لابد من صنعاء -4 من 5
2011-12-27

لا بد من صنعا! (4 - 5) حفل الفولكلور الشعبي


د. حلمي محمد القاعود
في سيؤن تجولنا في السوق لنشتري بعض الملابس الداخلية، الأسعار هناك مرتفعة أغلى من السعودية ومصر، والريال اليمني يهبط بصورة شبه يومية.. في عام 1978م، كنت في السعودية، وكان الريال اليمني يومها يعادل الريال السعودي تقريباً مع تفاوت طفيف. اليوم، خمسون ريالاً يمنياً تساوي ريالاً سعودياً واحداً، ومائة ريال يمني تساوي ثلاثة جنيهات مصرية تقريباً، أما الدولار الأمريكي فتقترب قيمته من مائتي ريال يمني. لم نشتر شيئاً ذا بال، وعدنا إلى الفندق للعشاء والمسامرات! وصعدت إلى غرفة نومي بعد أن استعرت جهاز حاسوب من صديق، لأطالع بريدي الإلكتروني، وأكتب رسالة إلى أولادي في مصر أطمئنهم عليّ. لم أستطع متابعة النشاط المسائي الذي بدأ عقب العشاء، فقد كان القوم يعدون حفلاً ينتمي إلى «الفولكلور الشعبي» على حافة مسبح الفندق، وقد حضر المشاركون في ندوة «با كثير»، ومعهم الوزير ورئيس الجامعة، وجلسوا جميعاً أرضاً على البساط المفروش، وأسندوا ظهورهم إلى الوسائد المرصوصة بانتظام بجانب الحوائط، وكان معظمهم في زيهم الشعبي، قميص في الجزء الأعلى، ثم رداء يلف المنطقة السفلى تتعدد تسميته من منطقة لأخرى، فهو يسمى تارة بـ«الفوطة»، وأخرى يسمى بـ«الحوكة»، ولكنه في كل الأحوال يتشابه مع زي أهل إندونيسيا وخاصة جزيرة «جاوة»، التي ترتبط بروابط تاريخية ونسب ومصاهرة مع «الحضارمة». مقطوعات قصيرة وفي حفلة «الدان دان»، يتبارى الشعراء الشعبيون في نظم المقطوعات القصيرة الفورية التي تعبر عن فكرة خلقية أو دينية أو تقاليد محلية، وتشبه حفلات «الدان دان» حفلات الزجل الفوري التي تنقلها بعض القنوات اللبنانية باللهجة الشامية، ومعظمها يصب في التأكيد على القيم العليا الموروثة في العلاقات الاجتماعية بين أفراد الشعب، وتحث على النبل والمروءة والشهامة، وتحذر أو تستنكر قيم الانتهازية والكذب والتنكر لأداء الواجب ونحو ذلك. وبصفة عامة، تجد هذه الاحتفالات الشعبية إقبالاً كبيراً من مختلف الطبقات، وتلقى صدى طيباً في النفوس؛ لأنها تعبِّر عن طبيعة الشعب الطيب الميال للتعاطف والتكاتف والتعاون في السراء والضراء. مفاهيم شعبية ومن نماذج «الدان دان» أنقل بعض هذه المقطوعات التي تعبر عن مفاهيم شعبية عميقة، وتنسب إلى شاعر يدعى «حسن عبدالله با حارثة».. يقول تحت عنوان «الزاي والشين»: ضيوف للمنزل بلا استئذان يأتونك ما يطلبون منك ضيافة بس يريدونك تجلس معاهم دائماً وتفتح عيونك ضيوف حبُّوبون أغلبهم يحبونك وحسب ذوقك حين تطلبهم يلبّونك إن كنت هاوي علماً يهتمون بشؤونك وإن كنت هاوي موعظة فيها يفيدونك وبكل ما يجري في العالم يوافونك المسافة بين «تريم» و«سيؤن» حوالي خمسين كيلومتراً، وكان اليوم الثالث - يوم الجمعة - موعد زيارتها، فهي مدينة أثرية ذات تاريخ، ومن ناحية أخرى فقد اختارتها الأمم المتحدة لتكون عاصمة للثقافة الإسلامية لعام 2010م، ومن ناحية ثالثة فهي تضم آثاراً ينبغي على مَنْ يزور «حضرموت» أن يشاهدها. بدأنا التحرك في التاسعة صباحاً نحو «تريم»، وصلنا في العاشرة تقريباً، وفي الطريق رأينا قرى ومدناً صغيرة عديدة، وبدت جميعاً كما لو أنها في بطن الجبل الذي يحيط بها من كل الجهات، وتبرز بجوارها الزراعات الخضراء المتنوعة، سواء تلك التي تعتمد على المياه الجوفية أو السيول أو مياه الأمطار الموسمية، وهناك النخيل الذي يملأ الأرجاء وتشتهر به المنطقة، ويتخذون منه أعمدة للبيوت وسُقفاً للمنازل، وبجوار النخيل تظهر أشجار «السدر» التي لا يعرف السوس طريقاً إليها، ولذا نجحت أن تكون سُقفاً طويلة العمر لمدة تصل إلى خمسة قرون أحياناً؛ هي عمر البيوت التاريخية ذات الطبقات المتعددة التي تصل أحياناً إلى ثماني طبقات كما في بيوت «شبام» التي سبقت الإشارة إليها، فأشجار «السدر» تكتسب القوة والعمر الطويل من كونها لا تعرف السوس الذي ينخر قلب الخشب عادة. وتتخذ «تريم» طابعاً خاصاً يميِّزها عن بقية المدن والقرى المحيطة، فأهلها وشبابها خاصة لهم طابع خاص في الملابس، وحلاقة الشعر وتسريحه بطريقة الفرق على الجانبين، حيث ينزل الطرفان ملتويان إلى مؤخرة الرأس كأنهما موجتان، كما يتميز الكبار بارتداء غطاء مميز للرأس به نقوش وزخرفة واضحة، ويلاحظ أن بشرة أهل تريم فيها سمرة غامقة غالباً. ومن أهم معالم «تريم» مكتبة «الأحقاف»، وهي تضم مخطوطات متنوعة، كان يملكها الأهالي في مكتباتهم الخاصة التي اشتهر بها «الحضارمة»، وقد استجابوا لنداء إنشاء المكتبة، فقدموا ما لديهم، وقد خصصت السلطات هناك مكاناً للمكتبة على ظهر أحد المساجد في الميدان الرئيس للمدينة مفروشاً بالسجاد، ويخلع الزائر حذاءه على العتبة عند دخول المكتبة. وواضح أن المكتبة تحظى بنوع ملحوظ من الحفاوة والاهتمام، والمخطوطات منسقة ومفهرسة ومرتبة في دواليب بعضها مفتوح والآخر له أبواب زجاجية، وتشمل عناوين: التفسير، والحديث، والفقه، والتصوف، والأدب واللغة، والطب والعلوم.. إلخ، وبالمكتبة قسم يضم كتباً مطبوعة حديثاً، واضح فيه الاعتناء بما يخص اليمن من دراسات ومؤلفات. جمع المخطوطات سجلت كلمة في دفتر الزيارات بالمكتبة، تمنيت فيها جمع المخطوطات التي لدى المواطنين في شتى أرجاء العالم العربي، وإقامة مكتبات متشابهة، وأشدت بتنظيم مكتبة «الأحقاف» ونظامها ونظافتها. خرجنا من المكتبة، وتجولنا في بعض الشوارع والحارات، ورأينا بعض المحلات الخاصة بالأعشاب والفواكه والخضراوات والحلويات والصيدليات والتوكيلات والمكتبات.. وغير ذلك مما يحتاجه الناس، الشوارع مرصوفة، ونظيفة، وتمرق فيها السيارات القوية بسرعة ملحوظة تتناسب مع الطبيعة الجبلية الصعبة للمنطقة، ولذا يندر أن تجد سيارات صغيرة، وإن كانت الدراجات البخارية (الموتوسيكلات) تملأ الشوارع، وتزعج الناس بصوتها العالي المثير، ولكنها وسيلة مواصلات شعبية، توصل الطلبات والأفراد داخل المدينة.

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3774872 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017