مقالات عن باكثير->مقال في مجلة/صحيفة
المسرح يتنبأ بسقوط قوى الطغيان العالمي

المسرح يتنبأ بسقوط قوى الطغيان العالمي

العدد: 

14776
ثلاثاء, 2016/11/22

مع الثورة التكنولوجية والمعلوماتية الحديثة، وشعور الغرب بالتفوق والمركزية وتأليه الذات، لم يعد العصر منتجاً للأساطير بأشكالها التقليدية وإنما بدأ التركيز على إنتاج أسطورة الإنسان المتفوق _ السوبرمان _ وبخاصة الإنسان الأمريكي وذلك في الأفلام السينمائية وقصص الخيال العلمي. وعلى هذا المنوال أي أسطرة الذات حذت إسرائيل لتصور نفسها في عقول شعوب المنطقة العربية وكأنها السعلاة (الغول) المهيمنة على المصائر، كما دعّمت ارتباطها بالماسونية العالمية كقوة خفية أسطورية تهيمن على المصائر السياسية والاقتصادية.  لكن هذه الصور المؤسطرة لغايات الهيمنة السياسية العالمية بدأت تهتز في الفترة الأخيرة.

لكن اتجاهاً آخر ظهر لدى بعض المسرحيين العالميين يدعو إلى العودة إلى المنابع الغنية الأولى التي تزخر بالرموز الإنسانية في بنيات القصص والأساطير والحكايات، وقد وجدوها في الشرق بعيداً عن الغرب وآلياته التي أفقدت الإنسان وهجه الروحي، وهكذا اتجه بيتر بروك إلى ملاحم الهند، وقصص فريد الدين العطار في منطق الطير، وتجربة أخناتون الروحية لتكون موضوعات لعروض تجريبية متميزة. وفي هذا المجال نشير إلى أن كتاباً عرباً سبقوا في الاستفادة من الأسطورة الشرقية.

الهنداوي وباكثير في هاروت وماروت

 الإشارة القرآنية لقصة الملكين هاروت وماروت ببابل كانت الأساس الذي انطلق منه كاتبان مسرحيان في مسرحيتين تحملان العنوان نفسه " هاروت وماروت " وهما خليل هنداوي من حلب وعلي أحمد باكثير اليمني المقيم في مصر. صدرت مسرحية الهنداوي عام 1933م وقد جاءت تحمل قلقه الفلسفي وتردده بين الشك واليقين في محاولة جادة للوصول إلى المعرفة اليقينية. يقول: " كتبت هاروت وماروت في ظروف من حياتي مضطربة ولذا جاءت تحمل قلقي الباطني وطموح نفسي".

وجاءت تالية مسرحية علي أحمد باكثير التي تحمل دعوة إلى الإيمان بالله، وفيها يتحدث الحكيم هرمس بمفهومات إسلامية بالرغم من الفارق الزمني البعيد بين عصر بابل والإسلام.

وفي المسرحية يتحدث باكثير عن عالم يبلغ فيه الإنسان سن الرشد ، يوتوبيا جميلة، حيث يسود الإيمان ويمَّحي الظلم والعدوان، لا بد للنظم العالمية الطاغية أن تتفكك وتنهار، ولا بد للعروش المتجبرة أن تتداعى، كأنما يرهص بظهور العولمة حديث اليوم.

عزريائيل  :  إن بابل قد وقفت في طريق تقدم الإنسان فوجب أن تبيد لينشأ مكانها جيل جديد .

يشترك الكاتبان في فكرة القهر وامتلاك القوة العظمى غير أنهما يفترقان في الهدف فيسير كل منهما في اتجاه. فإيلات في مسرحية باكثير لا تريد قهر السماء وإنما تريد استعمال القوة التي يمدها بها السر السماوي في قهر العالم وبسط نفوذ بابل على الأرض، كأنه يشير بذلك إلى ما تبغيه القوة العظمى اليوم في العالم من امتلاك الآلة المدمرة والتكنولوجيا الحديثة للسيطرة على العالم. ترى هل كان باكثير وهو في منتصف القرن الماضي يستشعر نشوء نظام عالمي جديد، وبوادر زحف العولمة على الشعوب من سماء حرب النجوم والصواريخ؟

إيلات  :  لقد أدركت الآن أنني أستطيع أن أصعد إلى السماء حيث أشاء. لأُخضِعن شعوب العالم كلها لبابل وحياة سواع، لأجعلنَّها جميعاً تركع لعظمة بابل.

ماروت :   لا يحق لك أن تستخدمي السر في البغي والطغيان.

في الوقت الذي يدعو فيه باكثير الإنسان إلى مزيد من الإيمان ، واعداً البشرية بضربة إلهية تقضي على الظلم والطغيان ( إيلات تتحول إلى حجر في كوكب الزهرة ) من غير أن يكون ذلك عن طريق ثورة وطنية أو شعبية ، فإن الهنداوي في مسرحيته يؤكد على لسان نوبخت على قيمة الإنسان ، فهو محور الأشياء وغاية الوجود ، ويشحن نفسه بالرغبة التي تولد الثورة ، وحرية الإنسان دائماً مقرونة بالقلق والعذاب.

نوبخت :  تعلموا أن تولدوا بالثورة، لأن ما يولد بالثورة لا يموت.. ثوروا حتى تعلم الأرض أن عليها أحياء.

وإذا كانت إيلات تريد بسط سيطرتها على العالم شأن القوى العظمى اليوم فإن بيدخت تتخفف من أثقال المادة وتصفو نفسها، في حين يسقط في هذه الأثقال الملكان،وهذا يذكرنا بتاييس بطلة أناطول فرانس. والخطيئة في مسرحية الهنداوي تفتح للملكين باب الأمل والحب الحقيقي والمختلف عما عرفاه في السماء، وذلك هو المكسب الجديد لهما من الأرض والخطيئة.

ماروت  :  نحن اليوم أكثر تعلقاً بالسماء من كل يوم.

وعندما يصيح نوبخت : أعلن يا نبوخذ ظفر الإنسان على الملائكة.

يقول الملكان : بل أعلن ظفر الإنسان على الإنسان.

لقد انتصر الإنسان في مسرحية الهنداوي مرتين : مرة حين جذبت نوازع الطين إليها نوازع النور وغرق الملاكان في حب جسدي أثيم . ومرة حين تخلص الإنسان ( بيدخت ) من نوازع الجسد ليصعد إلى عالم النور السماوي. وتنتهي مسرحية هاروت وماروت لباكثير بهذه المقولة : إن من يتحدى الإرادة الإلهية في الحق والخير والإيمان يهلك ويتحول إلى حجر .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
عبد الفتاح قلعه جي

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4025562 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2018