مقالات عن باكثير->مقال في كتاب
عطر الأحباب- يحيى حقي
صديقي وزميلي علي أحمد باكثير الإنسان النادر المثال
بقلم : يحيى حقي
من كتابه (عطر الأحباب)الهيئة المصرية العامة للكتاب-القاهرة-1996م

كان المرحوم علي أحمد باكثيرـــ الشاعر والمؤلف المسرحي ـــ يحب السكون لا اللهوجة، والتؤدة لا التسرع، والصوت الخفيض لا الجهير، تواضعه الجم يخفي أنفة شديدة، وعزة نفس مصونة من الانحناء، من الدنايا، مكتفية بذاته لذاتها، لا تنعس ولا تضمر إذا لم تتعرض للامتحان، هو أينما ووقتما تراه تحس أنه غارق في عالم خاص به، جميل هو ولا ريب لأنه مستريح إليه، يتحرك مستقلا به غير ملتحم بالعالم الخارجي حتى ولو فتح عليه جميع نوافذه، وأبوابه، لا يكر به ولا يخدعه الكلام الكثير والحجج المتناقضة لأن يدرك أن وراء هذا كله تتستر مصالح ذاتية متضاربة، من العسر على عالمه، وإلا فعلى فهمه، وإلا فعلى حدسه أن يتبينها ويحكم عليها حكم الرجل المثالي المجرد من الهوى. إنه يستطيع أن يلخص هذا الكلام الكثير في كلمة واحدة فيها سر الدافع، وحكمته بعد ذلك: دعه يمر، دعه «يفوت»، بل أيضا سامحه اغفر له، إنه بشر.
اطمئنانه وإيمانه:
وكان باكثير رحمه الله ينتفض من استبشاعه للخسة اللوم والغدر حتى تراه يفتح لها الباب ويشيعها ــ ربما برفق أيضا ــ قائلا لها: انصر في لحال سبيلك، مع السلامة! ثم يعود لعالمه الخاص، فإنه مؤمن بأن الحق سينتصر على الباطل في نهاية الأمر، وكنت أغبطه على اطمئنانه لصواب رأيه، على وثوقه بأن اهتدى سريعا ومن أقرب الطرق إلى التفسيرات والحلول، ليس له افتراس، تستوعب يده الأشياء ثم تخليها سليمة كما كانت، وكنت في الأزمات أطلب صحبته لأنه يعالجني ويردني إلى السكينة والصواب بوسيلة بارعة، هي أن يكفكف أولا من أنانيتي وجموح مطامعي، فستسخف الأزمة وأنا أستسخف نفسي وأعجب كيف كنت الذي كنت.
غليونه رمز الصبر:
لا بد لي هنا، وفاء لحقه على، أن أشيد بعمل مسرحي له لم يلتفت إليه النقاد مع الأسف، وقد شهدت مولده وانتفعت به، هذا العمل هو أوبريت «البيرق النبوي» التي وئدت ظلما، بتجاهلها المسرح والتلفزيون والإذاعة وهي تجري صارخة: يا عالم! من يدلني على أوبريت. إنها أفضل عمل يقدم للجمهور ونحن نخوض المعركة.
وكان علي أحمد باكثير مدخنا، ولكني لا أستطيع أن أتصوره يدخن السجائر، لأن هذا اللفافة لكي تبدد النرفزة تخلق النرفزة، كان برهان طبعه تدخينه البيبة «الغليون!» فهي تعينه على إطباق الفم، على الصبر، والعكوف على النفس، على الاستغراق في عامله الخاص. يا على جدد هذا الكلام، ذكراك واعتزازي بك وحسرتي عليك، تعتصر قلبي، ها أنت عرفت أخيرا كيف تفترس.
طيب القلب عف اللسان:
وحتى لو لم يكن له هذا الإسهام الكبير في حركة الأدب عندنا ــ وبخاصة المسرح والشعر ـــ بدلالة أعماله العديدة، لبقى لي شفيعا شريفا هيهات أن ينقضي لكي أجعل ذكره مدار كلام أشغل به الناس عن همومهم وانشغالهم بكل حديث جلل طارئ، لكي أنعيه إليك وإن لم تكن تعرفه، لكي أرثيه رثائي لمن عم فضله وذاع ذكره وتعلقت به القلوب أو العقول، فيتساوي في الألم لفقده من يبذل العزاء ومن يتقبله، لكي أترحم عليه وهو بين يدي خالقه أبيض الصحيفة في غنى عن ترحمي، لكي يكون حزني عليه أجل لا أدري هل يسنده الوفاء والاستعبار فيطول أم تغتاله الأنانية وتلاهي الدنيا فيقصر، فما عمرنا الإجماع أعمار سعادة وحزن، مصاحبة والظن أنها مسايرة، ولكنها تظل أبدا عارضة ، وإلى حين.
من شرف هذا الشفيع وصدق حجته لا من الذهول لحظة الفراق المداهم يكفيني اليوم وغداـــ على غير المألوف عند الناس مع الأسف ــ أن يكون مبعث نعي ورثائي له لا شيء سوى أنه كان رجلا طيبا، ولعلي بهذا لا أفي بحقه وحده، بل بحق كل إنسان طيب يغيب عنا، دون أن يذكره أحد، دون أن ينعيه أحمد، دون أن يرثيه أحد، مع أن اختفاء رجل طيب هو خسارة كبرى، فينبغي أن لا يقل حرصنا على شيء عن حرصنا على أن يظل رصيد الطيبة في هذه الدنيا إن لم يكون مكفول النمو غير مهدد بنقصان قد لا يعوض، إنها الشعلة التي يجب أن نحوطها بالأكف وقاية لها من رياح السموم وأن نجدد حطبها لئلا تنطفئ، صفة معنوية هي ولكنها كالدعامة من الخرسان لقدرتنا على أن نطيق الحياة، أن يصمد إيماننا بالإنسان، هي أم الفضائل، فذكاء أو علم بلا طيبة ما نفعهما أو قل حذار من ضررهما.
مات كسير القلب:
إن كان بين معارفي رجل طيب فقد كان هو هو، مبرأ من اللؤم والخسة والصغائر وتدبير الحساب والمقالب من وراء الظهور، لا يتلوث لسانه بغيبة إنسان، وكانت عينه باب قلبه المفتوح تسلك منها نظراتك إليه بلا مواربة أو خداع. وما رأيت أحدا مثله يعرف كيف يصدقك القول دون أن يجرحك ــ وكان يلتزم الصدق دائما. طيبة لم يكن يزلزلها أو يكر بها أن يحسبها بعض الأذكياء مشتبهة بالسذاجة، لا عن ترفع منها بل لأنها قانعة بذاتها، القياس عندها إلى الضمير والنية لا إلى حساب الناس. وما انصرفت عنه في يوم إلا وأنا مرتد إلى افتقادهن فمذ كنت أدرك وأحس وأؤمن أن الإنسان مفطور على الطيبة، والفضائل الكبرى هي التي تكون دائما موضع الامتحان الكبير. لقاء الند بالند، وهكذا كان شأنه، مات وهو كسير القلب، محسوراً، ولكن ربه أكرمه بميتة سهلة، بلا عذاب، لم ينذره الأطباء بمرض خطير وأصبح ذات يوم يتحدث وهو في فراشه إلى أهله يعاتبهم ويضاحكهم كالعهد به، الغفلة هي خبزنا اليومي ــ ليس لدينا غيره، لذيذ هو مه ذلك، فما هي إلا لحظة حتى رأوه يميل برأسه ويسلم ا لروح، تستطيع أن تقول إنه مات وابتسامة على فمه، والحب في قلبه، ولماذا لا تدعني أجد دلالة أخرى على طيبته في موته مع مستهل رمضان، الشهر المبارك بين الشهور، هذا هو صديقي وزميلي المرحوم الأستاذ علي أحمد باكثير، عليه رحمة الله ورضوانه.

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4087212 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2018