إسهامات باكثير النقدية المبكرة وتطورها
2012-04-01

إسهامات باكثير النقدية المبكرة وتطورها
أحمد هادي باحارثة

علي أحمد باكثير شاعرٌ كبير وناثرٌ شهير، لا يُمارِي أحدٌ في ذلك بل الجميع يشهَدُ له بالنُّبوغ والعُلوِّ في كلٍّ من أعماله الشعريَّة والنثريَّة، وإنَّ إنتاجه الغزير في كلا المجالين لَخيرُ شاهدٍ له على ذلك، لكنَّني عزمت في هذه العجالة أنْ أسلُك مسلكًا عند باكثير قلَّ مَن التفت إليه؛ وهو كتاباته وآراؤه في النقد الأدبي، وإنَّ له لآراءً نقديَّةً سجَّلَها في كتابه "فن المسرحيَّة من خلال تجاربي الشخصية"، وكتابه المخطوط "شعراء حضرموت"، وفي مقدمات أعمال شعريَّة بعضها له كمقدمتي مسرحيَّة "روميو وجولييت" ومسرحيَّة "أخناتون ونفرتيتي"، ومقدمة ديوان الشاعر المصري صالح علي الشرنوبي، ثم في جمهرةٍ من المقالات والحوارات في صحف ومجلات مُتعدِّدة ولا سيَّما المصريَّة منها، وبطبيعة الحال كان بعض نقدِه مُوجَّهًا تجاه الشعر، وسائره - وهو الأكثر - مُوجَّهًا نحو النثر ولا سيَّما المسرحيَّة والرواية. 

إنَّ باكثير كان ذا ثقافة مزدوجة جمعَتْ بين الاطِّلاع على كتب التراث التقليديَّة والكتابات المعاصرة، وكان لذلك أثرُه على نقده للشعر ورُؤيته له، وخيرُ مَن يروي لنا مكونات باكثير الثقافيَّة التقليديَّة في حضرموت هو ابن عمه وشريكه في المسيرة الأدبيَّة عمر بن محمد باكثير، وكان ممَّا قاله مُعدِّدًا ما قرآه معًا: "أمَّا القراءات في كتب العلم والأدب فقد قَرأنا كتبًا كثيرة في النحو والفقه، قرأنا في النحو "القطر" و"الشذور"؛ لابن هشام الأنصاري، وابن عقيل على الألفية، وفي الأدب قرأنا كتبًا كثيرة منها: "أدب الكاتب"، و"أمالي المرتضى"، و"الكامل"؛ للمبرد، وكثيرًا من مختارات البارودي، وكثيرًا من دواوين الشعراء؛ ديوان أبي تمام والبحتري وأبي الطيب المتنبي... بعد ذلك أُولِعنا بأدب العصر؛ مثل ديوان شوقي وحافظ، وشعراء العصر في ذلك الوقت كشعر ابن شهاب الحضرمي، وكتب المنفلوطي كـ"العبرات والنظرات"، و"جواهر الأدب"؛ للهاشمي وغير ذلك"[1]. 

فتلك هي الكتب التي شكَّلت أساسات باكثير الأدبيَّة، وخطَّت مسيرته الشعريَّة، وصبغت كثيرًا من آرائه النقديَّة، وكان باكثير ولوعًا باستِيعاب كتب التراث الحضرمي في الأدب وجمعها وانتقائها، حتى أنَّه قد يضطرُّ للانتقال بين بعض مُدن حضرموت على مشقَّة الانتقال حِينَها للحصول على بعض ما تناثَرَ من كتب ذلك التراث[2]، وربما نسخ بعضها بيده إن لم يتمكَّن من امتلاك أصلها؛ كنسخه لكتاب عبدالرحمن بن عبدالله باكثير في النقد والموسوم بـ"تنبيه الأديب بما في شعر أبي الطيب من الحسن والمعيب"[3]، وكان من عادته التعليق بقلمه على هامش ما يقرؤه من كتبٍ كتوضيح معنى كلمة أو نقد لفظة أو عبارة؛ ومن ذلك قوله هو عن نفسه أثناء قراءته لكتاب "الموازنة بين الطائيين"؛ للآمدي: "كتبت إذ ذاك ما عَنَّ لي من الملاحظات في خلال تصفُّحي لأوراقه"[4]. 

وقد عرف ذلك منه صديقه عمر باكثير حتى إنَّه عندما أعار له كتابًا من تأليفه قام بتقليبه بعد أنْ أعاده باكثير له متوقعًا لكتابته تعليقًا أو نقدًا في بعض صفحاته حسَب ديدنه، وقال: "قلبت أوراقه واحدة واحدة فلم أجدْه أحدث فيها شيئًا لا تعليقًا ولا ملاحظة اللهم إلا في آخرها"[5]. 

وكلُّ هذا يدلُّ على أنَّ علي باكثير كان قارئًا ناقدًا لما يطَّلع عليه دونما تهيُّب لنوعٍ ما بين يديه من كتاب أو مقام مؤلفه، وإنما كان رائده ما يقتنع به ويستصوبه من علم أو رأي. 

لكنَّ باكثير على وفرة ما اطَّلع عليه كان يستشعِر قصور ثقافته ويحس بضرورة مدِّها بيَنابيع مستجدَّة ومصادر معاصرة، ومن ذلك الاطِّلاع على ما عند الآخر غير العربي من ثقافة، ولا سيما في الجانب الأدبي، ومن هنا عند وُصوله إلى مصر ودخوله جامعتها اختار الالتحاق بقسم اللغة الإنجليزيَّة من كلية آدابها، وفي ذلك يقول: "كانت ثَقافتي الأولى عربيَّة خالصة، وظلت كذلك حتى حضرت إلى مصر، فعزمت على أنْ أدرس الأدب الإنجليزي لما بلغني أنَّه غنيٌّ بالشعر الرفيع"[6]. 

وقد فتحت له هذه الدراسة آفاقًا جديدة لا في عالم الشعر وحسب، بل كذلك في رحاب النثر وسماء الفكر فاتَّسعت أعماله وتنوَّعت قضاياه وتعدَّدت اهتماماته، وولد حينذاك الأديب العربي علي أحمد باكثير. 

النقد ضرورة في كلِّ شيءٍ؛ في الحياة، في العلم، في الفن، والشعر ليس استثناء؛ ففي النقد حكم يطمئنُّ به ذوو الاقتدار؛ لأنَّه ينصفهم ويحفزهم على مُواصَلة التجويد في إنتاجاتهم الأدبية، وفي النقد تفسيرٌ يفيد القارئ في اكتشاف زَوايا النص ويُحلِّق به في سماواته؛ ومن ثَمَّ يخلق علاقةً جيدة وعميقة بين المبدع وقارئه، وفي النقد توجيهٌ يستشفُّ منه المبدع بدوره هدى يرشده إلى حيث أحسن وحيث قصر به الشوط، ويفتح له آفاقًا في التفكير والسموِّ والإبداع، ومن هنا نَرى باكثير يُعبِّر عن اقتناعه الشَّديد بضَرورة النقد أو الانتقاد ومدى أهميَّته حيث يقول شعرًا[7]:

أَلاَ لاَ تَذُمُّوا الإِنْتِقَادَ فَإِنَّهُ هُوَ الرُّشْدُ يَهْدِي كُلَّ مَن ضَلَّهُ الرُّشْدُ
وَلاَ يَبْلُغُ العِرْفَانُ أَوْجَ تَمَامِهِ لَدَى أُمَّةٍ حَتَّى يَشِيعَ بِهَا النَّقْدُ   

ولا شكَّ أنَّ باكثير يعني بالنقد هنا مَعناه العام الذي يشمَلُ جميع مَناحي الحياة، والذي لا شكَّ فيه أيضًا أنَّ الشعر جزءٌ من مُقوِّمات حَياتنا، ولا سيما ضَرورات عيش الإنسان على هذه البسيطة، أليس هو القائل[8]:

الْعَيْشُ لَوْلاَ الحُسْنُ لَيْسَ بِسَائِغٍ وَالعَيْشُ لَوْلاَ الشِّعْرُ لَيْسَ بِحَالِ   

لكن ما هو هذا الشعر الذي يقصده باكثير وتتعلَّق به النفوس المحلقة وما مصدره؟ وما غايته؟ وكيف يتأتَّى للشاعر نظمه أو قوله؟ إنَّه شيءٌ يُلهَمه الإنسان إلهامًا يريدُه الإنسان، فلا يتأتَّى له ثم إذا هبَّت نسائمه عليه لا يسعه إلا الخُضوع له والاستسلام لدَواعيه، يقول باكثير[9]:

يَا مَلِيكَ القَرِيضِ حُلَّ لِسَانِي وَمُرِ الشِّعْرَ أَنْ يُطِيعَ جَنَانِي
وَارْتَقِبْ بَعْدَ ذَاكَ مَا سَوْفَ آتِي كَ بِهِ مِنْ مُحَسِّنَاتِ المَعَانِي   

فمليك القَريض ليس إلا الإلهام الذي لا بُدَّ من حُضوره لينطلق لسان الشاعر ببديع الكلمات التي تحملُ بدائع المعاني وروائع الصور، وهو لا يحضر إلا بعد طُول معاناة، وبعد أنْ يرى إنسانه الشاعر مهيَّأً له تهيُّؤًا صادقًا ناتجًا عن صِدق تجربةٍ خاضَها أو شعر بها، وكان أبعد ما يكون عن التكلُّف. 

يقول باكثير في سِياق حديثِه عن الشاعر الشرنوبي: "نجد الشاعر في أحسن حالاته حينما يُسجِّل خواطره وتأمُّلاته... إذ تُواتيه الصور الرائعة وتنهال عليه المعاني الدقيقة في سُهولةٍ، وتعلو نغمته البيانيَّة إلى مستوى رفيع، وإن دلَّ ذلك على شيءٍ فإنَّه يدلُّ على طُول مُعاناته لهواجس الشكِّ واليقين وصِدق تجربته في ذلك كله"[10]. 

إنَّ باكثير هنا يشيرُ إلى أهمِّ عناصر التجربة الشعريَّة وهي الإحساس والمشاعر التي إنْ ألهبتها طُول المعاناة الناتجة عن طور مُعاشَرتها والتأمُّل فيها، والتي إنْ عمقها الصدق؛ أي: صِدق انطِلاقها من نفس الشاعر غير مُقلِّد ولا يتكلَّف، وإن كان ذلك كله فإنَّ تلك المشاعر والأحاسيس تنفجرُ على لسان الشاعر معانيَ بديعة وصورًا رائعة، ولا سيَّما إذا ساعَدَه في ذلك حُضورٌ إلهام وصحَّة طبع حتى يسترسِل ويطول نفَسُه فيما يقصدُ إليه من قول. 

لكنَّ باكثير يشيرُ إلى عنصرٍ آخَر مهم لخلق الدافع على قول الشعر وإبداعه وهو الفكر؛ حيث يقول[11]:

سَمَاءُ الفِكْرِ إِنْ تُظْلِمْ بِلَيْلٍ فَشَمْسُ الشِّعْرِ يَلْحَقُهَا المَغِيبُ   

وهذا الفكر وإنْ كان نتاجًا عقليًّا إلا أنَّه يختلطُ بعالم النفس وما تختزنُه من أحاسيس متراكمة ومبهمة في بعض نواحيها؛ ومن ثَمَّ تكمن أهميَّة العقل والفكر من عمليَّة الإبداع أنَّه "يشرفُ على الأحاسيس وينظمها، ولولاه لكانت خليطًا مضطربًا لا تسوده وحدة ولا يسوده نظام، فهو الذي يؤلف بين شَتِيتها ويجمع بين مَنثُورها ويُكوِّن بناءها"[12]، فوظيفةُ الفكر إشرافيَّة لبناء العمل الشعري، لكنَّه لا يتدخَّل في صميمه الذي ينفردُ فيه العاطفة والمشاعر الوجدانية؛ ومن ثَمَّ يلجأ الشاعر إلى معادل يعطي لشعره خاصية التحليق، وهو الخيال الذي يصبح هو رائد الشاعر في اختياره لصوره وللغته الشعريَّة التي يجبُ أنْ تنأى عن المنطق والوضوح الخالص الذي قد يفرضُه الحضور المنفرد للفكر المقيَّد بسلاسل مصنوعة من كلِّ ما هو واقعي وحقيقي، يقول باكثير[13]:

عَيْشُ الْحَقِيقَةِ لا يَسُوغُ مَذَاقُهَا لِلْمَرْءِ مَا لَمْ يَمْتَزِجْ بِخَيَالِ   

لذا نراه مرة أخرى يخاطب حافز الإلهام بقوله[14]:

يَا سَمَاءَ الخَيَالِ طربي حَتَّى تَرْتَقِي بِهْ عَنْ هَذِهِ الأَكْوَانِ
ثُمَّ يَنْفَكُّ مِنْ سَلاسِلِهِ الفِكْ رُ فَتَجْرِي عَدْوًا بِغَيْرِ عِنَانِ   

وبهذا يكون باكثير قد أشار نثرًا وشعرًا إلى أهمِّ عناصر بناء الشعر وخلق تجربته، بعيدًا عن التنظير المباشر الذي يُعنَى به النُّقَّاد المنشغلون بالنقد، وإنما قدَّمَها لنا كإشاراتٍ وخواطر، لكنَّه مع ذلك قال أهم ما يمكن أنْ يُقال في هذا الصدد قولاً تدعمه التجربة والممارسة الشخصيَّة ومُعاناة نظْم الشعر، وخُلاصة قوله: إنَّ الشعر عمادُه المشاعر والأحاسيس التي تُلهِبُها مُعاناة تجربة صادقة عميقة، ينظمها ويبنيها الفكر، ويرسلها ويحلق بها الخيال؛ فينتج عما ذلك جميعه المعاني الحسنة الدقيقة والصورة الرائعة. 

ولكن ماذا عن رأيِ باكثير في موسيقا الشعر الذي يُعَدُّ واحدًا من أبرز عناصر الشعر أو هو أبرزها على الإطلاق؟ ما هو رأيه في الوزن في البحر في القافية؟ يرى باكثير أنَّ التزام القافية في الشعر يعدُّ تقليدًا فنيًّا عرف به العرب اصطنَعُوه اختيارًا، ولم تلزَمْه عليهم ضَرورة في لغتهم تقتضي ذلك التقليد، أمَّا "اللغة العربية فهي لغة طيعة تتَّسع لكلِّ شكلٍ من أشكال الأدب والشعر"[15]. 

هذه النَّظرة المرنة أو المعتدِلة نحو اقتِران الشعر العربي بالقافية أعطَتْ للمسألة صِبغة بشريَّة قابلة للأخْذ والرد والتعديل دُون إضفاء أي قَداسة لها، وإنما هو تقليدٌ نعتزُّ به لكن لا نقدسه؛ ومن ثَمَّ فإنَّ هذه النظرة أو الرؤية نحو مسألة الوزن في الشعر العربي الموروث ساعد باكثير على حريَّة التفكير في التجديد في أمر الوزن والقافية، فضلاً عن تجربة باكثير الشعريَّة التي أثبتت له عُيوب ذلك التقيُّد بالقافية؛ كالرتابة والجمود وتجزئة الصورة، سواء أدرك ذلك بِحُكم تجربته كما ذكرنا أو بتأمُّله لنصوص الشعر العربي، إلا أنَّ السبب المباشر الذي أطلق باكثير لأجله محاولته التجديديَّة في موسيقا الشعر العربي اقترن بحاجتَيْن عند باكثير: أولهما اطِّلاعه على نماذج الشِّعر الإنجليزي، وما صاحَب ذلك من تحدِّيه لأستاذه الإنجليزي، والآخَر تعلُّقه بفنِّ المسرحيَّة الشعريَّة الذي أبرز عيوب التقيد بالوزن التقليدي، أو أنَّ هذا الوزن التقليدي وقافيته كان يَعُوق انطِلاق عنصر الحوار في هذا الفن الذي لم تكن أمَّة العرب تعرفه، ولعلها إذا عرفته تخلَّت بصورة مبكرة عن هذا النمط الوزني لدَى معالجتها لذلك الفن، وارتأت له صورة وزنيَّة أخرى كما، فعلوا مع فنون أخرى قائمة على الوزن كالموشَّح ونحوه. 

إذًا قد كان دافع باكثير للتفكير في إيجاد نمطٍ وزني جديد في الشِّعر العربي مزدوجًا الاحتذاء بالنموذج الأجنبي بقصْد إثبات سعة لغته العربية لطريقته، ثم إيجاد حلٍّ يُساعد على مرونة عنصر الحوار في المسرحيَّة الشعريَّة التي هي بدورها فنٌّ أجنبي استوعبَتْه اللغة العربيَّة، وقد كان باكثير مُدرِكًا لكونه قد أدخل على لغته وأدبها لونًا جديدًا في الموسيقا أو الوزن ما زال يُعالِجه ويقومُ على ميلاده حتى استقرَّ على يديه على حسب ما هو معروفٌ بأهمِّ خصائصه؛ أي: قيامه على التفعيلة وليس البحر كوحدةٍ نغميَّة، وهذه التفعيلة لا حدَّ لتكرارها في السطر، وغير مقيد ذلك السطر في نهايته بقافيةٍ محددة أو موحدة بين السطور. 

يقول باكثير في تعريفه للشعر على الوجه الوزني الجديد: "هو المستند إلى التفعيلة لا البيت كوحدة نغميَّة فتتلاحق التفعيلات... فقد تشغل ما كان يشغله بيت واحد أو أكثر أو أقل، شأنها في ذلك شأن الجملة النثرية"[16]. 

وقال عنه بأنَّه: "شعرٌ فيه تحرُّر وانطلاق، وليس مقيدًا بإسار القافية"[17]. 

وهذان القولان يُحدِّدان ملامحَ الشعر الجديد الذي اخترعه أو ابتكره باكثير ابتكارًا غير مسبوق، إلا أنَّه لم يُسمِّه باسمه المعروف وهو (الشعر الحر)، وإنما كان يطلق عليه اسم (الشعر المرسل) يشيرُ بالمرسل إلا أنَّه غير مُقيَّد لا بالقافية ولا بالبيت - كوحدةٍ نغميَّة - بمعنى أنَّه غير ملتزم في القصيدة ببحر معيَّن، وإنما بتفعيلةٍ واحدة مرسلة في تكرارها، لكنَّ هذه التسمية مسبوقة بإطلاقها على نوع تجديد آخَر سابق لما صنعه باكثير يتوافق معه في إرسال القافية وعدم التقيُّد بها، لكنه يلتزم بالبيت والبحر، ولعلَّ هذا هو ما جعل بعضهم يتشكَّك في نسبة ابتكار (الشعر الحر) لصاحبه باكثير لما أضفته التسمية التي استعملها باكثير من خلطٍ بين تجربته الجديدة وتجربة سابقة لغيره. 

وواضحٌ أنَّ باكثير لم يستطِعِ الفكاك بيسرٍ من سيطرة فكر البحر عند معالجته لعمله الجديد؛ إذ كانت حاضرة بقوَّة في ذهنه حتى استطاع أنْ يدرك "بعد لأْيٍ أنَّ البحور التي تصلُح لهذا الضرب الجديد من الشعر هي تلك التي تتكوَّن من تفعيلة واحدة تتكرَّر... لا تلك التي تتألف من تفعيلتين؛ فإنها لا تصلح"[18]. 

ومع جودة هذه الملاحظة واعتبارها جزءًا مكملاً لابتكاره إلا أنَّه لم يعدْ هناك معنًى لارتباط التفعيلة المختارة التي سوف يتَّخذها الشاعر لقصيدته المبنيَّة على الشعر الحر بهذا البحر أو ذاك؛ لأنَّ البحر ليس فقط هو نوع التفعيلة، وإنما هو تفعيلة مُعيَّنة وترتيب معيَّن لها، فهنا التفعيلة هي الأساس، وتُنسَب القصيدة إليها لا إلى البحر الذي اجتُلِبت منه، فلا يُقال مثلاً لقصيدة من الشعر الحر اعتمدت قافية (متفاعلن): إنَّ هذه القصيدة من بحر الكامل؛ لأنَّ هذه التفعيلة مجتلبة منه، وإنما يُقال: القصيدة مبنيَّة على تفعيلة (متفاعلن) وكفى، ومن هنا اكتسب تسمية (شعر التفعيلة) التي هي ربما خيرٌ من التسمية بالشعر الحر التي أساءَ البعض فهمها؛ ومن ثَمَّ أساء استخدام هذا الشعر المبتكر الباكثيري. 

إنَّ باكثير لدى تخطيطِه لمعالم ابتكاره الجديد كان يُدرِك جيدًا ما يفعله، وأنَّه مقبلٌ على اقتحام أمرٍ لم يقتحمه أحدٌ قبله وإن دار حوله بعضهم دُون اقتحام مهابة لما يعدُّه عامَّة الناس تقليدًا مُتأصِّلاً يصل به بعضهم حدَّ القداسة، وما يتبع ذلك من مخافة السخط وتوقِّي التهم. 

قال باكثير يصفُ ردَّ فعل الآخَرين إزاء تجربته الجديدة: "الشعر المرسل لم يستقبلْ عند ظهوره بالترحيب أو الاستحسان إلا من قِبَلِ المرحوم الأستاذ إبراهيم المازني"[19]. 

وقد عرفنا أنَّه يعني بالشعر المرسل الشعر الحر أو شعر التفعيلة كما سُمِّى فيما بعدُ، ولهو لم يلقَ رواجًا، ولم يُستَخدَمْ على نطاقٍ واسع إلا على يد الشاعر بدر شاكر السيَّاب والشاعرة نازك الملائكة وذلك بعد عشرات سنوات[20] من ابتكار باكثير له وتطبيقه في إحدى مسرحيَّاته الشعريَّة[21]، وفي ذلك يقول باكثير: "الذي قمت به أنا هو التجربة الأم لهذا الشعر المرسل أو الشعر الحر الذي انتشَر فيما بعد في العالم العربي واحتَذاه أوَّل ما احتَذاه الأستاذ بدر شاكر السيَّاب ونازك الملائكة"[22]. 

أمَّا باكثير نفسه فقد هجَر الشعر عُمومًا وانصرف بكليَّته إلى الأدب النثري مسرحًا ورواية، لكن لم يتنصَّل من وليده، بل ظلَّ يقول حتى آخِر أيَّامه: "أزكِّي هذا الشعر وأزكِّي الجميل منه"[23]، فباكثير وضع أساس البناء، ثم ترَك أمر رفعه وإعلانه وإبرازه لمن شاء بعده من الشعراء ممَّن عُرِفوا به بعد ذلك حتى نُسب إليهم أمر ابتكاره من العدم، إلا أنَّ هؤلاء حفظوا لباكثير حقَّه واعترفوا بأبويَّته لهذا الفن وسبقه إليه وريادته له[24]. 

إنَّ هذا الابتكار الشعري لباكثير قد حقَّق دلالات ونتائجَ متنوعة؛ إذ دلَّ على خُصوبة ملكة باكثير الأدبيَّة التي ما أنْ نُثِرت فيها بذور جديدة حتى اهتزَّت وربت وانبتت هذا النبت البهيج، والأمر الآخر أنَّه أكسب اللغة العربيَّة نمطًا جديدًا في قول الشعر ونظمه؛ ومن ثَمَّ إثرائها بآلاف مؤلفة من قصائد وأشعار هذا النوع المتميز لا في موسيقاه وحسب ولكن فيما وفَّرته حريته من اصطناع دلالات وأفكار لم يكن الشعر التقليدي بقادرٍ على إجلائها بالقدر نفسه كما لا يخفى، كما حقَّق هذا الابتكار لجيلٍ من الشعراء مُبتغاهم في الانطلاق في ضُروب القول دون حذرٍ لقافيةٍ أو تقيُّد بترتيب وزني محدَّد ومحدود، وهو حلم لم يكن ليخطر على بال الأقدمين، أو كان يراودهم ولم يهتدوا إليه سبيلاً، والأمر الآخر أنَّ هذا الاختراع قد ساهَم في خدمة فن المسرحيَّة الشعريَّة، ولا سيَّما عنصر الحوار الذي هو أساسها، وأمر آخَر تمثَّل في الحركة النقديَّة التي استعرت حول هذا النمط الشعري الجديد ما بين مُوافقٍ متحمس له، ورافض متعصب ضده، وما أفرزته من مناقشات حول الشعر وعناصره قُدحت فيها العقول وسُلَّت الأقلام حتى أثمرت عشرات الكتابات من مقالات ومصنفات أثرت الحركة النقديَّة والأدبيَّة معًا في هذا العصر الحديث والمعاصر. 

علي أحمد باكثير ناقد بطبعه، ونقدُه لا يقتصر على الأدب وحسب، بل إنَّه في سائر أعماله الأدبيَّة شعرًا ونثرًا كان ناقدًا سياسيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا، يشهد بذلك كلُّ مَن يطَّلع على نوعيَّة أغراضه في الشعر وموضوعاته في المسرح والرواية، وفي مجال الأدب له العديد من الكتابات النقديَّة للشعر والنثر على السواء، تنتظرُ من يستوفيها دراسةً لباكثير الناقد الأدبي شعرًا ونثرًا. 

ولأنَّ غرضنا هنا مقتصر عل نقده للشعر فنذكر هنا أنَّ لباكثير نظرات في نقد بعض ما اطَّلع عليه من أشعار نقدًا انعكس فيه روحه الثقافيَّة التي جمعت بين المحافظة والتجديد، وقد يُدلي باكثير ببعض كلمات عن ديوان شاعر لا على وجه النقد وإنما على سبيل التقريض الذي تغلب عليه المجاملة والمبالغة كما فعَل مع ديوان الشاعر المصري المعروف حافظ إبراهيم حيث قال عن ذلك الديوان[25]:

حَوَى قَصَائِدَ شِعْرٍ عُيُونُهُنَّ يواقظْ
وَصْفٌ مَدِيحٌ نَسِيبٌ شَكْوَى رِثَاءٌ مَوَاعِظْ
بَرَّزَ فِيهِنَّ طُرًّا فَهْوَ لأعدائه غَائِظْ   

على براعة التقسيم في البيت الثاني فقد أورد مبالغةً واضحةً في البيت التالي، وهيهات أنْ يبرز شاعرٌ في كلِّ ما يقوله مهما بلَغ شأوه! ولكنَّه إنما ذكر ما ذكَرَه - كما قُلنا - على سبيل التقريظ والمجاملة، فلا يعدُّ ذلك نقدًا حقيقيًّا، وأوَّل نقدٍ نراه لباكثير كان تغلب عليه الروح المحافظة في العناية بالشأن اللغوي والبلاغي وإطلاق القول بالإعجاب الجزئي لبعض التعبيرات أو الصور الشعريَّة دُون التزام بالتعليل، ويتراءى لنا ذلك جليًّا في أول نقد نقل عنه نقله ضريبه الأديب عمر بن محمد باكثير حينما كانا معًا عاكفين على قراءة "ديوان أبي الطيب المتنبي" قال" "كنَّا ذات يوم نقرأ قصيدته البائية التي مطلعها:

بِأَبِي الشُّمُوسُ الْجَانِحَاتُ غَوَارِبَا اللاَّبِسَاتُ مِنَ الْحَرِيرِ جَلابِبَا   

حتى بلغنا إلى قوله:

حَاوَلْنَ تَفْدِيَتِي وَخِفْنَ مُرَاقِبًا فَوَضَعْنَ أَيْدِيَهُنَّ فَوْقَ تَرَائِبَا   

واستشكلنا قوله: "فوق ترائبا" من جهة النحو كيف نصب (ترائبا) وهو مضافٌ إلى فوق الظرفية"[26]، وهو استشكالٌ يدلُّ على أنهما كانا في بداية الطلب، لكن ما لا شكَّ فيه أنَّه غرس فكرة النقد اللغوي التقليدي عندهما، وهو ما استمرَّ عليه عمر باكثير وانتهجه لفترةٍ علي باكثير حتى اطِّلاعه على آفاق أخرى في النقد، وكان من ثمار ذلك ما أورَدَه من ملاحظاتٍ على كتاب الآمدي على بعض أبيات أبي تمام، وهو كتاب يعدُّه باكثير عمدة للناقد الأدبي "احتوى على أصول وقواعد في هذا الفن لا ينبغي لناظرٍ في الأدب أنْ يجهلها"؛ إذ كان عامة ما أورده من ملاحظات وانتقادات قائم على جانب لغوي "ومن ذلك نقد الآمدي لبيت أبي تمام[27]:

دَارٌ أَجَلَّ الهَوَى عَنْ أَنْ أَلَمَّ بِهَا فِي الرَّكْبِ إِلاَّ وَعَيْنِي مِنْ مَنَائِحِهَا   

إذ رأى الآمدي أنَّ أبا تمام قد ناقض في معناه؛ إذا أثبت ما بعد "إلا" بعد أنْ نفى ما قبلها، فكيف يَبكِي على الدار وهو لم يلمَّ بها[28] فخطَّأه باكثير ورأى أنَّ "إلا" لم تنفِ ما قبلها بل جعلت ما بعدها متممًا لحالة ما قبلها؛ أي: إنَّ الشاعر قد ألَمَّ بالدار وعينه دامعة، قال باكثير: "وتقدير الكلام: أجل الهوى عن أن ألم بها غير كائنة عيني من منائحها... وهذا الذي ذكرته ظاهر لا يحتاج إلا إلى قليل تأمُّل، ومثل البيت في التركيب أنْ تقول: إني أجل علمي عن أن أفتي في المسألة إلا وأنا متحقق بمعرفتها"[29]. 

ومن جانبٍ آخَر نرَى باكثير يضعُ مِيزانًا آخَر لنقد قصيدة ما هو براعة التصوير ودقَّة الوصف؛ فبمِقدار ما يُوفَّق فيها الشاعر تكون قيمة قصيدته، وتظهر مقدرته الشعريَّة، بل بهما يتميَّز شاعرٌ عن شاعرٍ، ويظهَرُ ذلك في موازنة عقدها بين قطعتين شعريَّتين للشاعرين البحتري وابن زيدون في موقفين متشابهين، وهو موقف الدخول على السلطان والمثول بين يديه ووصف هيبته وكرمه، يقول البحتري[30]:

وَلَمّا حَضَرْنَا سُدَّةَ الإِذْنِ أُخِّرَتْ رِجَالٌ عَنِ البَابِ الَّذِي أَنَا دَاخِلُهْ
فَأَفْضَيْتُ مِنْ قُرْبٍ إِلَى ذِي مَهَابَةٍ أُقَابِلُ بَدْرَ الأُفْقِ حِينَ أُقَابِلُهْ
فَسَلَّمْتُ وَاعْتَاقَتْ جَنَانِيَ هَيْبَةٌ تُنَازِعُنِي القَوْلَ الَّذِي أَنَا قَائِلُهْ
فَلَمَّا تَأَمَّلْتُ الطَّلاقَةَ وَانْثَنَى إِلَيَّ بِبِشْرٍ آنَسَتْنِي مَخَايِلُهْ
دَنَوْتُ فَقَبَّلْتُ النَّدَى فِي يَدِ امْرِئٍ جَمِيلٍ مُحَيَّاهُ سِبَاطٍ أَنَامِلُهْ   

ويقول ابن زيدون[31]:

وَلَمَّا حَضَرْنَا الإِذنَ وَالدَهْرُ خادِمٌ تُشِيرُ فَيُمْضِي وَالقَضَاءُ مُصَرِّفُ
وَصَلْنَا فَقَبَّلْنَا النَّدَى مِنْكَ فِي يَدٍ بِهَا يُتْلَفُ المَالُ الجَسِيمُ وَيُخْلَفُ   

فرأى باكثير أنَّ البحتري قد فاق ابن زيدون في مجال وصف الهيبة ومجال وصف الكرم وتصويرهما، وفي ذلك يُخاطِب قارئه: "ليُقابل بين قوله: ولما حضرنا سدة الإذن، وقوله: ولما حضرنا الإذن، يجد في الأول صورة شعريَّة بديعة ليست في الثاني بما أفاضته عليه كلمة "سدة"، ثم انظر إلى قوله: أخرت رجال عن الباب الذي أنا داخله، كيف وصف لك ازدحام باب الممدوح بالرجال المستأذِنين عليه، وكيف أنَّ البوَّابين يحافظون على النظام، فلا يُدخِلون أحدًا إلا بإذنٍ خاص، ثم اقرأ قوله: فأفضيت من قرب... إلخ، وتأمَّلْ في قوله: فأفضيت، تجدْ فيه روعةً ليست في قوله: وصلنا، ففيه معنى الوصول وزيادة؛ لأنَّه لم يدرِ كيف وصَل، ولا يعزب عن بالك أنَّ هذا الموقف يقتضي فيه الهيبة بأروع صُوَرِها وتتجلَّى في أسمى مجاليها، وأنت ترى أنَّ ابن زيدون لم يزدْ في ذلك على أنْ قال: "والدهر خادم تشيرُ فيمضي والقضاء مصرف"، وهو كما ترى بديعٌ يصور لك قوَّة الممدوح وعظمة ملكه ومضي أوامره، حتى كأنَّ الدهر خادمٌ له يمضي ما يشيرُ به والقضاء مصرف له، ولكنَّه لم يشعرْك الهيبة العظيمة التي أشعركها البحتري؛ إذ مثلها لك حتى تكاد تلمسها ببَنانك، وما ظنُّك بهيبة اعتاقت جنان أكبر شاعرٍ في عصره، فأخذت تُنازِعُه ما يريدُ من القول، حتى إنَّه كلما لاكَ كلمة ليقولها جذبتها هيبة الموقف فألصقتها بحِنكةٍ، فلم يزد على كلمة "السلام"، ثم انظُرْ إليه كيف يَصِفُ لك وقوفه حائرًا مبهوتًا مُتهيبًا الدنو من الممدوح حتى تأمل طلاقة وجهه وتهلل أساريره بالبشر، فحينئذٍ دنا منه وقبَّل يده، بل قبَّل الندى في يده، بل في يد امرئٍ كريم محيَّاه سباط أنامله، ثم قابل بين قوله: "فقبلنا الندى ملك في يد"، وقوله: "فقبلت الندى في يد امرئ"، ترَ الثاني أبلغ؛ إذ لم يُبيِّنه بِمَن البيانيَّة، وقوله: "كريم محياه سباط أنامله"، كناية في سعة الكرم وفرط الجود أبلغ من قوله: "بها يتلف المال الجسيم ويخلف"، كما يحكم بذلك الذوق السليم"[32]. 

إنَّ باكثير يبدو في هذه القطعة النقديَّة مُتأثِّرًا بروح النقد الموروث حينما يتَّكئ على اللغة والبلاغة في استشفافه لقِيَم الأبيات الفنيَّة وتقريبها بصورةٍ جزئيَّة، فلفظة واحدة ذات إيحاء أو دلالة واسعة قد تفاضل بين بيتٍ وبيتٍ؛ كلفظة "سدة" و"أفضيت"، ولم يفسر نوع الإضافة في بيت البحتري للفظة "سدة"، ولم يعرف بإيحائها لكنَّه فعَل ذلك مع لفظة "أفضيت"؛ إذ رأى أنها تَفُوق لفظة "وصلنا"، بزيادةٍ في المعنى بيَّن لنا كيفية الوصول، ومثل ذلك لفظة "من" البيانيَّة التي رأى أنَّ عدم ذِكرها أفضل، وأشار إلى الكناية في بيت البحتري وفضلها على قول ابن زيدون: "بها يتلف المال...إلخ" دُون تعليلٍ غير الاستناد لِحُكم الذوق السليم، وأحيانًا يُصرِّح بعدم إمكانيَّة التعليل؛ كقوله عن البحتري: "إن في قوله: رأيناك في أعلى المصلى... إلخ" روعة شعريَّة بديعة ليس إلى وصفها سبيل، وكذا بقوله: "والأفق لابس عجاجته والأرض بالخيل ترجف". 

كلُّ هذه الخصائص من تقر جزئي والاتِّكاء على الجوانب اللغويَّة والبلاغيَّة، وغلبة عدم التعليل، والإشارة فقط إلى سلامة الذوق، يدلُّ على تأثُّر باكثير بقراءاته في كتب النقد التقليدي، وإنْ كان يغمر ذلك بلمساتٍ نقدية عصرية؛ كتفضيله للصورة الحيَّة المتحركة المنبعثة من نفسية الشاعر على الصور الجامدة الجاهزة، ويظهَرُ ذلك في تفضيلِه لوصف البحتري لهيبة ممدوحِه بما حَكاه من صورة البوَّابين الذين يَعمَلُون على ترتيب حركة دُخول أضياف الممدوح، ومن تصويره لما اعتلج في نفسه من هيبةٍ حبست لسانَه حتى انشرح صدره بانفتاح الممدوح له، فضل ذلك على الصورة التقليدية عند ابن زيدون عن الدهر الخادم وتصريف القضاء، ونلاحظ هنا أنَّ باكثير قد شرح كلَّ ذلك بأسلوبٍ أشبه بالنقد التفسيري؛ وهذا يدلُّ على ضربٍ من التجديد بدأ يلجُ نقد باكثير. 

هذه الروح الجديدة في نقْد باكثير بدتْ واضحة جليَّة في نقده للشاعر صالح علي الشرنوبي في مقدمته التي كتبها على ديوانه، فنجده فيها يتَّجه اتجاهًا نفسيًّا في نقده الذي حاول خلاله رسم صورة لشخصيَّة الشاعر ونفسيته من خلال تتبُّعه لجملة من قصائد ديوانه، وهو سبيل لعلَّه استفاده عند دراسته في قسم اللغة الإنجليزية بكلية آداب جامعة القاهرة محتذيًا منهج هازلت في النقد و"خلاصته أنْ يتحرَّى الناقد إظهار نفس الشاعر من خلال شعره؛ ذلك لأنَّ الشعر يعتمد على شعور الشاعر بنفسه وبما حوله شُعورًا يتجاوب هو معه، فيندفع إلى الكشف فنيًّا عن خَبايا النفس أو الكون استجابةً لهذا الشعور في لغةٍ هي صور إيحائيَّة لا صور مباشرة"[33]. 

وهو سبيلٌ احتَذاه بعض كبار نقَّاد الأدب أشهرهم الأستاذ عباس محمود العقاد، وفي تلك المقدمة يبدأ باكثير بقصيدةٍ للشرنوبي عنوانها (أحلام الكوخ) فرأى أنها "تُعطينا صورة كاملة لمأساة الشاعر في تذبذبه الحقيقة والوهم؛ حيث أجرى حوارًا بينه وبين نفسه"[34]. 

في ذلك الحوار يشكو الشاعر بُؤس حَياته فتُشِير له نفسه باتِّباع سبيل بعد سبيل ليتخلَّص من شَقائه ويفشل في كلِّ مرَّة حتى يُدرك في النهاية أنَّ نفسه هي سرُّ شقائِه، "وأنَّ التسليم بالواقع الأليم ومُواجهة الحقيقة النَّكراء أفضل في النِّهاية من التهرُّب منهما والجري وراء الأماني والأحلام"[35]. 

ويُتابع باكثير يقول: "ومن أجل ذلك نرى الشاعر يَثُور ثورة عنيفة على تبتُّله للفن وتضحيته في سبيله بما تُتِيحه الحياة من المباهج والمتع"[36]. 

ويذكر شاهده على ذلك بقصيدةٍ أخرى للشاعر ثم يقول: "على أنَّ هذه الثورة العاتية التي ثارَها على الفن لم تُنقص بحال من الأحوال من إكباره واعتزازه به"[37]. 

ويأتي بما يشهد لذلك بأبياتٍ من قصيدةٍ ثالثة ويقول: "ونراه يتشاءم أحيانًا فيُبدِع في تشاؤمه إبداعًا يفيضُ بالسخرية اللاذعة، فاسمعه يقول من قصيدته (نسمات وأعصاير)"[38]، ثم إنَّ الشاعر "ليضيق بالحياة فيُوجِّه صرخةً دامية إلى ربِّه أنْ يُعجِّل له بالخلاص"[39]. 

ونقرأ أبيات الصخرة التي أوردها باكثير ثم يقول: "على أنَّه يتمرَّد أحيانًا أخرى على خُطوب الحياة، ويأبى أنْ يستكين لها ويستَمسِك بحبك الأمل والتفاؤل، ويرى في ذلك تحقيقَ سعادته"[40]، ويَذكُر الأشعار الدالَّة على ذلك. 

وهكذا يرسم لنا باكثير صورةً لنفسيَّة ذلك الشاعر من خِلال نماذج من أشعاره؛ فتظهر لنا جلالها تتجاذَبُها مشاعر مُتبايِنة بين الحقيقة والوهم، بين التشاؤم والتفاؤل، بين الاستكانة وإرادة الخلاص، والإقبال على الحياة، والتمسُّك بحبل الأمل، ولعلَّها نفسيَّة ليست مقتصرةً على هذا الشاعر وحدَه بقدر ما تصور حالة النفس الإنسانية ككلٍّ، وهي التي لا تكاد تقرُّ على حال؛ فتتأرجح على الدوام مع تقلُّبات الدهر بين اليَأس والرَّجاء، بين السعادة والشقاء، وهي لا تَدرِي خلال ذلك كُنْهَ تقلُّباتها تلك، وتحار على التعبير عنها على الأقل لغرَض التنفيس، ونفث ما يتلجلج في الصدور ولا يستطيعُ ذلك سوى الشاعر، والشاعر وحدَه. 

أمَّا نقدُه للكتابة المسرحيَّة فقد ضمَّنه كتابه المعروف "فن المسرحيَّة عبر تجاربي الشخصية"، وهو كتابٌ نقدي، وفي الوقت نفسه كتاب مذكرات لحياته الفنيَّة في تعايُشه مع هذا الفن ومُعاناته في التقاط أفكاره وبحث مواضيعه وبناء أُطُرِه المتعدِّدة والمتنوِّعة بتعدُّد الأفكار والمواضيع وتنوُّع مجالاتها الرحبة، ومراحل تشكلها وتطورها في ذِهن باكثير ونفسيته، ولا يخفى ما لمثْل هذه المذكرات الفنيَّة للأدباء من قدمه للنُّقَّاد تمكُّنهم من رصْد كيفيَّة نشوء التجارب الأدبيَّة وتخلُّقها وتطوُّرها عند مبدعيها؛ لاستخلاص نتائج تهمُّ الناقد الأدبي في فهْم طبيعة العمليَّة الإبداعيَّة وطبيعة الأدب وعلاقته بالأديب والمتلقِّي[41].

وباكثير في كتابه هذا يضعُ أعيننا على أبرز عناصر فن المسرحيَّة وطرق بنائها منذُ لحظات التخلُّق الأولى على ضوء تجاربه الفعليَّة لما أنتجه من مسرحيَّات تعدُّ من أروع المكتسبات الفنيَّة للمسرح العربي، ومن هنا تكمُن أهميَّتها؛ إذ نتلقَّى الفن من منبعه، ونستجلي البناء من مبدعه؛ لذا نجدُ الحديث عن العناصر والتشكيل للمسرحيَّة شديدَ الإيجاز والتكثيف لكن بلغةٍ تُوصِل إلى المراد فهمه من أيسر الطرق وأقصرها، فباكثير لا يَكاد يَذكُر إلا ما كان علميًّا وما يراه لَبِنَةً حقيقيَّة في البناء المسرحي، ويأخُذك مباشرة بعد قليل من الشرح إلى معمله الفني المعبق بروائح عناصر الجودة وسِحر الإلهام؛ ليُرِيَك كيف يتمُّ تحضير إكسير النجاح المسرحي.

إنَّ أبرز عناصر المسرحيَّة التي طرَقَها باكثير هي الفكرة والموضوع ثم رسم الشخصيَّة ثم الصراع والحركة ثم الحوار.

فالفِكرة هي أوَّل عنصر سلط عليه باكثير ضوءه، وقرن حديثَه عنها بعلاقتها بالموضوع، وهو يرى أنَّ المسرحيَّة الجيدة لا تتحمَّل أكثر من فكرةٍ واحدة تكونُ هي محور الأحداث ومحط حركة الشخصيَّات، لكن إذا لزم وجود فكرة أخرى بجانبه فيتوجب تداخُلهما وتشابكهما فلا ينفصلان زمنيًّا بحيث يبرزان وينتهيان في زمنٍ واحد أو متقارب[42].

وإذا كانت الفكرة قد تكون صدًى لحافز نفسي أو تتولَّد من بعض القراءات أو المشاهدات، فإنَّ اختيار الموضوع الذي سيحمل تلك الفكرة ويترجمها إلى واقعٍ حيٍّ يتحرَّك يتطلب أدواة ينبغي أنْ يمتلكها الكاتب المسرحي؛ منها: أنْ يكون ذا خبرةٍ واسعةٍ في الحياة الإنسانية تُمكِّنه من جعْل مسرحيته قطعةً صادقةً من الحياة تخفق بنبضها الطبيعي[43]، ومنها أنْ يتمتع بخيال خصب يمده بنوافذ مفتوحة على ميدان الحياة من جميع زواياه وجهاته يستبصرُ منها رسم لوحته المسرحيَّة مطابقةً لما يعتملُ في ذلك الميدان وكأنها نسخة مصورة منه[44]، ثم يضعُ نصب عينيه هدفًا أو رسالة لما يختاره موضوعًا لمسرحيَّته، ويكون ذلك الهدف هو الحافز الذي "يدفع الكاتب إلى التحمس لعمله ويُحدِّد الإطار الذي يَصُوغ فيه هذا العمل"[45].

وتطرق باكثير إلى مسألة دقيقة تتعلَّق بالسبق بين الفكرة والموضوع أيهما يتقدَّم الآخَر؟ وأي منهما يفضي إلى صاحبه؟ يقول: "أحيانًا تكون الفكرة الأساسية سابقة للموضوع بالنسبة للكاتب المسرحي، وقد يكون الموضوع هو السابق للفكرة الأساسيَّة، ففي الحالة الأولى يشعر الكاتب أنَّ فكرةً ما تختلجُ في أطوار ذِهنه أو تعتلجُ في أعماق نفسه، وأنها تصلح نواةً لعملٍ مسرحي إذا وجد لها الموضوع الملائم"[46]، أو "يستهوي الكاتب موضوع؛ سواء أكان شخصيَّة من الشخصيَّات، أو موقفًا من المواقف، أو حدثًا من الأحداث، ويملك عليه نفسه، ويشعُر أنَّه إذا عالجه فسينبثق عن عمل مسرحي جيد؛ فيعمد إلى درس هذا الموضوع والتعمُّق فيه... حتى يهتدي إلى الفكرة الأساسيَّة التي يمكن أنْ تربط بين خيوطه"[47]. 

وتفصيل باكثير حول هذه المسألة ودقته فيها ساعده عليها خبرته الثريَّة في مُعاناة الكتابة المسرحيَّة، وهي نوعٌ من العمل الأدبي لا يسلمُ قياده إلا مَن أُوتِي استعدادًا ونُضجًا فنيًّا خاصًّا؛ لذا نرى باكثير قد مرَّت عليه جميعُ أنواع التداخُلات؛ حيث صور لنا مخاضها في نفسه وذِهنه وكيفيَّة نُشوئها من بذرةٍ صغيرة فكرة وموضوعًا حتى استوَتْ على ما هي عليه. 

والعنصر المسرحي الثاني الذي تطرَّق له باكثير عنصر الشخصيَّة، وكان تركيزه هنا على جانبٍ غاية في الأهميَّة يعرفُه مَن كابَد كتابة العمل المسرحي، وهو كيفيَّة رسم شُخوص المسرحيَّة مع تعدُّد تلك الشُّخوص وتبايُنها من نواحٍ كثيرة، وأوَّل سبيلٍ لتحقيق دقَّة رسمها وتشخصيها هو أنْ يبدأ الكاتب المسرحي نفسه في التعرُّف عليهم قبل أنْ يعرف بهم لغيرِه، لا معرفة إجماليَّة بل يتعرف عليهم واحدًا واحدًا، ويعيش معهم في ذهنه، حتى يطمئنَّ أنَّه قد تعرف الأبعاد الأساسية المؤثِّرة على تكوين كلِّ شخصية منهم على حِدَةٍ جسميًّا ونفسيًّا واحتماعيًّا[48]، وتَكمُن أهميَّة هذه المعرفة الدقيقة في مَتانة بناء نصِّ المسرحيَّة وعدم اهتزازه ببروز مقطع حواري أو تطور حدثي يصدر عن إحدى شخوص المسرحيَّة دون أنْ يتناسب مع بعد أبعادها المذكورة؛ ومن ثَمَّ تصبح غير مُقنِعة للقارئ أو المشاهد العادي فضلاً عن الناقد الأدبي[49]. 

فرسم الشخصيَّة في المسرحيَّة لا يتعرَّف عليه المتلقِّي من شرح أو تعليق للراوي كما في القصة، بل يأخُذه مباشرة من الشخصيَّة نفسها في مجمل سلوكها أقوالاً وأفعالاً؛ لهذا فهو يرتبط بشخوص المسرحيَّة أكثر من ارتباطه بشُخوص القصَّة الذين يتعرَّف عليهم بوساطةٍ من الراوي؛ ومن ثَمَّ يكون حسَّاسًا لأيِّ ارتباكٍ مفاجئ في مسارها سواء في ما يصدر عنها من قول أو فعل[50]. 

ومن هنا تأتي صُعوبة تحكُّم الكاتب في شُخوص مسرحيَّته ما لم يكن راسخًا في تعرُّفهم على النحو الذي أشار إليه باكثير.

يترتَّب على وضوح أمرِ العنصر السابق نجاحُ الكاتب في عنصرين آخَرين يُعدَّان لب كلِّ عملٍ مسرحي هما: الصِّراع والحوار، فالصِّراع كي يكونَ ماثلاً في المسرحيَّة يتطلَّب أنْ تكون شُخوصها "مُتَبايِنة مُتَناقِضة"[51]، على أنْ يكون من بينها "شخصيَّة محوريَّة من ذلك الطراز القوي العنيد الذي لا يقنع بأنصاف الحلول"[52]، ومن تفاعُل تلك الشُّخوص يتولَّد الصراع الذي من شأنه أنْ يتصاعَد تدريجيًّا حتى يبلغ الذروة؛ جريًا في ذلك على سنَّة الطبيعة، يستوي في ذلك الحدث أو "كل حركة نفسيَّة أو فكريَّة تقع لشخوص المسرحيَّة"[53].

وهذا الصراع يتعاضد مع عنصر آخَر في الإبقاء على فاعلية العمل المسرحي عند المتلقِّي؛ وهو عنصر الحركة، وباكثير يشيرُ هنا إلى الحركة الذهنيَّة المتجدِّدة، فالحركة عنده تعني: "أنْ يستمرَّ الخط المسرحي متحركًا لا يقفُ لحظة واحدة"[54]، فكلُّ ما يدفَعُ بالحدث المسرحي إلى حال جديدة وخُطوة متقدمة يُعَدُّ حركة، سواء أكانت حركة جسمانيَّة حسيَّة، أو وقفة ساكنة ذات مغزى، أو حتى مجرَّد جملة أو إشارة يحملان في طيَّاتهما توتُّرًا ما يُؤدِّي إلى انعطاف جديد في مجرى الحدث، فكلُّ ذلك حركةٌ يستفيد منها الصِّراع في المسرحيَّة في الانتقال من حالٍ إلى حالٍ.

وقد أخَّر باكثير حديثه عن عُنصر الحوار وهو مُدرِكٌ لموقعه المهم من الجسم المسرحي، ليشعر أنَّ جميع العناصر السابقة قائمة عليه؛ لذا أتى به خلفها كما يأتي العمود الفقري خلف الجسم الآدمي، فالحوار كما يقولُ باكثير: "هو الذي يُوضِّح الفكرة الأساسيَّة ويقيم برهانها ويجلو الشخصيَّات ويفصح عنها، ويحمل عبء الصراع الصاعد حتى النهاية"[55].

ولكي يحملَ الحوار هذا العبء ويقومُ بدوره بنجاحٍ ينبغي أنْ يكون واقعيًّا؛ بمعنى: "أن يلتزم الكاتب حُدود الشخصيَّة المرسومة؛ فلا ينطقها إلا بما يتلاءم معها"[56]؛ أي: يتلاءم مع مستواها الثقافي والاجتماعي والنفسي، فلا يأتي على ألسنة شخوصه "بآراء وأفكار ومشاعر لا يمكن أنْ تصدر عنهم"[57].

ونرى باكثير يضع لهذا العنصر شرطًا دقيقًا لضَمان فاعليته في النص المسرحي، وهو أنْ يتضمَّن الحوار "تيارات نفسية"[58] يجب أنْ تلوح للقارئ في تضاعيف كلام كلِّ شخصية؛ لتدلَّ ليس فقط على مرادها المباشر ممَّا تنطق به، بل كذلك الحالة الشعورية المسيطِرة عليها حال تكلُّمها، تعفي بذلك عن الأوصاف التي لا يحسن بكاتب المسرحيَّة أنْ يتدخَّل بسَرْدِها لأحوال شُخوصِه كما عند كاتب القصة؛ ومن ثَمَّ نرى باكثير يجعل هذه الحيثيَّة حدًّا فاصلاً بين النجاح والفشل في عُنصر الحوار؛ ومن ثَمَّ في العمل المسرحي نفسه[59].

ورفض باكثير تمامًا اتِّجاه دعاوى واقعيَّة لغة الحوار إلى استخدام اللهجات العاميَّة، وحذَّر من غوائلها، واستطرد في بيان مَفاسِدها؛ سواء منها الخاصَّة في هذا الجنس الأدبي أو العامَّة في ضعضعة الهويَّة العربية[60]، لكنَّه رحَّب بمحاولات التقريب بين تلك اللهجات والعربيَّة الفصحى، بل كان أحد المشاركين في صياغة تلك المحاولات في بعض مسرحيَّاته.

ومن ناحية أخرى دعا أخيرًا إلى أنْ يكون النثر هو وسيلة الحوار المسرحي بدلاً عن الشعر، سواء من العمودي أو التفعيلي؛ على اعتبار "أنَّ النثر هو الأداة المثلى للمسرحيَّة، ولا سيَّما إذا أُرِيد بها أنْ تكون واقعيَّة"[61]، وهي دعوةٌ كان باكثير رائدًا فيها[62]، في وقتٍ كان الشعر هو الذي يسودُ الجنس المسرحي.

إنَّ باكثير في كتابِه هذا لم يكن بصَدَدِ التنظير لفنِّ كتابة المسرحيَّة أو نقده بقدر ما هو بسبيل مُكاشَفةٍ فنيَّة لبعض تجاربه وآرائه التي طبعتها وكوَّنتها تلك التجارب التي خاضَهَا بحماسٍ وجديَّة على تعدُّدها وتنوُّعها حول هذا الفن الذي ملك عليه كيانَه وحدَّد وجهته الأدبية منذ أنْ ثبتت قدَمَيْه على صفحة النيل التي أصبحت بعد برهة صفحةً جديدة في مسار حياته ككلٍّ؛ لهذا لا نجدُ في كتابه هذا تقسيمًا صارمًا لمادَّته، ولا سوقًا علميًّا أكاديميًّا لما يُورِدُه من معلومات، وإنما تُسيِّرُه مُقتَضيات فنيَّة خالصة يُحدِّدها مدى حُضور التجربة العمليَّة في نفسه، ولا نَراه يقفُ لدى عُنصر بنائي يُحدِّثنا به إلا بقدرِ ما يفيدُه فعليًّا في بناء المسرحيَّة أو نجاحها، وبقدر ما أهدَتْه منها التجربة العمليَّة التي مَرَّ بها في بعض أعماله المسرحيَّة؛ لذا نجدُه يردف كلَّ نقطةٍ أُورِدُها حول عناصر هذا الفن ومُكوِّناته بمثالٍ عملي من إحدى مسرحيَّاته يُدلِّل عليه، وليس معنى ذلك أنَّ باكثير يظنُّ أنَّ مسرحيَّاته تُعَدُّ مثالاً في بناء هذا الفن الأدبي، فهو يعترفُ بما طرأ على بعضٍ منها من عيوبٍ ونواحي قصور، مُحذِّرًا من تكرار الوقوع فيها[63]، وتلك ولا ريب مزيَّة تُحسَب له.

لقد كان باكثير ينظر إلى الأدب بشقَّيْه الشعري والنثري بوصفه وسيلة سامية تُؤدِّي إلى غايةٍ أسمى، تجدُ تلك الغاية ماثلة في كتاباته حينما ينظمُ قصيدة أو يُدبِّجُ مقالة أو يخلق حياة مسرحيَّة، حتى أصبحت عنده أشبه شيءٍ بالالتزام، التزام يشِعره بإنسانيَّة رسالة الأدب الذي يَراه "خير سفير بين الشعوب؛ لأنَّه يعكس روح الشعب الذي أنتجه ويُعطِي صورةً صادقة لا يتطرَّق إليها الزيف ولا التضليل، للشوط الذي قطعه في مضمار الحضارة، وللأوج الذي بلَغَه في معارج السُّموِّ الروحي من حيث إحساسه بمعاني الخير والحق والجمال.

فضلاً على الأصالة الفطرية التي توارثها عن أسلافه الأوَّلين"[64]، ولا شكَّ أنَّ العرب من أكثر الشعوب قُربًا من أصالة الفطرة وبُعدًا عن مسارب الزيف والتضليل؛ لذا نجد باكثير لا يفتأ يدعو نظرائه من الأدباء العرب إلى التمسُّك بأصالتهم العربيَّة بوصفهم جزءًا من أمَّةٍ حضاريَّة عريقة، دون أنْ يمنع ذلك من تشرُّب ثقافات سائر الأقوام لكن مع الحذَر من الذوبان أو التقليد الأعمى الذي ينتج عنه حالة من الشِّقاق بين أدباء اللغة القوميَّة الواحدة؛ ومن ثَمَّ يجب أنْ يُحافِظَ الأديب على أصالته وهويَّته العربية "والمقصود بالأصالة العربيَّة هنا أنْ يكون الأديب عربيًّا في كلِّ شيءٍ، وقبل كلِّ شيء؛ عربيًّا في شعوره وتفكيره، ونظرته إلى الكون والحياة، عربيًّا في انتمائه واهتمامه واعتزازه بوطنه وأمَّته.

عربيًّا في إيمانه بالحضارة العربية، والحضارات التي قامت في مختلف أقطار وطننا العربي الكبير، واعتبار كل ِّأولئك حلقات في سلسلة ذهبية واحدة.

عربيًّا في إيمانه بالله وبالقيم الروحيَّة السماويَّة، وبالمثل العليا، وبالمبادئ الخلقيَّة الرفيعة؛ إذ هذه سمات أمتنا العربيَّة ومميزاتها ومقوماتها منذ كانت.

فالأديب العربي حقًّا هو الذي تكتمل فيه هذه المعاني، ولو كان يكتبُ بلغة أجنبيَّة، والأديب الذي تعوزه هذه المعاني أو بعضها، ليس في الحق أديبًا عربيًّا، وإنما هو أديب من العرب أو أديب يكتب باللغة العربيَّة.

وهذه الأصالة ليس معناها العُزلة عن العالم، أو الانغلاق في تراثنا والتعصُّب له تَعَصُّبًا يجعلنا في معزلٍ عن العصر الذي نعيشُ فيه، بل على الأديب العربي أنْ يتمثَّل جميع مشكلات عصره، والأفكار السائدة فيه، ولكن على شرط أنْ يَنظُر إلى كلِّ ذلك بعين الإنسان العربي الأصيل"[65].

لقد جعل الأديب باكثير اعتزازه بعُروبته نصب عينيه في فكره بكل ما تشمله كلمة العروبة من مكونات دينيَّة وقوميَّة وحضاريَّة؛ لذا نجدُها تُوجِّه اهتماماته في جميع كِتاباته أيًّا كان نوعها، وكانت القضيَّتين المحوريَّتَيْن اللتين لوَّنتا أعماله الأدبيَّة هما: وحدة العرب والتهديد الصِّهيَوْني لتلك الوحدة بصورةٍ عامَّة وللأرض الفلسطينيَّة بصورةٍ خاصَّة، وفي ذلك يقول: "اهتمامي بهذه المشكلة قديمٌ؛ لأني أعتقد أنَّ قضية فلسطين هي مفتاح القضايا العربيَّة كلها، وهي قضية حياة أو موت بالنسبة للشعب العربي كله"[66].

إنها قضيَّة لا تخصُّ الفلسطينيين وحسب، وإنما الشَّعب العربي كله، وما من شكٍّ أنَّ الأدباء العرب هم المعنيُّون الأوَّلون بهذه القضيَّة، وسلاحهم في هذه المعركة هو أقلامهم التي بين أصابعهم، وهو سلاحٌ يُدرِكُ باكثير مدى خطورته "فرُبَّ قلمٍ يكونُ له من الأثر في تحريك الجماهير العريضة وإلهاب حماسها وتعميق وعيها ودفعها إلى العمل ما يفوقُ كثيرًا أثر السلاح الذي يحملُه المقاتل في ميدان المعركة"[67].

وهو سلاح لم يغفلْه بنو صِهيَوْن كذلك؛ لذا فالعرب أولى باستخدامه، وهم أرباب اللسان والقلم على تقادُم العهود؛ ومن ثَمَّ نرى باكثير يُنبِّه أقرانَه من الأدباء إلى الأدوار المناطة بهم، ويتعيَّن عليهم أداؤها أداءً واجبًا يتمثَّل أبرزها في تبصير الأمَّة بما يحيطُ بها من مؤامرات ومَن يتربَّص بها من أعدائها على أنْ يكون الأديب حكيمًا في التصوُّر والمعالجة و"أنْ يَعِي دورَه في المعركة، فلا يُبدِّد مواهبه فيما لا يُجدِي على المعركة شيئًا، بله ما يُعطِّلها أو يعوقُها؛ كاختيار الموضوعات المثبِّطة للهمم والموهنة للعزائم، أو انتحال البدع الأدبيَّة المنحرِفة التي هي في بلادها نتاجُ اليأس الشائع هناك والانحِلال والتمزُّق والضَّياع.

فليس لنا أنْ نَسْتَنْبِتَها عندنا مجارات لتلك البلاد، إنَّنا نعيش معركة ضاربة ضدَّ مَن يريدون سلْب وجودِنا ذاته، فلا مكانَ في أدبنا لنغمات اليأس والضَّياع والشك والعبث والوهن"[68].

لكن ليس معنى ذلك أنْ يُضحِّي الأديب بإحسانه لفنِّه في سبيل الجري وراء موضوعٍ بعينه قبل أنْ تتكون لديه التهيئة النفسيَّة والشعوريَّة لتشكيل الموضوع أو الأفكار في قوالب فنيَّة تليقُ بها، وباكثير هنا يؤمنُ بقُدرة الأديب الفنان على إنتاج أعمالٍ فنيَّة يستوحي موضوعاتها من حماسته المتوقِّدة لأفكارٍ أو قضايا في الإصلاح الاجتماعي أو السياسي، لكن في الوقت نفسِه يُنبِّهه إلى "أنْ يحرص الحرصَ كلَّه على سلامة عملِه من الوجهة الفنيَّة، وأنْ يُدرِكَ أنَّ ذلك هو السبب الوحيد لجعْل الرسالة التي ينطَوِي عليها بليغة التأثير"[69].

رحم الله أديبنا الكبير علي أحمد باكثير، لقد كان حَقًّا في أدبه ونقده صاحبَ رسالة، حملها وأدَّاها بكلِّ تجرُّد وثقةٍ وبسالةٍ، فعفا الله عنه وتقبَّل أعماله.

المصدر: من أبحاث (مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية)، المنعقد بالقاهرة في 18 – 21 جمادى الآخرة 1431هـ، 1 - 4يونيه (حزيران) 2010م.

--------------------------------------------------------------------------------

[1] "مع علي أحمد باكثير"؛ عمر بن محمد باكثير، اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، حضرموت، 1985م، 17.

[2] نفسه 15.

[3] "الجامع"، محمد عبدالقادر بامطرف، دار الهمداني، عدن، ط2، 1984م، 2/270.

[4] "سياحة في كتاب"؛ علي أحمد باكثير، التهذيب، سيئون ع4، 1349هـ، 70.

[5] "مع علي أحمد باكثير"، ص57.

[6] "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"؛ علي أحمد باكثير، دار مصر للطباعة، القاهرة، 8.

[7] "أزهار الربى في شعر الصبا"؛ علي أحمد باكثير، الدار اليمنية للنشر والتوزيع، 1978م، 56.

[8] نفسه 134.

[9] نفسه163.

[10] "ديوان الشرنوبي"، تقديم علي أحمد باكثير، دار مصر للطباعة، القاهرة، د.ت، ص7.

[11] "أزهار الربى"، 150.

[12] "في النقد الأدبي"؛ د. شوقي ضيف، دار المعارف، مصر، ط3، د.ت، 148.

[13] "أزهار الربى"، 134.

[14] نفسه 163.

[15] "فن المسرحية"، 9.

[16] نفسه، 14.

[17] نفسه، 13.

[18] نفسه، 9، لكن مع الزمن وتكرار التجارب في هذا النوع الشعري ثبت صلاحية تلك الأبحر المزدوجة التفعيلة لنظمِه.

[19] نفسه، 12.

[20] "علي أحمد باكثير.. آراء وأحاديث"؛ اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، حضرموت، 1989م، 17.

[21] "فن المسرحية"، 9.

[22] "باكثير آراء وأحاديث"، 16.

[23] نفسه، 17.

[24] نفسه، 2، وانظر: "شعراء اليمن المعاصرون"؛ هلال ناجي، منشورات مؤسسة المعارف، بيروت، 1996م، 288.

[25] "أزهار الربى"، 89.

[26] "مع علي أحمد باكثير"، 18.

[27] "ديوان أبي تمام"، المطبعة الأدبية، بيروت، 1889م، 67.

[28] انظر: "الموازنة بين أبي تمام والبحتري"؛ للآمدي، دار المعارف، 1961م، 205.

[29] "سياحة في كتاب"، التهذيب، ع4، 71.

[30] "ديوان البحتري"، دار الصحوة للنشر، القاهرة، 2009م، 111.

[31] "ديوان بن زيدون"، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط3، 1965م، 115.

[32] "ملاحظات سائح في ديوان بن زيدون"؛ علي أحمد باكثير، النهضة الحضرمية، ع6 و7، يوليو 1933م، 2.

[33] "عباس العقاد ناقدًا"؛ عبدالحي دياب، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1966م، 384.

[34] "مقدمة ديوان الشرنوبي"، 10.

[35] نفسه، 11.

[36] نفسه.

[37] نفسه.

[38] نفسه، 12.

[39] نفسه.

[40] نفسه.

[41] "من الوجهة النفسيَّة في دراسة الأدب ونقده"؛ محمد خلف الله أحمد، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، ط2، 1970م، 239.

[42] "فن المسرحية من خلال تجارب الشخصية"، 31.

[43] نفسه، 34.

[44] نفسه.

[45] نفسه.

[46] نفسه، 42.

[47] نفسه.

[48] نفسه، 64.

[49] نفسه.

[50] "الأدب وفنونه"؛ د. عز الدين إسماعيل، دار الفر العربي، ط7، 1978م، 253.

[51] "المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"؛ 65.

[52] نفسه.

[53] نفسه.

[54] نفسه، 67.

[55] نفسه، 69.

[56] نفسه، 75.

[57] نفسه.

[58] نفسه، 74.

[59] نفسه.

[60] نفسه، 79.

[61] نفسه.

[62] "علي أحمد باكثير رائد التحديث في الشعر العربي المعاصر"؛ د. عبدالعزيز المقالح، دار الكلمة، صنعاء، 141.

[63] انظر مثلاً ص31 و51 و87.

[64] "مقدمة في الأدب الروماني الحديث، باكثير الوجه الفكري مجموع مقالات باكثير"؛ د. محمد أبو بكر حميد، مخطوط، 262.

[65] "دور الأديب العربي في المعركة ضد الاستعمار والصهيونية"، نفسه، 310.

[66] "مسرحيتي القادمة"، نفسه، 267.

[67] "دور الأديب العربي في المعركة"، 301.

[68] نفسه، 308.

[69] "فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية"، 36.

 

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3776300 عدد الزوار
914 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017