عودة إلى بؤرة المشهد الثقافي
2010-08-27

الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة

حلمي النمنم

بدأ المجلس الأعلى المصري للثقافة نشر الاعمال الكاملة للمبدع علي أحمد باكثير، وهي خطوة واكبت احتفاء لجنة الدراسات الأدبية باسم باكثير وانتاجه الادبي، رغم ان باكثير واحد من قلائل بين الكتاب والادباء في مصر الذين يتوفر انتاجهم باستمرار، لان مكتبة مصر بالفجالة تتولى نشر اعماله منذ بداية تأسيسها ومن ثم فهي متاحة دائما وبأسعار معقولة لا ينافسه في ذلك سوى عبدالحميد جودة السحار ونجيب محفوظ.

المجلد الأول الذي صدر يضم الاعمال الروائية، وقدم له د. محمد ابو بكر حميد وهو متخصص في اعمال باكثير ودائم الكتابة عنه ويضم المجلد ثلاثة اعمال هي “سلامة القس” وصدرت عام 1934 ثم “واسلاماه” وبعدها “ليلة النهر”.

ولد باكثير في حضرموت عام 1910 وجاء إلى مصر عام 1934 ليدرس بها في جامعة فؤاد الأول ـ القاهرة حاليا ـ وتخرج في كلية الآداب قسم اللغة الانجليزية، وبدأ حياته شاعرا، ينشر قصائده في المجلات الثقافية ونشرت له قصيدة عام 1938 في مجلة “الثقافة” التي كان يصدرها أحمد أمين، ويقول لنا د. حميد ان باكثير كان يطمح حين قدم إلى مصر ان يخلف شوقي في امارة الشعر العربي، لكن دراسته للادب الانجليزي لفتت نظره إلى المسرحية والرواية، وجل انتاجه في المسرح، لكن الروايات هي التي حققت له الشهرة والذيوع لدى القراء والرأي العام، ويلفت النظر في حياة باكثير قدر من التلازم بينه وبين نجيب محفوظ، فحين أسس سعيد السحار “لجنة النشر للجامعيين” ينشر بها اعمال الشبان من خريجي الجامعات الذين لا يجدون من ينشر اعمالهم، كان باكثير واحدا من هؤلاء، ومعه محفوظ وعبدالحميد جودة السحار وعادل كامل وزكي مخلوف، ولم يواصل عادل ومخلوف الكتابة، فقد انصرف كل منهما الى عمل آخر، وفاز كل من محفوظ وباكثير بجائزة “قوت القلوب الدمرداشية” وهي سيدة مصرية ثرية كان لديها اهتمام بالثقافة وتقيم صالونا ثقافيا ثم فازا -معا - بعد ذلك عام 1944 بجائزة وزارة المعارف العمومية وان كان محفوظ بدأ ينشر الاعمال التاريخية، مستلهما الحقبة الفرعونية لكن باكثير اعتمد في قصصه على التاريخ الاسلامي ليستلهم الكثير من اعماله الروائية والمسرحية، ولا يعني ذلك ان باكثير كان معاديا او رافضا للتاريخ الفرعوني، ولأن مسرحيته الاولى كانت بعنوان “اخناتون ونفرتيتي” كتبها عام 1938 ونشرت في عام 1940 وقدم لهذه المسرحية ببيت شعري من احدى قصائده ينادي بها المصريين:

أبوكم أبي يوم التفاخر بالعرب.... وجدكمو فرعون أضحى بكم جدي

وهو بهذا المعنى لا يرى تباينا بين التاريخ الفرعوني والتاريخ العربي والاسلامي فهما متكاملان عنده، والواقع ان النقاش حول الفرعونية والعربية كان محتدما في العشرينيات، لكن بدأ التراجع منذ اوائل الثلاثينيات لذا نجد نجيب محفوظ يترك اهتمامه بالتاريخ الفرعوني ويتجه إلى الاعمال الواقعية والاجتماعية، ورغم كل ما يقال عن ان باكثير تعرض لظلم وغبن، فإن المتابع لحياته يتبين العكس تماما، فقد نال قدرا كبيرا من الاهتمام في عهود مصر المختلفة، ففي العصر الملكي حين اصدر روايته الاولى “سلامة القس” تحولت الى فيلم سينمائي قامت ببطولته أم كلثوم ونجح الفيلم نجاحا كبيرا، وكان هو أول ابناء جيله الذين تحقق لهم ذلك، وحين فاز بجائزة وزارة المعارف المصرية عام 1944، قامت الوزارة في العام التالي بجعل روايته ضمن المقرر في المدارس للطلاب، وقررت كذلك في عدد من البلدان العربية، وهذه الرواية “واسلاماه” قررت كذلك في عصر عبدالناصر ثم في عهد السادات وعهد مبارك وقد تحولت الى فيلم سينمائي انتجته مؤسسة السينما في منتصف الستينيات من القرن الماضي ومازال يعرض هذا الفيلم الى اليوم، وفي عام 1963 منحه الرئيس جمال عبدالناصر وساما في عيد العلم الذي كان يقام سنويا.

وهذا كله لم يكن مجاملة لباكثير لكن يبدو ان روايته “واسلاماه” حين قررتها وزارة المعارف في عام 1945 اتاحت له جمهورا كبيرا من القراء ففي نهاية عام 1952 اجرت مجلة “المصور” تحقيقا مع اعضاء مجلس قيادة الثورة بمصر، تسأل كل منهم عن أهم الكتب التي قرأها واثرت فيه، فكانت اجابة اربعة منهم، في مقدمتهم كمال الدين حسين، رواية باكثير “واسلاماه” ونقل فتحي رضوان بعد ذلك عن عبدالناصر قوله ان أهم ما اثر فيه قبل الثورة كتاب “عودة الروح” لتوفيق الحكيم ورواية “واسلاماه” ذلك ان سهولة اسلوب باكثير واختياره للبطولات في التاريخ العربي والاسلامي جعل اعماله مقبولة لدى قطاعات كثيرة من اليسار إلى اليمين ويمكن القول ان “واسلاماه” جاءت في لحظة تاريخية مهمة فقد صدرت عام 1944، بينما الحرب العالمية الثانية توشك على الانتهاء، والدول العربية تعاني الضعف من جراء الاستعمار الذي يحتل معظمها، وكانت القضية الفلسطينية في اوج اشتعالها في الشارع العربي، كان الكل يشعر ان فلسطين توشك ان تضيع وانه لابد من العمل على انقاذها، ثم جاءت حرب 1948 وما نتج عنها من هزيمة الجيوش العربية، كانت “واسلاماه” تقف عند لحظة تاريخية مشابهة في التاريخ العربي، حين اجتاح التتار بغداد، وخربوا مقر الخلافة الاسلامية ولكن بقدر من الجهد والبطولة انتصر الجيش المصري في “عين جالوت” وانهى اسطورة التتار، أي ان الانتصار متاح وممكن، اذا كان هناك اعداد للجيش، فضلا عن البطولة الفردية، لعدد من القادة وقد احتفت “واسلاماه” ببطولة القائد العظيم سيف الدين قطز.

وظل باكثير في اعماله محتفيا بالتاريخ العربي والاسلامي، لكن هناك عملا وحيدا فقط لديه يعتبر بعيدا عن التاريخ هو روايته “ليلة النهر” كتبها عام 1946 ومنشورة في المجلد الصادر حديثا وقال في مقدمتها انه كتبها مستوحيا قصة الموسيقار المصري العظيم فؤاد حلمي، الذي كان قد رحل عن عالمنا وقت ان كتبها، واستعان فيها بمذكرات الموسيقار والقصة تتناول حياة شاب يهيم حبا بفتاة، وبادلته حبا بحب، لكن القيم الاجتماعية حرمت عليه ان يتزوجها وزوجها اهلها من شاب من طبقتها، ثري، وكانت النتيجة ان مات الشاب بعد ان ضاعت منه حبيبته، ولم يحتمل ان يعيش بدونها.

ويقول د. محمد ابو بكر حميد ان باكثير اختار هذه القصة لان فيها بعض ملامح حياته، وهو استنتاج دأب عليه عدد من النقاد العرب، الذين يحاولون الربط بين العمل الروائي وحياة كاتبه او كاتبته.

ايا كان الامر فإن اقدام المجلس الاعلى المصري للثقافة على نشر اعمال باكثير الكاملة ـ تصدر في 14 مجلدا ـ يعيد الى باكثير الاهتمام النقدي، لان اهتمام النقاد بأعمال كبار المبدعين يذوب بعد رحيلهم وهذا ما حدث مع باكثير وعبدالرحمن الشرقاوي وعبدالحميد جودة السحار ويوسف ادريس وتوفيق الحكيم وغيرهم.

 

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3774928 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017