باكثير من نجومية القاهرة إلى صرخة "ذبحوني" قبل الرحيل
2012-03-30



أشهر من نار على علم، فهو شاعر وناقد وروائي، كرمه الزعيم العربي جمال عبد الناصر بمنحه وسام الفنون والعلوم من الدرجة الأولى، ومازحته أم كلثوم قائلة" يسمونك باكثير وأنت باقليل"إنه الشاعر العربي الكبير علي أحمد باكثير، الذي تنشر وكالة الشعر ملفاً وثائقياً عن حياته بمناسبة مرور نحو 102 أعوام على ميلاده، ملفاً يتضمن معلومات مثيرة وصوراً تنشر لأول مرة عن شاعرنا، لاسيما تلك المرتبطة بحياته في القاهرة حيث أطلق صرخته المدوية " ذبحوني" بعد أن حاصرته"الشللية" التي قاطعت جميع أعماله وهو ماجعله يشعر بالغربة في مصر وتفكيره بالهجرة إلى بريطانيا. فالمتابع لحياة باكثير يجدها مليئة بالتحدي والإصرار على النجاح، لكنها في نفس الوقت حياة لا تخلو من الحزن والألم، ففجيعته بوفاة زوجته وهي في غضارة الشباب دفعته إلى الهجرة ليستقر به المطاف في مصر وهناك بزغ نجمه وأشرق إبداعه.
باكثير...أندنوسيا...اليمن...مصر
ولد شاعرنا في عام 1910 م، في مدينة سوروبايا بأندنوسيا لأبوين يمنيين من حضرموت، وعندما بلغ العاشرة من عمره سافر به أبوه إلى حضرموت، لينشأ هناك نشأة عربية إسلامية مع إخوته فوصل مدينة سيئون بحضرموت في الخامس من إبريل 1920 م، وهناك تلقى علوم العربية والشريعة، كما برزت مواهبه مبكراً فنظم الشعر وهو في 13 ربيعاً من عمره. وعندما فُجع بوفاة زوجته التي غيبها الموت وهي في غضارة الشباب، تعرض لصدمة كبيرة فقرر الرحيل من حضرموت عام 1931م، متوجهاً إلى عدن ومنها إلى الصومال والحبشة ليستقر زمناً في الحجاز حيث قضى أكثر من عام متنقلاً بين مكة والمدينة والطائف. وفي الحجاز نظم قصيدته (نظام البردة) معارضاً بها قصيدة (البردة) الشهيرة للبوصيري وهو دون الخامسة والعشرين، كما كتب في الحجاز أولى مسرحياته الشعرية ( همام أو في بلاد الأحقاف) وطبعها في مصر أول قدومه اليها. فقد وصل مصر 1934م، والتحق بجامعة فؤاد الأول(القاهرة حالياً) حيث حصل على ليسانس آداب قسم اللغة الإنجليزية عام 1939م. وقد ترجم أثناء دراسته في الجامعة مسرحية ( روميو وجولييت) لشكسبير بالشعر المرسل، وبعدها بعامين ألف مسرحيته( أخناتون ونفرتيتي) بالشعر الحر، ليكون بذلك رائد هذا النوع من النظم في الأدب العربي. وقد عمل الفقيد بمجال التدريس خمسة عشر عاماً، ثم انتقل للعمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصلحة الفنون وقت إنشائها، بعدها انتقل إلى قسم الرقابة على المصنفات الفنية وظل يعمل في وزارة الثقافة حتى وفاته. وفي مصر تزوج باكثير عام 1943م من سيدة مصرية لها ابنة من زوج سابق، وقد تربت الابنة في كنف باكثير الذي لم يرزق بأطفال. وحصل على الجنسية المصرية بموجب مرسوم ملكي في 22-8 -1951م.كما حصل على منحة تفرغ لمدة عامين (1961-1963) حيث أنجز الملحمة الإسلامية الكبرى عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في 19 جزءاً، وتعد ثاني أطول عمل مسرحي عالمياً.حيث كان الفقيد أول أديب يمنح هذا التفرغ في مصر. كما حصل على منحة تفرغ أخرى أنجز خلالها ثلاثية مسرحية عن غزو نابليون لمصر (الدودة والثعبان - أحلام نابليون - مأساة زينب) طبعت الأولى في حياته والأخريين بعد وفاته.
إنتاجه الأدبي
لقد تنوع إنتاج باكثير الأدبي مابين الرواية والمسرحية الشعرية والنثرية، ومن أشهر أعماله الروائية ( وا إسلاماة) و( الثائر الأحمر)أما أعماله المسرحية فمن أشهرها( سر الحاكم بأمر الله) و( شهرزاد) و( مأساة أوديب) التي تُرجمت إلى الإنجليزية. كما كتب العديد من المسرحيات السياسية والتاريخية، أما شعره فلم ينشر أي ديوان في حياته وتوفي وشعره إما مخطوط وإما متناثر في الصحف والمجلات التي كان ينشره فيها. وقد أصدر الدكتور محمد أبوبكر حميد عام 1987م، ديوان باكثير ( أزهار الربى في أشعار الصبا) ويحوي القصائد التي نظمها في حضرموت قبل رحيله عنها.

أم كلثوم ممازحة باكثير : يسمونك باكثير بينما أنت باقليل !

ولقد شاء حظ هذا الأديب العربي البارع أن ينضم إلى قافلة الشعراء العرب الذين تغنت بكلماتهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم، بل وكانت قصته المشهورة "سلامة" هي أحد أفلام سيدة الغناء العربي الذي مثلته في عام 1944! كما غنت السيدة أم كلثوم قصيدة (قالوا أحب القس سلامه) التي لحنها الموسيقار رياض السنباطي ضمن أغاني الفيلم التاريخي ( سلامة ).وعلى الرغم من قلة ما غنته أم كلثوم للشاعر والأديب اليمني علي أحمد باكثير إلا أنها مازالت تحظى باهتمام قطاع عريض من المستمعين من عشاق صوت وفن أم كلثوم، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أنها ارتبطت بأحد أدوارها السينمائية المشهورة. ويقول الكاتب الكبير وديع فلسطين ،حول موقف طريف حصل لباكثير وهو يلتقي لأول مرة بالسيدة أم كلثوم :
"يسمونك باكثير بينما أنت باقليل!" كانت هذه هي دعابة المطربة أم كلثوم عام 1975، عندما طلبت رؤية مؤلف رواية (سلامة القس) قبل تمثيل دور البطولة فيها إذ كانت تتصور الأديب علي أحمد باكثير ضخماً كاسمه فلما رأته قصير القامة خجولاً يتعثر في بداوته مازحته بهذه العبارة جرياً على مألوف عادتها في التنكيت والمداعبة. ولعل هذه كانت المرة الأولى والأخيرة التي رأى فيها أم كلثوم رأي العين بسبب ما تركب في جبلته من انطوائية موروثة من أيام البداوة الأولى فصار يجفو مجتمعات الفن ولا يغشاها إلا وهو يقدم رجلاً ويؤخر أخرى في حين كان غيره من المؤلفين والروائيين والمسرحيين يحشرون أنفسهم في هذه المجتمعات كيما يتأتى لرواياتهم ومسرحياتهم أن تعرف طريقها إلى الشاشة العريضة أو الصغيرة أو خشبات المسارح.
جمال عبد الناصر يمنحه وسام الفنون والعلوم من الدرجة الأولى

لقد أحب باكثير مصر وكتب عنها ولها العديد من الروايات والمسرحيات والقصائد الشعرية،وقد تم منحه الجنسية المصرية بمرسوم ملكي عام 1951, وهناك في مصر ذاع صيته ،فلم يكتب الشعر فقط الذي أحبه منذ الصغر ، بل أنه كتب أيضا القصة والرواية والمسرحية الشعرية والمسرحية النثرية, وأيضاً كتب في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والدينية, حتى بلغت أعماله حوالي سبعين كتابا بين الشعر والقصة والمسرحية والرواية.وهو مادفع الزعيم العربي جمال عبد الناصر إلى تكريمة من خلال تسليمه وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى عام 1963 م, ثم حصل على وسام عيد العلم ووسام الشعر في السنة نفسها، نظير كل تلك الجهود المتميزة والمسيرة الطويلة في الإبداع والعطاء.

منزل باكثير الذي تحول إلى ورشة لتصليح السيارات

كان الفقيد أثناء إقامته بحضرموت يسكن في دار اشتراها وأطلق عليها اسم (دار السلام). وبقيت الدار في ملكه حتى وفاته ورفض بيعها رغم إقامته في مصر. وآلت الدار بعد وفاته إلى أشقائه في أندنوسيا الذين باعوها لإخوتهم غير الأشقاء في حضرموت. وللدار قصة لا تخلو من مرارة، فالدار التي نشأ فيها وعاش فيها باكثير صدر شبابه الأول في مدينة سيئون بحضرموت تحولت إلى أطلال بعد أن رحل عنها الساكنون وعرضت في سوق العقار المحمومة للبيع على أمل أن تتكرم إحدى المؤسسات الثقافية الرسمية أو الخاصة بشرائها وتحويلها إلى متحف يضم تراث الأديب الراحل وتكون منارة للأدب والثقافة في عاصمة الأحقاف التي كتب لها باكثير باكورة أعماله المسرحية (هُمام أو في عاصمة الأحقاف).فرغم مغادرة باكثير لحضرموت إلى مصر ،إلا أنه ظل محافظاً عليها ورفض بيعها رغم الإغراءات وعروض البيع التي تلقاها لكنه في كل مرة كان يرفض رفضاً قاطعاً.
لكن المأساة حصلت عام 1972 ، فبعد وفاته عام 1969م آلت ملكية الدار إلى إخوته الأشقاء المقيمين بإندنوسيا، وبعد ذلك اشتراها أخواه غير الشقيقين عمر وعبد الرحمن المقيمان بحضرموت بهدف الحفاظ عليها. ولما كانا يملكان بيتين غيرها فقد ظلت الدار خالية حتى عام 1972م حيث أممته الحكومة الاشتراكية آنذاك.فتم إعطاء المنزل لأحد الأشخاص ليستخدمها كسكن ،لكن الأخير أستخدمها مقراً له وحولها إلى ورشة لتصليح السيارات ،حيث ظلت الدار على هذا الحال نحو 13 عاماً .
يبكي زوجته شعراً

وقد واجه الفقيد العديد من الصدمات في حياته، لكن وفاة زوجته أدخله في حزن كبير حيث توفيت بعد زواجه منها بفترة قصيرة وبعد أن رزق منها بطفلة توفيت أيضاً، حيث كان باكثير قد أنتظر طويلاً لتحقيق أمله من الزواج من هذه المرأة التي أحبها، وقد كان هذا من أسباب تعجيله بالخروج من بلاده نشداناً لنسيان هذه التجربة المريرة، فرثاها بقصيدة ( الحب والموت)
نسف اليأس نفسي
بعد موت حبيبي
آه أو آه يارباه
برد لهيبي
ورب فرج همومي
رب وأكشف كروبي
لا تدعني نهباً
بين أيدي الخطوب
يرثي صديقيه حافظ إبراهيم وأحمد شوقي

وقد تأثر الشاعر والناقد باكثير تأثراً كبيراً لوفاة زميليه شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي غيبه الموت 1932م،فيما توفى بعده بنفس العام أمير الشعراء احمد شوقي ،حيث كان باكثير في ذلك الوقت بمدينة عدن ،وكان ينوي زيارة حافظ وشوقي بمصر ،إلا أن الأقدار سبقته إلى ذلك، الذي رثاه بقصيدة مطلعها:

قد كنت أؤثر أن تقول رثائي
يا منصف الموتى من الأحياء

أما باكثير فيقول في قصيدة تقليدية:
شعراء الجزيرة أبكوا جميعاً
أنتم اليوم ويحكم أيتام
إن شككم فيمموا قبلة الشعر
تروها وليس فيها الإمام
أو فزوروا أميركم تجدوه
شهادات عن زيارته لمدينتي عدن وحضرموت

يروي الفنان والباحث اليمني صالح التوي ، بعض من تفاصيل زيارة الشاعر والناقد باكثير لمدينة عدن " حيث يشير إلى أنه بعد مرور شهر فقط من وفاة زوجته وصل باكثير إلى عدن قادماً من سيئون بحضرموت وهو حزين، فمسح في مدينة عدن دموعه وفقد همومه بعد أن طاب له المقام فيها وعشقها وواسته في أحزانه صداقته الرائعة لمحمد علي لقمان، فألف فيهما وعنهما ديواناً شعرياً أسماه "سحر عدن وفخر اليمن" وفخر اليمن هو اللقب الذي أطلقه أمير البيان شكيب أرسلان على الأستاذ محمد علي لقمان، وقد دامت زيارة باكثير لعدن من 25/6/1932م إلى 25/2/1933م.
وإلى جانب ما حفل به الديوان من قضايا وطنية واجتماعية، فقد حفل أيضاً كما يقول التوي بما أودعه فيه باكثير من سجل وجداني ولوحات رائعة للحياة الثقافية في عدن في تلك الفترة وما شاهده فيها من أنشطة شارك فيها باكثير بشكل حميم، وقد كان باكثير موضوع احتفاء وتقدير أدباء عدن ومثقفيها، وخصوصاً لقمان الذي خصه بتقدير واهتمام ورعاية كبيرة وفيه يقول باكثير:
وحسبكم بلقمان خطيباً في الجماعات
يقيم النهضة الكبرى بعزم قاهر عاتي

وحول زيارة الفقيد لحضرموت بعد غربة إمتدت نحو 38 عاماً، يقول الشاعر سالم زين باحميد:

في مطلع عام 1968م عرفنا من أخويه عمر وعبد الرحمن أنه يعتزم زيارة الوطن .. وظللنا نرقب هذا الحدث الأدبي العظيم .. وفي محرم سنة 1388هـ الموافق ابريل 1968م وصل الشاعر الأديب المفكر علي أحمد باكثير إلى مدينة سيئون بعد غربة متواصلة امتدت 38 عاماً. وإذا نحن أمام هذا العبقري الذي طالما حلمنا بلقائه ومشاهدته والجلوس معه وإذا بالحلم يتحقق ، وإذا الأستاذ علي أحمد باكثير أمامنا نشاهده ونسمعه ، وكانت مدة إقامته على قصرها حدثا أدبيا متصلا .. ، وكان لي شرف المثول أمامه في الحفل الذي أقيم له عصر يوم وصوله في بيت أخيه عمر أحمد باكثير بمدينة سيئون ، وقد شارك في الحفل عدد من شعراء مدينة سيئون.. ،حيث شاركت بقصيدتي (رائد الشعر الحر) التي ألقيتها أمامه.
مُهنئاً بالاستقلال من الاستعمار البريطاني

الشيخ عمر بن محمد باكثير" ابن عم باكثير" أرخ للزيارة التاريخية التي قام بها باكثير إلى مدينة سيئون بحضرموت قادماً من القاهرة ،فهو يشير إلى أنه في شهر محرم من عام 1388هـ الموافق شهر ابريل من عام 1968م ، قدم باكثير إلى أرض وطنه بعد اغتراب طويل ، ليرى ويهنئ أبناء وطنه وقد انتزعوا استقلالهم وحريتهم من الاستعمار البريطاني ،حيث كان وصوله إلى سيئون يوم الثلاثاء 11محرم 1388هـ فخرجنا إلى المطار لاستقباله ، وكان يوم وصوله يوماً لم تشهد سيئون بمثله من أيام الفرح والسرور هرع إلى مقره الناس من كل حدب وصوب زرافات ووحدانا ، وكلهم كانت تلهج ألسنتهم بالبشرى والهناء ، والكل كان يتطلع إلى رؤيته حتى ضاق المحل بالمرحبين .

باكثير والنظرة الأخيرة!

ففي ساحة القصر السلطاني الداخلية أقام مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل بسيئون يوم 8 مايو 1968م حفلاً ترحيبياً تكريمياً حاشداً للأستاذ علي أحمد باكثير الذي ألقى فيه خطاباً شاملاً استهله بالشكر لكل المواطنين الذين ضاقت بهم ساحة القصر قائلاً لهم : ( إني لأتمنى لو أستطيع أن أسرّ إلى أذن كل واحد منكم كلمة شكر ، حتى يشعر أنه هو وحده المشكور ، إنني آسف على كثير مما مضى من عمري ، وجعلني أخجل من التقصير الذي كان مني في ماضي أيامي في حق هذا الوطن الحبيب ، إني أسميه تقصيراً لأنه شغلني عن هذا الوطن الحبيب مدة من الزمن ، مدة طويلة ، جعلت كثيراً ممن كنت أعرفهم غير موجودين في الأحياء اليوم ، أجل .. إني لأعد ذلك تقصيراً مني ، لكني أحب أن تلتمسوا لي المعذرة ).
ثم تحدث عن الاستعمار وأعوان الاستعمار ، ومآسي الاستعمار في البلدان التي حكمها وشن هجومه على أولئك الذين يعتقدون أن الأمة العربية لا تستطيع أن تعيش في غير ظل المستعمرين ..." يقول الشيخ عمر بن محمد باكثير ( في 18 صفر 1388هـ الموافق يونيو 1968م غادر الأستاذ علي أحمد باكثير سيئون إلى عدن ومنها إلى القاهرة ، وخرجنا بمعيته إلى مطار الغرف فودعناه ولم ندر أنه الوداع الأخير، فهذه كانت آخر نظرة إليه رحمه الله تعالى وأسبغ عليه كنف فضله ورحمته ورضوانه )

الدكتور عبد الحكيم الزبيدي :باكثير تنبأ بقيام دولة الكيان الصهيوني

الشاعر الدكتور عبد الحكيم الزبيدي الذي ظلَ باحثاً ومنقباً في إبداعات باكثير على مدى عشرين عاماً، يشير إلى أن الفقيد ترك تراثًا أدبيًّا ضخمًا نُشر منه ما يقرب من ثمانين مسرحية وخمس روايات والمخطوط أربعة دواوين شعريَّة تنتمي لمراحل حياته الأربع: ديوان أزهار الربا في شعر الصبا شعره في المرحلة الحضرمية، ديوان سحر عدن وفخر اليمن شعره في المرحلة العدنية، ديوان صبا نجد وأنفاس الحجاز شعره في المرحلة السعودية أما أكبر دواوينه فهو ديوان وحي ضفاف النيل ويضمُّ شعر بقية حياته في مصر.ويقول الزبيدي ،بأنه على الرغم من أن باكثير لم يصدر دواوين شعرية في حياته، إلا أنه يعدُّ رائد الشعر الحر بإجماع الكثير من كبار النقاد أمثال الدكتور عز الدين إسماعيل وباعتراف بدر شاكر السياب نفسه، وذلك بعد ترجمته لمسرحية روميو وجولييت سنة 1936م، وتأليفه مسرحية إخناتون ونفرتيتي سنة 1938م الشعريتين.

ويضيف الباحث والشاعر الإماراتي الكبير الذي يعد مؤسس موقع الأديب باكثير في كتاب "الرافد" الذي صدر عن مجلة الرافد الإماراتية "أما في الرواية، فيعدّ باكثير رائد الاتجاه الإسلامي في الرواية العربية التاريخية، وقد أنتجت له السينما ثلاثًا من رواياته أصبحت من أشهر الأفلام السينمائية وهي (وا إسلاماه) و(الشيماء) أخت الرسول صلى الله عليه وسلم في الرضاعة و(سلَّامة) الفيلم الذي مثلته أم كلثوم، أما في المسرح فباكثير رائد المسرحية السياسية في تاريخ المسرح العربي، وأهم أديب عربي تناول قضايا الأوطان العربية والإسلامية وكفاحها ضد الاستعمار، وهو الذي تنبَّأ بقيام دولة الكيان الصهيوني بثلاث سنوات في مسرحيته الشهيرة شايلوك الجديد التي صدرت سنة 1944م، وهو أكثر أديب عربي تناول قضية فلسطين في خمس مسرحيات منها التوراة الضائعة، وإله إسرائيل، وشعب الله المختار"

وديع فلسطين: الفقيد شعر بالغربة في مصر وشكا من "الشلل" التي قاطعت أعماله !

تشير العديد من الكتابات التي حصلنا عليها، تعرض الفقيد إلى الكثير من المضايقات في آخر عهده بمصر ،وهو مادفعه إلى التفكير بالسفر من مصر إلى بريطانيا ، بعد شعوره بالغربة ، بل ووصل الحال به إلى إطلاق صرخته "لقد ذبحوني" حيث يقول الكاتب الكبير وديع فلسطين " زار مصر في عام 1968 شاعر عراقي تربطه بباكثير صداقة فرغب في تكريمه في مأدبة غداء في جزيرة الشاي بحديقة الحيوان بالقاهرة ، ودعا مجموعة من أصدقائه للمشاركة في هذه المناسبة، وكنت من جملتهم . وفي صباح يوم التكريم هاتفني باكثير قائلاً : هلا مررت علي مبكراً فنتوجه سوية إلى الحديقة لأنني أريد أن أفضفض عما في صدري إليك قبل أن يتوافد المدعوون فرحبت باقتراحه، ولا سيما لأني كنت بدوري راغباً في الفضفضة إليه بما يعتمل في صدري، وعندما انفردنا في الحديقة قال لي، وكأنه يفضي إلي بشهادته الأخيرة ، إذ لم نلتق بعد ذلك لسفري إلى الخارج بنية عدم العودة ولوفاته بعيد ذلك في العاشر من تشرين الثاني (نونمبر 1969) وأسر إلي باكثير وهو يشعل غليونه قائلاً :

"ستكون شاهدي ذات يوم ، فلا تكتم الشهادة، تعرف أنني عشت في مصر معظم عمري، وتجنست بجنسيتها، وشاركت في الأنشطة التربوية مدرساً، وفي الأنشطة الثقافية عموماً، ولكنني بت أستشعر، ولا سيما في هذه الأيام، بغربة شديدة ، ولهذا قررت السفر إلى إنكلترة للإقامة والعمل هناك بلا عودة. وأنت تعرف أنني أجيد اللغة الانكليزية بحكم دراستي إياها في قسم اللغة الإنكليزية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة الآن) كما أنني أطلعتك على بعض مسرحياتي التي نقلتها بنفسي إلى اللغة الإنكليزية، وكنت راضياً عنها. وفي نيتي أن أحاول إقناع أصحاب الفرق المسرحية في لندن بتمثيلها هناك بعدما أعيتني محاولات تمثيلها هنا. كما أن لي صلات ببعض المستشرقين الإنكليز الذين أبدوا استعداداً للاستعانة بي في التدريس الجامعي".

وشكا علي أحمد باكثير من "الشلل" التي قاطعت جميع أعماله لأنها تستوحي قضايا عربية إسلامية وطنية بدعوى أنها أعمال رجعية، وقال إنه عاجز عن أن يقتحم الدائرة المحكمة بسبب منابته غير المصرية، ولأن طبيعته لا تتسم بالشراسة المطلوبة لتحقيق هذا الاقتحام، يضاف إلى هذا أن وظيفته الحكومية في مصلحة الفنون، التي تحولت بعد ذلك إلى وزارة الثقافة ، لا تهيئ له أسباب العيش الكريم . وبقدر تعاطفي مع علي أحمد باكثير في كل ما قال، لأنني كنت أتابع كمراقب أو متفرج الحركة الثقافية في مصر، فقد نصحته بألا يقفز قفزة في الظلام ، بمعنى أن يترك عملاً دائماً على أمل أن يجد عملاً بديلاً في بلد غريب ، وأشرت عليه بأن يجري اتصالات مبدئية بالجهات الثقافية والفنية في العاصمة البريطانية عساه يوفق إلى عمل أو وعد بعمل قبل الإقدام على الهجرة النهائية.
وتواعدنا على أن نلتقي في أي عاصمة من عواصم العالم، إذ كنت بدوري أتأهب للالتحاق بعمل في الخارج فراراً من البطالة القاتلة و نشداناً للكرامة مع الحرية . ومن أسفٍ أننا لم نلتق بعد ذلك لأن عمره اختصر قبل أن يبلغ الستين .

ويضيف وديع فلسطين في كتاب (وديع فلسطين يتحدث عن أدباء عصره )الصادر عن دار القلم بدمشق " بمجرد وفاته، أقام صاحب البناية التي كان يستأجر فيها شقة تطل على النيل من زاوية، دعوى طرد على أسرة باكثير، واستصدر فعلا حكما بذلك بادر بتنفيذه بالقوة الجبرية، فألقيت كتب باكثير وأوراقه ومتعلقاته خارج البيت، فكانت هذه المعاملة "آخر تحية" وجهت إلى باكثير."!

الدكتور شهاب غانم :الراحل ذاق أواخر حياته " الأمرين في مصر" !

وفي إحدى مقالته ،أشار الدكتور شهاب غانم ،بأن باكثير ذاق الأمرين في أواخر حياته في مصر حتى أطلق صرخته الشهيرة “ذبحوني” وذلك بعد أن تآمرت عليه بعض القوى في مراكز الثقافة والإعلام نظرا لاتجاهه العروبي الإسلامي فحاولت خنق صوته مما جعله يفكر في العودة إلى حضرموت والهجرة ، بل انه عاد ليدرس الموضوع والتقيته في زيارته لعدن في أواسط الستينات بمنزل والدي د. محمد عبده غانم في جلسة غنية بالفكر.

المقالح:نأسف لعدم إصدار باكثير ديواناً شعرياً واحداً خلال حياته
الشاعر الدكتور عبد العزيز المقالح ،وصف رحيل باكثير بالخسارة الكبيرة ،مشيراً بأن الفقيد كان مبدعاً عظيماً ،ولفت إلى أن الراحل بدأ حياته الأدبية يهفو إلى الشعر ،باعتباره الفن اللغوي القريب إلى نفسه والمعبرة عن عواطفه ، ثم تحول عنه تماماً إلا من استثناءات نادرة إلى كتابة الرواية . وقال المقالح بمناسبة مرور مائة عام على ميلاد الشاعر والناقد والروائي علي باكثير " ولا استبعد في هذا الصدد أن تكون علاقته الوثيقة والحميمية ومنذ وقت مبكر بعدد من الروائيين في مصر أمثال نجيب محفوظ وعبد الحميد جودة السحار ومحمد عبد الحليم عبد الله وغيرهم من الروائيين غير المتعلقين بالشعر قد أبعدته عن حبة الأدبي الأول وان ذلك المناخ قد وضعه في هذا الأفق الجديد ودفعه إلى العناية بالأعمال الدرامية في شكلها الروائي والمسرحي"
وأضاف" لم يكن خافياً أن كثيرين من الشعراء والمجددين منهم بخاصة كانوا يتوقعون على يده فتحاً شعرياً يضعه في طليعة شعراء عصره، لا سيما بعد أن اثبت موهبته في ريادة تحديث القصيدة والخروج بها من قبضة القالب العمودي الموروث"
وفي جانب آخر نرى المقالح يأسف ،لعدم إصدار باكثير ديواناً شعرياً واحداً في حياته ،رغم إصداره عشرات المسرحيات والروايات ، لولا أن تصدى لهذه المهمة الشاقة الدكتور محمد أبو بكر حميد الذي أمضى 25 عاماً باحثاً ومنقباً عن كل صغيرة وكبيرة في حياة باكثير وأدبه، على حد قوله.ويعتبر المقالح أن الاعتراف بريادية باكثير في الشعر الحر ظل منسياً وبعيداً عن متناول قراء الشعر العربي الحديث، رغم أنه الوحيد المعترف له إجماعاً بريادة التجديد الشعري من رواد التجديد أنفسهم وفي طليعتهم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة.
وقد توفي باكثير في مصر في غرة رمضان عام 1389هـ الموافق 10 نوفمبر 1969م، ودفن بمدافن الإمام الشافعي في مقبرة عائلة زوجته المصرية، حيث كانت أغلى أمانيه أن يتوفى ويدفن في مصر.

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3775888 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017