عدن) يرتجل الشاعر نشيداً لنادي الإصلاح فرع (الشيخ عثمان) أثناء أحد احتفالات النادي مطلعه:
بني الإصلاح حييتم            بأنفاس التحيات
بنيتم للعلا صرحاً            ينيف على البنايات
"وأهم ثلاثة من رواد الحركة الثقافية في عدن آنذاك – بعد محمد علي لقمان – ربطته بهم علاقات وطيدة استمرت إلى ما بعد وصوله مصر وظهرت آثارها في مراسلات شعرية ونثرية هم الأساتذة أحمد محمد سعيد الأصنج، والشاعر عمر محمد محيرز (1910-1982م) والشاعر محمد عبده غانم (1913-1993م) وهم جميعاً في سن واحدة مع باكثير ما عدا محمد عبده غانم الذي كان أصغر سناً".
خلال فترة إقامته في عدن قبيل الانتقال إلى مصر للدراسة ثم الإقامة الدائمة اندلع خلاف حاد بين الحضارم في إندونيسيا أدى إلى انقسامهم إلى فريقين متحاربين أثار اهتمام باكثير الذي كان يرى أن الخلاف بين العلويين والإرشاديين نتج عن تدخل إياد أجنبية لتشغلهم عن رسالتهم في خدمة دينهم.
وكان الحضارم قد أدخلوا إلى أندونيسيا رسالة الإسلام الحنيف بدون حرب أو استعمار كما فعل الهولنديون الذين أخضعوها لمئات السنين لم تنته إلا بالاستقلال عام 1949م.


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3979553 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2018