الكاتب الموسوعي الذي ظلمته الذاكرة المثقوبة
2010-06-28

علي أحمد باكثير.. الكاتب الموسوعي الذي ظلمته الذاكرة المثقوبة

تقديم- محمد هديب

أفردت مجلة الهلال عدداً خاصاً حول الكاتب علي أحمد باكثير (1910-1969)، الكاتب العربي اليمني الذي قدم للثقافة العربية عشرات الكتب في الرواية والمسرحية الشعرية والنثرية، والترجمات وقد كان يتقن اللغات الفرنسية والانجليزية والمالاوية، وهذا الكاتب الموسوعي لم يعرف مكاناً إلا وكان مختبراً لمكابدات نفسية سببها الاغتراب المتواصل وتنقله في بلاد العرب والمسلمين منذ ولادته في إندونيسيا حتى وفاته في مصر. وكان في رحلته الإبداعية غزير الانتاج متنوعه، وصاحب ريادة في اجتراح مسرح متقدم ومغاير، وخصوصا المسرح الشعري الذي حذا حذوه العديد من الكتاب بينهم صلاح عبد الصبور، وفي الشعر سيكون سباقاً إلى ما سماه الشعر المرسل أو الشعر الحر، فاتحاً الباب أمام ثورة عريضة في الوطن العربي. وتأتي هذه اللفتة من مجلة الهلال (أسسها جرجي زيدان 1892) المصرية لتزجي التحية لهذا الكاتب الكبير، في سبيل إعادة قراءة نتاجاته التي شغلت الناس منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ودفعاً لما توصلنا إليه الذاكرة المثقوبة من ضياع رموز مؤسسة في مجاهل النسيان وهي أقسى مصير يلحق بالذات الجمعية.

الدكتور أحمد درويش قرأ مسرحية «دار ابن لقمان» تحت عنوان: تقاطعات الإبداع المسرحي والتأويل التاريخي، وهي المسرحية التي اتخذت من القرن السابع مسرحاً زمنياً لها ومن دلتا مصر في المنصورة ودمياط وما بينهما مسرحاً مكانياً ومن محاولة تجسيد كفاح أبناء مصر ضد حملة لويس السادس عشر الصليبية محوراً أساسياً.

ويسجل الدكتور يوسف نوفل أن إسهام باكثير المسرحي الجاد والفعال بدأ منذ حضوره إلى مصر، ودراسته مسرح شكسبير، حيث أغرم بذلك الفن، ثم بدأ الغيث المسرحي ينهمر فكان المسرح القومي منذ 1947 يفتتح مواسمه بأعمال باكثير ومنها: سر الحاكم، ومسمار جحا، لما يحمله موضوعها من حث على ثورة الفدائيين ضد الإنجليز في منطقة القناة بمصر، كما عرضت مسرحيتاه شهرزاد ومضحك الخليفة ثم توقف المسرح عام 1954، ولما أنشئ مسرح التلفزيون ظهرت مسرحيتاه: جلفدان هانم، وقطط وفيران كما قدم له مسرح الدولة مسرحية «حبل غسيل» وإن طرأ على هذا العمل تعديلات شوهته.

قلق واغتراب

«باكثير.. إخاء ربع قرن» كتب وديع فلسطين مشاهد من سيرة باكثير الذي وصفه بشبه الإنطوائي «لا يتكلم إلا بمقدار، ولا يشارك في القهقهات بل يتحفظ قانعاً بابتسامة عابرة».

وبحكم العلاقة الوطيدة بين الاثنين قرأ وديع فلسطين إحساس باكثير بالغربة مستلهما بيتين من الشعر للشاعر السوري خير الدين الزركلي:

إن الغريب معذب أبداً

إن حل لم يهنأ وإن ظعنا

لو مثلوا لي موطني وثناً

لهممت أعبد ذلك الوثنا

ولئن تجنّس -يضيف- باكثير بالجنسية المصرية، فقد كان يحس في قرارة نفسه بأنه غريب، يرين الحزن على قلبه منذ توفيت زوجته الأولى في وطنه. (...) وعاش باكثير عيشة يمكن وصفها بالكفاف، ولم تعرف آثاره طريقها إلى المسرح أو أفلام السينما إلا قليلا عساه يحصل منها على جنيهات إضافية يستعين بها على مواجهة أعباء الحياة، لا سيما لأنه كان قد تزوج من أرملة وتبنى ابنتها ثم زوجها بعد ذلك.

وكشف وديع فلسطين أن باكثير صارحه بالتفكير جدياً في الهجرة إلى انجلترا، واتفق الاثنان على التواصل لكن وديع قرأ نعيه في 11 نوفمبر 1969، قبل بلوغه سن التقاعد القانونية، وتبع ذلك ان استصدر صاحب العقار حكماً بإخلاء شقة باكثير من ساكنيها وهم ابنته المتبناة وزوجته وزوج ابنته، وتم تنفيذ الحكم بالقوة الجبرية وألقيت أمتعته وكتبه خارج الشقة على سلالم العقار فاستطاع زوج ابنته جمعها قبل أن تتعرض للنهب أو الإهمال.

ريادة الشعر الحر

ويأسف الدكتور عبد العزيز المقالح لأن باكثير الشاعر الرائد قد فارق الحياة بعد أن أصدر عشرات المسرحيات والروايات، لكنه لم يصدر ديواناً شعرياً واحداً، لولا أن تصدى لهذه المهمة الشاقة الدكتور محمد أبو بكر حميد الذي أمضى 25 عاماً باحثاً ومنقباً عن كل صغيرة وكبيرة في حياة باكثير وأدبه.

ويعتبر المقالح أن الاعتراف بريادية باكثير في الشعر الحر ظل منسياً وبعيداً عن متناول قراء الشعر العربي الحديث، رغم أنه الوحيد المعترف له إجماعاً بريادة التجديد الشعري من رواد التجديد أنفسهم وفي طليعتهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.

ويورد المقالح ما قاله السياب في حديث نشرته مجلة الآداب بعد إشارته الى الاختلاف الذي كان دائراً حول أولية المتقدم في كتابة قصيدة التفعيلة «وإذا تحرّينا الواقع وجدنا أن الأستاذ علي أحمد باكثير هو أول من كتب على طريقة الشعر الحر في ترجمته لرواية شكسبير- روميو وجولييت».

ورأى المقالح أن تجنب عدد من النقاد الإشارة إلى هذا الاعتراف والى الدور الرائد لباكثير واحداً من أشكال الظلم الذي لحق بهذا المبدع وجعل حياته سلسلة من الآلام انتهت بوفاته وهو في ذروة قدرته على العطاء.

وهو الأمر الذي أورده محمد الشافعي حين كتب «ولم يجد باكثير ترحيباً بفكرة كتابة الشعر الحديث ولم يتحمس له إلا ابراهيم عبد القادر المازني الذي كتب مقدمة مسرحية «روميو وجولييت» وأشاد فيها بتجربة باكثير وريادته لهذا المجال المبكر.. تلك الريادة التي تعرضت لكثير من النزاعات والتشكيك. فالبعض يصر على أنه بدأ على يد الشاعرين العراقيين بدر شاكر السياب ونازك الملائكة والبعض يصر على أنه بدأ على يد محمد فريد أبو حديد، وقد حسمت كل الدراسات النقدية هذه القضية لصالح باكثير والذي كتب في وقت مبكر قائلاً: الأستاذ محمد فريد أبو حديد كان من أوائل الذين جربوا هذا النوع من الشعر لكن تجربته مختلفة عن التجربة التي قمت بها، فالتجربة التي قام بها هي أنه أرسل الشعر من القافية، ولكنه التزم حدود الشعر القديم، أما الذي قمت به فهو التجربة الأم لهذا الشعر المرسل أو الشعر الحر، الذي انتشر فيما بعد في العالم العربي واحتذاه بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.. وقد سبقتهما بما لا يقل عن عشر سنوات».

استلهام التاريخ

ويلاحظ الدكتور حلمي محمد القاعود أن باكثير يستلهم التاريخ بكثرة في أعماله الفنية ويعالج من خلاله الواقع والمستقبل، بل إنه-يضيف- يتنبأ بالمستقبل من خلال التاريخ، وهذه آية العبقرية التي تتحقق في باكثير من خلال كتاباته المتنوعة، ولقد تنبأ بسقوط الشيوعية واندحارها من خلال روايته «الثائر الأحمر» التي تتناول سيرة القرامطة في العصر العباسي وتنبأ بقيام دولة العدو في فلسطين المحتلة من خلال مسرحيته «شيلوك الجديد».

الدكتور محمد أبو بكر حميد كتب عن موقف باكثير من فرعونية مصر وعروبتها وأورد ما قاله باكثير حول الحضارات الفرعونية والفينيقية في بلاد الشام والسبئية والمعينية في اليمن والبابلية في العراق أمجاداً لسكان هذه البلاد من الأقدمين الذين هم أجداد عرب اليوم في هذه الأقطار، وينبغي أن تضاف الأمجاد التاريخية القديمة إلى رصيد مجد الأمة العربية وارثة هذه الحضارات كلها ووراثة الأرض التي نبتت فيها هذه الحضارات.

وفي مقاله عن شعر باكثير وقضاياه رأى الدكتور عبد الحكيم الزبيدي ان باكثير كان شاعراً في كل أدوار حياته إلا أنه لم يهتم بشعره ومات دون أن يجمعه أو يصدره في دواوين الا ما كان في شكل مسرحية شعرية. وبالرغم من غزارة انتاجه في المسرحية وأهمية إنتاجه في الرواية إلا أنه لم يكف عن نظم الشعر وظل الشعر يفرض نفسه عليه في كثير من أعماله النثرية.

وإلى الرواية حيث يناقش رشيد اركيبي الرؤية الفنية للتاريخ في روايات باكثير التي يرى فيها أنها صدرت في جلها عن رؤية تاريخية إسلامية متكاملة ومتميزة من حيث بعدها الفكري وأدائها الفني. وكان عماد هذه الرؤية إيمان قوي بأهمية ما يكتنزه تراثنا التاريخي وخاصة الإسلامي منه من رصيد غني بالصور المشرقة والتي من شأن إعادة تدبرها والتأمل في ما تعكسه من قيم ومثل أن يسهم في إعادة بناء واقعنا المتردي.

وعن قضية فلسطين في مسرح باكثير قال الكاتب محمد عباس عرابي انه لم ينشغل أديب عربي بقضية فلسطين مثلما انشغل بها باكثير فقد جعلته أربع مسرحيات طويلة عن فلسطين واليهود في طليعة الأدباء العرب الذين اهتموا بها. اذ لا نعرف كاتباً عربياً ولا حتى فلسطينياً تابع هذه القضية تلك المتابعة الدقيقة الواعية مثلما فعل هو.

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3786668 عدد الزوار
914 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017