مقالات عن باكثير->مقال في مجلة/صحيفة
علي أحمد باكثير.. مفعم القلب بالعزة والإباء

 علي أحمد باكثير.. مفعم القلب بالعزة والإباء

صحيفة البيان -10-10-2007

علي أحمد باكثير، شاعر وروائي وكاتب مسرحي وأديب عربي إسلامي، بلا حدود. وهو بلا حدود، لأن حياته توزعت بين بلاد عربية وإسلامية عديدة، أخذ من كل منها وأعطى لها.. وهو بلا حدود أيضاً، لأنه بأدبه وثمار فكره، حلق في آفاق واسعة، في المكان العربي بلا حدود، وفي الزمان العربي بلا حدود.


ولد »علي أحمد باكثير« عام 1910، في بلدة »سورابايا« في إندونيسيا، حيث كانت أسرته الحضرمية قد هاجرت إليها، ضمن هجرات الرواد من اليمن والخليج، الذين قاموا برسالة جليلة ــ إلى جانب التجارة الأمينة ــ في نشر الإسلام وتعليم اللغة العربية في مناطق الشرق الأقصى.


في سورابايا، عاش باكثير طفولته الغضة ومطلع الصبا، وفيها حصل معارفه الأولى، من حفظ القرآن الكريم ومبادئ اللغة. وفي سن التاسعة أرسله والده إلى الوطن ــ حضرموت ــ لإتقان العربية والعلوم والأدب والدين، وتكوين شخصيته العربية، كعادة الحضارمة في المهجر.


في الوطن وأجوائه العربية الإسلامية أكب الفتى كتب التراث وتجويد قراءته حتى استقام لسانه، وشغفته حبا دواوين الشعراء، وبخاصة المتنبي وحافظ وشوقي، وتحركت في قلبه نوازع التعبير، وبزغت مبكرة مواهبه، فنظم محاولاته الأولى وهو في الثالثة عشرة من عمره.


كانت أهم ملامح فكره في تلك الفترة، تأثره بالمدرسة السلفية الحديثة في مصر متمثلة في الرائدين: محمد رشيد رضا، ومحب الدين الخطيب. وقد تجلى تأثره بإصداره مجلة بعنوان التهذيب، وذلك سنة 1930، ولمدة عام واحد.


أما حياته الخاصة فقد كانت أليمة، فقد تزوج وأنجب طفلة ما لبثت أن توفيت، ثم افترق عن أمها. ثم عاش تجربة حب توجت بالزواج. لكن سعادته لم تدم بمرض محبوبته الذي أدى إلى وفاتها، ثم لحقت بها ابنتهما.. ثمرة الحب والأيام السعيدة. محزوناً ودع باكثير حضرموت إلى عدن، حيث بقي مدة عام، وطوف في بعض بلدان اليمن، ثم سافر إلى الحبشة ومنها إلى الصومال، ثم أحس بحاجته إلى السكينة الروحية في رحاب الأرض الطيبة: مكة والمدينة والطائف، فوصلها عام 1933، حيث كتب باكورة مسرحياته »همام أو في عاصمة الأحقاف«، وصدرها بإهداء »..


إلى مصدر الوحي الأول، إلى ملاكي الجميل الذي سبقني إلى عالم الخلود، وكلما ذكرته أوحى إليّ.. وإلى الشعب الحضرمي الذي أحبه، وأعيش من أجله، أهدي هذه الأقصوصة، كذكرى خالدة للأول، وذكرى نافعة للثاني«. وفي جوار أقدس المعالم، فاضت مشاعر باكثير بمطولته الإسلامية الأولى، التي عارض بها بردة البوصيري، ونهج البردة لشوقي، وتضمنت مئتين وثمانية وخمسين بيتاً، أوعها أفكاره ومشاعره وبخاصة حول أحوال المسلمين المعاصرين:


أقسمت بالله يا أعلى الورى شرفا


لو جاز تقديس غير الله بالقسم


لقد غدت أمة الإسلام وأهله


منها القلوب، فأضحت »قصعة الأمم«


لم يبق فيها من الإسلام ــ وا أسفا ــ


إلا اسمه، وبها معناه لم يسم


حاكتك في صور الأعمال، تتبعها


وما اقتدت بك في عزم ولا همم


ولا كمال، ولا صدق، ولا خلق


ولا اجتهاد، ولا عز، ولا شمم


في سنة 1934 شد الأديب الشاعر الطموح رحاله إلى مصر، والتحق بكلية الآداب، قسم اللغة الإنجليزية، وتخرج سنة 1939، وحصل على دبلوم التربية سنة 1940.


مع خط سير دراسته، كان خط سير إبداعه يتصاعد، حتى إنه ــ وهو ذو التكوين الثقافي التراثي ـ اندفع إلى ترجمة مسرحية شكسبير »روميو وجوليت« شعراً مرسلاً، أي شعر تفعيلة كما يقال الآن. وكان ذلك رداً على ادعاء أحد الأساتذة


الانجليز بخلو الشعر العربي من الشعر المرسل وعدم صلاحيته له، وبذلك يعتبر باكثير الرائد الأول لهذا الفن، وهو ما شهد به الشاعر بدر شاكر السياب المشهور بريادته فيه، حين قال: إنه لا يعرف لهذه الطريقة أبا شرعياً غير باكثير.


ومن المعروف أن الميدان الأرحب لهذا الشعر المرسل، هو الشعر المسرحي، الذي أبدع فيه باكثير، وقدم روائع بدأها بترجمته عن شكسبير، ثم تأليفه مسرحية أخناتون ونفرتيتي سنة 1938، التي حفلت بمواقف آيات في الجمال، ومن ذلك مناجاة أخناتون لربه وهو يتأمل وجه حبيبته نفرتيتي، في صوفية شفيفة:


»هل يعلم هذا النائم، أن به عدت لي، بعدما كدت تذهب عني؟


هذا الصنم الغافي، هل يعلم أني سأحطم أصنام الدنيا بيديه الناعمتين؟ وستشرق من وجهه أنوارك في العالمين؟


ربي، لا تسخط علي إذ أسلمت فؤادي إليه، ما أعبده يا رب، ولكني أعبد وجهك فيه.


عادني اطمئناني إليك من اطمئناني إليه، وهداني إلى الإيمان بحسنك إيماني بجماله!


كيف أثني عليك إلهي؟ بأي لسان؟


أنت يا من تعلم ما في فؤادي، أي نور فاض على قلبي فشهدتك في كل شيء.. ليس عليك حجاب.. استطاع هذا الجميل الصغير أن يجعلني كلي عيناً لشهود الجمال الكبير..


عجباً.. كيف استطاع هذا الذي لا يعي الآن شيئاً من صوتي أن يجعلني كلي أذناً لسماع لفي الأشياء مسبحة باسمك؟!«.


في حياته العملية في مصر، عمل باكثير مدرساً للغة الانجليزية مدة أربع عشرة سنة في مدينة المنصورة والقاهرة. ثم نقل إلى مصلحة الفنون بوزارة الإرشاد القومي، ثم إلى الرقابة على المصنفات الفنية. وقد حصل على الجنسية المصرية سنة 1951، وكان ذلك تتويجاً لتقدير مصر له، ولحبه العميق لمصر، الذي عبر عنه في مسرحياته وأشعاره. وقد منح جائزة الدولة التشجيعية سنة 1962، وعلى وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، وقلده إياه الزعيم جمال عبدالناصر سنة 1967، وعلى وسام عيد العلم ووسام الشعر في العام نفسه، وكان أول أديب يحصل على منحة تفرغ سنة 1964 لانجاز عمله الأدبي التاريخي الأكبر »ملحمة عمر«.


على أن أعظم تقدير وإنجاز هو المكانة العالية في التاريخ الحديث للثقافة العربية، والتي رفعته إليها أعماله الوافرة القيمة، التي تزيد على ستين عملاً، ما بين روايات، ومسرحيات وأشعار وترجمات، كان فيها جميعاً مثلاً أعلى لأصالة الموهبة، وتنامي القدرات الفنية، والتمكن من أدواته وخاصة أسرار جمال اللغة العربية، فضلاً عن الطموح الخلاق الرائد في خدمة أهم قضايا العرب والمسلمين في هذا العصر، ومعالجتها بالأدب والفن، حتى ارتبطت باسمه، وصار هو من أبرز رموزها.


من ذلك قضية العروبة والإسلام، وفي مجالها كان باكثير نموذجاً للفكر المستنير الذي يفهم العروبة برؤية مستوعبة للحضارات الوطنية القديمة في وادي النيل والشام والعراق واليمن في وحدة وتفاعل اكتمل في ظل الحضارة الإسلامية.


وفي فكره الإسلامي كان واعياً بروح الإسلام وقيمه المضيئة: قيم الحرية والكرامة الإنسانية والعدل الاجتماعي والوحدة، متأثراً في ذلك بالتجديد والنهضة الفكرية التي فجرها جمال الدين الأفغاني وتلميذه الإمام محمد عبده.


ويتصل بذلك استلهامه للتاريخ العربي الإسلامي في إبداع روائع أدبه، وهو عمل عظيم تقصر دونه همم الكثيرين لما يتطلبه من عناء البحث والدراسة والمعايشة لأحداث التاريخ وتفاصيلها، وبسبب صعوبة تجنب منزلق التقريرية التاريخية، وشحوب الخيال الشائق. لكن باكثير اقتحم الميدان بثقة وجسارة مسلحاً بثقافته التراثية الواسعة، التي مكنته من سماع النبض الحي للأحداث التاريخية. وقد نجح المبدع كل النجاح، ومنحنا روائع مثل: وا إسلاماه، الثائر الأحمر، سيرة شجاع، سر الحاكم بأمر الله، حرب البسوس، شادية الإسلام، سلامة القس، أبو دلامة.


ومن التاريخ المصري القديم: أخناتون ونفرتيتي، الفرعون، الموعود، أوزوريس.


ومن التاريخ الحديث: إله إسرائيل، شيلوك الجديد، شعب الله المختار، التوراة الضائعة.


وقد تحولت بعض أعماله إلى أفلام سينمائية، هي:


فيلم سلامة لأم كلثوم، وا إسلاماه عن روايته التي كانت مقررة على طلاب المدارس في مصر وغيرها، فيلم مسمار جحا، وفيلم الشيماء. كما تحولت بعض أشعاره إلى أناشيد وأغنيات.


ومع أن أعماله الروائية والمسرحية لم تبق للشعر عنده إلا أقل القليل من اهتمامه، فإن الشعر يبقى الأصدق في التعبير عن مشاعره وأفكاره ومواقفه، وقد زاد اهتمامه به في السنوات الأخيرة من حياته. ومن نفثات تلك الفترة قوله:


قالوا الربيع، فقلت: أواه


أين الصبا مني ليلقاه؟


أين الصبا مني ليهرع في


شوق إليه للشم يمناه؟


جفت ينابيع الصبابة من


قلبي فأضحى جامداً صلداً


أتراه إن مست حواشيه


كف الربيع يليق أو يندى؟


ومع وداعة خلقه، وسماحة نفسه، كان الشاعر الكبير الأديب بلا حدود علي أحمد باكثير، صلب الإرادة، قوي الهمة، مفعم القلب بالعزة والإباء، كما صور نفسه بقوله:


مبدأي ثابت، وقلبي شجاع


ويراعي حر، وفكري طليق


لا أقول الذي اعتقادي سواه


وبمثلي أوهامهم لا تليق


وأطيق احتمال كل أذى في


الحق، لكن لكتمه لا أطيق


قلبي الآن خافق، وسيبقى


ينصر الحق ما استمر الحقوق


عبدالوهاب قتاية


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4888745 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2020
افلام سكس عربي سكس مراهقات