د. حلمي القاعود: لا بد من «صنعا»- 1 من5
2011-12-09
 
«صنعا» تناديك من أجل «باكثير».. وكان عليّ أن ألبّي النداء مهما كانت المشقّات، فـ«باكثير» الأديب العربي المسلم الذي غنى لأمته أعذب الغناء وأشجاه؛ يستحق أن أذهب إلى بلدته في حضر موت باليمن السعيد، وأرى بيته «دار السلام»، وأسعد بتحويله إلى متحف قومي يضم متعلقاته الشخصية وصوره مع أعلام زمانه في مصر وخارجها؛ فضلاً عن كتبه ومخطوطاته، وأرى بيوت «الكثيريّين» وما أكثرها في مدينة سيئون، وأقف على الأماكن التي ارتبط بها ومعها، ومنها مسجد «قيدان الصغير» الذي كان يؤدي فيه الصلوات الخمس، ثم أجول في الأحقاف، ومدنها وقراها، وأرى عالماً مربوطاً بالتاريخ والجغرافيا، وله في حضارة الإسلام نصيب غير هيّن. فرحت عندما عرفت أن الدخول إلى اليمن بدون تأشيرة، شكرت العبقري الذي ييسّر دخول بلاده دون تعقيدات، ويجعل على من يريد الإقامة أكثر من شهر مخاطبة الجهات المعنية لتذلل له المسألة.. ارتبطت التأشيرة في وجداني بأمور غير طيبة، منها التعقيدات البيروقراطية، والزحام في الطوابير، والمنّ والأذى من جانب كثيرين؛ ليس أصحاب السفارات والقنصليات وحدهم؛ بل من جانب المصريين الذين يعملون عندهم، يستوي في ذلك من يعملون في قنصليات عربية ومن يعملون في قنصليات أجنبية، بعض القنصليات العربية وخاصة في شمال أفريقية تبدو أقرب للسماحة وروح المودة، أما في بقية البلدان العربية فحدِّث ولا حرج! قام نجلي محمد بحجز التذكرة ذهاباً وإياباً، ولم يتنبه إلى مشكلة ظهرت فيما بعد، وهي الرحلة الترانزيت! كيف؟.. كان الذهاب إلى صنعاء ومنها إلى سيئون معضلة، سألت بعض من سافروا إلى اليمن: كم ساعة تستغرقها الرحلة إلى صنعاء؟ قالوا: حوالي ثلاث ساعات، وسألت: كم تستغرق الرحلة إلى سيئون؟ قالوا: نحو ساعة! قلت في نفسي: حسناً! أربع ساعات يمكن احتمالها في مثل ظروفي الصعبة، وحين قرأت الحجز الذي قدم به نجلي من القاهرة إلى القرية حيث أقيم (نحو مائتي كيلو متر)، وجدت أن الرحلة تستغرق إلى صنعاء سبع ساعات تقريباً، وساورني القلق، وقلت: لعله خطأ في طبع التذكرة أو بيانات الحجز؛ لأن بيانات الحجز إلى سيئون معقولة، حيث حددت الرحلة بأنها تستغرق ساعة. وعندما سألت أحد الأشخاص عن فترة الانتظار الطويلة ست ساعات على الأقل بين الرحلتين، قيل لي: إنهم في صنعاء سيأخذونك إلى الفندق الخاص بالمطار ويستضيفونك حتى يأتي موعد الرحلة الداخلية.. فقلت في نفسي: لا بأس، لقد حلت المشكلة، واستسلمت للأمر الواقع! في يوم السفر؛ رافقني نجلي أحمد إلى المطار، قاد السيارة لأني لم أعد قادراً على القيادة، وكان معنا أحد الشباب من الأقارب، قدمت التذكرة للصعود إلى الطائرة، لم تكلمني الموظفة عن الرحلة ولا ما يمكن أن يحدث في الترانزيت، ومن إجهادي نسيت أن أسألها، وتوجهت إلى بوابة الصعود إلى الطائرة. بدا لي أن أتناول قدحاً من الشاي قبل الصعود؛ بعد أن تناولت لقيمات حملتها معي من المنزل، ذهبت إلى مقصف المطار، وطلبت الشاي، فإذا بالعامل يعتذر، ويقول: إنه لا يوجد سوى الشاي الأخضر. قلت له: إنني فلاح تربيت على الشاي الأحمر، فاعتذر، وأخبرني أنه يمكن أن أصعد إلى الدور العلوي فالمقصف هناك به شاي أحمر، ولكن العامل اعتذر أيضاً عن عدم وجود شاي أحمر، لأنه لا يوجد غير الشاي الأخضر، واقترح أن يضع لي منه تذكرة إضافية لكي يكون الشاي شبيهاً بالأحمر، أو أشرب نسكافيه، سألت عن سعر النسكافيه فقال لي: 25 جنيهاً مصرياً! فسألت بالتبعية عن ثمن الشاي فقال: 12 جنيهاً! وهنا قلت له: شكراً جزيلاً، واعتذرت عن تناول أي شيء! ولكنه - يا للغرابة - قال لي: إنهم سيجلبون من أجلي تذكرة من الشاي الأحمر بطريقة ما، قبلت ودفعت الجنيهات الاثني عشر، وتساءلت في داخلي: هل يخضع مثل هذا المقصف للقانون أو للأسعار العالمية التي يتحدثون عنها دائماً في معرض المقارنة مع غيرنا؟ ثم توجهت إلى باب الطائرة. كنت أتصور أن عدد المسافرين قليل، فبعد الشقة يجعل التفكير في السفر أمراً صعباً ويقلل عدد من يفكرون فيه، ولكن الطائرة كانت مكتظة، وأعلن قائدها أن الرحلة ستتجه أولاً إلى مطار «الريان» في مدينة المكلا عاصمة حضر موت، وأن الرحلة ستستغرق ثلاث ساعات وبعض الساعة، وعرفت بعدها من جيراني في المقعد أنها ستمكث في المطار حوالي ساعة ثم تقلع إلى صنعاء وتستغرق ساعة أخرى، وبذلك يكون الوقت الذي تضمنته بيانات الرحلة صحيحاً إلى حد كبير، ومعنى ذلك أنني سأصل إلى صنعاء مع منتصف الليل تقريباً وهو ما حدث بالفعل. معظم ركاب الطائرة من حضر موت، وكثير منهم جاء إلى أرض الكنانة للاستشفاء، فأسعار العلاج في مصر بالنسبة لليمن تبدو معقولة، فضلاً عن وجود المتخصصين، وفي السياحة العلاجية فوائد كثيرة للطرفين، وليت القوم في قاهرة المعز يوسعون فرصة العلاج في الأقاليم مثل الإسكندرية والمنصورة، لتكون دائرة التعارف والتبادل الاجتماعي والإنساني أكثر وأرحب، ليس لليمنيين وحدهم، ولكن لكل العرب والقادمين من البلاد الإسلامية، مع القضاء على عناصر الاستغلال والانتهازية و«الفهلوة» التي تذهب بالجهود الطيبة وتفسدها. في مطار «الريان» بالمكلا، جلسنا في الطائرة حتى صعد إليها الركاب الجدد المتوجهون إلى صنعاء، وجلس بجواري شابان في العشرينيات، أخبراني أنهما من صنعاء ويعملان في مجال الغاز أو النفط. أول مرة أعلم أن اليمن فيها غاز ونفط! فرحت في داخلي، وكنت قد سمعت منذ سنوات أن اليمن يعوم على بحيرة من البترول، ولكنها لم تستغل بعد، تمنيت لأهل اليمن أن يعوضوا سنوات العناء التي أشار إليها البردّوني في مطولته: ماذا أحدّثُ عن صنعاء يا أبتِ مليحةٌ عشيقاها السلُّ والجربُ فهي اليوم مليحة تتزين، وتعالج السل والجرب بأساليب كثيرة، وتتعدد فيها المدارس والجامعات والمستشفيات والمؤسسات المختلفة، فضلاً عن شق الطرق ورصفها واستيراد السيارات الحديثة. الشابان اليمنيان اللذان جلسا بجواري تكلما معي في موضوعات شتى، وعندما تطرق الحديث إلى «القات» حيث كانا يحملان لفافة منه، قالا: إن مصر تحكم بالسجن المؤبد على من يحمله، ولكنه هنا مسموح به، ويتناوله القوم جميعاً، ضحكت وسكت ولم أحاول أن يسترسلا في الحديث، وكانت الطائرة توشك على الهبوط في صنعاء. وكانت ليلة من العذاب غير مسبوقة؛ بدءاً من الجوازات حتى ركوب الطائرة الثانية بعد ست ساعات تقريباً!

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
2545229 عدد الزوار
818 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2014