مقالات عن باكثير->مقال في مجلة/صحيفة
السياب يحدد رؤيته للشعر الحر ويمنح الريادة لعلي أحمد باكثير
السياب يحدد رؤيته للشعر الحر ويمنح الريادة لعلي أحمد باكثير
نازك الملائكة تقول إن أحداً لم يكتب شيئاً من الشعر الحر قبل قصيدتها (الكوليرا)


كتب: زيد الحلي

من المعروف، أن الشاعر بدر شاكر السياب تنقل سياسياً بين أكثر من تيار وتجاذبته العديد من الأهواء. ولعل انسحابه من الحزب الشيوعي العراقي وانضمامه إلى التيار القومي كان أكثر تلك التنقلات دراماتيكية في حياته، حيث باشر حينها كتابة ونشر سلسلة مقالات تحت عنوان (كنت شيوعياً) ضمت 29 مقالة نشرتها صحيفة (الحرية) في أعدادها من (1441) إلى (1486) و(11) مقالة بذات الاتجاه في الأعداد من (1499) إلى (1520).

وتوجت تلك الانتقالة السياسية بكتابة قصيدة مهمة يحاول البعض التستر عليها والقفز فوقها، كتبها في إعقاب 8 فبراير/شباط 1963 مجد فيها التغيير الجديد اسمها (ثورة 14 رمضان).

ويبدو أن السياب، كان يجلب معه مسودات كتاباته السابقة أو التي يكتبها في محل سكناه في أحد فنادق بغداد الشعبية، إلى مكان عمله في صحيفة (الحرية) لصاحبها الراحل قاسم حمودي، وهي مسودات ربما كانت ترافقه منذ عمله في صحيفة (الشعب) للراحل يحيى قاسم، إذ أن معاصري السياب أكدوا لي انه كان يحمل معه حقيبة جلدية مليئة بكتاباته وأوراقه ترافقه في حله وترحاله وكان ينوء بها لثقلها وهو الرجل المعروف بضعف بنيته.

وشاءت الظروف أن اعمل محرراً في تلك الصحيفة. ولمعرفتي بعظمة الشخصيات التي عملت في تلك الصحيفة الرائدة، كنت أبحر يومياً في المئات من مسوداتهم، التي كانت مبعثرة في غرفها العتيقة، ووقعت يدي على مسودات كثيرة لكتاب هذه الصحيفة، ومن ضمنهم الشاعر السياب، حيث عثرت ضمن ما عثرت على مسودة بخطه، تاريخ كتابتها يسبق تاريخ اشتغاله في الصحيفة بسنوات، وهو ما شكل عندي اندهاشة عن سبب وجود تلك المسودة القديمة في صحيفة (الحرية)، لكن استناداً إلى مسموعاتي من مجايلي السياب والعاملين معه في الصحيفة أظن أن تلك المسودة هي إحدى ما كان يحتفظ به في حقيبته المعروفة قبل أن تجد لها مكاناً بين أوراق صحيفة (الحرية).

تلك المسودة، كما سنرى عبارة عن مقالة كتبها السياب ربما في العام 1955 ولا اعرف هل نشرها الشاعر أم لا، فالأمر يعرفه دارسو السياب أو المتابعون لشعره، أما ما أود ذكره فهو اعتراف السياب، بأنه لم يكن أول من بشر بالشعر الحر في العراق، وثبت في تلك المسودة رأياً صريحاً وجريئاً ينبغي إن يأخذ مداه في الدراسة، يدلل على أن السياب كان يحمل أفقاً كبيراً وحساً مليئاً بنكران الذات، حيث أشار بثقة عالية بالنفس، ما نصه: (إن ترجمة الشاعر والأديب المصري علي احمد باكثير لمسرحية (روميو وجوليت) في العام 1947 بعد أن ظلت تنتظر دورها في النشر عشر سنوات كما يقول المترجم، جاءت بأول شكل للشعر الحر. بل هي الشعر الحر نفسه).

ومع هذا الرأي الجريء، لاحظت أن السياب وجه نقداً صريحاً ومباشراً في هذه المسودة، للشاعرة نازك الملائكة التي يبدو أنها سبق أن قالت في مقالة، قبل كتابة السياب لـ (المسودة ـ المقالة) موضوعة هذه السطور (إن أحداً لم يكتب شيئاً من الشعر الحر قبل قصيدتها (الكوليرا) وصدور كتابها (شظايا ورماد). وناقش السياب بلغة الواثق، ما ذكرته الملائكة مؤكداً إن (ديوانه الأول (أزهار ذابلة) صدر في يناير/ كانون الثاني العام 1947 في مصر وانه دفع مسودات الديوان، قبل أن يطبع بأكثر من شهرين وان قصائده كتبت قبل ذلك التاريخ بفترة أطول وان قصيدة (هل كان حباً) كتبت في العام 1946).

ومن خلال الإطلاع على مسودة السياب يلاحظ الدارس أن الشاعر الكبير كتبها بعصبية ظاهرة حيث شهدت تشطيباً هنا وتقديماً وتأخيراً هناك، مما أفقد المقالة الألق والاتزان المطلوب، حتى ليشعر المرء أن كاتبها من المبتدئين في الكتابة وليس من بين أشهر الشعراء العرب. وهذا يؤكد أن السياب فشل في كتابة المقالة، لكنه نجح في الشعر.

لكن الحق يقال إنني أطلعت على سطور، أثارت اهتمامي في المسودة وفيها تتبين عظمة السياب ونكران ذاته، فلم يدع لعصبيته المفرطة والمعروفة، والتي يبدو أنها رافقت كتابته لتلك المسودة، لتكون فوق الموضوعية. ورغم أن تلك السطور أعاد كتابتها في ورقة غير الورقة المكتوب فيها المقالة الأصلية، حيث لاحظت أنها شطبت في المرة الأولى. تقول (مهما يكن، فأن كوني أنا أو نازك أو باكثير، أول من كتب الشعر الحر أو آخر من كتبه، ليس بالأمر المهم، وان الأمر المهم هو أن يكتب الشاعر فيجيد فيما كتبه ولن يشفع له إن لم يجود أنه أول من كتب على هذا الوزن أو تلك القافية. ومتى كانت الأبحر العربية ملكاً لشاعر دون آخر).

ويبدو أن مقالة السياب هذه، جاءت في أعقاب مناوشات صحفية أو فكرية لتثبيت الريادة في الشعر الحر، وكان أبطال تلك المناقشات العديد من الشعراء، ليس أولهم نازك الملائكة، وليس آخرهم بلند الحيدري.

وللأمانة أقول، أني قرأت في ما وراء سطور مقالة السياب، ومن خلال قراءة الجملة المشطوبة والمعادة من جديد، أن ثقة الشاعر بنفسه كبيرة جداً، فهو يؤكد انه الرائد في مجاله بقوله (إن العديد لم يتأثروا بخطى نازك أو خطى باكثير. وإنما تأثروا بخطى كاتب هذه السطور من حيث الشكل)، والسياب هنا يقصد نفسه. رغم أن في هذا القول تناقضاً في ما ذكره في بداية مسودته وهي إحدى شطحاته في كتابة المقالة.

ويختصر السياب رؤيته للشعر الحر في تلك المسودة بقوله (إن الشعر الحر اكبر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين بيت وآخر. إنه بناء فني جديد واتجاه واقعي جديد جاء ليسحق الميوعة وأدب الأبراج العاجية والشعر الخطابي).

لكن السياب في ختام مقالته سدد ضربة لكل من يشكك بريادته ومن ادعوا الريادة بالقول (إننا ما نزال جميعاً في دور التجربة، يحالفنا النجاح حيناً ويصيبنا الفشل أحياناً كثيرة، ولا بد للشاعر الذي قدر له أن يكون شاعر هذا الجيل العربي، أن يولد ذات يوم مكبراً جهود الذين سبقوه ولعله ما زال لم يمسك القلم بيده .. حتى الآن).

وحديث السنين، يطول عن الشاعر الذي ودع الدنيا في 24 ديسمبر/كانون أول 1964 ولم يمش في جنازته سوى ثلة بسيطة جداً من معارفه، وتم دفنه بهدوء وعدم اكتراث مقربيه، في مقبرة (الحسن البصري) في قضاء الزبير بمحافظة البصرة. وها هي الأيام والسنون تمر، لنلاحظ أن تاريخ الوفاة ينحدر في كبد الماضي، ولم يعد يذكر إلا نادراً.

والملاحظ انه كلما تصدى كاتب لمناقشة قضية تخص السياب، إنساناً أو شاعراً فإن الدنيا تقم ولا تقعد من قبل من يدعون إنهم محامو هذا الشاعر الكبير، وكأن السياب قطعة جماد في لوح الحياة وليس مبدعا مشاعاً، يتوق المعجبون والمحبون له، إلى معرفة ظروف حياته، سيما أن حياته كللها طلسم الوضع النفسي الذي عاشه وعايشه طيلة حياته القصيرة في سنوات العمر، والكبيرة في حسابات الإبداع، وقد أصابني رذاذ حقد من مقربين للشاعر، حاولوا كسب ود زائف من السياب الراقد في أبديته بعد أن خذلوه في حياته. هؤلاء يرفعون من راية كتب عليها (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) في وقت يعرف الجميع أن الراحل الكبير كان يعيش معاناة قاسية منهم. وأنه كان إنساناً أحب نفسه وكرهها في ذات.

إن القارئ لكتاباتي عن السياب، يجد أن خناجر هؤلاء حامت حولي، لكنها فشلت في تحقيق مراميها. إنها خناجر من دخان وريح وفي أحسن حالاتها خناجر من ورق الكارتون.

ومؤخراً، عثرت في مكتبتي على موضوع كتبه الزميل الراحل لطفي الخياط في العام 1986 في مجلة (ألف باء) العراقية، يمكن من خلاله معرفة، خفايا كثيرة عن الأيام التي سبقت رحيل السياب إلى دنيا الخلود تحدث عنها راعي السياب، في أواخر أيامه الشاعر الكويتي علي السبتي، بعد أن لقي الشاعر صدوداً وعدم رعاية من محيطه العائلي. فماذا جاء في اللقاء الذي لم يأخذ مداه في الانتشار في وقته، بسبب عدم توزيع المجلة في الوطن العربي؟ لنقرأ نص المقابلة:

الشاعر الكويتي علي السبتي يتحدث عن السياب 25 عاماً. ما سر مرض السياب وكيف عولج برسائل الحب إلى جانب الدواء؟.

هذه التساؤلات وغيرها ظلت تعيش وتكبر في صدور الكثيرين من محبي شاعرنا السياب والأجوبة عليها التي جاءت على ألسن الباحثين والدارسين لحياة وموت الشاعر السياب لم تكن كافية على كثرتها. إذ بقيت هناك تفاصيل صغيرة تدخل في الخزانة الخاصة والشخصية لشاعرنا والذين يعرفونها أقفلوا صدورهم عليها لكي لا تخدش سمعة السياب أو يساء فهم سلوكه وتصرفاته وهو يقترب من الرمق الأخير، لكن بعد مرور فترة طويلة على وفاته تكسر قفل الأسرار وراح الذين يعرفون تفاصيل صغيرة يكشفون عنها لأنها أصبحت في عداد الوثائق التاريخية.

الشاعر علي السبتي يروي في هذا الحوار الذي نشر في مجلة (ألف باء) قبل أكثر من ربع قرن (وقت نشر الحوار) والذي أجراه الصحفي الراحل لطفي الخياط وفيه يسلط الشاعر الكويتي الراحل السبتي أضواء جديدة على الأيام التي عاشها السياب.

• قال الشاعر السبتي:

كان السياب صديقي وكنت قبل أن التقي به قبل أكثر من ربع قرن معجباً إلى حد كبير بشعره. وعندما التقيته للمرة الأولى في البصرة ازداد إعجابي به وأصبح بعد ذلك من أعز أصدقائي ثم باعدتنا الأيام والتفرقة الجغرافية بين العرب إلى أن جاء يوم وقع أمام عيني مقال منشور في مجلة (الحوادث) اللبنانية بقلم الأستاذ اليأس سحاب يتحدث فيه عن بدر شاكر السياب المريض الذي لا يحصل على العلاج الكافي وانه مهمل في المستشفيات وان طريق الموت يتسع أمامه.

وقد هز مشاعري هذا المقال وتألمت كثيراً على بدر فكتبت بدوري مقالا في مجلة (صوت الخليج) الكويتية طلبت فيه من وزير الصحة الكويتي أن يتبنى علاج بدر شاكر السياب في احد المستشفيات الكويتية. وفعلاً اهتم الوزير بما جاء في مقالي حيث اتصل بي طالباً عنوان بدر للاتصال به وبعد بحث واستقصاء علمت أن بدرا كان يتلقى العلاج في مدينة درم البريطانية وقد غادرها إلى جهة مجهولة وأخبرت هذا وزير الصحة وأضفت إنني سوف أعلمه بأية معلومات جديدة عن مكانه فور حصولي عليها. وبعد فترة كنت في زيارة لمدينة البصرة وعرفت منها أن بدراً يرقد في المستشفى الجمهوري، فزرته هناك ووجدت حالته الصحية تدعو إلى الأسف .. لاعلاج .. لا نظافة.. لا متابعة .. كان كشجرة يبست أوراقها ولا تحظى بأية اهتمام فعرضت عليه الانتقال إلى مستشفيات الكويت.

• وهل المستشفيات الكويتية في تلك الفترة كانت أحسن من العراقية من حيث الاختصاصات الطبية والاهتمام؟.

- كلا أنا لا أقول أنها أحسن من العراقية ولكن مجرد نقل المريض بدر من مكان يشعر فيه بالإهمال والعلاج فيه غير كاف، إلى مكان يزرع نفسه بالشفاء وهذا يعني أن عملية النقل كانت من اجل رفع معنوياته لا غير.. إضافة إلى توفير غرفة نظيفة خاصة به مع اعتناء مباشر من قبل طبيب متخصص وممرضة تهتم به.

بعد طرح الفكرة على بدر وافق على الفور فاتصلت هاتفيا بوزير (الصحة) الكويتي وأخبرته بعودة بدر إلى البصرة وموافقته على الحضور لتلقي العلاج في الكويت فرحب الوزير به وقال: نحن بانتظاره ..

وفعلا بعد أيام قلائل تم نقل بدر من البصرة إلى الكويت ..

• متى كان ذلك؟

- لا أتذكر اليوم بالضبط ولكن حسب معلوماتي انه كان في أحد أيام شهر يونيو/حزيران عام 1964.

• من كان في استقبال بدر في الكويت؟

- الأستاذ ناجي علوش والأستاذ فاروق شوشة وأنا.. وأخذناه أولا إلى مستشفى سالم الصباح.

• وهل نال العلاج السريع فيها؟ .

- لقد تشكلت في المستشفى لجنة طبية خاصة للإشراف على علاجه. الراحل بدر جاء بكل تقاريره الطبية التي تشير إلى وضعه المرضي وبضمنها تقارير مستشفى البصرة الجمهوري ومستشفى (درم) في بريطانيا مع تقارير أخرى من بيروت.

اللجنة الطبية الخاصة توصلت إلى نفس قناعات الأطباء العراقيين والبريطانيين حول مرض بدر وأكدت بأن علاجه سيطول لتدهور صحته، كما أنه يحتاج إلى عملية جراحية سريعة يمكن أن تنجح لو أجريت في المستشفى الأميري فاتصلت بالجهات الصحية وحصلت الموافقة على نقله. وفي المستشفى الأميري أشرف على علاجه طبيب متخصص بالأمراض الباطنية اسمه محمد ابوالشوك من القطر المصري ومساعده الدكتور عبدالله مبارك الرفاعي. في هذا المستشفى أكدت أيضاً اللجان الطبية ما جاء في التقارير السابقة عن مرض بدر.

• ما المرض بالضبط؟

- مرض بدر الشلل النصفي.

* وما أسباب هذا الشلل؟

- يقول الأطباء إن الشلل حدث لسببين.. الأول: مرض مزمن. والثاني: وراثي.

* وأيهما الذي أقعد (بدر)؟

- تشير المعلومات والتقارير التي تستند إليها أن العامل الوراثي هو السبب.

السياب وهوس الحب

• يقال أن (بدر) كان في حالة حب مستمرة حتى وهو على فراش المرض.

- نعم لقد كان الراحل بدر يرتاح كثيرا لهذه الحالة وأنا لا اسميها حبا وإنما شعور بالارتياح والمحبة من مريض لا يرجى شفاؤه مع من تعالجه من الممرضات.

• هذا رأيك أنت ولكنني أريد أن اعرف شعور بدر إزاء الطرف المقابل من النساء؟

- لا أريد أن ادخل في التفاصيل، ولكنني اعترف أن روحه كانت (خضرة) - حتى في أيامه الأخيرة.

• كيف وصلت إلى هذه القناعة؟.

- من خلال أحاديثي معه عن النساء والحب والجمال.

وقد حدثني مرة واحدة عن علاقاته النسائية لممرضة لبنانية اسمها (ليلى) تعرف عليها عندما رقد ذات مرة في مستشفى بيروت وكانت (ليلى الممرضة) المسئولة عن علاجه. لقد كانت تعطف عليه وهو يفسر من جانبه هذا العطف بأنه حب وقد تأكد لي ذلك عندما التقيت ليلى في بيروت صيف 1964.

• كيف؟

- لقد أخبرت بدرا وهو راقد في المستشفى الأميري بأنني ذاهب إلى بيروت لفترة قصيرة فطلب مني أن أمر على المستشفى اللبناني وأسلم على الممرضة ليلى التي يحبها وتحبه .

• وهل التقيت ليلى وحدثتها عن بدر؟

- نعم قابلتها وحدثتها لكنها قالت إنها لا تحبه، وان كل الذي بينهما عطف من ممرضة على مريض يحتاج إلى رعاية خاصة. جوابها هذا آلمني كثيرا لأن بدرا كان يعتقد أنها تحبه بينما الحقيقة كما روتها ليلى لي عكس ذلك. إلا إنني وبسبب حبي الكبير لبدر قررت أن أعالجه نفسياً، وأن أجعل قلبه يستمر نابضاً بالحب ولو عن طريق الكذب عليه من جانبي. ولهذا قلت لليلى إن بدراً يحبك. قالت: إن ما بيننا لا يمكن أن يسمى حبا فهو كما قلت لك مجرد علاقة بين ممرضة ومريض. ولكنه بحاجة إلى حبك؟ فقالت: وماذا باستطاعتي أن افعله له؟ قلت: الكثير. اكتبي له أولا بأنك تتذكرينه.

فأجابت: هذا محال.

فقلت: أرجوك هذا ينفعه كثيرا ويساعده على استرجاع أنفاسه وقد ينقذه هذا من الموت الذي يحاصره.

فقالت: ماذا تريدني أن افعل؟

أجبتها: اكتبي له رسالة تستفسرين فيها عن حالته الصحية وتعبرين في سطورها عن اشتياقك له. فقالت: أنا على استعداد أن اكتب ما تريد وسأكتب كل ما طلبته مني.

في اليوم التالي سلمتني الممرضة ليلى رسالة إلى بدر وأخذتها منها شاكراً لها.

وبعدها غادرت لبنان إلى الكويت، وفي لحظة اللقاء الأولى معه سألني بدر: هل قابلت ليلى؟ وما إخبارها؟

ضحكت وقلت له وأنا أمد رأسي إليه، هذه قبلتي أولا لمناسبة عودتي من لبنان، وهذه القبلة الثانية من ليلى طلبت مني أن أطبعها على خديك. فرح بدر كثيراً بهذا الكلام وارتسمت على وجهه ابتسامات عريضة مشرقة غطت كل وجهه وطلب مني ورقة كتب عليها على الفور قصيدة عنوانها (ليلى) وهي من أجمل قصائده الغزلية.

• بعد (ليلى) ..

قلت لعلي سبتي بعد قصيدة (ليلى) والعودة من بيروت اشتد المرض على بدر ولما كنت قريبا منه .. هل يمكن أن تتذكر آخر كلماته وقصائده؟

- مع مضي الأيام وانتهاء أشهر الصيف وبداية الخريف اشتد المرض عليه، وأتذكر إنني في أحد الأيام دخلت عليه وكان يردد كلمات يريد أن يكتبها على شكل قصيدة موجهة إلى الإمام علي ابن أبي طالب (ع) يستنجده فيها ليعينه على أن يتحمل آلام المرض. كما كتب قصيدة أخرى رفعها إلى الأمير عبدالله السالم الصباح، وهي في الحقيقة رسالة على شكل قصيدة يرجو فيها أمير الكويت المساعدة في إرساله إلى سويسرا لتلقي العلاج فيها لأنه علم أن هناك أطباء باستطاعتهم القيام بإنقاذه.

• وأين هذه القصيدة؟

- لقد أخفيتها عندي لفترة من الزمن، وعلى الأخص بعد وفاته لأنني لم أحبذ نشرها حرصا على سمعة صديقي الشاعر التي لا أريد الإساءة إليها، ولكن بعد مرور أكثر من عشرين سنة على وفاته طلب مني جهاد فاضل (المحرر الثقافي في صحيفة “الحوادث” اللبنانية) أن ينشرها فأعطيته إياها ونشرها، فأحدثت ضجة في الأوساط الثقافية على امتداد الوطن العربي وراح بعض النقاد والأدباء يسبون السياب وينتقدونه بشدة لأنه كتب هذه القصيدة التوسلية.

• هل فقد بدر شاكر السباب ذاكرته في أيامه الأخيرة؟

- ليس بشكل كامل فقد كانت تصيبه حالات من الغيبوبة يتكلم من خلالها من دون وعي. أي أنه كان (يهذي) وفي الأول من ديسمبر/كانون أول من عام 1964 أي قبل وفاته بثلاثة أسابيع زرته في المستشفى، وكانت الممرضة بجانبه تعطيه العلاج فنظر إليها بغضب، وقال لي: اطردها من الغرفة.

كما كان في آخر أيامه يقرأ الشعر مع نفسه باللغة الانكليزية، وقد حاولت أن أسجل له بعضها بصوته إلا إنني لم استطع لعدم وضوح صوته.

لقد كان بدر شاكر السياب شاعراً عاطفياً في كل شيء، وكانت حياته غنية بالشعر والألم والمعاناة والخوف.

- هكذا حمل معه أمراضه وتناقضاته ومشاعره الحزينة ورحل إلى العالم الآخر ليترك بعده الأقلام تتكلم عنه وتكتب عن هذا الشاعر الذي صنع الشعر الجديد ومات قبل أن يشاهده صرحاً تمتد أعمدته في كل جزء من الأرض العربية. (وتنتهي المقابلة)

***

وأنا مع قول أهم من درس حياة السياب د. عبده بدوي إن بدر شاكر السياب عاش كأعمق ما تكون الحياة، وأنه عرف النار والخوف والقلق والانتظار، وكان وراء كل هذا شيء رهيب اسمه (الموت). رحم الله السياب.


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4233746 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2019
افلام سكس عربي سكس مراهقات