شهرزاد الليلة الأخيرة وسؤال النهار
2011-08-05
 

شهرزاد الليلة الأخيرة وسؤال النهار

 

 

2009-09-30

تعاودُ الذاكرةَ في مواسمنا الدرامية العربية المنابعُ التي تتحدّى أصحابها، وأولها كتاب ألف ليلة وليلة وحكاياته التي تتلوّن بكل ما يحفل به قوسُ قزح، فرغم توالي السنوات واتساع من يقرأون ويكتبون ويرسمون!! تبدوأكثر ثراءً ولم يحمل منها إلاّ القليل سواء في أحداثها أوفي تخييلها، وطرائق القصّ،وقد تكون المفارقة لاذعة عندما ننتبه إلى أن العالم أخذها منّا في غيبة قدرتنا على تسويق حضارتنا وشخصيتنا من خلالها، ومقارنة سريعة توقظ الهاجس والهمّ ! فالأوربيون يسوّقون أدباءهم ورواياتهم ومسرحيات لهم على أنها بؤرة هم محيطون بها، ويبسطون عطاءهم للبشر في كلٍّ واحد: العقلية والشخصية والأمزجة والصلاحية نموذجاً للحضارة الدائمة والمتجدّدة، وقد أخذوا ألف ليلة وليلة وجعلوها على مقاسهم بل أرادوا أن نكون داخل ذاك الثوب. 

كيف يعرض فرحان بلبل صفحات من تلك الليالي بعد أن أغنى المسرح العربي بنصوص كتبها وأخرجها، وإثر مدوّناته النقدية ؟ قد يرى بعض المتلقين أنه شهد الضربة القاضية لأحد الطرفين في مسرحيته «الليلة الأخيرة»، وهويطلق إشارة النهاية رافعاً يد الانتصار، فهل كان التسلسل الدرامي لهذا الصراع بين شهرزاد- المرأة وشهريار- الرجل مقنعاً؟
  إن مراجعة مصادر هذه المسرحيّة تثير قضية نقدية في الإبداع والتلقّي، لا تقف عند عمل واحد وإنما تنداح في مجال تناول الأساطير والتاريخ، وفي البدء نؤكّد حرية الشعراء والكتّاب في استلهامٍ يفكّك المصدر ويستمد بعض مكوّناته وشخصيّاته أي أننا في هذه الحالة نعايش العمل الفنّي تكويناً آخر منفصلاً له منطقه وتسلسله ونتائجه، لكنّ إعادةَ رواية الأسطورة أوالحدث التاريخي في المسرح أوالسينما أودراما المسلسلات تقتضي التزاماً بمنطقهما وترابط الأسباب والنتائج فيهما مع إمكانية تطوير داخلي، في تفسير شخصية أوأبعاد اجتماعية وسياسية، أي أن عدسة الرؤية تقرّب وتختار زوايا كاشفة، وتقدّم تأويلات ممكنة.
رغم رصيد الحكاية الإطارية في ألف ليلة وليلة ومرويّاتها الممتدة في ذاكرة فرحان بلبل وفي معاودته لها والتي بدت في إيراده قصصا ًتشتبك بالأحداث، فقد اختار أن ينطلق من عمل مبنيّ عليها هومسرحيّة «سرّ شهرزاد» التي قدّمتها الفرقة المصرية الحديثة بالقاهرة 1953 للكاتب الرائد علي أحمد باكثير الذي أحدث انزياحاً جوهريّاً في بنية الحكاية الإطارية، وأضاف تسميات لشخصيات فيها، واستطاع أن يوفّق بين النهاية والانزياح الذي تغيّرت معه بنية الأسطورة، فجاءت المسرحية رؤية محتملة، أما فرحان بلبل فقد أخذ الانزياح الأساسي ثمّ أضاف خاتمة هي انزياح آخر اضطربت معه القيم والمقاييس، وبدت غير متوازنة، والمصدرالآخر الذي ترك آثاراً عند بلبل هونصّ «شهريار» للشاعر عزيز أباظة والكاتب عبد الله البشير1955 من خلال إضافة شخصية المهرّج مع فروق في الملامح، ونجد ضرورة الإشارة إلى نصّ «شهرزاد» لتوفيق الحكيم 1934 لتوضيح زوايا الرؤية.
توزّع بلبل بين ضبط الخيوط الآتية من المنابع المتعددة وما يطمح إليه من جدّة في طرح القضايا المعاصرة وإن تلفّعت بأردية الأسطورة والظلال، فهوأمام مؤثّرات السياق الاجتماعي والثقافي وبروز دورٍ المرأةُ فيه هي الغالبة؟ خاصة مع المساحات المفتوحة في السياسة وإدارة العالم لحضور النساء وتجربتهن التي بدأت - للمفارقة- من بلاد ألف ليلة وليلة منذ آلاف السنين في بلاد الشرق، فكانت أليسار «علّيسة» الكنعانية التي خاضت البحار وشيّدت قرطاج، وزنوبيا التي عمرت تدمر دولة مترامية الأطراف وهزّت أمبراطورية روما، وفي وادي النيل حتشبسوت الملكة، وكليوبترا في لعب السياسة، وبلقيس في اليمن، وشجرة الدرّ ملكة الأوقات الحرجة، وتطلّ في العصر الحديث من سيلان والهند باندرنايكة وأنديرا غاندي وسلسلة تتابعت.      ستكون جولتنا مع مسرحية «الليلة الأخيرة» موضّحة هذه البنية المركّبة، ومحدّدة من موقع التلقي والاقتراح لعرض يحمل الرسالة المعاصرة ولا يفتئت على الأسطورة في «ألف ليلة وليلة».
وحدات درامية
أقام باكثير بنية مسرحية «سرّ شهرزاد» على ثلاث وحدات درامية أساسية الأولى هي حكاية الزوجة الأولى بدور وخيانتها، وما تبعه من انتقام شهريار بقتلها والممتد عندما طال عذارى البلاد، وسوف تتغيّر دلالة هذه الحادثة في القسم الأخير من المسرحيّة، والوحدة الثانية هي دخول شهرزاد القصر وبدلاً من تحوّلها رقماً يضاف إلى سلسلة ضحايا هذا الملك نراها تروّضه بالحكاية والفن والفكر والدهاء، فتنجووتنقذ بنات جنسها، وتتسيّد ملكةً على سدّة المكان وقلب شهريار، والوحدة الثالثة تتناول كشفَ زيف الاتهام الذي قتلت بسببه بدور، وفي الوقت نفسه تشفي هذا الرجل- الملك من عقدة تتحكّم به وهي الانتقام والقصاص من المرأة الغادرة، فهو ينهض بعد الليالي الألف إلى غرفة بدور المغلقة يضرب بسيفه أشباح النساء!! وثمة وحدة درامية رابعة مجاورة أومتفرعة عن الأولى، وهي الحركة الشعبية التي تتهيأ لإعادة الأمور إلى نصابها في مملكةٍ جارَ فيها السلطانُ، وأصاب الفسادُ أرجاءها بسبب أهواء وزيره الجديد.
أعاد باكثير أجواء الحكاية إلى أرض الواقع وسمّى الوزير والد شهرزاد «نورالدين» وكذلك الزوجة الأولى «بدور» بعد أن عزلها توفيق الحكيم في الجانب النفسي والفكري لشهريار، واضمحلّت داخل مسرحيته الآثار الاجتماعية في المملكة وبين الناس وعلاقاتهم، وقد اختزل ف. بلبل الحادثة الأولى بمفاجأة الملك لزوجته نور العيون مع رجل غريب فيقتلهما معاً، ويقتل حلماً كان يراه حقيقة لأمد طال وهوفي ذروة السعادة والصفاء مع هذه الزوجة الحبيبة!! ويبدأ مسلسل الدم والليالي تهدم البيوت، وهنا نجد أن باكثير جعل شهريار مستهتراً يختلف مع بدور الملكة في أسلوب العيش، ويختلط عليه الأمر عندما أرادت إثارة غيرته وإعادته إلى حبّها، فلا يدرك اللعبة الممازِحة فيقتلها والعبدَ وهما بريئان من الإثم،وقد حاول ف. بلبل ترك المجال لغموض يشدّ المتلقي بعدم توضيح الموقف في مسرحيته بين نور العيون ومن جاءها وأثار شهريار وحوّله إلى منتقم شرس.
في الوحدة الدرامية الثانية عند باكثير كان اختيار شهرزاد تصفية حسابات بين الملك ووزيره السابق نور الدين، وسنرى تداعيات على المستوى الداخلي للمملكة وأحوال إدارتها عندما تنجح خطة هذه الفتاة الذكية وبعون من الحكيم رضوان، أما ف. بلبل فقد جعل شهرزاد تبادر إلى هذه المغامرة لتخليص النساء من الموت، فتقدم إلى القصر، وتخفي أنها ابنة الوزير «ماهين»، وبعد ذلك تمارس سحر الحكاية والفن والدهاء في ترويض هذا الملك- الرجل، وتوظّف الفن ليضيء القضايا الراهنة ولكن في علاقات خارجية مع أعداء البلاد «الملك السكّيت وابنه الهرتيت والابنة الأميرة الهرتيتة» وتنقذ شهريار من خنجر غادر حملته ابنة السكيت.
 وفي الوحدة الثالثة نجد أن فرحان بلبل يسوق المصادفة ليعود شهريار إلى غضبه وطبيعته الطاغية ويؤكّد خطأه القديم وظلمه لنور العيون، فهويذهل عندما يرى شهرزاد تعانق الوزير ماهين، فيهمّ بالسيف ليقطع الرأسين والخطيئة،لكن تفجؤه الحقيقة: إنها مع أبيها!، هنا تفتح شهرزاد الصفحة القديمة وتواجهه بجريمته، فقد قتل زوجته نور العيون تهوّراً قبل أن يعلم أن الرجل الذي كان معها هوأخوها القادم من سفره الطويل، فيعترف هذا المستبدّ، ويندم، ويطلب المغفرة منها!! 
  إن باكثير عرض الأمر على شاكلة ما بدأته بدور، فقد جعل شهرزاد ترتّب خديعة بتمثيل الجارية السوداء دورَ العبد في مخدعها، وفي ذروة الحدث تكشف الغطاء فيصحوشهريار، ويندم على فعلته الأولى وتهوّره، ويدرك براءة المرأتين بدور وشهرزاد، هكذا يتضح الانزياح الذي ابتكره باكثير بنفي الخيانة، وسيطرة عماءٍ على الملك، إضافة إلى تبديل صورة الصخب وجمع الجواري والعبيد، بل إنه عكس الحالة المعروضة في«الليالي» عندما بيّن ولع شهريار بالمجون والاستهتار مع هؤلاء.
إن مرور نصف قرن بين تأليف « سرّ شهرزاد» لباكثير، وماقدّمه فرحان بلبل «الليلة الأخيرة» يبرز زوايا الرؤية المتأثّرة بالمحيط الثقافي والفني والسياسي، وقبل الإشارة إلى تلك الاختلافات نؤكّد توافق الكاتبين في الوحدات الدرامية، وفي موقف نصير المرأة يراها بريئة وناصعة، فشهريار مخطئ ومتهوّر والمرأة لا يأتيها الخطأ «بدور، نور العيون، شهرزاد»، وتحمل المسرحيتان إدانة واضحة للرجل وطلباً لعقوبة توازي ما اقترفه في حقّها، وهنا نلمح اختلاف توفيق الحكيم لأنه على الأقل يثير الريبة حول حقيقة شهرزاد وصلتها بالعبد.
تأثّر باكثير بأجواء الخمسينات والملكية بمصر، فقدّم ملامح الاستهتار عند شهريار   والرزانة والاعتدال لدى  الملكة بدور، ومن الميسور مقاربة صورة الملك فاروق والملكة فريدة، وكان هذا من الثقافة الشعبية السياسية في مصر آنئذٍ خاصة بعد ثورة يولية1952، ولكن النزعة الإصلاحية جعلت باكثير يقترح تعويضاً عمّا حطّمه شهريار بأساليب اجتماعية واقتصادية، وهنا رفع النظر من الفردي إلى المستوى الرمزي في مجمل الصلة بين الرجل والمرأة، لا في حادثة أوحوادث فردية بعينها، فرغب في تعديل النظرة إلى المرأة وإعطائها دوراً يتكامل والرجل، ولهذا نجد تفاصيل حيوية للمجتمع والحراك فيه ومعاناة الأُسَْرة والصراع السياسي« نور الدين، رضوان، أم كريمة، التجّار، أهل الصناعات».
أما فرحان بلبل فركّز على شهرزاد شخصيّةً متميزةً مبادرةً واسعةَ المعرفة والخبرة تقتحم الخطر، وتعرف الخطط الحربية ودسائس الملوك، وتواجه المفاوضين، ثم نجد الكاتب يطلق يد المرأة في حكم قاطع تعاقب شهريار على ما اقترفت يداه في حقّ النساء، ويقوم جدار بينها وبينه، وتبرهن على صفحة إيجابية للمرأة وإخفاق لا يصلحه الدهر للرجل- شهريار،والظنّ أنّ ف. بلبل متأثّر بما يضجّ به زمننا من صراعات الدول، ومن حضور للمرأة والحركات النسويّة، وهي تطالب بأن تجرّب حظّها عقوداً مقابل تلك السنوات والحروب الممتدة في أعماق العصر الحديث والقرون الغابرة التي قادها الرجل وحده.
إننا نرى أن حكاية شهرزاد في ألف ليلة وليلة أكثر توازناً بين الأسباب والنتائج وهي قائمة على الواقع ورصد للمبالغة والشطط لدى الرجل ثم ردود الأفعال وسعي الحكاية إلى اعتدال وشراكة تعرف الألوان بكل أطيافها ولا تبقى عند الأبيض والأسود.
تبدأ صفحات ألف ليلة باكتشاف خطيئة زوجة شهريار، ومن قبل زوجة أخيه، وعبث الجواري والعبيد، ويأتي الانفعال بنقمة على كلّ النساء يحمّلن ذاك الإثم والخطأ، وهنا يستحضر الوعي الجمعي الردّ بحضور شهرزاد والفن وسبر أغوار هذا الرجل واستلال الاستبداد بالحكمة والتجارب الإنسانية، وتختتم الليالي الألف بمسار جديد تعود فيه المرأة إلى دور وموقع، وهذا لا يعني تغاضياّ عمّا فعله شهريار، ولا يعدّ تجاوزاً للحساب!! فالأمر في مصاف الرمز أولاً، ثم هوإشارة إلى الحذر من الخطيئة التي قد تؤدي إلى تفكّك وآثارٍ بعيدة لا تضبط نتائجها، وهذا فرق استمرار شهريار والشراكة مع شهرزاد وما أراده فرحان بلبل من عقوبة صارمة قاطعة بحق الملك- الرجل الذي سجّلت عليه حادثة وقعت، إنه في هذه الحالة حُصِر كيانُه بفرد بينما كانت أسطورته في الليالي قائمة على أن في إهابه ضروباً من الرجال، وما وقع كان استجابة لنزعة في بعض منهم، وما رصد من خطيئة لتلك الزوجة هوواحد من الاحتمالات، وليس طابعاً لكل النساء، فالرمزية في اتساع مداها تعلوعلى الفردي والجزئيّ إلى القيمة المطلقة، فيبدوالفرق بين نتائج التاريخ والفن بين التسجيلية والرؤية والاحتمال.
ملامح درامية 
اتجه فرحان بلبل ليرسم علاماته الدرامية في هذه الرؤية أوتنويعاته كما يحبّ الموسيقيون، فهواستعاض عن الخوض في تفاصيل اجتماعية للمملكة كالتي فصّل باكثير والمخاض السياسي الذي زاد فيه نصّ عزيز أباظة- البشير على نحوواسع، وذلك بخطّ درامي يحمل صراعاً موازياً للصراع داخل القصر بين جموح شهريار ومراوغة ذكية لشهرزاد، فنحن نتابع حرباً ضروساً بين هذه المملكة وأعدائها من الجيران الطامعين بأرض القمح ونهرها الدفّاق، ولا تنتهي الخصومة بانتصار معركة، وإنما تتطلّب مصالحة وعهوداً موثّقة مع السكّيت الملك الغادر وصاحب المكر، وقد اقتفى خطواته ابنه الهرتيت وابنته الأميرة الهرتيتة، وتنوّعت الدسائس والخدع بين عهود خلّبية تقتنص الثغرات لمعاودة الاعتداء، ومحاولة بثّ العيون، وأهمّها الهرتيتة المرشّحة للزواج من شهريار، ونلحظ استخدام بلبل حيوية الإخراج التي لا تغادر حالته كاتباً بتصعيد الإيقاع في المسرحيّة ورفع توتر التلقّي مع شيء من المغامرة بتشتيت التركيز خاصة مع انتقال المَشاهد إلى قصر السكّيت والعودة إلى ديار شهريار، وإذكاء صراع جانبي آخر هومواجهة بين الهرتيتة وشهرزاد وتنمّرٌ للفوز بناصية الملك! فهذا التركيب ذوحدّين، وقد يكون التلقّي القرائي أكثر سلامة من تلقي العرض على الخشبة، لأنه عندئذٍ يترجّح في مهب الأداء التمثيلي والتوازن بين هاتين المرأتين، ونشير إلى مشاهد واضحة فيها لمسة المخرج يراها على الخشبة قبل كتابتها على الأوراق، منها تلك اللحظات الحاسمة في التحدّي الأول بين شهرزاد والملك، فهويضع السيف على رقبتها  ويحرّكه «يحزّه» فتبدأ روايتها: «بلغني أيّها الملك السعيد ذوالعقل الرشيد والعمر المديد...».
وفي جهة أخرى حاول الكاتب توسيع الدائرة الاجتماعية خارج القصر لنتابع آثارها في أحوال متقلّبة، فوضع رديفاً من أبناء الشعب هوحاجب شهريار الذي يتذبذب في نظرته إلى المرأة عاكساً ما يجري في القصر من شكّ وإعراض ثم عودة في النهاية إلى الخطيبة والعزم على الزواج، ويريد بلبل القول بأن المشكلة تنداح بدرجات بين الناس.
ربط بلبل بين قصص ألف ليلة وليلة وما يجري في مملكة شهريار وجعل شهرزاد تروي وتقتحم الأحداث من خلال حكاية عمر النعمان الذي أحبّ إبريزة بنت ملك القسطنطينية  عدوّ أبيه وبلاده، وتكشف الأيام غدرها، ويظهر التوازي مع محاولة تزويج شهريار من الأميرة الهرتيتة التي انزاح قناع الوداعة ليتبين الحقدُ بهجومها لاغتيال زوج المستقبل !! وقد يكون استخدام بلبل هوالأكثر تفاعلاً مما جاء في عملي الحكيم وباكثير وأباظة.
وبهذا طبع ف. بلبل الموقف - بعد أن ألغى دور دنيازاد- بطابعه الجماهيري الحديث    عندما جعل شهرزاد تصرّ على أن يشترك الوزير ماهين والقهرمانة دردبيس والنديم- المهرج حيران في جلسة السماع مع الملك، وذلك استيحاء من طبيعة الرسالة الكامنة في رؤى السندباد البحري وأفعاله  المتمثّلة في حكاياته ومعارفه يرويها للناس في قصره وكان أولهم سميّه السندباد البرّي علامة على التوحّد في مسارات الحياة وقضاياها.
   هناك لغز هوحالة هذه الفتاة شهرزاد التي قلبت الموازين، فمن أين أتتها القدرة على المواجهة والتحدّي واختراق الطوق القاتل؟؟ إن توفيق الحكيم يرسل تساؤلات على لسان شهريار من غير إجابة:
 - «أسألك من تكون؟ هي السجينة في خدرها طول حياتها تعلم بكلّ ما في الأرض كأنها الأرض... هي البكر تعرف الرجال كامرأة عاشت ألف عام بين الرجال وتدرك طبائع الإنسان... من تكون تلك التي لم تبلغ العشرين...» ولعل ما صوّره باكثير جواب غير مباشر فهوأشرك معها الحكيم رضوان يشرف على تعليمها، ويخطط للمواقف والتدبير داخل القصر، فالثقافة زيادة على العلم جعلت الصراع متوازناً ثم تتغلّب صاحبة المعرفة ورباطة الجأش، وأما ف. بلبل فيكتفي بعبارة واحدة تتجه اتجاهاّ فكريّاً سياسياً على لسان شهرزاد «ابنة الوزير الحكيم تعلّمت من والدها كيف تفكّر» إذا عدنا إلى كلمات الليالي الأصلية فسنجد فيها الوصف التالي: «وكانت «شهرزاد» قد قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك المتقدمين وأخبار الأمم الماضين، قيل إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلّقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء» هكذا يتضح لنا المنحى الذي اتخذه بلبل في صورة المرأة- شهرزاد.
  وجاءت إضافة شخصية النديم - المهرّج أوالبهلول: حيران عند بلبل لإضفاء الحيوية عبر الفكاهة، وهي تمزج المفارقات ببعض الأفكار أوالكشف لمواقف وحالات، لكن الغريب هوتكليف هذا المهرّج بمرافقة الأمير الهرتيت عند زيارته الأولى، فالعلاقة جادة وشائكة لا تُترك بين يدي من اعتاد على التلاعب بالألفاظ والدلالات!!
تبادل الأدوار!
إن نهاية «الليلة الأخيرة» تعبّر عن هزيمة تجربة الرجل ممثلاً بشهريار، فلوأعطيت هذه المرأة جولة لتقدّم البديل، وهي صاحبة الخبرة حتّى في استعمال الخرائط وخطط القتال  وفي تروّي القاضي العادل. كيف تغدو شؤون المملكة والعباد؟؟
إن الكاتب سليمان الحزامي  «الكويت» أعطانا تصوّراً لما ستؤول إليه الأمور عندما نشهد في مسرحيته «الليلة الثانية بعد الألف/1998» الملكة شهرزاد أوحفيدة لها جسّدت أمنيتها تبطش بالرعية، ويصيبها الأرق، فتطلب الطبيب الذي يخلّصها من عنائها على شرط أن يدفع رأسه إن لم يفلح، وتسقط رؤوس أطباء ومن يدّعون الطبّ؟! حتّى يأتي من يحمل اسم شهريار فيشفي ما حلّ بروحها وبجسدها عبر... حكاياته!

 
اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3786748 عدد الزوار
914 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017