مقالات عن باكثير->مقال في مجلة/صحيفة
رواية الثائر الأحمر-مجلة الأمة-أبريل ١٩٨٣

الثائر الأحمر

تأليف: علي أحمد باكثير

عرض: حيدر الغدير


مقدمة:

♦ الأستاذ علي أحمد باكثير - رحمه الله - أديبٌ متمكِّن من فنِّه، واسع الثقافة، راسخُ القدم في الثقافتينِ التراثية والعصرية، عُني بفنه فجوَّده وأتقنه، وتنوَّعت ملَكاتُه الأدبية، فكان شاعرًا ومسرحيًّا وروائيًّا.

 

وكما أخلص باكثير لفنِّه، أخلص كذلك لأمَّته، فكان غيورًا عليها، مدافعًا عن حقوقها ضد الأعداء، وعن أصالتها وشخصيتها في وجه التشويه والتضليل والإفساد، محاولاً - جهد طاقته - أن يبصِّرها بالصواب والخطأ.

 

ويمثِّل التاريخُ عند باكثير منزلة هامة، فقد تناوله في مسرحه ورواياته تناولاً واسعًا، وعني به عناية كبيرة؛ لذلك كان بحقٍّ رائدًا في هذا الميدان.

 

وإذا كان التاريخ في بعض أعماله يمثل الأنموذج الذي يريد من أمته أن تتأسى به (ملحمة عمر مثلاً)، فإنه في بعض أعماله الأخرى يضيف بعدًا جديدًا إلى ذلك، وهو أن يقوم بعملية إسقاط تاريخية على واقع الأمة من خلال الواقعة التاريخية، فكأنه بذلك يحذر من ناحية، ويرشد من ناحية أخرى، متحاشيًا أسلوب التقرير والمباشرة، معتمدًا على أداة فنيةٍ متمكنة، كما هو الحال في روايته الرائعة: "الثائر الأحمر".

 

إن رواية "الثائر الأحمر" التي تُعَد من أروع أعمال باكثير وأكثرها ذيوعًا، هي رواية تاريخية تصوِّر عالم القرامطة من خلال حياة حمدان قرمط وحركته المشهورة، التي قام بها في زمن الخليفة المعتضد العباسي، والتي حملت اسمه نسبة إليه، وتصور الرواية الصراع الدمويَّ بين الدولة العباسية وبين القرامطة المتمرِّدين، الذين أفلح زعيمهم حمدان قرمط في تأسيس دولة في جنوب العراق، أقامت أنموذجًا مشابهًا إلى حد بعيد لما تدْعو إليه الشيوعية.

 

وتكشف الرواية ارتباطَ القرامطة بحركة باطنية سرية، كانت تسعى إلى هدم الدولة الإسلامية من ناحية، وتشويهِ حقائق الإسلام من ناحية أخرى؛ وذلك بتأويلِ كثير من أموره تأويلاً فاسدًا يَخرُج بالمرء عن الدِّين كلِّه، كما تكشف دور اليهود في تبني هذه النشاطات ودعمها بالمال والتخطيط.

 

من جهة أخرى تكشف الروايةُ الآثارَ السيئة للمظالم الاجتماعية وفقدان العدالة، حيث تعطي هذه الآثار الفرصةَ للمُحِقِّ والمبطل، وصاحب النية الصالحة وصاحب النية الفاسدة لبث أفكاره، ودعوة الناس للتجمع حوله باعتباره منقذًا ومصلحًا ورائدًا من رواد التغيير.

 

من جانب آخر تكشف القصة دور الإصلاح في القضاء على الدعوات المنحرفة الضالة كدعوة القرامطة، فإذا كانت المظالم الاجتماعية قد أسهمت في انتشار هذه الدعوة، فإن برنامج الإصلاح الذي تبنَّتْه الدولة، أسهم في القضاء عليها؛ لذلك فإن مناخ الأخطاء والمفاسد والمظالم والترف وما إلى ذلك، هو التربة المناسبة لإفراز شتَّى الأفكار والتيارات الضالة، والعكس بالعكس.. فإن مناخ الصواب والعدالة والحق وتكافؤ الفرص وما إلى ذلك، هو التربة المناسبة لتحقيق الاستقرار والأمن والتقدم وعمارة الأرض.

 

ومما يجدر ذِكرُه أن أحد مؤتمرات المستشرقين في أواخر الأربعينيات في القرن العشرين، قد أوصى بأن تدرس حركات التخريب والردة والكفر في التاريخ الإسلامي، وتقدَّم على أنها حركات إصلاحية كانت تستهدف الخير، وأن أبطالها كانوا روادًا للتغيير للأحسن ومتمردين على المفاسد والمظالم، وطلابًا للحرية والعدالة والكرامة؛ لذلك يأتي هذا الكتاب ليردَّ على هؤلاء دعاواهم الباطلةَ، وتشتد أهميةُ الكتاب حين تلاحظ أن عددًا من بلدان العالم الإسلامي أخذتْ تستجيب للتوصية المذكورة، وأخذت تقدِّم حركات الردة والقرامطة والزنج والبابكية وما إليها على أنها حركاتٌ إصلاحية ثورية، وتشيد بها إشادة بالغة.

 

لذلك يمكن أن توصف رواية "الثائر الأحمر" بأنها رواية تاريخية، لكنها ذات إسقاطات لبعض حقائق زمنها على جوانب من واقعنا المعاصر وما يشيع فيه من اتجاهات ودعوات، حتى يكاد يخيَّل لقارئها أحيانًا أن بعض المناقشات على ألسنة بعض الناس في هذه الأيام، نلمح نماذج من هذه الإسقاطات في بعض ألوان الحوار التي تشيع على ألسنة من يصفون أنفسهم أنهم تقدميون، ومخالفيهم أنهم رجعيون، والتي نجد لها حالات مشابهة تمامًا في الرواية، كما نلمح ذلك في فكرة العنف والثورة والاستيلاء على الأرض والعملِ فيها بشكل جماعي، دون أن تكون هناك ملكيةٌ للأفراد الذين يعملون فيها، وهذه من أهم النقاط الأساسية في الرواية، كما أنها من أهم ما تتبنَّاه في عصرنا الأنظمةُ الشيوعية والاشتراكية.

 

وإذا كانت الرواية تعتمد على أصول تاريخية ووقائع ثابتة، فإنها اكتست حلة من الخيال الأدبي الجميل الذي لا يجور على الحقيقة؛ وإنما يساعد على إجلائها في ثوب قشيب، كما أنه يَسُد بعضَ الثغرات في الحوادث التفصيلية.

 

وتحفل الرواية بحوادثَ كثيرةٍ فيها طابعُ الإثارة والمغامرة، والأحداث فيها تتصاعد وتتدافع، منها العام الذي يتحرَّك على مستوى الثورة الدامية، ومنها الخاص الذي يتصل بقضايا الحب الذي يقع فيه بعض أبطال الرواية، أو يتصل بقضايا السطو المسلح أو الاختطاف.

 

أما الحبكة، فهي مُتقَنة، وأما الحوار، فدقيق مركَّز، وأما الشخصيات، فمرسومة بدقة، حتى تكاد تتخيل ملامح كل واحدة منها.

 

لقد اجتمعتْ طبيعة الحدث الكبير الذي قامت عليه الرواية، مع قدرة المؤلف الفنية المتفوقة التي صاغ بها روايتَه؛ لتنسج من ذلك كله عملًا فنيًّا رائعًا ينبض بالقوة والحياة، ويَحمِل قارئه على متابعة القراءة فيه حتى النهاية، فإذا بلغها خَرَج منها بفوائد جمة: ثقافة تاريخية مستقاة من مصادر صحيحة موثقة، ومتعة فنية حافلة بالتشويق والخيال والإثارة والروعة، وعبرة شاخصة للفرد والجماعة تبيِّن مكامن الداء ومنافذ الخطر، كما تبين طرق العلاج وسبل الوقاية.

 

إن رواية "الثائر الأحمر" ثقافة تاريخية سياسية دينية، ورؤية إصلاحية، تستلهم الماضي لترشيد خطوات اليوم والغد، وصنعة فنية مُتقَنة بلغتْ مدى بعيدًا في الجودة والإتقان.

 

نشرت في مجلة الأمة العدد الحادي والثلاثون - السنة الثالثة رجب 1403هـ - نيسان (أبريل) 1983م



رابط الموضوع: http://www.alukah.net/literature_language/0/66918/#ixzz4JJHeAJli

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4082934 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2018