لا بد من صنعا! 2 - 5
2011-12-13
 
مجلة المجتمع-١٠-١٢-٢٠١١
قدمت جوازي إلى الموظف، فقلَّب فيه ثم كتب كلاماً على الحاسوب، وطالت وقفتي في انتظاره، ورأيته ينادي على شخص آخر يبدو أعلى رتبة منه، ويسلمه جوازي ويتبادلان كلاماً باللهجة المحلية لم أفهمه، فأخذني الرجل الثاني وانتحى بي جانباً، ثم سألني عن سبب الزيارة، والمدة التي سأقضيها، وكان في خلال سؤاله يقلِّب في صفحات الجواز، وأخيراً قال للموظف ما معناه: إن الجواز ممتدّ لسنتين أخريين، فقام صاحبنا بختمه وتسليمه لي، وقال لي صاحب الرتبة الأعلى: إن عليّ أن أذهب إلى «الترانزيت» وسيتصرفون معي. كنت مشغولاً بحقيبتي التي تحمل أغراضي الشخصية، هل سأتسلمها، أم ستبقى لديهم لتشحن في الطائرة المتجهة إلى سيؤن؟ وسألت هنا وهناك حتى عثرت على أحد الموظفين، وقال لي: اطمئن، الحقيبة ستصل إلى سيؤن وتتسلمها من هناك. وخرجت إلى «الترانزيت» كما أشار صاحب الرتبة الأعلى، كنت أسير أمام المطار وأحسست بلفح البرد القارس، مضيت متعباً مكدوداً متألماً حتى دخلت إلى «الترانزيت» فلم أجد مَنْ أسأله، مكاتب مظلمة أو مضاءة إضاءة خافتة، وخالية من الموظفين، أو بعضهم أغلق على نفسه الباب، وراح في نوم عميق. لم أجد أحداً يدلني على مكان انتظار طويل، أو فندق المطار الذي سمعت عنه، قال لي أحد الجنود: هناك مصلى في نهاية القاعة تستطيع أن تتمدّد فيه. كان عليّ أن أحتمل مهما كانت الظروف. في أيام تجنيدي عقب هزيمة 1967م حتى تسريحي بعد حرب رمضان في عام 1974م، رأيت ليالي أشد سواداً من قرن الخروب كما يقال، ولكني أيامها كنت شاباً أستطيع التحمل، أما الآن فقد صرت شيخاً هرماً محاصراً بالمتاعب الصحية، وساقاي لا يقدران على السير بسبب آلام المفاصل. لا مفرّ إذاً من الجلوس في المصلى، كان مفروشاً بسجادتين كبيرتين عليهما نقوش رمادية، وفي نهايتيهما بجوار الحائط مكتبة صغيرة عليها مجموعة من المصاحف، وبجوارها إشارة إلى اتجاه القبلة، وضعت عصاي والكيس البلاستيك الذي أضع فيه حقيبة يد صغيرة تحمل أوراق السفر، وكتاباً أطالع فيه، وبعض الفاكهة، مددتُ ساقيّ، وأسندت ظهري إلى الحائط، كان هناك أحد الأشخاص ينام على طرف السجادة الأولى، يبدو أنه من موظفي المطار أو العمال أو الجنود المكلفين بالحراسة، ولعله ينتظر نوبته. أحسست أن البرد يزداد شراسة، وجسمي كله في حالة اضطراب، وبطني تقلب ما فيها، وتكاد تخرجه من حلقي، خلعت السترة التي أرتديها وطويتها ووضعتها تحت رأسي، وحاولت أن أغمض عيني من خلال تمثيل دور النائم، ولكن الزمهرير لا يطاق، مكثت أتقلب يميناً وشمالاً وظللت على هذه الحال نحو ساعة ونصف الساعة، سمعت بعدها صوت جندي، عرفت فيما بعد أنه من المكلفين بتشغيل جهاز تفتيش الحقائب عند السفر، وهو يهتف: حاج.. حاج.. خذ هذا، وكان يدفع معطفه الثقيل الذي يرتديه أمام الجهاز حيث تبدو القاعة التي يجلس فيها ذات تكييف دافئ لأن بداخلها موظفي الجوازات والمسافرين.. قلت: شكراً، دون أن أستطيع النظر إليه لمعرفة شكله، ولكني أحسست أنها رحمة من الله أرسلها إليّ، وضعت المعطف على نصفي الأسفل، ولكن البرد لم يتراجع، وجسمي لم يهدأ، وأخيراً تنبهت إلى أنه يمكنني أن أستفيد بالسجادة ألتي أنام فوقها، فانتقلت إلى طرفها الثاني وطويت جزءاً منه على جسمي، ووضعت المعطف على رأسي والجزء الأعلى، وبدأت أستشعر شيئاً من الدفء النسبي. وبعد ساعة تقريباً نظرت في الساعة لأجد الفجر قد أوشك، فقمت وتوضأت، وتلوت الوِرْدَ اليومي من القرآن الكريم، ورأيت شخصاً جالساً يقرأ القرآن أيضاً، ولكنه توقف بعد أن رآني قد انتهيت من التلاوة وسألني: أنت مصري؟ وأخذنا نتعارف ونتحدث، وعرف أنني ذاهب إلى سيؤن، فأخبرني أنهم سينادون على الطائرة بعد صلاة الفجر، قال لي: إنه يعمل سائقاً على سيارة أجرة ينقل المسافرين من المطار إلى العاصمة، وعرفت منه بعض التفاصيل حول العملة والأسعار، وأقيمت صلاة الفجر، وبعدها حملت المعطف إلى صاحبه، وشكرته، ودخلت إلى صالة السفر، وأنهيت الإجراءات، ولمحت شخصاً يرتدي ملابس الهنود أو يشبههم، أحسست أنه قادم إلى سيؤن للمشاركة في ندوة باكثير، قلت له ونحن ندخل الطائرة: ندويّ؟ ابتسم وقال بالفصحى: نعم، قلت له: لعلك قادم إلى سيؤن لحضور ندوة باكثير؟ قال: نعم، وتعارفنا، أخبرني أنه قادم من بنجلاديش، وذكّرته أنني زرت «شيتاجونج» - العاصمة التجارية لبنجلاديش - عام 1993م لحضور مؤتمر أدبي في الجامعة الإسلامية هناك، فأخبرني أنه من «شيتاجونج»، وأنه شهد المؤتمر وهو طالب في هذه الجامعة، وكان من أبرز الحاضرين في ذلك المؤتمر العلامة الراحل سماحة الشيخ أبو الحسن الندوي الداعية الإسلامي الهندي الشهير. كانت الطائرة صغيرة تشبه الزورق، على كل من جانبيها كرسيان ضيقان، ومن المفارقات أن الطائرة تحمل اسم شركة طيران جديدة اسمها «السعيدة»، وهي غير الشركة الحكومية التي تحمل اسم «اليمنية»، وقد قطعت بنا المسافة في نحو الساعة، وهبطت أخيراً في مطار سيؤن. سيؤن ومطار سيؤن صغير نسبياً، فهو مطار محلي، ويبدو أنه أنشئ في عهد ما قبل الوحدة اليمنية، وإن كانت دخلت عليه بعض التحسينات، وقد استقبلنا في المطار بعض الشباب الذين علقوا على صدورهم شارات المؤتمر، ولكن المفارقة أننا اكتشفنا بعد استقبالنا في صالة كبار الزوار وكان معنا بعض علماء الدين الإسلامي اليمنيين، أن القوم جاؤوا لاستقبال ضيوف مؤتمر آخر حول الشريعة والوسطية، ينعقد في سيؤن أيضاً، في الفترة نفسها التي ينعقد فيها مؤتمر أو ندوة باكثير (22 - 23 ديسمبر 2010م)، تحت رعاية جامعة «حضرموت»، وقد تم تدارك الأمر، حيث عثروا على مُستقبلينا؛ الذين كانوا بالفعل في جانب آخر من المطار، ينتظروننا. كان الجو في سيؤن دافئاً، أحسست بحالة من النشوة أذهبت عني زمهرير الليل الذي كاد يقتلني، ركبنا إلى الفندق، واسمه «سيؤن بلازا»، وقد لاحظت أن معظم فنادقنا العربية تحاول أن ترفع من قدرها بإضافة اسم «بلازا» إلى الاسم العربي، ولو أنهم قالوا «قصر سيؤن» مثلاً لكان ذلك أفضل، ولكن الواقع العربي يشير إلى مهانة اللغة العربية أمام اللغات الأجنبية بسبب هزيمة الأمة هزيمة نفسية، وانبطاحها أمام الثقافات الوافدة، ولا أريد أن أقول بسبب إحساسها بالدونية. انظر - مثلاً - إلى شوارع القاهرة، بل صحفها ومجلاتها وقنواتها التلفزيونية وموجاتها الإذاعية وما تحمله من مصطلحات أجنبية ومفردات غريبة على طريقة «الفرانكو آراب» التي شاعت في الخمسينيات من القرن الماضي، مع أن الأمم الحية تعتز بلغتها إلى درجة أن أبناءها في الخارج وخاصة في المناسبات الرسمية لا يتكلمون إلا بلغاتهم، بل لا يردون في بلادهم على السائحين أو الزائرين ما لم يتكلموا بلغتهم! كان عليّ أن أستريح وأتدفأ بعد رحلة الزمهرير التي قضيتها في مطار صنعاء، وفور أن دخلت حجرتي بالفندق؛ ألقيت بنفسي على السرير ولم أستيقظ إلا بعد ساعتين تقريباً.. في بهو الفندق عرفت أن صديقي د. محمد أبوبكر حميد وصل قبلنا بيومين تقريباً، وأنه في منزل با كثير «دار السلام» يجهز للافتتاح الرسمي، لقد بذل جهداً عظيماً على مدى ثلاثين عاماً من أجل با كثير وتراثه، فقد جمع متعلقاته الشخصية ومخطوطاته ونشر شعره في دواوين، كما نشر رواياته وقصصه التي لم تظهر في حياته، وفرّغ الأحاديث التلفزيونية والإذاعية التي لم تطلع عليها الأجيال الجديدة على الورق، بحيث يمكن القول: إن با كثير صار حاضراً بشحمه ولحمه أمام العيون، يراه الناظر من كل الجهات؛ الأدبية والفكرية والشخصية. عرفت د. حميد عن طريق صديقنا المشترك وصديق با كثير الحميم الشاعر الكبير الراحل عبده بدوي - يرحمه الله - وتلاقينا على المستوى الفكري والأسري؛ طوال ثلاثين عاماً، ومازالت المعرفة أو اللقيا ممدودة بمشيئة الله. بعد دقائق كانت السيارة تحملني إلى دار با كثير أو «دار السلام»، رأيت هناك د. حميد وجمعاً من أسرة با كثير ومحبيه وبعض المسؤولين، ورأيت ملامح المعروضات والمتعلقات الشخصية التي سيراها الجمهور بعد الافتتاح، والتقيت بشاب تبدو عليه علائم النشاط والحيوية، وفرحت به عندما علمت أنه ابن صديقي الراحل أحمد عبَّاد الذي عرفته في التسعينيات بالرياض؛ وكان من أصدقاء با كثير ومحبيه - يرحمهما الله - كان أبو بكر أحمد عبَّاد الذي يعمل بوزارة الإعلام ويدرس الماجستير من أنشط العاملين في إعداد متحف «دار السلام» وندوة با كثير، وكان له معي فيما بعد لقاءات طويلة ومروءة لا أنساها.
 
اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3775934 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017