مسلسل عمر ونبوءة باكثير
2012-07-25

 

بقلم: د. عبد الحكيم الزبيدي

بعرض مسلسل عمر في رمضان الحالي وتجسيد شخصية  عمر رضي الله عنه بالصورة والصوت، تتحقق نبوءة الأديب علي أحمد باكثير بعد حوالي خمسة وأربعين عاماً من إطلاقها، أما التفاصيل فسنتحدث عنها بعد قليل. وقبل ذلك يحسن بنا أن نشير إلى أن باكثير لم يكن ضارباً للرمل، ولا عرافاً، ولكنه كان ذا بصيرة ثاقبة، وعقل راجح، يرى الحاضر فيستشف من خلاله المستقبل.

وحكاية باكثير مع النبوءات حكاية طويلة، حتى أن موضوع النبوءات في أدبه يستحق أن يفرد بدراسة خاصة. فقد تنبأ باكثير في مسرحيته السياسية الشهيرة (شيلوك الجديد-1944) بقيام دولة الكيان الإسرائيلي في فلسطين قبل قيامها بأكثر من ثلاث سنوات، في وقت لم يكن ذلك الأمر يخطر على بال كثير من السياسة بله الأدباء وعامة الناس. وفي رواية (الثائر الأحمر-1948) تنبأ باكثير بانهيار الفكر الشيوعي بثورة من الداخل، وهو ما حدث بعد حوالي خمسين عاماً من كتابة هذه الرواية. والعجيب أن باكثير أطلق تلك النبوءة في وقت كان الفكر الاشتراكي والشيوعي في أوج انتشاره وقوته، حتى أنه بدأ يزحف إلى العالم العربي والإسلامي، ويعتنقه كبار الساسة والأدباء والمفكرين العرب والمسلمين. وفي مسرحية (إمبراطورية في المزاد-1952) تنبأ باكثير بقيام الكتلة الثالثة، حيث كانت أمريكا والاتحاد السوفيتي هما قطبا السياسة آنذاك، فتنبأ بظهور كتلة ثالثة محايدة، لا تتبع أمريكا ولا روسيا، وهو ما تحقق بعد كتابة المسرحية بثلاثة أعوام حين قامت كتلة ما عرف بدول عدم الانحياز. وتنبأ باكثير بثورة القنال في مسرحيته الشهيرة (مسمار جحا-1952) التي تحولت إلى فيلم سينمائي, كما تنبأ بنهاية الرئيس العراقي عبد الكريم قاسم في مسرحية (الزعيم الأوحد-1959)، فجاءت نهايته في الواقع كما رسمته المسرحية.

ويطول بنا الحديث لو حاولنا استقصاء النبوءات في أدب باكثير وتتبعها، ولكننا نكتفي بهذه الإلماعة لنعود إلى موضوع عمر ونبوءة باكثير حول تمثيل شخصيته، فلذلك قصة لا تخلو من طرافة ومرارة.

أما الطرافة فلأن باكثير تنبأ –إذا جاز التعبير- بأن شخصية عمر ستمثل وتجسد في يوم من الأيام، وها هي نبوءته تتحقق بعد وفاته بحوالي خمسة وأربعين عاماً. وأما المرارة فلأن باكثير أنفق عامين من عمره، تفرغ فيهما لكتابة مسرحية طويلة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في تسعة عشر جزءاً أسماها (ملحمة عمر).

وقد حصل باكثير على منحة تفرغ لكتابة هذه الملحمة لمدة عامين (1961-1963)، أمضى الشهور العشرة الأولى منها في البحث والدراسة والمراجعة، فقرأ ما لا يقل عن مائة وخمسين مرجعاً تحتوي على ما لا يقل عن ثلاثين ألف صفحة باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، بجانب الاعتماد على حوليات الإسلام باللغة الإيطالية، كمرجع للترتيب الزمني للأحداث. وقد كتبها باكثير في أخريات حياته بعد أن تمرس بالفن المسرحي، فجاءت آية في حسن السبك وتماسك البناء، وروعة الحوار. وقد التزم باكثير في حوارها لغة عصر صدر الإسلام بما فيها من جزالة وأسلوب أصيل، حتى تحس وأنت تقرأها كأنك تعيش في ذلك العصر وتعيش أحداثه.

وقد اختار باكثير الشكل المسرحي  لهذا العمل الضخم، على الشكل الروائي رغم تمرسه به وتمكنه منه أيضاً، لأنه كان يرغب في أن تمثل على المسرح ليرى الناس ويشاهدوا عدل الإسلام وسماحته ممثلة في الخليفة الثاني عمر رضي الله عنه، في وقت أخذ المسلمون يتلفتون نحو الشرق والغرب يستمدون منهما  أنظمة الحكم التي تحقق لهم العدالة والحرية والديمقراطية.

ويجيب باكثير حين سئل عن الخطوط العريضة لملحمة عمر بقوله: يمكن تلخيص هذه الخطوط في هذه الكلمة الجامعة: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بمثل ما صلح به أولها"، ففي عهد عمر تكون وتشكل هذا الذي نطلق عليه اليوم "الوطن العربي" على نظام ديمقراطي حر، وهو في روحه بالنسبة لظروفه أسمى ما بلغه نظام حكم في التاريخ، وهو في نفس الوقت يتسم بروح إنسانية عالمية قائمة على العدل  والمساواة بين البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم ومذاهبهم. ونحن في نهضتنا الحاضرة أحوج ما نكون إلى الاقتداء بسيرة عمر الزعيم الإسلامي الأمين الذي يحرص على اتباع السنة ويجتهد مع ذلك في ابتداع الوسائل الجديدة في مواكبة التطور في جميع ميادين الحياة" (من حوار أجراه معه الدكتور عبده بدوي نشر في مجلة الرسالة سنة 1964).

وتعد (ملحمة عمر) أفضل عمل درامي لباكثير،  فقد صاغ هذا العمل المسرحي الطويل في تسعة عشر فصلاً يتكون كل فصل من مناظر تصل إلى عشرة، استوعب فيها حياة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه منذ توليه الخلافة حتى استشهاده. وقد أطلق عليها باكثير اسم (ملحمة) رغم أنها مكتوبة بالنثر لا بالشعر، لأنه لم يجد تصنيفاً آخر أفضل منه، كما قال، حيث لا يمكن أن تسمى (مسرحية) نظراً لطولها. وتعد (ملحمة عمر) ثاني أطول عمل درامي في العالم بعد (ملحمة الحكام)  للشاعر الإنجليزي توماس هاردي (1840-1928) التي صاغها شعراً في تسعة عشر فصلاً عن حروب نابليون؛ بل يرى باكثير أن عمله أطول من عمل هاردي.

ونظراً لطول الملحمة وتعذر تمثيلها على المسرح، لأنها بذلك ستحتاج إلى خمس عشرة ليلة على الأقل من العرض، فقد رأى باكثير أن الوسيلة الوحيدة لإخراجها هي التلفزيون. وهذه نبوءة أخرى لباكثير تتحقق اليوم، حيث أصبح التفلزيون –لا المسرح- هو الذي يستقطب جمهور المشاهدين. وقد كانت أمنية باكثير هي أن تطوف فرقة تمثيلية بالملحمة أقطار العالم الإسلامي كله لتعرض هذه المسرحية على شعوبها، فيروا عدل الإسلام ويجدوا إجابة لكل الأسئلة التي تخطر على بالهم. وهذه الأمنية تحققها اليوم القنوات الفضائية التي لا يصل إرسالها إلى الأقطار الإسلامية فحسب، بل إلى كل أقطار العالم.

غير أن حلم باكثير في أن تمثل هذه الملحمة على خشبة المسرح تبدد آنذاك بسبب رفض الأزهر تمثيل شخصية عمر بن الخطاب. ويرى باكثير أن موقف الأزهر موقف متناقض مع نفسه لأنه يجعل الصحابة طبقات، فإما أن يمنع العلماء ظهور الصحابة جميعاً على المسرح وإما أن يجيزوا ظهورهم، أما أن يمنعوا ظهور عمر ويجيزوا ظهور أبي عبيدة الذي لا يقل ورعاً وأسبقية إلى الإسلام عن عمر بن الخطاب فهذا موقف متناقض، في رأي باكثير. ويرى باكثير أن المسرح والتمثيل عموماً من الوسائل الحديثة للدعوة التي يجب أن تستغل، ولا يرى بأساً في تمثيل شخصيات الصحابة إذا اتخذت الاحتياطات اللازمة. وقد ظل باكثير على ثقة من أنه سيأتي يوم يسمح العلماء فيه بتمثيل شخصية عمر.

وها هي نبوءته تتحقق اليوم بتجسيد شخصية عمر في التلفزيون، ولكن مع الأسف لم يتم تمثيل الملحمة التي أنفق باكثير عامين من عمره ووقته وجهده وهو يؤلفها ويبدعها، وإن تحققت نبوءته فإن حلمه بتمثيل الملحمة لم يتحقق.

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3774882 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017