لابد من صنعاء 3-5
2011-12-19
لا بد من صنعا! (3 - 5)
     

عدت إلى الفندق، وبعد تناول الغداء صعدت إلى غرفتي محاولاً أن أغفو بعض الوقت، ولكن القوم لم يمهلوني كثيراً، فقد وجدتني مدعواً للافتتاح، وأخبروني أن وزير الثقافة في بيت با كثير (دار السلام). لم تستطع السيارة أن تقترب من البيت، كانت الساحة أمامه مملوءة بالجمهور الذي كان يؤدي رقصة شعبية على وقع الطبول، دار السائق من مكان آخر حتى اقترب من الباب الذي احتشد بجمهور يتزاحم من أجل الدخول. لمحني أحد الجنود الذي رآني من قبل عندما أتيت قبيل الظهر، فأفسح لي الطريق، ودخلت لأجد الحفل قد بدأ، وبعد عدة فقرات وجدت مقدِّم الحفل ينادي عليّ بعد أن أخبر الجمهور أنني سأتحدث في كلمة قصيرة، لم أكن مستعداً للكلام ولا جاهزاً؛ لأنه لم يكن هناك سابق ترتيب، ولكن صديقي د. حميد كان من وراء هذا الترتيب. لم أجد مفراً من الحديث عن با كثير ومكانته، والحلم برؤية موطنه منذ أربعين عاماً أو يزيد، شدَّت كلمتي الأنظار، وعانقني الوزير بعدها، وسلم عليَّ الحاضرون وخاصة رئيس جامعة عدن والزملاء. لقاء لم يتم جلس معي شاب من طلاب كلية الشريعة، سألني أسئلة كثيرة، وأجبته، عرفت أن أباه صديق قديم لصديقي الأديب الكبير وديع فلسطين، واسمه سالم زين با حميد، وأرجو أن يكون الاسم صحيحاً كما وعته ذاكرتي، في المساء قابلني شقيقه الأكبر ورغب أن أقابل أباه وأسلم عليه في منزله، لأنه مريض ولا يمكنه الحضور إلى الندوة أو الفندق، واتفقنا على تحديد موعد بين الأنشطة في اليومين التاليين، وقد عاد في أثناء الجلسات البحثية وأكد اللقاء، واتفقنا على أن يكون في المساء، ولكن اللقاء لم يتم بسبب ذهابنا إلى إحدى المدن القديمة بالقرب من سيئون! جلسات المؤتمر في الصباح، أول أيام الجلسات البحثية، كانت جلسة الافتتاح تكلم فيها عدد كبير من المسؤولين في جامعة عدن المثقفين والسلطة المحلية، وحضر وزير الثقافة د. محمد أبوبكر المفلحي، وشارك في الجلسات على مدى اليومين، وشاهد المناقشات، وهو رجل جم التواضع والأدب، وقريب من الناس، وقد تحاور معه عديد من الحاضرين في قضايا مختلفة، وتحدثت معه في أمور ثقافية كثيرة، وواضح أنه متابع لما يجري في مصر من أحداث ثقافية، وقد جاء إلى القاهرة وشارك في مؤتمر با كثير الذي عقدته رابطة الأدب الإسلامي في يوليو 2010م مع وزراء آخرين للثقافة، ويحسب له أنه قرر نشر أعمال باكثير الكاملة في أربعة عشر مجلداً، صدر منها مجلدان بالفعل، وسيتم توزيعها على المكتبات العامة والجامعات والمؤسسات الثقافية، ويفكر في نشر هذه الأعمال من خلال طبعة شعبية بحيث تكون متاحة للمواطنين البسطاء والطلاب. كان التلفزيون الرسمي وإذاعة صنعاء وإذاعة سيئون المحلية يذيعون وقائع المؤتمر على الهواء مباشرة، واستمرت إذاعة سيئون في إذاعة الجلسات ونقلها على الفور حتى إعلان البيان الختامي وقراءة التوصيات. الجلسات البحثية كانت جيدة، وكان الحوار حول الأبحاث موضوعياً في أغلبه، وساخناً في بعض الأحيان، ولكنه كان مفيداً في كل الأحوال، وقد استأثر مفهوم «التناص» وعلاقته بـ«الاقتباس» و«التضمين» بجدل ملحوظ، لأن الكلام حوله أثير في أكثر من جلسة من الجلسات التي غطت أبحاثها دراسة إنتاج با كثير الأدبي في السيرة الذاتية والرواية والمسرح والشعر. كان هناك سبعة عشر بحثاً عرضها أصحابها في جلسات البحث، وحظيت بتعليقات مهمة، ومن حسن التنظيم أن جامعة عدن طبعت هذه الأبحاث في عدد خاص من مجلتها الدورية المسماة «التواصل»، وكانت بين يدي الجمهور والباحثين في أثناء المناقشات. وكانت الملاحظة التي أشرت إليها في أثناء إلقاء بحثي ورئاستي للجلسة الختامية، أنه من الضروري أن يكون هناك حضور - ولو رمزي - للطلاب من المرحلة الثانوية والمرحلة الجامعية؛ لسماع عرض الأبحاث والمناقشات، ليتعود الطلاب على الجو العلمي، وسماع الرأي والرأي الآخر، ما يحفزهم أو يحفز بعضهم على الدخول إلى المجال البحثي، والتشوق للدراسة الأكاديمية، فالاكتفاء بالمناقشة بين الباحثين لا يحقق الهدف الأمثل من تلك الندوات.. لقد حضر جلسة الافتتاح عدد من الطلاب والطالبات اكتظت بهم القاعة، وكان من الممكن أن يستمروا في حضور الجلسات على مدى يومي الندوة. شبام في المساء عقب انتهاء الجلسات، أعلن د. مسعود عمشوش عرّاب المؤتمر ومحركه الأساسي، عن رحلة إلى شبام، وهي مدينة تاريخية من أقدم مدن العالم، وفيها عرف الناس أول ناطحات سحاب أقيمت في الدنيا، والمفارقة أن هذه الناطحات أقيمت بالطوب اللبن، ومع ذلك لم تسقط أو تزل، هناك بيوت عمرها أكثر من 500 عام، وما زالت صامدة وقوية، وتحقق التكييف الهوائي الذاتي؛ في الصيف تكون باردة، وفي الشتاء تكون دافئة، ولكن بعض الأغنياء؛ لمزيد من الرفاهية أدخلوا إليها أجهزة التكييف الصحراوية، والمدينة على كل حال مقصد للزوار، وتبعد عن سيئون حوالي 20 كيلومتراً، وتحيطها المزارع والنخيل، وتروى بمياه السيول أو المساقي، وتبدو وكأنها على ربوة عالية (ترتفع عن سطح البحر بنحو 700 متر تقريباً)، وبها مسجد «هارون الرشيد»، وقد أقيم في أواخر عهد الدولة الأموية، وجدده العباسيون، وما زال قائماً حتى اليوم ويصلي فيه الناس بوصفه المسجد الجامع، وهناك أكثر من عشرة مساجد أخرى في شبام، وعرفت فيما بعد أن كثيراً من العائلات التي تنتسب إلى شبام هاجرت إلى الشاطئ، وخاصة مدينة «الشحر» (على بعد 400 كيلومتر تقريباً) للعمل في التجارة أو الصيد، ومنها عدد من كبار التجار والباحثين وأساتذة الجامعات المرموقين الآن. وينسب إلى شبام تاريخ حافل من خدمة الإسلام والمسلمين، ففي صدر الإسلام خرج منها عدد كبير من الدعاة المجاهدين الذين شاركوا في نشر الدعوة الإسلامية، وأسهموا في الفتوح وخاصة في الشام ومصر. محطة تصدير وشبام مسورة بسور عال يتراوح بين 4 - 9 أمتار، ولها بوابة واحدة تسمى «السدة» في الجهة الجنوبية، يدخل منها أهلها ومن يزورونها، وقد أخذت أشكالاً متعددة على مدى التاريخ حتى وصلت إلى شكلها الحالي. وتعدُّ شبام مركزاً تجارياً منذ القدم؛ فهي محطة تصدير لأهم منتجات «حضر موت» ما قبل الميلاد حتى القرن الرابع وهو اللبان، وكانت حتى ثلاثينيات القرن الماضي سوقاً تجارياً مهماً يستقبل أكثر من ألف من الجمال محملة بالبضائع المتنوعة شهرياً، وتنقل منها الحبوب والمنسوجات إلى نجران وصنعاء والمكلا والبيضاء. وقد أدرجتها منظمة «اليونسكو» التابعة للأمم المتحدة عام 1982م ضمن قائمة التراث الإنساني الدولي، وزارها المدير العام لـ«اليونسكو» أحمد مختار أمبو عام 1984م. عدنا بعد صلاة المغرب إلى سيئون، كان القوم من الزملاء قد استطاعوا أن يصعدوا إلى الأدوار العليا في بعض المباني في شبام، ويروا نظام البناء من الداخل، أما أنا فلم أقدر بسبب ظروفي الصحية، وبقيت مع د.طه حسين الحضرمي الذي سماه أبوه على اسم طه حسين المصري تيمناً به، جالسين في ساحة الجامع حتى يعود الزملاء، وطه حسين الحضرمي باحث شاب في الأربعين من عمره، ويهتم بالمناهج النقدية الحديثة التي تلج إلى النص من خلال عتباته، أو الصيغ الأسلوبية في بنائه، ويعتز بهويته العربية الإسلامية. رأينا في بعض الساحات التي تقف فيها السيارات سوقاً صغيرة للخضراوات والفاكهة، والسمك المجفف الذي يسمونه «لخم»، ويعد من الغذاء الجاهز الذي يلجأ إليه الناس حين لا يجدون سمكاً طازجاً، أو حين يضيق الوقت بهم فلا يجدون غيره، فيعدونه على الفور من خلال طبخات سريعة متنوعة.
اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3775219 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017