بناء شخصية البطل حمدان في رواية الثائر الأحمر لعلي أحمد باكثير
2012-02-01

بناء شخصية البطل حمدان في رواية الثائر الأحمر لعلي أحمد باكثير
د. عبدالقوي الحصيني


 

تُعَدُّ رواية "الثائر الأحمر" أكثرَ رواياته التاريخيَّة إثارةً للجدل النقدي؛ سواء من حيث الموضوع الذي يمثِّل معادلاً موضوعيًّا للفكر الاشتراكي وتطبيقاته التي لَم تكن بعدُ قد وصَلت إلى أيٍّ من أجزاء الوطن العربي عام 1949م، أو باستباقه التنبُّؤي لنتائج تطبيق هذا الفكر[1].

 

إنَّ بطل الرواية - الشخصيَّة الرئيسة - الذي تدور أحداث السرديَّة حوله - أو من خلاله - يَظلُّ أيضًا بابًا مفتوحًا لتعاطي مختلف التفسيرات والتحليلات لشخصيَّته، واستثارة جُملة من الاستفسارات حوله؛ إمَّا على مستوى المقاربة بين حقيقته التاريخيَّة كما رَوَتْها المصادر، وصورته التخيُّلية كما جاءَت في السردية، وإمَّا على مستوى التوافُق في رسْم هذه الشخصية - شخصية البطل - مزدوجة مع الفكرة التجريديَّة التي يريد السارد نقلَها "مُشَخْصَنَة" لنا عَبْره.

 

المبحث الأول: تكنيك بناء شخصية البطل حمدان في الثائر الأحمر:

سلَك السارد مسلكًا صعبًا في بناء الشخصيَّة الأولى في السرديَّة "شخصيَّة البطل حمدان"، وقد تناوَشت السارد عوامل عدَّة وهو يتهيَّأ لتكوين شخصيَّته الرئيسيَّة، ويَعبر بها الفجاج المتعرِّجات، أو يَصعد بها القِمم المرتفعات، أو وهو حتى يسير معها في الفضاءات الرَّحبة الفساح، ولعلَّ أهم الضغوط التي وقَع السارد تحت وطْأَتها هو التنازع الأيديولوجي بين "الراوي" و"البطل".

 

من المعلوم أنَّ السرديَّة تَهدف إلى معالجة موضوع مهمٍّ، كانت تلوح معالِمُه في أُفق الأُمَّة العربية والإسلاميَّة آنذاك، ويتحسَّس طريقه في منعرجات بيئاتها الثقافيَّة، وعقول مثقَّفيها، بل ومراكز القيادة فيها.

 

وعلى الرغم من أنَّ الموضوع زمنيًّا يتولَّد في القرن العشرين، فإن المعالجة السردية لَم تشأ الولوج إليه من المدخل المعاصر، بل عادَت إلى الوراء إلى التاريخ؛ لتستمدَّ من تجاربه الواقعيَّة في الماضي - القرن السابع الهجري - ما يمكن أن يكون دليلاً عليه في الحاضر.

 

إذ إنَّ الصورة كانتْ واضحة أمام السارد، ألا وهي عرْض تجربة تطبيقيَّة للأيديولوجيَّة الاشتراكيَّة؛ لبيان فشلِها عمليًّا، واستحالة تطبيقها في البلدان الإسلاميَّة، وذلك لسببين حسب السارد والسردية:

الأول: تناقُض مبادئ هذه النظرية مع الثوابت الإسلاميَّة التي يؤمن بها المجتمع المراد تطبيق النظرية فيه.

الثاني: وجود نظرية أو أيديولوجيَّة في هذه البلدان أقوى وأصلح منها لو طُبِّقت، فهي أعدلُ وأشمل وأقْومُ من أيِّ نظرية أخرى.

 

ومن هنا تخلق عنصر التضاد بين "السارد، وبطل السردية" بما يعتور وجودهما في العملية السرديَّة من تماهٍ وعدم افتراق، أو بشكلٍ أوضح عدم القُدرة على التمييز أو الفصل بينهما في التجربة العملية السرديَّة.

 

ونتيجة لهذا التضاد الأيديولوجي أو الغائي...، وقَع السارد في تشوُّش الرؤْية، فهو بين أن:

• يتَّخذ قراره منفردًا في التجربة السردية، فيتمايَز عن بطله.

• أو أن يتماهى معه، فيُرافقه الرحلة والعبور في فضاء السرديَّة، وأن يظلَّ مُحتفظًا بانفصاله عنه شعوريًّا.

 

ورأى السارد أنَّ سيرَه مع بطله سيكون أكثر نفعًا لتوصيل الرؤية المرادة من السرد، وأيضًا ستمكِّنه هذه المرافقة من الإمساك بزمام المبادرة في مسيرة بطله، وعدم إتاحة الفرصة لهذا البطل للخروج عن المسار المحدَّد له، أو التحرُّك في غير الإطار المرسوم والمسموح له، ليُوَصِّله في النهاية إلى هدفه هو - راوي السردية - وليس إلى هدف بطلها.

 

ويتولَّد شتاتٌ آخرُ في ذهْن السادر، فالمرافقة تقتضي الموافقة، وشتَّان بين مشرق ومغرب:

• السارد يتبنَّى الرؤية الإسلامية في العدالة الاجتماعية.

• السردية - بطلها - تتبنَّى النظرية الاشتراكية، "العدل الشامل حسب مفهوم عصْرها".

 

ولَم يتحيَّز السارد كثيرًا في اختيار الحل المناسب للتعامل مع هذا الشتات الذي يكاد يَعصف بمحكم بناء السرديَّة، ببطلها بالتحديد، فلجَأ إلى تكنيك التوحُّد معه: التماهي ببطله، ومِن ثَمَّ التماهي أيضًا برؤية بطله؛ مما أتاح للسارد الوصولَ إلى هدفه بخُطة أكثر مرونة وسلاسة، بل وإقناع وإمتاع.

 

واستفادَ السارد من هذا التكنيك في التعامل مع بطله "المرافقة - التماهي"، كما استفادَ البطل أيضًا.

 

ففي الوقت الذي حقَّق فيه السارد مُراده من بطله، وحُسن السيطرة على مساره داخل البنية السرديَّة، تمكَّن البطل من الحصول على علاقة متميزة بالسارد، وفَّرت له قدرًا لا بأْس به من تعاطُف صانعه "الروائي"، تلك العلاقة التي سيكون لها دورٌ فاعل في تكوين وبناء شخصيَّة البطل، أو الانتقال به بسلاسة ويُسر في مختلف أطوار بنائه التكويني، وعَبر 59 وحدة سرديَّة امتلأَتْ بالخُطوب والأهوال، تمكَّن فيها السارد من حماية بطله والحَدَب عليه، ويَظهر ذلك جليًّا في ضوء مراحل التكوين المختلفة للبطل.

 

البطل - السارد: مرحلة التكوين الأولى:

يلتقي السارد ببطله "حمدان" في مزرعته الواقعة في إحدى ضواحي قرية "الدور" من أعمال الكوفة، فلاحًا بسيطًا يحرثُ أرضه بثوْره، تساعده أُختاه: "عالية" الكبرى و"راجية" الصغرى في أعمال الفلاحة، فيما تظلُّ أُمُّه جالسة على مسطبة أمام الكوخ تُجهِّز أعلاف المواشي، وتنشغل الزوجة برعاية ابنتها "فاختة" وابنها الصغير "الغيث" داخل الكوخ، وتجهيز الطعام وبقيَّة متطلبات الأُسرة.

 

هذا هو التكوين الأوَّلِي لبطل السردية: "فلاح" مكافح، لَديه أُسرة متعددة الأفراد، يتحمَّل مسؤوليَّتها وحْده، أبوه متوفًّى وليس له إخوة، لَدَيه ابن عمٍّ "عبدان" صاحب دُكَّان في القرية.

 

ويُمكن أن تنتهي حياة "حمدان" كحياة أبيه فلاَّحًا، لكن السارد لا يُريد ذلك؛ إنه يريد أن يصنعَ منه بطلاً بطريقة ما؛ ولذا فقد بدأ يتعامل مع هذا الفلاح بطريقة تختلف عن التعامل مع أيِّ فلاح.

 

إنَّ "حمدان" فلاح من نوع آخرَ؛ ولذا فقد تعامَل السارد مع بطله في إطار ثلاثة مكوِّنات:

الأوَّل: المكون الذاتي "النفسي - الجسمي":

صحيح أنَّ حمدان فلاح، لكنَّه يختلف عن أيِّ فلاح، إنه فلاح صاحب مشاعر خاصة، إن السارد يُباشرنا من مطلع الوحدة السرديَّة الأولى "السفر الأول" بكشْف مشاعر فلاحه: "طَفِق حمدان يمسح بأطراف أصابعه العَرَق المُتَصبب من جَبينه، وهو يعمل في حقْله، وإحدى رِجْليه على سنِّ المحراث، والأخرى يرفعها عن الأرض حينًا، ويَلمس بها الأرض حينًا، وقد أمسَك بخِطام الثور الذي يسير أمامه، يجرُّ خطوه جرًّا ثقيلاً، والسوط في يمينه يَنكت به مترفِّقًا على ظهْر صاحبه الأعجم كلما توقَّف عن المسير، أو تثاقَل فيه، وكأن لسان حاله يقول: "أيها الثور الحبيب، كلانا محكوم عليه أن يعيشَ في هذا الشقاء، وهذا السوط في يميني ويعزُّ عليّ أن يقعَ على ظهْرك، فلا تحوجني إلى استعماله"[2].

 

إذًا فالسارد من مطلع السردية أو افتتاحيَّتها يرسم لنا صورة فلاَّحه أو بطله "حمدان"، رجل مُجتهد في عمله، مُؤدٍّ لواجبه، حاسٌّ بشَقائه؛ "كلانا محكوم عليه أن يعيش في هذا الشقاء"[3].

 

يتعاطف مع الحيوان الذي يعمل معه بحُكم هذه المشاعر الحسَّاسة، وفي ضوء التماثُل بين حاله وحال ثوْره "الحبيب"، الذي يعزُّ عليه أن يوقِع سوْطه على ظهْره، وبهذا يلفت نظرنا السارد إلى الاستعداد الذاتي لتوقُّع تحوُّل ما في هذه الشخصيَّة الحساسة، الشاعرة بالظلم، العازفة عن ظُلم الآخر - ولو كان مجرَّد حيوان، ولا يكتفي السارد بذلك، بل ينقل لنا عاملاً ذاتيًّا آخر يجتاح مشاعر هذا البطل تُجاه مالك الأرض التي يعمل فيها: "وما ينسى حمدان من الأشياء، فلن ينسى أنَّ والده كان أحدَ أولئك المُلاَّك الصغار الذين سقطتْ أملاكهم في يد ذلك المالك الكبير"[4].

 

إنه يريد أن يولد مشاعر الكراهية والحِقد والشعور بالمأساة، مشاعر تختلف عن الأولى، لكنَّها تصبُّ معها في تكريس وبَلْورة "عُقدة" السرديَّة، وخَلْق عنصر "الصراع"، ومنْح "الفلاح" حمدان دوافعَ ذاتيَّة للتحوُّل.

 

ويسوق السارد "حدثًا" مهمًّا يقتحم حياة "حمدان" - القانع بها على بؤْسها - ليخلط أوراق السردية، وليحقِّق النقلة النامية للسردية باتجاه التحوُّل للمرحلة الثانية من مراحل تكوين البطل "حمدان"، تلك هي حادثة اختطاف "عالية" أُخت حمدان الكبرى، وعالية هي أجمل الأختين "خَلْقًا" و"خُلقًا"، وكان قد تقدَّم لخِطبتها ابن عمِّها "عبدان"، وتتهيَّأ الأسرة لزفِّها إلى منزل الزوجيَّة، حين تحدث عمليَّة اختطافها؛ لتتحوَّل حياة الأسرة - ومعها البطل بالطبع - إلى حياة أخرى تتَّسم بالتوتُّر والقلق، والأسى والألم...إلخ، وهي نقْلة قويَّة باتجاه تكوين البطل "حمدان"؛ إذ كوَّنت هذه الحادثة نقطة فاصلة بين حياة "الأسرة - البطل" السابقة الهادئة المستقرة السعيدة المتماسكة - برغم حالة الشقاء والعَناء والحاجة والعَوَز- واللاحقة بكلِّ مُنغصاتها ومُقتضياتها، ولَم تَعُد "الأسرة - البطل" بعدها إلى حالتها الأولى، ولَم يَعُد بطلها مجرَّد فلاح فحسب، ويتعزَّز التأجيج للمكوِّن الذاتي "النفسي" للبطل بشكلٍ صريح في منزل ابن الحطيم "سيِّده".

 

لنُطالع مُقتطفات من الوحدة السرديَّة الخامسة: "مضى أسبوع منذ اخْتفت عالية، لَم يهدأ لحمدان جَنبٌ، ولَم يَقرَّ له قرار..، وبدا له أن يزورَ سيِّده ابن الحطيم؛ ليشكوَ له ذات أمره، ويستعين بجاهه ونفوذه"[5].

 

"واستأْذَن عليه في القصر الكبير الواقع في الطرف الشمالي من القرية، فقابَله قَيِّمُ القصر، وأخبرَه أن سيِّده في قصره بالكوفة منذ أسبوع، ولا يدري أحدٌ متى يعود"[6].

 

كان ذاك بداية احتكاك البطل بسيِّده ابن الحطيم، وأوَّل تجربة مُرَّة يخوضها معه مواجهة؛ مما سيشكِّل نموًّا قويًّا في التكوين الداخلي لمشاعر البطل تُجاه أحد أعمدة النظام، وهي "المُلاَّك - المال - الإقطاع"، وتتولد رَدَّة الفعل هذه بمشاعر الخيبة - خيبة الأمل - التي تكوَّنت بفعْل عدم لقاء "السيِّد"، وتثبيط القَيِّم لحمدان عن الذهاب للقائه في قصره بالكوفة، تولَّدت حسرةٌ وأسف لدى البطل بفعْل هذا الحدث الذي ساقه الراوي بحِكمة وقصْدٍ، ومهَّد به للنقلة الأخرى الأشد وقعًا على "البطل"، والناتجة بفعْل الزيارة الثانية لابن الحطيم: "وبلَغه ذات يوم أنَّ ابن الحطيم في القرية، فخفَّ إليه وانْطَلق إلى قصْره الكبير ليُقابله، فلمَّا استأْذَن عليه، برَز له قَيِّمُ القصر، وقال له: إن سيِّده مُتعبٌ، لا يريد أن يقابلَ أحدًا".

 

"فلمَّا ألَحَّ إليه في طلب مقابلته، نَهَره القَيِّم وتأفَّف منه، وقال له: إنه قد أوْصى العامل بالاهتمام بأمر أُخته الضائعة"[7].

 

ويتأزم المشهد، وينطلق الحوار.

 

ولَم يقتنع "حمدان" بهذا الردِّ، ويُلح على القَيِّم أن يسمحَ له بمقابلة "سيِّده"، فيتهكَّم به القَيِّم، ويسخر منه، وتمضي السرديَّة في إدارة حوار يتأزَّم شيئًا فشيئًا إلى أن يبلَغ مَداه بالكشف عن الشخصيَّة "الخفيَّة" لبطل "السردية - الرواية" الذي يعده "السارد - الراوي" للمتلقِّين في قابل الحكاية السرديَّة.

 

كان ذلك التكوين الأَوَّلِي للبطل على المستوى الذاتي، وقد رأينا كيف تدرَّج السارد في إعطائنا المبررات؛ لتحويل بطله من فلاح عادي إلى إنسان يَشعر بالظلم الواقع عليه، إلى إنسان يحمل ثأرًا شخصيًّا من مالك الأرض التي هي أصلاً ملك حمدان، استولَى عليها من أبيه، إلى مجروح متحفِّز يدفعه الحَنَق - ورُبَّما الحِقد - على خاطف أُخته، مستنفر للبحث عنها وإعادتها بكلِّ الوسائل والطرق، إلى مجروح متأزِّم من احتقار سيِّده له، وعدم تعاونه معه للعثور على أُخته.

 

وكما هيَّأ السارد المسرود له لقَبول التحوُّل في شخصيَّة فلاحه، من خلال المكوِّن "الذاتي - النفسي"، فإنه كذلك عاضَد خلْقَ الاستعداد لقَبول هذا التحول عبر المكوِّن "الذاتي- الجسمي"، أو الوصف الخارجي لشخصيَّة البطل، فهو "في نحو الخامسة والثلاثين من عُمره، قَوِي البنية، جَلدٌ على العمل، لا تكاد الابتسامة تُفارق شَفتيه، حتى في أحْلك الساعات، وأهول الخطوب"[8].

 

ويركِّز السارد على سِمة احمرار عين حمدان، وهي السِّمة التي وَرِثها عن أبيه "الأشعث"، والذي لُقِّب "قرمط"؛ لاحمرار عينيه مع ما تَحمله هذه الصفة من دَلالات وإيحاءات تتعلَّق بالشخصية؛ إذ من المعلوم الدلالةُ الرمزيَّة للون الأحمر التي تدلُّ على الدم والعُنف، والحرية والثورة والتطرُّف...إلخ.

 

وهو ما يودُّ السارد نقْلَه للمتلقي بالدَّلالة الرمزيَّة لا السردية، ويهيِّئ السارد بطله جسديًّا؛ لتحمُّل التبعات والمهام الصعبة كما هيَّأه نفسيًّا وشعوريًّا ودافعيًّا، فقد جعَله في قوَّة اثنين: "فترَك عمله في المزرعة لاثنين من الأُجراء يتناوبان القيام به"[9].

 

وجعَله من قوَّة التحمُّل، بحيث لَم يبكِ على فقْد أُخته، "تتخلَّل ذلك كله ذكريات مؤثِّرة يتبادلون حديثها عن عالية، فتفيض عيونهم بالدمع، ما خلا عيني حمدان الحمراوين، فليس للبكاء إليهما من سبيل"[10].

 

هكذا تعاضد النفسي والجسمي في المكوِّن الذاتي للبطل، ومنه تتَّضح الفكرة التي يريد السارد إيصالها لنا، وهي قبول وإمكانية تحوُّل بطله من فلاح بسيط إلى رجل صاحب قضيَّة.

 

الثاني: المكوِّن الموضوعي:

لَم يكتف السارد بإقناعنا بإمكانيَّة تحوُّل بطله، من خلال المكوِّن الذاتي الذي اصطحبنا فيه عبر خمسين صفحة من السفر الأول - هي نصف السفر - بل ذهَب يُثير لنا دوافعَ موضوعيَّة تدعم تقنية "التحوُّل" التي بنى السارد شخصيَّة بطله على أساسها.

 

ولئن كان "حمدان" يَمتلك من السمات الشخصيَّة "النفسية - الجسمية" ما يؤهِّله للمرحلة التالية من أطوار نَمائه سرديًّا؛ فإنه بالقدر ذاته يَمتلك مبرِّرات موضوعيَّة لهذا التحول، ويتَّكئ السارد على أخلاقيَّات سيِّد حمدان ابن الحطيم الذي يمثِّل أحدَ مُرتكزات الإقطاع، وأحد أعمدة نظام الحُكم السائد المتمثِّل في "المال"، وتتَّضح صورة ابن الحطيم نموذجًا للإقطاعي الذي يتنعَّم من جهد وعَرَق الفلاحين، ويستمتع بالملاهي والملاذ من تعبهم أو شقائهم ونتاجهم الذي يؤول إليه، ولا يَصِلهم منه "إلاَّ نصيب ضئيل، لا يكاد يقوم بأَودهم من جشبِ الطعام، وخَشِن الملابس..."، "على حين يذهب معظم ما ينتجه عملهم المتواصِل إلى خزائن شاب قاعد عن العمل، مشغول بملذَّاته وملاهيه في قصوره المتعدِّدة بالكوفة، وجواسقه المنتثرة في ضواحيها"[11].

 

ويوضِّح السارد الأساليب الملتوية التي استخدَمها الحسن الحطيم في حياته - لضمِّ أراضي المُلاَّك الصغار ومنهم أبو حمدان - وشرائها منهم بثمنٍ بخسٍ بعد أن يكون قد أوْصلهم إلى حافة الانهيار.

 

ولَم يصمُد أمامه إلاَّ مالك كبير مثله هو الهيصم ابن أبي السباع الذي لا يقل عنه طمعًا وقمعًا واستغلالاً، ويطرح السارد وصفًا لأهالي القرية المنقسمين بين هذين المالِكَين، وما يدور بينهم من معارك حامية الوطيس؛ "إرضاءً لنزوات هذين السيِّدين الذين يتحكَّمان في رقابهم"[12].

 

يحب السارد أن يوجد معادلة أو موازنة بين الدافع الذاتي للتحوُّل والدافع الموضوعي، وهو هنا لا يغفل الدافع الموضوعي؛ إذ يجعله موازيًا للدافع الذاتي في مكوِّن بطله، وفي عمليَّة التحول التي يريدها له، فالشعور الذاتي بالظلم والمهانة والإهانة، والرغبة في الانتقام والانعتاق، يوازيه ما يجرُّه النظام الإقطاعي على المجتمع وعلى الفلاَّحين بالتحديد من ويلات ومفاسدَ، إضافة إلى سلوكيَّات هذا النظام القمعيَّة والاستيلائيَّة واللاأخلاقيَّة أيضًا؛ مما يستدعي ارتفاع الدافع للمقاومة والتغيير...، وهو هدف السارد البعيد.

 

الثالث: المكوِّن المعرفي:

وهو موضوع يتعلَّق بالرؤية وبالإمكانيَّات العقلية للبطل الذي هو ابتداءً "فلاح" مجرَّد فلاح، ونَودُّ أن نرافقَ السارد؛ لنرى كيف تعامَل مع هذا المكوِّن الذي يعدُّ أعقدَ المكوِّنات؛ لأنه يتمثَّل بخلق "الوعي" لدى "البطل - الفلاح"؛ إذ من السهل خلق المقومات الجسميَّة والدوافع النفسيَّة، غير أنه من العسير التوصُّل إلى خلق "وعي" بالمشكلة؛ لأنَّ هذا الوعي متعلِّق بالعقل، والعقل يتطلَّب معلومات ومعارف متاحة ومتراكمة، ومتنوعة ومتواصلة...؛ ليصل إلى المستوى المعرفي المكوِّن للوعي، فما بالك إنْ كان الشخص المطلوب تحصيل ذلك فيه هو مجرَّد "فلاح" في أقاصي السواد؟ هذا هو المحكُّ الاختباري لقُدرة السارد الفنيَّة، ومقياس لنجاح عنصر "الحبكة" في التوصِل المَرِن والسهل لمراد السارد الراوي في التكوين المعرفي لبطله.

 

المسألة "الفكرية" هي المسيطرة على السرديَّة، فالحبكة ستدير رَحاها حول قضيَّة "أيديولوجية" تاريخيَّة كمعادل موضوعي لفكرة معاصرة هي "الاشتراكيَّة"، والتي حاوَلت مدَّ نفوذها في أقطار الوطن العربي في منتصف القرن العشرين.

 

والفكرة أو الأفكار التي يريد السارد تبنِّيها من بطله، وإن كانتْ تمثِّل القرن السابع الهجري، إلا أنها لا تختلف عن الفكرة المعاصرة في شيءٍ.

 

لن نسألَ السارد كيف توصَّل البطل الفلاح إلى هذا المستوى المعرفي، إنَّ النص يكشف تماهيًا "تداخلاً" واضحًا بين "السارد - البطل"، ومن ثَمَّ فقد بدا لنا تكنيك "التماهي" الذي اختاره السارد في مرافقته للبطل، فهو هنا يتماهى معرفيًّا بالبطل؛ لينقل لنا فكرةً عن البطل، هي فكرة السارد ذاته، تلك الفكرة أنَّ بطله الفلاح يمتلك القُدرة على التعرُّف على خلفيَّة مُعاناته ورِفاقه الفلاحين، لكنه لا يمتلك القدرة على التغيير، إذًا السارد يضع بطله من أوَّل وَهلة على سكة المعرفة - مثله تمامًا - وهي دعوى أوليَّة لا بد أن تدخلَ في محكِّ التمحيص والفحص والاختبار، ومن ثَمَّ ستتجلَّى لنا حقيقتها وصِدقها.

 

إن علينا أن نُرافق "البطل - السارد" في رحلته مع "المكوِّن المعرفي"، حتى بلوغ مرحلة الاستواء، ولا بأْس أنْ نسرد مُجريات هذه الرحلة مختصرة؛ لنتمكَّن من الإحاطة بها من واقع السرديَّة ذاتها.

 

توسَّل السارد بعاملٍ خارجي - هو اختطاف عالية أُخت البطل - لينقله إلى المرحلة الثانية مرحلة "العيارة"، وذكرنا أنَّ هذا العامل الخارجي شكَّل حدًّا فاصلاً لا رَجْعة فيه للبطل؛ إذ سارَ البطل بعده بعيدًا عن ذاته في خطِّ السكة الحديد الذي وضَعه السارد، فيما ظلَّ السارد يلازم في الخط الموازي الآخر.

 

تحكي السرديَّة خُطوات البناء المعرفي للبطل مُبتدئة بالنقلة الأولى، والتي تضمَّنت أربعة نصوص سردية:

1- يتقدم ثمامة لخِطبة أُخت حمدان الصغرى راجية، يوافق حمدان من حيث المبدأ لحين التعرُّف تمامًا على ثمامة...، يمضي للسؤال عن ثمامة، فيكتشف أنه "عيَّار"[13].

2- يظهر حمدان غير ممتلك لفكرة محدَّدة عن العيَّارين؛ إذ إنه "استغرَب أن يكون مثل هذا الشاب الوسيم الطلعة الجميل البزَّة عيَّارًا"[14].

3- يبعث حمدان الردَّ لثمامة برفْض طلبه.

4- ثمامة يهدِّد حمدان ويتوعَّده وحمدان لا يعبأ؛ "لعِلمه أن جماعة الشطار لا يجدون عنده ما يطمعون فيه"[15].

 

هذه هي الخطوة الأولى التي ساق فيها السارد بطله في اتجاه المعرفة، إنه الاحتكاك المعرفي بالعيَّارين، وشد الانتباه لهم، كما أن السارد كشَف لنا المستوى المعرفي لبطله تُجاه العيَّارين، والذي تبيَّن منه:

1- محدوديَّة معرفة حمدان بالعيَّارين؛ إذ كيف يكون الإنسان جميلاً ويكون عيَّارًا في الوقت ذاته؛ "النص2".

2- تحديد موقفه من العيَّارين تبعًا لهذه النظرة، فيرفض طلب أحدهم زوجًا لأُخته؛ "النص3".

3- إظهار معرفته بالعيَّارين أنهم لا يهاجمون إلاَّ كبار المُلاَّك؛ "النص4".

 

يتناسب هذا المستوى المعرفي أو يقل مع المستوى العقلي لفلاح مُنهك مَكدود، ومشغول بتوفير لُقمة عيشة وأُسرته.

 

ولن نعرضَ للمُفارقة المعرفيَّة التي يَحشرها السارد حشرًا بواسطة "راجية" أُخت حمدان، والتي تدير مونولوجًا داخليًّا حول "ثمامة" وعيارته، ورفْض أخيها له، بما يكشف امتلاكها مستوًى معرفيًّا أكبر بالعيَّارين: قبولاً بهم، معرفة أساليب حياتهم ومغامرتهم، مبادئهم، أخلاقيَّاتهم، المخاطر التي تنتظرهم...إلخ، وهو ما لا نملك له تفسيرًا[16].

 

ولا لذلك المونولوج الآخر - الذي أداره عبدان خطيب عالية المخطوفة، والذي استغرَق ثماني صفحات من الصفحات العشر للوحدة السرديَّة الرابعة، والذي لا يقل كشفًا للمستوى المعرفي لعبدان، ليس عن العيَّارين وحدهم، بل وعن الحركات المسلحة الأخرى الخارجة عن السلطان.

 

لكننا سنعرض لبعض فقراته المتعلقة بالمستوى المعرفي لحمدان:

1- سماعه هو وحمدان عن أنباء ذلك الثائر في سباخ البصرة وجماعته من الزنج، "فكان هو وحمدان يحمدان الله على أن كان أهلهما بمنجًى منهم"[17].

2- حمدان لمن أشدِّ الناس عطفًا على هذه الطائفة من الناس؛ طالما ذكرها بخير، وطالما الْتَمَس لها المعاذير كلَّما ضاق صدرُه بمظالم الأغنياء وكبار المُلاَّك"[18].

 

يكشف لنا هذان النصان قدرًا أكبر من المستوى المعرفي لحمدان عبر ابن عمِّه "عبدان"، ولَم يكشف لنا السارد مثلها عبر صاحبها مباشرة، إن النصين يكشفان:

1- معرفة حمدان بإحدى جماعات الخروج المسلَّح على النظام، وهي جماعة "صاحب الزنج".

2- تعاطُف حمدان مع العيَّارين - جماعة خروج سرِّي - وبين التعاطف مع العيارين "النص الحالي"، والرفض لقَبول الزواج منهم "النص السابق"، تتَّضح مفارقة من نوعٍ آخرَ.

 

النقلة الثانية:

نص (1): "مضى أسبوع منذ اخْتفت عالية، لَم يهدأ لحمدان جنبٌ، ولَم يَقر له قرار، فقد اتَّصل بعامل قرية الدور، فأعْلَمه بالحادث؛ ليوعز إلى الشرطة بالبحث عنها"[19].

 

نص (2): "وبدا له أن يزورَ سيِّده ابن الحطيم؛ ليشكو له ذات أمره، ويستعين بجاهه ونفوذه"[20].

 

نص (3): "وكان حمدان قد تحرَّى قليلاً عن ثمامة فيما مضى...، فكان يسيرًا عليه أن يستأنفَ التحرِّي عنه...، واستطاع بعد لأْيٍ أن يعرف عصابة العيَّارين التي انضمَّ إليها ثمامة، ويعرف اسم رئيسها الشيخ سلام الشواف..."[21].

 

نص (4): "وتعلَّق أَمَله بعامل القرية ورئيس الشرطة من جديد؛ عسى أن يأتِيَه الفرج من قِبَلهما"[22].

 

نص (5): "وبلَغه ذات يوم أن ابن الحطيم في القرية، فخفَّ إليها وانْطَلق إلى قصره الكبير ليُقابله..."[23].

 

نص (6): "في قصر ابن الحطيم"[24]:

• حمدان: لولا بلادة هؤلاء الفلاحين، لَمَا استطاع مثلك أن يستمتعَ دونهم بثمرات كدِّهم، فيُقيم في مثل هذه القصر مُتقلبًا في أعطاف النعيم.

• قَيِّم القصر: هذا يقوله صاحب الزنج.

• حمدان: إن يكن هذا ما يقوله ذلك الرجل، فلمْ يقلْ إلاَّ صوابًا.

• حذارِ أن يعرفَ عنك التشيُّع لمذهبه فيَمسَّك الأذى.

• مالي ولصاحب الزنج؟ لا أعرفه ولا أعرف مذْهبه.

 

نص (7): "في قصر ابن الحطيم":

وانتظرَ حمدان في حجرة الاستئذان الخارجيَّة...، فوقَف يتأمَّل النقوش البديعة على جدران الحجرة مُحلاة بماء الذهب، والزخارف الدقيقة على الباب المنجور من الأبنوس الفاخر المطعَّم بالعاج الثمين، ترى كم بدرة من الذهب أنفقَ على هذه التصاوير والتخاطيط التي لا تكسو من عُري، ولا تُشبع من جوع؟...إلخ[25].

 

تلك سبعة نصوص خصَّص منها السارد نصيَّن؛ ليوضِّح موقف البطل من سيِّده الإقطاعي مالك الأرض "نص2، 5"، ونصَّين لكشْف موقفه من الحاكم الذي يمثِّله عامل القرية ورئيس الشرطة

 

"نص 4، 1"، والأربعة النصوص تكشف السذاجة السياسيَّة التي يظهر بها "البطل" "الفلاح" تُجاه أعمدة النظام الإقطاعي في البلاد "الحاكم - المالك".

 

كما تكشف حُسن النيَّة التي اتَّصف بها حمدان، وعدم حمْل أي فكرة سيِّئة أو حاقدة أو عدوانيَّة مُسبقة ضدهم، على الرغم من مشاعره الخاصة التي كشفَها السارد مطلع السرديَّة، والتي لَم تصلْ حدَّ الحقد أو الكراهية المطلقة.

 

النصان "3، 6" يكشفان الفرصة المعرفيَّة التي ساقَت البطل تجاه التعرُّف على إحدى الجماعات الخارجة على النظام "العيارين" "نص3"، كما كشَفت الأخرى تشابُه منطقه الرافض للظلم والاستبداد، مع منطق جماعة أخرى "صاحب الزنج" "نص6"، وذلك التشابُه يأتي تلقائيًّا على لسان البطل ودون قصْدٍ منه؛ إذ ينكر البطل أيَّ علاقة له بهذا الخارجي، أو أي معرفة به.

 

ويتَّضح أن السارد في النصين يسوق بطله؛ للتعرُّف والاتِّصال بجماعة العيَّارين كمرحلة أولى قبل أن ينقلَه إلى مرحلة الخروج الأخير، ومن ثَمَّ فهو يعزِّز في النَّصين علاقة الاتصال والمعرفة، فيما يغفل العلاقة مع جماعة الخروج المسلَّح، ويوحي فقط بتشابُه أفكار صاحبه بأفكار الجماعات كتمهيدٍ بين يدي التحوُّل الأخير.

 

النصان "6، 7": يعملان على تحرير المشاعر الساذجة للفلاح حمدان، وتنشيطها بخوْض تجربة مباشرة مع أحد أعمدة النظام القائم "مُلاَّك الأرض: سيده ابن الحطيم"، وهو مكوِّن معرفي يتولَّد بالتجربة الذاتية والتعلُّم الذاتي، وينجح هذا الموقف في رفْع حِدَّة التوتر وتنمية الرفض لدى البطل حمدان، والانتقال بمشاعره الحاسة بالظلم والامتهان إلى الرفض والإفصاح عن تلك المشاعر، كما أتاحَت له التعرُّف عن قُربٍ على مستوى الترف الذي يعيشه هؤلاء المُلاَّك على حساب الفلاحين، وكل هذه خُطوات معرفيَّة ستخدم التكوين المعرفي النهائي.

 

النقلة الثالثة:

نص (1): يحكي السارد فيه عودة حمدان من قصر ابن حطيم، وهو يشعر بالخِزي وخيبة الأمل: "ورأى ظلَّ السور ممدودًا، فما مشى فيه إلا قليلاً، حتى ازورَّ عنه إلى الشمس، مؤثرًا حرَّها على برده؛ كيلا يكون لهذا الغني اللئيم من فضْلٍ عليه[26].

 

نص (2): يلتقي حمدان في طريق عودته بأحد أصدقاء ابن عمِّه عبدان تاجر يواجه حانوته حانوت عبدان، فيدعوه الرجل ليستريح قليلاً عنده، ثم يتحدَّثان حول موضوع اختطاف عالية، وإذ بالرجل عبدالرؤوف يبكي، ويكتشف حمدان أنَّ الرجل مصابٌ مثله بخطف ابنته منذ ثلاث سنوات[27].

 

نص (3)[28]: يدور حوار بين حمدان وعبدالرؤوف:

حمدان: أما بلَّغت أمرها إلى الشرطة؟

عبدالرؤوف: بلى، ولكنَّهم ما أغنوا عني شيئًا.

 

نص (4)[29]: استمرَّ الحوار بين الرجلين وحمدان يسخط على الشرطة أن لَم تتمكَّن من العثور على "ريا" ابنة عبدالرؤوف، والقبض على العيَّارين الذين اختطفوها، فينفي له عبدالرؤوف مسؤولية العيَّارين عن خطْف ابنته، ويُبرِّئ ساحتهم ويَصفهم بالترفُّع عن مثل هذه الأعمال، ويتمسَّك حمدان بموقفه من العيَّارين، ويؤيد ذلك بما قاموا به - وعلى رأسهم ثمامة - من خطْفٍ لأُخته.

 

نص (5): عبدالرؤوف يؤكِّد لحمدان موقف العيَّارين وتعاونهم معه في الكشْف عن خاطف ابنته، ويَضع حمدان أمام مفاجأة أن مَن خطَف ابنته إنما هو مالك الأرض التي يعمل فيها حمدان؛ أي: سيِّده ابن الحطيم، ومع هوْل المفاجأة لا ينسى حمدان أن يقول:

• هلاَّ شكوته إلى السلطان!

فيرد عليه عبدالرؤوف بأنَّ الوالي ورئيس الشرطة يتستَّرون عليه كونهم: "من نُدمائه، وله عليهم أيادٍ وأفضالُ"[30].

فيُجيب حمدان:

• لماذا لَم تُشَهِّر به وتفضَح أمره في الناس؟

• ويردُّ عليه الرجل بأنه قد فعَل ذلك، فجاءَه غِلمان ابن الحطيم وهدَّدوه بالقتْل، فسَكت.

 

نص (6): عبدالرؤوف ينفجر باكيًا، ولَمَّا مسَح دمعه، نظَر إلى حمدان، فبَصُر بدمعتين تترقْرَقان في عينيه الحمراوين، فقال مشفقًا مرتاعًا: "وَيْحَك يا حمدان، إنك تبكي دَمًا"[31].

 

النص (7): قال حمدان وهو يتنهَّد: "يجب أن يثورَ الناس على هذه الحال"[32].

 

فالنص رقْم (1): يرمز إلى اتِّخاذ قرار داخلي من قِبَل البطل بالمفارقة للنظام القائم، وإن كان في ظلِّه الطمأنينة والراحة، واختيار الطريق الأشقِّ مع قَبول تَبعاته، إنه دَلالة على بداية التمرُّد والبحث عن الحريَّة، وإن كان طريقُها شاقًّا.

 

النص رقم (2): يُعطي المزيد من التجارب المأْساوية، وإضافة جديدة للمكوِّن المعرفي لحمدان، والتعرُّف على مآسٍ أخرى توسِّع دائرة الظلم والقَهر.

 

النص رقم (3): يعيد عرْض السذاجة المعرفيَّة لحمدان، وحُسن النيَّة تجاه الوضع القائم، والاعتماد عليه في الانتصاف للمظلوم، أو هو استثارة لمزيد من تأجيج المشاعر ضد الحاكم، والوصول إلى اليأْس من تحقيق نفْع منه، والتحوُّل إلى الحقد عليه.

 

النص رقم (4): عودة إلى عرض السذاجة المعرفيَّة بسلوك العيَّارين، واعتقاد أنهم هم الذين خطَفوا ابنة عبدالرؤوف، وهي دَلالة على أنَّ وعي البطل ما زال وليدًا في المهد.

 

النص رقم (5): يعطي البطل فكرةً بيضاءَ حول مسلك العيَّارين ومبادئهم، ويكشف سَوْءَة النظام القائم، أنه هو الذي يُمارس الخطف والانتهاك لحُرمات مواطنيه، ويظهر رَد الفعل الساذج للبطل باعتماده المستمر والمتكرِّر على السلطة، وكأن السارد يريد كشْفَ صورة المواطنة الصالحة لبطله الملتزم بالنظام واللجوء إليه كأسلوب حضاري في التعامُل.

 

كما يرمي النص إلى كشْف سوْءَة النظام وتقوية الدافع لاتِّخاذ موقف منه، وتأجيج الحقد عليه، إنه اتجاه لاستكمال العُقدة والبلوغ بالحَبكة مداها، ومن ثَمَّ تشكيل الوعي بضرورة مواجهة هذه السلطة، وهو ما تولَّد ابتداءً باعتماد "المواجهة الإعلامية" المتمثِّلة في التشهير بالنظام؛ وذلك لكشْف مساوئ النظام وممارساته.

 

النص (6): "عبدالرؤوف يبكي وحمدان"، هناك فرق واضحٌ بين بكاء عبدالرؤوف وصورة الدمع يترقْرَق دمًا في عيني حمدان الحمراوين، فعبدالرؤوف يبكي كمدًا، أما حمدان، فتتَرقرق عيناه بدمع أحمر يرمز للحَنق والحِقد والغيط الذي تكوَّن بالمعايشة لتجربة عبدالرؤوف المُرَّة، والتي هي تجربته هو أيضًا.

 

هذا الحقد المتولَّد من المكاشفات التي باح بها - كنتاج معرفي - عبدالرؤوف لحمدان، والتي ولَّدت بالقدر ذاته شعورًا بالعجز لدى حمدان عن مواجهتها أو إيجاد حلٍّ لها؛ مما استدعى انفجار ذلك الغيظ المكبوت المخنوق بدموع الحَنق، وبالتصريح النهائي المؤكِّد تخلق الوعي الثوري بشكلٍ صريح والمعبَّر عنه بالنص رقم (7): "يجب أن يثورَ الناس على هذه الحال".

 

النقلة الرابعة:

الخُطوات الثلاث السابقة كانتْ معايشة للواقع القائم برُكنيه "المال - السلطة"، خرَج منها البطل بمكوِّن معرفي زاخر، مكوِّن عملي تجريبي أكثر منه نظري، أمَّا الخُطوة الرابعة في اتجاه خلْق الوعي للبطل، وبناء التحوُّل، فقد ابتدأَتْ بشكلٍ مُكثَّف مع لقائه بالشيخ بهلول، ودخوله بيت عبدالرؤوف، وسيتكثَّف المكوِّن المعرفي ابتداءً من الآن.

 

النص (1): حمدان يطلب من عبدالرؤوف توصيلَه بأحد العيَّارين؛ ليتمكَّن من الوصول إلى معرفة مكان أُخته، كما صنَع عبدالرؤوف من قبل، عبدالرؤوف يأخذه إلى المسجد لصلاة الظهر، فيلتقيان بالشيخ بهلول السمرقندي، ثم يَعزمهما عبدالرؤوف لتناول طعام الغداء في منزله، وتدور مونولوجات داخليَّة وردود أفعال لحمدان، تكشف المراوحة بين الوعي واللاوعي، كما تكشف مستوى قُدراته العقليَّة بين الإدراك وعدمه، بين الذكاء الحاد وبُطء الفَهم، وهذه نماذج منها:

"أ"

"سالب" - ابتداءً من عدم القدرة على الربط بين طلبه من عبدالرؤوف بإيصاله بأحد العيَّارين، وبين توصيل عبدالرؤوف له إلى الشيخ البهلول[33].

 

"ب"

موجب - مرورهم على قصرٍ كبير "فعرَف حمدان أنه قصر الهيصم"[34].

 

"ج"

سالب - عدم تمكُّنه من فَهم ملامح الشيخ بهلول وهو ينظر قصر الهيصم.

"فإذا عيناه ترنوان جهة القصر...، وإذا شعاع غريب يتطاير منها تطايُر الشَّرر من الجمْر"[35].

وقبلها لَم يتمكَّن من تفسير خشونة أصابع الشيخ عند مصافحته له.

 

"د"

موجب - في منزل عبدالرؤوف: "وكان حمدان إذ ذاك يقلِّب عينيه فما يرى، فيأخذه العجب ألاَّ يَنِم منظر الدار من الخارج عمَّا في داخلها من النظافة والأناقة والمتاع"[36].

 

"هـ"

سالب - بعد كل تلك المشاهد ما يزال يحدِّث نفسه بعدم وفاء عبدالرؤوف له بجمْعه بأحد العيَّارين[37].

 

"و"

موجب - وهو ينظر إلى قصر الهيصم، إذ خطَر له أن ينطلقَ إلى القصر فيقتحمه؛ "عسى أن يجد أُخته عالية محبوسة في إحدى غُرَفه"[38].

 

"ز"

سالب - يتذكَّر أُخته، فيتنهَّد ويتحسَّر، ثم يقول: "لقد خطَفها اللص قبل زفافها"[39].

 

هل يمكن القول: إنَّ السارد يتهيَّب اللحظة الحاسمة؛ لنقل بطله إلى مصاف حَمَلة الفكر، الواعين بالتغيير، المقارعين للظلم ودولة الباطل عن علْمٍ، فهو متردِّد بين الإقدام والإحجام في تكوين بطله التكوين النهائي، رُبَّما لشعوره بألاَّ نكون قد اقتنعنا بمنطقيَّة بناء التحوُّل الذي مارَسه معنا سرديًّا في الخُطوات الثلاث السابقة، وألاَّ نكون جاهزين - مستعدين لتلقي الخُطوة قبل النهائية في هذا التكوين.

 

كما نقلَنا إلى مشهدٍ آخرَ تمهيدي كصاحبه، ذاك حين اتَّفق مع عبدان ابن عمِّه على أن يُمارس التثوير الإعلامي للناس بنشْر فضائح ابن الحطيم؛ مما دفَع ابن الحطيم لإرسال الشرطة للقبْض عليه، فانبَرى "الفلاح - الفارس" للدفاع عن ابن عمِّه، فقتَل التابع الذي جاء بالشرطة، ثم ثنَّى بالشُّرطيَّيْن[40]، وهكذا وقبل أن يسدلَ السارد الستار على المرحلة العيَّارية، تمكَّن من التوجُّه بصاحبه إلى المرحلة الثوريَّة عن طريق "المواجهة الإعلامية - المواجهة المسلحة".

 

وساعَد في هذا التحوُّل أنَّ حركة العيَّارين تشَرْذَمت وتلاشَت بعد مهاجمتها من قِبَل جنود الخليفة إثر اختطاف عاتكة أُخت ابن الحطيم، وكان حمدان قد حاوَل إحياء رُفاتها فما استطاع، خاصة بعد موت زوجته كمدًا وحسرة وهي في حالة ولادة؛ إذ كانتْ رافضة لحياة العيَّارين وسلوك زوجها؛ مما دفَعه إلى التوبة عن سلوك العيَّارين إثر صدمته هذه بوفاة زوجته.

 

تحوَّل حمدان إلى الزهد بعد وفاة زوجته، وكان هذا الزهد هو المدخل للتكوين النهائي لشخصيَّته؛ إذ تعرَّف على بقَّال في القرية كان شديدَ التعلُّق بالصالحين والاعتقاد بهم، وكان يصف لحمدان أحوالَهم وزُهدهم، ويطلب منه حمدان أن يعرِّفه بأحدهم، فيعرفه على الشيخ الأهوازي ذلك الذي "يصلي في اليوم خمسين صلاة، وأنه متقشِّف يسف الخوص، ويأكل من كسْبه، ويتصدَّق بكلِّ ما في يده"[41].

 

واستمرَّ حمدان يتردَّد على الشيخ الأهوازي والشيخ يحدِّثه، وينقل له الوعي والمعرفة، "حتى أحسَّ - لا يدري كيف أحسَّ - كأنه أصبَح اليوم بعد اتِّصاله بالشيخ أقربَ إلى نفسه الأولى قبل التوبة منه إلى نفسه بعدها، فقد أخَذ حمدان التائب المنكسِر يتضاءَل ويعود إلى مكانه حمدان "الثائر" "العنيف"[42].

 

بدأ حمدان "الثائر" إذًا يتخلَّق هنا، كما بدأ حسين الأهوازي - شيخه الجديد - بتلقينه مبادئ مذهبه الثوري الجديد: "مذهب القداحيين"، فعرَّفه بأنه يدعو لأحمد بن عبدالله بن ميمون القداح نائب الأمام المعصوم الذي سيُجري الله على يديه رفْع الظلم وتحقيق "العدل الشامل" في ظلِّ إمام غائب من آل البيت، وعلَّمه أنَّ من مبادئ الحركة كتمانَ السرِّ تقية من السلطان، وأن أتْباع الدعوة ينقسمون إلى قسمين: خاصة وعامة، والخاصة يُفضي إليها بسرِّ الدعوة للإمام المعصوم، والعامة يدعوهم للدخول في مذهب الشيخ، ويفرض عليهم أن يُصَلوا خمسين صلاة، وعلى الخاصة أن يدفعَ كلٌّ منهم دينارًا للإمام[43].

 

واتَّخذ الشيخ الأهوازي له اثني عشر نقيبًا، وجعل حمدان نقيبَ النُّقباء.

 

هيَّأ السارد فرصة كافية لبطله؛ كي يتلقى مبادئ المذهب الجديد؛ إذ جعَل الشيخ الأهوازي يَمرض، فيأخذه حمدان إلى داره؛ لتمرِّضه أُخته راجية، وهناك مكَث يدير لقاءاته مع الدُّعاة والأتباع؛ مما مكَّن لحمدان فرصة التعرُّف على أساليب الدعوة الجديدة وطُرق كسْب الأنصار لها، والتعرُّف على مبادئ الحوار والإقناع والتأثير على الأتْباع؛ إذ كان الشيخ الأهوازي فلْتة عصْره: "فقد رأى حمدان من بُعد نظره وَسَعة حيلته، وحُسن تدبيره للأمور...، ما زاده إعجابًا به وإيمانًا بنجاح دعوته، وكلفًا بتأييده ومُناصرته"[44].

 

لقد آمَن حمدان بالهدف الذي ترمي إليه هذه الدعوة الجديدة؛ إذ كان هو هدفه من قبل، "هؤلاء قوم يدعون إلى هدْم سلطان المال على هدى وبصيرة، ويسيرون في ذلك على خُطة عامة واسعة، لا تقتصر على بلد دون بلدٍ"[45].

 

كما أُعجِب بطريقتهم في التعامل في إصدار المال وتوريده بين فروع الدعوة ومركز الدعوة في "سلمية"، وذلك عن طريق كبار تجار اليهود؛ إذ يدفع الدُّعاة في البلدان لتُجَّار اليهود، فيستلمه مركز الدعوة، أو يرسل لهم مركز الدعوة عبر اليهود أيضًا: "وازداد إدراكًا لخطر هذه الحركة وإيمانًا بنجاحها"[46].

 

ذلك هو عرْض السرديَّة لمقدِّمات النقلة الأخيرة للبطل في مرحلته "الثورية"؛ إذ أتاحَت له التعرُّف على الشيخ حسين الأهوازي الذي لقَّنه مبدأ التغيير الشامل للنظام عبر الثورة عليه في إطار مذهب "العدل الشامل" الذي سيقوده إمام من آل البيت هو الإمام المعصوم... إلخ، ويتَّضح في السردية تذبذب من نوع آخرَ في هذه النقلة، تذبذُب في إيمان البطل بهذه المبادئ: "لَم يؤمن حمدان بالإمام المعصوم الذي يدعو إليه الأهوازي، ولَم يُكَلِّف نفسه عناءَ التثبُّت في أمره؛ ليتحقَّق من وجوده أو عدم وجوده، وإنما آمَن بالهدف الذي ترمي إليه هذه الدعوة الجديدة[47].

 

إنَّ السارد ما زال متماهيًا في بطله، فكلما رأى من البطل انطلاقًا في خَطه "التاريخي"، جرَّه إلى خطه "التخيُّلي"؛ ليكوِّنه وَفْق مبادئه هو وليس العكس؛ إذ إنَّ التشكيك في مبادئ القرامطة هي قناعة "السارد" وليس "البطل"، كما أنه ما زال متشكِّكًا من نجاحه في إقناعنا بتأهُّل بطله الفلاح عيَّارًا للمرحلة الثورية وَفْق مبادئ معقَّدة، وأفكار ثوريَّة، ونظام دقيق؛ ولذا فإنه قد قسَّم هذه المرحلة إلى جزْأَين:

1- مرحلة التهيئة للمذهب.

2- مرحلة الكشف لحقيقة المذهب.

 

وإذا كان الجزء الأوَّل من هذه النقلة قد هيَّأ السارد به بطله للدخول في مذهب القداحين عن طريق الشيخ الأهوازي، فإنه في الجزء الثاني أوْصَله للاطلاع على حقيقة المذهب عبر ابن عمِّه "عبدان"؛ إذ نرى الشيخ الأهوازي يخلي مكانه خوفًا من ملاحقة السلطان له، ثم يولِّي حمدان قيادة الدعوة بدلاً عنه، ويصل "عبدان" ليتولَّى منصب "فقيه الدعوة" الذي سيُسند "الراوي" له مهمَّة كشْف حقيقة الدعوة لحمدان، وهو مكوِّن معرفي شاق وخطير؛ إذ كيف سيتمكَّن ذلك الفلاح البسيط من فَهم واعتناق فكرٍ كهذا، وكيف سيقتنع بالإيمان بأفكار مثل تلك؟ بَلْه ممارستها في واقعه...، ومن ثَمَّ في دولته، هذا هو التحدي الذي عاشه السارد في التحول الأخير، والذي لَم يكتفِ بالتوسُّل بشخص واحدٍ للبطل، بل أسندَ المهمة لشخصين: الأول الأهوازي بدور أوَّلِي في التحويل، ثم يُخلي مكانه؛ ليستكمل آخر "عبدان" بقيَّة المهمة، وتبرز مهمة "عبدان" في تحويل حمدان من الإيمان النظري بمذهب العدل الشامل، إلى الإيمان العملي والممارسة والتطبيق.

 

ومذهب "العدل الشامل" الذي يُراد لحمدان أن يتمسَّك به: هو ألا يكون لأحدٍ الحقُّ في تملُّك شيء من المتاع أو المال، أو النساء أو الأرض...، وأن يكون الناس شركاءَ في كلِّ ذلك، ومعنى ذلك أن يتمكَّن عبدان فقيه الدعوة من إقناع حمدان قائد الدعوة بالتخلي عن الكثير من معتقداته الدينيَّة وسلوكيَّاته الإسلاميَّة التي لَم يكن - حسب السرديَّة - صاحب باعٍ فيها أو تعمُّق، إلاَّ أنها قضايا مسلَّمة حتى للمسلم العادي البسيط كحمدان الفلاح.

 

شقَّ "عبدان - السارد" طريقه في اتجاه التحوُّل، مستندًا إلى علاقة متينة تربطه بحمدان، فهو ابن عمه وكان خطيب أُخته المخطوفة، ورفيق مأْساته في فَقْدها، كما استند أيضًا للدور الذي ستلعبه "زوجة - خليلته" "شهر" في هذا المضمار في الإيقاع بالبطل، ولا يَخفى دور "راجية" أيضًا في الإجهاز على بقيَّة ما تبقَّى من مقومات شخصيَّة البطل "الفلاح" "المحافظ"، وتترابط المرحلتان: النظرية والعملية "الأهوازي - عبدان"؛ إذ تُعَدُّ المرحلة الثانية "عبدان" حصادًا للمرحلة الأولى "حسين الأهوازي"، والعرض السردي التالي سيوضِّح الصورة: تظهر "شهر" وهي تتفقد "راجية" المريضة، غير أنها تشكَّكت في أمرها، فما زالت بها حتى أقرَّت لها بأنها حامل من حسين الأهوازي، حين مكَث في منزلهم فترة مرْضه وفترة نشْره الدعوةَ، وتُطَمئنها "شهر" أنها ستعالج الموضوع مع حمدان، ويصل حمدان فتقابله "شهر" مُغرية له بملابسها وكلماتها، ويأتي عبدان فيقدمها له "هديةً" حين عرَض عليه أن يتركَها تُدلك جسمه وقَدَميه، فهو مُتعب من جهد الدعوة!!

 

ولَم يبقَ بعد ذلك - أمام عبدان - إلاَّ القليل من الجهد الحواري يديره مع حمدان؛ ليواجهه بحقيقة وقوعه مع "شهر"، وحقيقة وقوع أُخته مع حسين الأهوازي...، ومَهْمَا أظهَر السارد تخبُّط حمدان في ردَّات فعْله تجاه هذا الإسقاط، فلم يعدُ ذلك أن يكون مجرَّد تخبُّط مَن وقَع في الشرك أو الشبكة، فلا ينتهي به الأمر حتى يستسلم، وهكذا وقَع "حمدان"، خاصة بعد مصارحة عبدان بسقوطه هو قبله مع "شهر"، التي كان يعتقدها "أُخت" الداعية الكرماني الذي ضمَّ عبدان للمذهب، فطلب منه تزويجَها له، فمنَحه إياها دون زواج، وهذا هو سلوك المذهب، وتبيَّن له فيما بعد أنها ليستْ أُخت الكرماني، بل هي خليلته وهي إحدى الداعيات للمذهب.

 

وهكذا رصَد وساقَ السارد بطله للتحوُّل الأخير بانتمائه لمذهب القداحين، ثم بتكوينه لمذهبه مذهبِ القرامطة بعد ذلك، ومهما يكن، ومهما قلنا، فقد انتقَل السارد ببطله إلى المرحلة التكوينيَّة الأخيرة؛ حيث تحوَّل إلى قائد للدعوة: يكوِّن الجيوش، ويجمع المال، ويشتري السلاح ويُخزنه، ويُدرب الرجال، ويتهيَّأ لساعة الحسم التي واتتْه بعد أن بلَغ عددُ جيشه مائة ألف مقاتل، نهَض بهم إلى السواد، فهزموا جنود السلطان، واتَّخذ عاصمة ملكه "مهيماباذ"، وبدأ في تكوين دولته "دولة القرامطة".

 

المبحث الثاني: دراسة تقويمية لتكنيك التحول في بناء شخصية البطل:

في ضوء ما سبَق نستطيع أن نقول شيئًا في مدى موفقيَّة السارد باكثير في تكوين شخصية البطل حمدان، والانتقال به من طور إلى طور حتى البلوغ به منتهاه؛ إذ قد تبيَّنت لنا ملامح كل الخطوات التي رسَمها لصاحبه، وبإمكاننا تقويمها وتبيان قدر النجاح أو الإخفاق، وبيان مستوى السلاسة التي نقل بها صاحبه أو كمِّ الصعوبة التي تعرَّضت له عملية الانتقال.

 

ونستطيع إعطاء شهادة نجاح لباكثير في مرحلة التكوين الأولى، حين رسم ملامح "حمدان" "الفلاح"، ومنَحه من السِّمات الذاتيَّة الجسميَّة والنفسيَّة ما جعَله فلاحًا غير عادي، بل هو يحمل مشاعر الإحساس بالظلم والرغبة في الانعتاق منه، كما نجَح في رفع مستوى الدافعية للانعتاق والتحرُّر بجملة من المثيرات التي تعلَّقت بحمدان، ساقها عبر أحداث مؤلمة مسَّت عرْض بطله وكرامته وإنسانيَّته.

 

وليست المرحلة الثانية في التكوين بأقلِّ روعة من سابقتها، حتى مع ما اعتوَرَها من تذبذُبِ السارد في تثبيت مستوى الذكاء العقلي لبطله، فقد رأينا ذلك اليقين الثوري الذي أنهى به السارد لحظةَ التكوين الثانية، والذي ظهَر في عزْم البطل على التحوُّل الصريح من مرحلة "الفلاح" إلى مرحلة "العيَّار"، كما ظهَرت مُرونة الانتقال بمصاحبات فكريَّة "ثقافيَّة معلوماتيَّة"، وملاحظاتيَّة "المشاهدة لحياة العيَّارين" هيَّأت سلاسة الانتقال وسهولته.

 

ولعل المرحلة الثالثة التي أراد بها السارد نقْلَ بطله من مرحلة "عيار" إلى "ثائرٍ" هي التي اعتاصَت عليه ولو بنسبة ما.

 

السارد أراد أن يحوِّل بطله من "عيار" - يمتلك سمات الفارس المقاتل، وقد مكَّنه عبر سمات جسمية ونفسية وشخصيَّة من أداء هذه المهمة - إلى "ثائر" لا يحتاج إلى سمات الفارس فقط؛ إذ إنه ليس ثائرًا عاديًّا، بل ثائرًا يهدف إلى بناء دولة، وليست الدولة التي يريدها دولة تقليديَّة، بل دولة فكريَّة تمتلك أيديولوجيَّة غير تقليديَّة، ومن هنا جاء تهيُّب السارد، ذلك التهيُّب الذي لَمَسْناه في عدم ثقته بقناعة المتلقي في تقبُّل تلك النقلة، فجعل يرسم بطله مقدمًا - مُحجمًا في تبنِّي أيديولوجية الدولة الجديدة التي يريد بناءَها في ظلِّ فكرة "المشاعية" أو مذهب "العدل الشامل"؛ كما أسماه.

 

ولعلَّ السفر الثاني في السرديَّة، هو نتاج ذلك التهيُّب أو عدم الاقتناع؛ إذ صنَع السارد لبطله جسرًا يعبر به إلى المكوِّن الثقافي لدولة البطل، ذلك المكوِّن الذي يتناقض مع قِيَم الإسلام الفكرية والتشريعية.

 

صحيح أنَّ السارد نجَح في هدْم البناء "السلوكي" الإسلامي لبطله "الجانب المشاعي للمرأة"[48]، إلاَّ أنه لَم يتمكَّن من هدْم الجانب العَقَدي فيه، فظلَّ حمدان غير مقتنع تمامًا بتلك الأفكار التي لقَّنها له "حسين الأهوازي" داعية المذهب، وحينما شعَر السارد بعدم الموفَّقيَّة في "التحول"، صنَع الجسر الذي سيعبر به البطل ودولته إلى الأمام.

 

إن "الفارس" "القائد" "الثائر" هي السمات التي تنطبق سرديًّا على حمدان في تكوينه النهائي، تلك هي قناعة الراوي، وهي نتيجة لتكنيك "التماهي" الذي صاحَب ولازَم عمليَّة التحوُّلات المختلفة، والبناء التكويني المتنامي للبطل[49].

 

ومن هنا كان "الجسر - الفكر" المتمثِّل في عبدان هو المخرج المقنع، عبدان يتبنَّى الفكر "القداحي - القرمطي" لا يهمُّ؛ فهو شخصيَّة لا علاقة للسارد بها، كما أنها شخصيَّة ثابتة مرسومة بملامح محدَّدة، أفْرَغ فيها السارد كلَّ مساوئ مذهب القرامطة، وجعَلها الوجه الأخر لبطله، فحين ظلَّ حمدان يتألَّق بأحاسيسه ومشاعره الدفَّاقة تُجاه الناس والمجتمع، ورغبته الحقيقية "البريئة - الساذجة" في تخليص الناس من الظلم الواقع بهم، كان عبدان يتلوَّث بفكر الباطنيَّة والقداحيَّة، ومُختلف النِّحل والمِلل الهادمة لنقاء الدِّين وصفائه، وشعائره وشرائعه، وقِيَمه وأخلاقه، وكان هو "فقيه الدعوة" الذي ينظر للفكر "القرمطي"، ويؤلِّف الشرائع والأنظمة للدولة الجديدة ويسنُّ القوانين لها.

 

السفر الثاني هو "الفكر"، فكر "الثائر الأحمر"، لكن عبر ابن عمِّه "عبدان"، السارد توسَّل بعبدان؛ ليقوم مقام العقل لحمدان، وهيَّأ لعبدان فرصة التثقيف العقلي في بغداد بنقْله من قرية "الدور" في الكوفة، بعد حادثة القتل التي قام بها حمدان للشرطة الذين أرادوا القبض على عبدان، حين كان يفضَح ابن الحطيم، ويشنِّع بممارساته اللاأخلاقيَّة.

 

وهناك في بغداد يمكث عامين في حلقات العلم، ثم ينتقل إلى حلقات خاصة لجماعات تضمُّ مِللاً ونِحَلاً مشبوهة، كجماعة إخوان الصفاء، ثم يلتقي بجعفر الكرماني الذي ينقله إلى الفكر الباطني عبر جماعة القداحين، ويُعَلِّمه مذهبهم، ويتوسَّل بـ"شهر"؛ للإيقاع به في براثن مذهب "العدل الشامل"، ثم يتولَّى أمْرَ الدعوة في بغداد، ويكون مسؤولاً عن قطاع كبيرٍ من أرباب المِهَن والعامَّة، وينتقل بعدها إلى مركز الدعوة بـ"سلمية"؛ فرارًا مع الكرماني و"شهر"؛ ليتلقَّى الفكر من مَنبعه، ثم ينقله السارد وقد بلَغ درجة "فقيه الدعوة" إلى الكوفة؛ ليساعد حمدان في أمر الدعوة وتكوين الدولة.

 

هذا هو موضوع السفر الثاني بوحداته السردية الخمس، جاء عرضيًّا وتاليًا للسفر الأول الخاص بحمدان، وهو ما يؤكِّد ما ذكرناه من أنَّ السارد وقَع تحت ضغوط عدَّة في تكوين بطله، والتي رأينا أنها شكَّلت لَدَيه عقبة كأْداءَ، ومن ثَمَّ لجأ إلى "الجسر عبدان"؛ ليتجاوز تلك العقبة، ومن ثَمَّ تتكوَّن لدى "المتلقي" صورتان للفكر القرمطي، ولثورة القرامطة ودولتهم التي قادها وأسَّسها "حمدان".

• صورة حمدان: النقية - الغيورة على المجتمع - الثائرة ضد الظلم - البسيطة التفكير ...إلخ.

• صورة عبدان: الملوث بالفكر الباطني - الممارِس لمساوئ وسلوكيَّات الباطنيين - المنظِّر لهم بما يُعارض الدين...إلخ.

 

إنَّ عبدان هو الجانب المظلِم في شخصيَّة "حمدان"، وهو الجانب المظلم في فِكر الحركة القرمطيَّة، فيما مثَّل "حمدان" الجانب المشرق في هذه الحركة الساعية لرفْع الظلم عن الفقراء، وتوفير الحياة الحرة والعيش الكريم للفلاحين، بعيدًا عن الاضطهاد والاستعباد الذي يمارسه مُلاَّك الأرض وحُماتهم من الولاة، وهو ما فَهِمه حمدان من مبادئها وما وافَق عليه، بعيدًا عن تلك الأفكار التي تسعى لزعزعة العقيدة الدينيَّة والسلوك الإسلامي الذي مثَّله عبدان؛ لإظهار حقيقة المذهب القرمطي، وانحرافه عن الدِّين، هذا كله حقَّق للسارد هدفَه في استثارة تعاطُف "المتلقي" مع البطل في كلِّ مراحله، حتى وهو يسقط بين يدي عبدان "وشهر" و"راجية"، فقد أثارَتْ هذه "الحبكة - الحادثة" عاطفة "الإشفاق" عليه أكثر من إثارة "الكراهية".

 

الخاتمة:

بعدما انتهَت رحلتنا مع باكثير في سرديَّته، وصحبناه في صنيعه مع بطله "الثائر الأحمر" "حمدان"، نودُّ الوقوف على ما انتهى إليه ذلك المشوار من نتائج مستنبطة في ضوء مباحث ومنهج الدراسة، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

أولاً: تبيَّن من دراسة تكنيك التحول في بناء شخصية البطل، أن السارد قد اعتمَد على عدة مكونات في بناء بطله؛ منها: الذاتي "الجسمي والنفسي"، فقد أعدَّه نفسيًّا وصْفُه لشعوره تُجاه رفْض الظلم والرغبة في التخلُّص منه، أو الصورة الجسميَّة التي كوَّنها له مهيَّأة لتحمُّل أعباء التحول ومُتطلباته، كما كان لا بد من مزْج الذاتي بالموضوعي، فشكَّل جملة من المقومات الواقعيَّة الدوافع الموضعيَّة، المتعلقة بالنظام الإقطاعي وممارساته في زمن السردية، ومُمالأة السلطان وحمايته لهذه الممارسات القمعيَّة والاستغلاليَّة؛ لارتباطه بمصالح معها.

 

ثانيًا: استحوَذ المكوِّن المعرفي على تكنيك التحول؛ إذ إن الفكرَ هو محور دوران حبكة السردية ابتداءً وانتهاءً؛ حيث يتعلَّق الأمر ببناء دولة تقوم على فكرة وأيديولوجيَّة غير سائدة وغير مألوفة، وقد حاوَل السارد جاهدًا تسويغَ بناء التحوُّل المعرفي للبطل، كما حاوَل إقناعنا بتقبُّل ذلك التحول، غير أنه - السارد - نفسه لَم يكن مقتنعًا كليَّةً بإمكانيَّة حدوث ذلك التحول، وأنه لَم يرد للبطل تمثُّل التحول؛ لِمَا يمثِّله ذاك من انفصال بينهما "السارد - البطل"، وهو ما لَم يردَّه السارد؛ إعمالاً لتكنيك التماهي الذي اعتمدَه في التعامل مع بطله حمدان.

 

ثالثًا: يتأكَّد ما سبَق بإسناد المهمة الفكرية في الدولة الجديدة إلى البطل "عبدان"، فيما ظلَّ البطل قائدًا للدولة "يحمل سمات الفارس والجندي" بعيدًا - إلى حدٍّ مقبول - عن لَوْثة الفكر الباطني القرمطي القداحي، الذي تبنَّتْه دولته كأيديولوجيَّة لها، رغم سقوطه - أو إسقاطه - عمليًّا وسلوكيًّا في مَصيدته.

 

المصدر: من أبحاث (مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية)، المنعقد بالقاهرة في 18 – 21 جمادى الآخرة 1431هـ، 1 - 4 يونيه (حزيران) 2010م


--------------------------------------------------------------------------------

[1] انظر: "روايات علي أحمد باكثير التاريخيَّة "؛ د. أبو بكر البابكري، سلسلة إصدارات جامعة صنعاء لعام 2005م، الكتاب الثقافي رقْم 4 ط 2005م، وممن كتَب عنها د. عبدالعزيز المقالح في كتابه: "قراءة في أدب اليمن المعاصر ".

[2] "الثائر الأحمر "، ص4.

[3] أو قوله: "إنه ليسأل نفسه أحيانًا: أحرٌّ هو أم رقيق؟ "؛ "الثائر الأحمر "، ص9.

[4] "الثائر الأحمر "، ص6.

[5] "الثائر الأحمر "، ص45.

[6] "الثائر الأحمر "، ص45.

[7] "الثائر الأحمر "، ص48.

[8] "الثائر الأحمر "، ص8.

[9] "الثائر الأحمر "، ص45.

[10] "الثائر الأحمر "، ص44.

[11] "الثائر الأحمر "، ص5.

[12] "الثائر الأحمر "، ص8.

[13] تكوَّنت جماعات العيَّارين في العصر العباسي.

[14] "الثائر الأحمر "، ص19.

[15] "الثائر الأحمر "، ص20.

[16] خاصة وأنها بعدُ في السادسة عشرة من عُمرها.

[17] "الثائر الأحمر "، ص38.

[18] "الثائر الأحمر "، ص39.

[19] "الثائر الأحمر "، ص45.

[20] "الثائر الأحمر "، ص45.

[21] "الثائر الأحمر "، ص47.

[22] "الثائر الأحمر "، ص47.

[23] "الثائر الأحمر "، ص47.

[24] "الثائر الأحمر "، ص48 - 49.

[25] "الثائر الأحمر "، ص50.

[26] "الثائر الأحمر "، ص52.

[27] "الثائر الأحمر "، ص54.

[28] "الثائر الأحمر "، ص54.

[29] "الثائر الأحمر "، ص55.

[30] "الثائر الأحمر "، ص57.

[31] "الثائر الأحمر "، ص57.

[32] "الثائر الأحمر "، ص57.

[33] "الثائر الأحمر "، ص62.

[34] "الثائر الأحمر "، ص63.

[35] "الثائر الأحمر "، ص63.

[36] "الثائر الأحمر "، ص64.

[37] "الثائر الأحمر "، ص65.

[38] "الثائر الأحمر "، ص63.

[39] "الثائر الأحمر "، ص65.

[40] "الثائر الأحمر "، ص91.

[41] "الثائر الأحمر "، ص163.

[42] "الثائر الأحمر "، ص138.

[43] "الثائر الأحمر "، ص150.

[44] "الثائر الأحمر "، ص148.

[45] "الثائر الأحمر "، ص148.

[46] "الثائر الأحمر "، ص149.

[47] "الثائر الأحمر "، ص147.

[48] من خلال "شهر، وراجية".

[49] رأينا في هذا التكنيك الْتِصَاق السارد بالبطل، وملازمته له؛ مما مثَّل تماهيًا بين السارد والبطل، فغلَبت سماتُ السارد وأيديولوجيَّته سمات البطل وأيديولوجيَّته.

 

 

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3780606 عدد الزوار
914 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017