مقالات عن باكثير->مقال في مجلة/صحيفة
مسرح علي أحمد باكثيردراسة سيميولوجية

مسرح علي أحمد باكثيردراسة سيميولوجية

(2 - 2)
الأربعاء - 16 - يونيو - 2010 -
 
 
 
وعلى الرغم من تغيُّر المكان بين نص وآخر (وهو أمر له منطقيته بالطبع) فإن العلامة الزمنية في تكاتفها مع علامات المكان تأخذ سمتين متقاربتين عبر تكرار عنصرين زمنيين يترددان في معظم مسرحيات باكثير، ينطلق منهما العمل في طرح أحداثه وشخصياته ويكونان الإطار الزمني الذي تبدأ منه الأحداث، والتركيز على نقطة الانطلاق الزمنية له ما يبرره فنياً فالمتلقي المنشغل بالأحداث ومتابعة فعل الزمن، وعوامل الصراع قد لا ينتبه لمرور الزمن ومن ثم لا يشغله تغير الزمن الخارجي إذ مع الانشغال بعالم النص يتوارى فعل المتابعة للعالم الخارجي "14" (العصر) و(الصبح) والمتأمل لمسرح باكثير يمكنه تقسيم المسرحيات وفق محدداته الزمنية المؤطرة غالباً بعلامتين زمنيتين يسيطران على النصوص لكونهما العلامة الزمنية الأولى (المشار إليها في الفصل الأول) وفي الغالب قد لا تتغير مع توالي الفصول أو تجدد الأحداث (قد يحمل الفصل الثاني إشارة إلى ثبات المؤشر الزمني مع ثبات المؤشر المكاني): أولاً: الصبح ويتجلى وفق شكلين (الضحى - الصبح): 1) أول الصباح عند طلوع الشمس (أوزيروس) الوقت ضحى (السلسلة والغفران)، الوقت ضحى (شيلوك الجديد)، أول الضحى (مأساة أوديب)، أول الضحى (سر شهرزاد)، الصباح الباكر (شعب الله المختار)، الصباح الباكر (الفصل الثالث من "مسمار جحا")، في أول الصباح (قضية أهل الربع)، الوقت صباح (المنظر السادس من "الفرعون الموعود")، أول الصباح (جلفدان هانم)، أول الصباح (الدودة والثعبان)، ضحى يوم 20 مارس عام 1800م (مأساة زينب). ثانياً: الأصيل، ويتجلى بصيغ تشير إلى ما قبل أو ما بعد: الوقت قبل العصر (حبل الغسيل)، وفي الفصل الثاني (قبيل العصر)، والفصل الثالث لا يتغير شيء من عناصر العرض (المنظر: نفس المنظر كما في الفصلين السابقين) "15"، حوالي الساعة الثانية بعد الظهر (أحلام نابليون)، الوقت قبيل الزوال (دار ابن لقمان)، عند الأصيل (الفصل الثالث من "الفلاح الفصيح")، الخامسة بعد الظهر (الفصل الثاني من "عودة الفردوس"). الوقت الأصيل (الفصل الثالث من "هاروت وماروت")، العلامة المحددة هنا تخرج الشخصية المعروفة قبلاً من دائرة العموم المبهمة (من منا يعرف تفاصيل حياة نابليون أو شيلوك أو فاوست أو اخناتون أو نفرتيتي أو الفلاح الفصيح) إن قدراً من المعرفة العامة غير المحددة تجعلنا على حافة المعرفة لا المعرفة المكتملة لهؤلاء وهو ما يجعلنا في حاجة لتفاصيل ترتبط لا بزمن عام أو كلي وإنما بزمن خاص، جزئي يتيح لنا أن نكتشف ما هو أعمق من مجرد السطح الذي تتيحه المعرفة الكلية، ومن هنا كانت رؤية باكثير لشخصياته ودقة تحديده العلامات الزمنية في دقتها وفي قدرتها على وضع متلقيها في منطقة أقرب ما تكون للشخصية المسرحية، وهو ما يجعلنا أكثر قدرة على اكتشاف ما يمكن تسميته بالواقع النفسي للشخصية، ذلك المتشكل من أو المؤسس على ما يمكن تسميته بالزمن النفسي للشخصية. إن العلامات المتعددة هنا لا يقدمها الكاتب للمتلقي بوصفه قارئاً (على الرغم من أن فعل القراءة قد يسبق فعل التمثيل) ولكن القارئ الأول الفعّال هو الممثل أو المخرج صاحب النسخة الحاملة رؤيته لمساحات حركة الأشخاص للوصول لأفضل حالة قادرة على تشكيل رؤية النص المتفق عليها - بشكل غير مباشر - بين الاثنين (المؤلف - المخرج)، ومن ثم فإن هذه الإشارات الزمنية ليست موجهة للقارئ بقدر ما هي موجهة للمخرج والممثل بوصفهما مترجمين لهذه العلامات، ناقلين لها من صورتها المجرّدة المكتوبة إلى صورتها المتعينة على خشبة المسرح. العلامات الزمنية هنا تمثّل بداية واقع الشخصية ومساحة حركتها التي يجد المتلقي نفسه في مستوى أول رابطاً بينها وبين زمنه المحدد متعرفاً العلاقة بين الفعل الإنساني المؤطر بزمن ما (كأن يستحضر ما يعرفه عن عادات البشر المرتبطة بزمن ما من أوقات اليوم) مستكشفاً منطقية الحدث المسرحين، ففي المسرحيات ذات الاستلهام التاريخي تقرب العلامة الزمنية بين ما يتوقعه المتلقي من منطقية الحياة الماضية، وفي المسرحيات الأخرى تلك التي تستلهم زمناً عصرياً تكون العلامة الزمنية في تحديدها دلالة الاستقرار والقدرة على تفهّم طبيعة العصر المطروحة ملامحه،، وفي مستوى ثانٍ تتوافق العلامة الزمنية مع الحوار الدائر، فالكلمات التي ينطق بها فاوست تتوافق تماماً مع الزمن المحدد أو يكون من الصعب أن تطرح في وقت مغاير: الوقت: عند الأصيل. (يُرفع الستار عن فاوست معتمداً برأسه على مكتبه، دافناً وجهه بين يديه، يئن أنيناً خافتاً وهو يتمتم: فاوست: لا فائدة، لا جدوى، لا أمل، عبث في عبث، عذاب في عذاب، ترى كم بقي لي من العمر؟ أبي عاش ثمانية وستين عاماً، آه كيف احتمل هذه السنين كلها، وإن يوماً واحداً لثقيل عليّ، لكن كيف؟ هل أشنق نفسي؟ هل أشرب السّم؟ هل أرمي بنفسي من حالق؟ هل أغرق نفسي في النهر؟ هل أغمد الخنجر في صدري؟ هل أتكئ على سيف لينفذ من بطني إلى ظهري؟ كل هذه السُبل تؤدي الغرض، ولكن أيها أليق بي وأيسر عليّ.. آه أليس من نكد الدنيا على أحدنا إذا ما ضاق بالحياة أن يكون عليه هو أن يختار كيف يموت) "16"، إن فاوست بما يحمله من معان الطموح للكمال له في حاجة لأن يخوض تجربة يتبين على أساسها قدراته ومدى قدرتها على تحقيق طموحاته، وهو ما يتحقق من خلال المساحة الزمنية من النشاط الإنساني الحي. "17" الأصيل هنا يمثّل خاتمة يوم شاق، يوم جرب فيه البطل/ المتلقي رحلة الحياة حتى يكون النص حاملاً رؤية معبرة عن هذه الرحلة، إننا لا نستيقظ صباحاً لنعلن يأسنا من الحياة وإنما نعرب عن رؤيتنا لما جربناه وهو ما يعني أننا في حاجة لزمن سابق يجعلنا توصل إلى هذه الرؤية خلافاً لما يمكن للصباح أن يزرعه فينا من معاني الأمل بعيداً عن دلالات الغياب وعلامات الأفول التي يحملها الأصيل وهي جديرة بأن ترتبط بزمن خاص يكون قادراً على نقل التجربة في منطقيتها. خلافاً لذلك يكون للصباح بوصفه علامة زمنية القدرة على بث دلالة الاستعداد ليوم قادم يمثِّل زمناً معبراً عن ميلاد جديد، إن مساحة التشويق قائمة في الصباح بوصفه علامة زمنية نسأل فيها النص عما سيحدث اليوم لا ما حدث ويمكننا معرفته بوسائل أخرى، نحن دائماً نملك القدرة على معرفة ما حدث بقدر افتقادنا لمعرفة ما سيحدث. إنها إشارات تحمل ميلاداً جديداً للشخصية على المسرح تلك الشخصية في تجليها عبر ذات الممثل الذي يجد نفسه يولد معها ميلاداً مغايراً لذاته خارج النص لأنها تطلب منه أن يتخلص من زمنه الخاص (خارج النص) إلى زمنه النص داخلاً في زمن النص بمستوياته المختلفة "18" إن مساحات التاريخ التي تولد أو تتجلى مع الشخصية في حركتها عبر التاريخ وهو ما ينصب في سياق تأويل عودة باكثير للتاريخ: أحداثه وشخوصه في معظم أعماله حتى أصبح علامة على الكتابة المسرحية في هذا السياق كما أصبح التاريخ علامة على كتابته المسرحية، وهو ما يتوافق مع مرجعيته هو في إشاراته إلى العودة إلى التاريخ: (لعل اهتمامي بالقومية العربية كان ذا أثر في ولوعي بالتاريخ واستلهامه لموضوعات كثيرة من مسرحياتي، على أن هناك أسباباً أخرى منها أن الفن عموماً والفن المسرحي، خصوصاً ينبغي عندي أن يقوم أكثر ما يقوم على الرمز والإيحاء لا على التعيين والتحديد فتكون الحقيقة التي يصورها العمل الفني - وهو هنا المسرحية - أوسع وأرحب من الحقيقة التي يمثلها الواقع. وأحداث التاريخ تعين الكاتب على بلوغ هذه الغاية أكثر مما تعينه أحداث الجيل المعاصر، لأن أحداث التاريخ قد تبلورت على مر الأيام فاستطاعت أن تنزع عنها الملابسات والتفاصيل التي ليست بذات بال من حيث الدلالات التي يتصيّدها الكاتب للوصول إلى الهدف الذي يرمي إليه في عمله الفني). "19" تهتدي نسخة المخرج بنسخة المؤلف، ملتزمة علاماتها فالملابس التي قد يصفها المؤلف أو يطرح زمناً أو مكاناً أو ثقافة محددة تفرض على المخرج علاماتها تحدد الإطار الذي يكون على المخرج والممثل الالتزام به، (فالجمهور يبدأ بافتراض أن كل تفصيل من التفاصيل علامة مقصودة وأن ما لا يمكن نسبه إلى العرض نفسه يحول إلى علامة تنتمي إلى واقع الممثل ذاته، ولا يستبعد بأي حالٍ من الأحوال من عملية السمطقة). "20" القراءة العصرية تقودنا العلامات المعتمدة في تقديم النصوص المسرحية إلى قراءة جديدة للتراث الإنساني، قراءة تتشكّل معتمدة كل العلامات أو كل العناصر بوصفها علامات داخلة في صميم القراءة، مؤسسة لإنتاج الدلالة: (إن كل ما يقدّم إلى المتفرِّج في إطار المسرح هو علامة، كما أدركت مدرسة براغ التي لم يسبقها أحد في ذلك.. إن قراءة العلامات هي الطريقة التي نتمكن بها من فهم العالم). "21" العلامة في المسرح الباكثيري شأنها شأن العلامة المسرحية لها امتدادها التاريخي والاجتماعي والسياسي والفكري في الثقافة الإنسانية، وتأويلها يعتمد بالأساس على مساحة من الوعي بهذه الامتدادات المتنوعة والتي يأتي التاريخي في مقدمتها (اعتماداً على كمّ العلامات التاريخية) تتلوها علامات اجتماعية ليس من السهل فصلها عن سياقات أساسية يمكن بلورتها في وفق ثلاثة سياقات أساسية: 1) السياق الفرعوني: إخناتون - الفرعون الموعود - أوزوريس. 2) السياق العربي الإسلامي: أبو دلامة - الشيماء - سر الحاكم بأمر الله - سر شهرزاد - دار ابن لقمان. 3) السياق الغربي: روميو وجولييت - مأساة أوديب - شيلوك الجديد - فاوست الجديد. والقراءة هنا لا تتوقف عند استكشاف عدد من القضايا ذات الطابع الإنساني والسياسي أو الاجتماعي وإنما هي إعادة تشكيل هذه القضايا منبهة في مستواها الأول، وطارحة في مستواها الثاني، وداعية إلى التفكير والتأمل في مستواها الثالث العميق. والعلامة في مستواها الأول (العنوان من حيث هو تركيب لغوي) يعيد المتلقي إلى شخصية لها حضورها التاريخي، حيث يجد المتلقي نفسه في موقف من اثنين: 1) الممتلك معرفة بالشخصية المطروحة، فهو يتحرك وفق هذه المعرفة مستحضراً بعض تفاصيلها حتى يثبت له عكس ما يعرف، أو يتوافق مع يطرحه النص مع معرفته، حتى تتكشف له في النهاية الرؤية الجديدة في مخالفتها (بدرجة ما) أو تنضاف إلى معرفته بالشخصية. 2) غير الممتلك معرفة بالشخصية المطروحة، وهنا يكون المتلقي مدفوعاً للاستقصاء والمعرفة معتمداً مبدأ التراكم، تراكم المعرفة المتاحة عبر النص لتشكيل علاقة متجددة بشخصية جديدة، النص هنا (في الوضعيتين) يطرح صيغة للتشبيه البليغ من نوع خاص، حيث تكون الشخصية مشبهاً به، وما تمثله المشبه ووجه الشبه ما يكون على المتلقي إدراكه من علاقة قائمة (يقيمها النص بالأساس ليست قائمة من قبل ولا هي سابقة على النص وإنما تتبدى مع تأويل المتلقي للنص وللشخصية) مما يجعل المتلقي مشاركاً بدرجة ما في إنتاج القراءة الجديدة للحظة تاريخية أو لشخصية تاريخية. العلامة التاريخية في حضورها تتشكّل وفق المجال الحيوي للشخصية، فمن الملاحظ أن الكاتب يعتمد اختيار الشخصية ومجالها الحيوي أو سياقها التاريخي، حيث تبدو الشخصية العلامة بمثابة المغناطيس وتكون تفاصيل العالم المحيط بمثابة برادة الحديد التي تلتصق بها بالضرورة، فالفلاح الفصيح، وفاوست، وروميو، وشيلوك، وأوديب، وعزالدين أيبك، وأقطاي، وشجرة الدُرّ (شخصيات مسرحية دار ابن لقمان) جميعها تمثل علامات على ذاتها أولاً وعلى عصرها ثانياً، ومن ثم فإنها لا تنفصل عن عصرها ومجريات أموره، والكاتب لا ينتزعها من عصرها وإنما يقطع رحلة زمنية لاستحضارها، وهي رحلة لا يطلب من متلقيه العودة إلى الماضي أو الارتحال إلى زمنها وإنما يكون على المتلقي وضع الشخصية وما تحمله من قيم وما تعبر عنه من دلالات، وما تشير إليه من سياق إنساني، وضعها في سياق عصرها تأهيلاً للقيام بعدد من الأدوار، تتوالى وتتوازى حسب وضعية المتلقي: 1) كون الشخصية مرآة لعصرها بدرجة أو بأخرى. 2) كون الشخصية قادرة على أن تكون مجالاً للرمز عبر ربطها بعصره (عصر المتلقي). 3) كون الشخصية ترسخ لقيمة من قيم عصرها وعندها يكون على المتلقي في حاجة لتأصيل القيمة (تطرح شهرزاد قيمها الخاصة لامرأة في صراعها مع الرجل، ويطرح الفلاح الفصيح قيمه بوصفه نموذجاً للثورة على الظلم والجرأة على المواجهة، وفي "أحلام نابليون" لا يتوقف الأمر عند طرح شخصية نابليون بوصفه نموذجاً للإنسان في طموحه وإنما يلعب دوره في الكشف عن صيغة إنسانية مغايرة تتمثّل في كشفه عن رجال الدين وقدرة الحاكم على السيطرة عليهم وخداعهم باسم الدين: " الشرقاوي: ونحن نعلنها لكم بعدما اتفق عليها ستون عالماً منا بأن إسلامكم مقبول بغير أن تكرهوا على الختان وبغير أن تتعهدوا من الآن بالامتناع عن شرب الخمر, فإن إسلامكم إذا حسن كفيل في المستقبل بأن يجنبكم الخمر وسائر المنكرات الأخرى , وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل "(22), وفي المقابل تأتي شخصية اخناتون كما تصوره هذه المسرحية لحياة ملأى بالعبر والعظات , حافلة بمواقف البطولة والتضحية, والجهاد في سبيل المثل العليا في الحياة والسعي لإدراك الحقيقة الخالدة "(23) . ويمضي المؤلف بالجمع بين أبناء الحضارات الإنسانية متجاوزاً بهدفه الحدود المحلية للثقافة الإنسانية , موسعاً من مساحة البشر المستهدفة , وجامعاً بين أبناء هذه الثقافات :" ولعلنا أبناء العربية وأحفاد الفراعنة والآشوريين والفينيقيين والقرطاجيين وعاد وقوم تبع وورثة تلك الحضارات كلها التي توجتها العناية الإلهية بالحضارة المحمدية لتشهد الدنيا منا خير أمة أخرجت للناس ولنكون شهداء على الأمم - نتعظ , فيما نتعظ به من أحداث تاريخنا الأكبر وسير رجاله وأبطاله بحياة جدنا العظيم في جهاده من نجاح ومن إخفاق فنتعلق بأسباب الأول ونتقي مهاوي الثاني ونزداد في الوقت إيماناً بوحدتنا الكبرى تحت زعامة مصر الناهضة موئل الفصحى وملتقى آمال العرب - تلك الوحدة التي يؤيدها الماضي ويقتضيها الحاضر , ويتهلل لها المستقبل لصالحنا , وهذا هو معنى الإسلام "(24) جاعلاً من الماضي مساحة للاعتبار رافعاً من شأن قيم الماضي الإنسانية. الشخصية هنا خاصة والعلامة التاريخية عامة تمثل وثيقة متعددة الدلالة , ليست بوصفها وثيقة لغوية بالأساس على حدث ما فالمؤلف ( نعني باكثير) ليس معنياً بضرورة بالتوثيق لأحداث تاريخية ( سبقه إلى ذلك مؤرخون معنيون بمجرد التوثيق ) وإنما هو في قراءته للوثيقة التاريخية ( قبل النص ) يعيد تشكيلها بالصورة التي تجعلها أكثر دلالة من مجرد كونها وثيقة ترتبط بحدث له حضوره التاريخي السابق على النص. الاستعارة المسرحية بفاعلية أعلى تعمل الاستعارة في المسرح مستثمرة طاقاتها الدلالية في إنتاج صورة يمكن للمتلقي إدراكها ببعض التمعن, وحسب بيرس فإن أشكالاً مسرحية تعتمد الاستعارة دون غيرها :" فإن كانت بعض الأشكال المسرحية- ولنطلق عليها إجمالاً العروض الإيهامية تشجع المشاهد على إدراك العرض على أنه صورة مباشرة للعالم الدرامي , فهناك أنواع أخرى تلتقي بالرسم البياني أو الاستعارة في التصوير. حيث لا يوجد تشابه بنائي عام بين العلامة والشيء . ومن ثم يستطيع الممثل في التمثبيل الصامت أو المسرح السوريالي أن يتقمص شكل المائدة ( رسم بياني ) ويمكن من جهة أخرى أن يكون التشابه مثبتاً بدلاً من أن يكون ظاهراً كما يحدث لخشبة المسرح الخالية التي تصبح بالنسبة للجمهور ساحة للقتال أو قصراً أو زنزانة ( استعارة )"(25) في المسرح الباكثيري تتعدد مرجعيات الاستعارة المسرحية, تلك المرجعيات المتنوعة بين ثقافات الإنسانية المتعددة , وهي استعارات يجمعها سيقان أساسيان. 1- استعارة كبرى تتمثل في الشخصيات ومجالها الحيوي في علاقاتها بالعصر , عصر الكتابة وإنتاج الدلالة لشخصية كان لمجرد استعارتها أوإعادة إنتاجها في حد ذاته نوع من أنواع الاستعارة. 2- استعارات صغرى: تتمثل في الاستعارة الحوارية بين أشخاص تضيق مساحات الصراع بينهم أو تتسع لصالح النص ولصالح خدمة الدلالة النصية والاستعارة هنا تعمد إلى خلق المجال المجازي للنص كله عبر تشكيل مساحات من وعي المتلقي بالمجاز ورهان النص على إنتاج الدلالة. وما بين المسرحي والشعوري(المسرحية الشعرية) تتصاعد درجة المجاز ومن ثم تتزايد مساحات حضور الاستعارة التي تحقق مستواها الأدنى في المسرحيات التي لا تعتمد نظام المسرح الشعري وتكاد تندر في المسرحيات التي يدور الحوار فيها بين شخصيتين غير عربيتين كما في أحلام نابليون على سبيل المثال: كليبر: كأنك ما زلت تدعونا إلى اعتناقه حتى اليوم؟ نابليون: هيهات لا جدوى من ذلك فالصليبية التي توار ثتموها من عهد لويس التاسع ما تزال تعميكم عن رؤية الحق وتصمكم عن سماعه(26) للوهلة الأولى قد تبدو العلامة في مسرح باكثير نوعاً من تشكيل نص يعيد ربط حاضر المتلقي بماضيه عبر رحلة المؤلف نفسه بين مرجعياته المختلفة و أن العلاقة نفسها ما تلبث أن تتكشف عن دلالات أعمق بكثير مما يبدو عند المستوى الأول للعلاقة النصية وهو ما يكشف عن ثراء النص وما يكتنزه من علامات القوة الفنية. هوامش وإشارات إنها المرة الأولى التي أقارب فيها مسرح باكثير وعلى الرغم من الدور التحفيزي الذي تقوم به المؤتمرات فهي كتابة قد خارج التخطيط داخل الاهتمام فإنها على الرغم من ذلك تفتح أبوابا للكتابة ولكنها أبو اب محكومة بقيود محددة في مقدمتها المساحة المتاحة للكتابة، وفي الوقت الذي تنطلق فيه للكتابة تجدك مقيدا بمساحة قد لا تفي بانطلاقة الكتابة. بدأت الكتابة عن مسرح باكثير لأتوقف عند الصفحة العشرين عملا بما تحدده أمانة المؤتمر ولكن الدراسة تجاوزت هذه المساحة بكثير وكان على - ملتزما بشروط الكتابة للمؤتمر- أن أعود للمساحة المطلوبة معتمداً الاكتفاء بإشارات كاشفة تطرح العلاقة في مسرح باكثير دون أن تدعي الوقوف عندما من شأنه أن يستقصي العلامة في هذه الصفحات ولتظل المساحة المتحققة في انتظار أن يستوعبها كتاب يستوعب مساحة العلامة في مسرح كاتب تتسع مساحات ثرائه وتتعدد علامات إجادته. (1) الآية 146 من سورة النساء (2) الآية 28 سورة فاطر (3) الآيات 7-10 من سورة الشمس(4) الآيات 139-140 من سورة آل عمران. (5) انظر شعيب حيليفى: النص الموازي للرواية استراتيجية العنوان - مجلة الكرمل - قبرص -ع 46/1992م (6) نعني بالمخرج الاقتراضي المتلقي المسرحي قبل خشبة المسرح أي القارئ في تلقيه للنص إذ يقوم بما يشبه الإخراج المسرحي حيث يكون له تصوره لإخراج المسرح على اعتبار أن المسرحية تقوم بالأساس على حركة الشخصيات وتصاعد الخيوط الدرامية عبر الحوار. (7) إلين أستون وجورج سافونا: المسرح والعلامات- ترجمة سباعي السيد- أكاديمية الفنون القاهرة 1996ص108. (8) الآية 164 من سورة النساء (9) فاوست الجديد ص19 (10) سر شهر زاد ص100 (11) علي أحمد باكثير: إخناتون ونفرتيتي- مكتبة مصر- القاهرة ص18 (12) خوسية لويس جارثيا بارنتوس كيف تتعامل مع العمل المسرحي نظرية الأدب والأدب المقارن ترجمة نادية جمال الدين- مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي- القاهرة 2009م ص298 (13) علي أحمد باكثير حبل الغسيل مكتبة مصر القاهرة ص6 (14) يحدث هذا بدرجة أكبر مع رواد السينما إذا ما ارتاد أحدهم صالة العرض نهارا حيث يعتقد عند خروجه بفعل الجو المتاح في الصالة أن الوقت ليلا ويكون في حاجة للوقت لا ستيعاب طقس الخارج وهو في حالة تأثر بطقس الداخل. (15) علي أحمد باكثير حبل الغسيل ص 110 (16) علي أحمد باكثير فاوست الجديد ص19 (17) يراجع في ذلك مقدمة الدكتور عبدالرحمن بدوي الوافيه لترجمته فاوست. أنظر جيته فاوست ترجمة عبدالرحمن بدوي دار المدى دمشق ط 2،2007م ص 7 وما بعدها. (18) يميز خوسيه جارسيا بين ثلاثة مستويات للزمن المسرحي الزمن البراجماتي المعيش فعليا للإخراج المسرحي أو الزمن المسرحي والزمن الدلالي لـ الحكاية الذي أعيد بناؤها ذهنيا من قبل المشاهد أو زمن التطور االسردي للأحداث والزمن الممثل بشكل دقيق للدراما، صاحب الطابع الفني أو المصطنع والناتج من العلاقة التي بين الزمنين السابقين أو الزمن الدرامي راجع خوسيه لويس جارثيا بارينتوس كيف تتعامل مع العمل المسرحي- مرجع سابق ص 116 (19) علي أحمد باكثير فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية - مكتبة مصر القاهرة ص 44 (20) كير إيلام العلامات في المسرح ضمن كتاب مدخل إلى السيميوطيقا تحرير وترجمة سيزا قاسم ونصر حامد أبو زيد- دار إلياس العصرية- القاهرة 1986 ص 242 (21) إلين أستون وجورج سافونا: المسرح والعلامات (مرجع سابق) ص 141 (22) على أحمد باكثير أحلام نابليون مكتبة مصر القاهرة ص 34 (23) علي أحمد باكثير مقدمة اخناتون ونفرتيتي - مكتبة مصر- ص 11 (24) السابق ص12 (25) كير إيلام العلامات في المسرح مرجع سابق ص 254 (26) أحلام نابليون ص 51
 


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4753931 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2020
افلام سكس عربي سكس مراهقات