مع باكثير في موارده الفكرية والمنهجية
2012-08-06

مع باكثير في موارده الفكرية والمنهجية

الثائر الأحمر نموذجًا

 د. فارس العزاوي

إن القيمة الموضوعية لأي نص مهما كانت صورته ومرجعيته إنما تتأتى من جانبين:

الأول: الأفكار التي يتضمنها هذا النص، فكلما كانت الأفكار كثيرةً ومتنوعة، ساعدت في تحسين صورة النص، وعكست حجم الاطلاع الفكري والعلمي لصاحبه.

 

الثاني: توظيف هذه الأفكار في إطار منهجي جامع؛ بحيث يتسلسل صاحب النص وفق منهجيته المتبعة في تحقيق مقاصده وأغراضه من إنشاء نصه، وكلما كانت المنهجية بأبعادها النصية محكمة، كان النص آخذًا بتلابيب القارئ، بحيث يجعله أسيرًا لأسلوبه، مقيدًا بسلاسل أفكاره، وفارق كبير بين نص مفكك الروابط، ونص أفكاره مترابطة وسياقه متداخل محكم.

 

ولعلنا في مقامنا هذا - ليس عن شك - نلمس القيمة الموضوعية للنص الذي بين أيدينا، فقد استطاع باكثير أن يفرض على القارئ لنصه هذا أسلوبَه، وجعله متفاعلاً معه في سياقه بحيث لا يود مفارقته، ولا أخفي على قارئ هذه السطور حجم التأثر الذي أحسست به وأنا أقرأ هذه الرواية، فقد بلغ بي هذا الإحساس إلى درجة التصور والتخيل أني أعيش تلكم الأحداث والوقائع، وكأني أحد شخوصها وأطرافها؛ وما ذلك إلا بسبب الإحكام والإتقان الذي لمسته في صياغة هذا النص، ولست بطبيعة الحال بصدد أن أقف ناقدًا أو محللاً لنص باكثير من حيث قيمته الأدبية، إلا أني سأقف محاولاً تفكيك هذا النص؛ لمعرفة جذوره الفكرية والمنهجية بصورة تعكس منهج التلقي عند الكاتب.

 

ويمكن الوقوف على أبعاد أربعة تجلت في رواية باكثير:

الأول: البعد القرآني:

يتجلى هذا البعد في رواية باكثير في إطارين.

 

الأول: تأكيده على منهج الحوار، وهو أحد الأساليب القرآنية التي استخدمها القرآن في تحقيق مقاصده؛ إذ إن إقامة الحجة تقتضي التنزل مع الخصوم وفقًا لمنهجية التسليم الابتدائي؛ كما هو معلوم عند أهل الجدل، دون أن يقتضي ذلك الرضا بما يقوله الخصم أو يقرره، ولك أن تتأمل الآية الآتية؛ لتعرف أن هذا الأسلوب أصيل في كتاب الله، قال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258].

 

لقد كان تأثر باكثير بهذه المنهجية القرآنية واضحًا وظاهرًا؛ إذ يظهر ذلك من خلال غلبة أسلوب الحوارات على روايته هذه، ولا شك أن استخدام هذا الأسلوب يحقق جملةً من الأغراض والأهداف لا يمكن تحقيقها في منهج سواه، وأبرزها[1]:

تقديم الأدلة والبراهين على كون المنهج حقًّا.

الوقوف على حجج الخصوم، وهذا يساعد على جعل الحجة أقوى من كونها منفردة.

تيسير الإقناع والقبول بالحجج والأدلة.

ترتيب الحجج الإقناعية داخل النص.

 

لقد كان باكثير موفقًا في اتباعه هذه المنهجية، من أجل تحقيق مقاصد الرواية، ولعلك تتفق معي أننا بحاجة إلى الوقوف على نص ضمني للرواية، يظهر من خلاله أثر هذا المنهج؛ يقول - رحمه الله - وهو يصف موقف أبي البقاء أحد شخوص الرواية المؤثرين:

"ولم يكد أبو البقاء يخرج إلى أتباعه المستضعفين من مختلف الأصناف؛ ليزورهم ويتفقَّد نقاباتهم، وليبشرهم بالعهد الجديد الذي يوشك أن يدفع عنهم الحيف، ويبسط لهم الرخاء والعدل، حتى هاله ما رأى وسمع من آثار انبعاث فتنة الكرماني من جديد، وأن أبا البقاء لجالس يومًا بين أصحابه في حي من الأحياء الفقيرة في بغداد، وهو يعظهم في هذه الفتنة، إذ تصدى له نفر من أهل الحي، فشكوا إليه سوء حالهم، وسألوه: ما حُكم الله في ذلك؟ وكان أحدهم فقيرًا ذا عيال، والثاني فلاحًا، والثالث عاملاً من العمال، فأخذ يجيبهم واحدًا بعد واحد، فكان مما قاله للأول: إن الله قد فرض له حق الفقير، وهو أن يكون له ولمن يعولهم بيت صالح يأوون إليه بمتاعه وماعونه، وطعام طيب من أوسط ما يطعم الناس في غير أشر ولا بطرٍ، وكسوة للصيف، وأخرى للشتاء من أوسط ما يلبس الناس، بلا زهو ولا خُيلاء، وفضل نفقة للعيد يوسع بها على زوجه وعياله، ويصرف له ذلك من الزكاة ما وفت به، وإلا أخذ له ذلك من فضول أموال الأغنياء، فما الزكاة المفروضة إلا الحد الأدنى لما يؤخذ من مال الغني ليرد على الفقير، وهذه تؤخذ في وقتها المعلوم من نصابها المعلوم، ولو لم يوجد مَن يستحقها، فتودع حينئذ في بيت المال، أما الفضول فتُفرض عند الحاجة على قدر الحاجة، وقال للثاني: إن لك من ريع الأرض التي تعمل فيها ما يكافئ عملك لو استأجرتها من المالك، فعمِلت فيها لحسابك، ولمالكها القابع في داره من ريعها ما لا يزيد على أُجرة مثلها لو أجَّرها لك أو لغيرك، فإن لم يفِ ذلك بنفقتك ونفقة عيالك، كنت حينئذ مسكينًا، فتعطيك الدولة قدر ما ينقصك، حتى يكون عندك البيت الصالح، والطعام الطيب، وكسوة الصيف، والشتاء ونفقة العيد، وقال الثالث - وكان يعمل في إحدى معاصر الزيت: إن لك من ثمرة العمل ما يكافئ جهدك لو أن المعصرة كانت ملكًا لك، ولصاحبها ما يساوي أجر معصرته لو أجَّرها لغيره، وله فوق ذلك ما يكافئ جهده في حسن التدبير لها، والإشراف عليها، على أن يحط من ذلك كله ما يستهلك من آلة العمل ويتلف، فإن لم يقم هذا بكفايتك وكفاية مَن تعولهم، فلك على الدولة حق المسكين، فاقتنعوا جميعًا بأن فيما أفتاهم به غاية العدل، ولكنهم قالوا له: أين هذا يا أبا البقاء مما نحن فيه؟ فقال لهم: ذاك ما شرح الله صدر خليفتكم الجديد لإصلاحه من الفساد، فانتظروا ولن يطول انتظاركم - إن شاء الله - وقام أبو البقاء من مجلسه وقد وقر في نفسه أن الأمر جد، وأن القرامطة قد نفثوا سمومهم في الناس، وأن الناس معذورون في الاستجابة لهم، وأنه إذا كان هذا حالهم في قلب الدولة، فكيف حالهم في أجزائها وأطرافها؟".

 

وأما في الإطار الثاني، فنجد أن باكثير اقتبس بعض الآيات القرآنية بين يدي أسفاره الأربعة في محاولة منه - فيما يظهر - أن يربط بينه وبين أغراض روايته، وهنا يعرض تساؤل في غاية من الأهمية: هل كان الاستدلال بالآيات وفق منهج الاستظهار أو منهج الافتقار؟ والفارق بينهما أن الأول يحاول من خلاله صاحبه توظيف الآيات القرآنية لمصلحة نصه؛ مما يجعل كلامه حاكمًا على النص القرآني، وبذلك يفقد النص القرآني بُعده المطلق الذي قصده شارعه، أما منهج الافتقار، فإن المستدل به يجعله منطلقًا - بحكم كونه نصًّا مطلقًا - ينزله على نصه النسبي؛ وبذلك تكون البداية من القرآن بخلاف سابقه، ولا يمنع في هذا السياق أن نقرر أن القرآن بحاجة إلى قراءة بشرية اجتهادية، نستطيع من خلالها أن ننزل القرآن على الواقع بغية إصلاحه وتقويمه، فيكون القرآن فاعلاً ومؤثرًا في الحياة البشرية، وهذا هو المقصد من إنزاله، وبالمقابل يحتاج الواقع النسبي إلى الاسترشاد بالوحي، وبناءً على ذلك يحق لنا أن نرسم بالقول مقررين أن باكثير كان مستدلاًّ بهذه الآيات، وفقًا لمنهج الافتقار لا الاستظهار، وهاك برهان ذلك.

 

الآية الأولى في روايته هي قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾ [الإسراء: 16]، ومقتضى الآية كما يقول أهل التفسير: إن الله إذا أراد أن يهلك قرية من القرى الظالمة، ويستأصلها بالعذاب - أمر مُترفيها أمرًا كونيًّا قدريًّا، ففسَقوا فيها، واشتد طغيانهم، فحقَّت عليهم كلمة العذاب التي لا مردَّ لها، فكان مصيرها الهلاك والتدمير، ولو تأمَّلنا نص باكثير هذا في سفره الأول، يمكننا معرفة الصورة البشعة التي كانت عليها بعض شخوص الرواية، الذين كان لهم أبرز الأثر في إفساد المجتمع، ولك أن تتصور وتتخيل ما شئت بعدما تقرأ النص الآتي الذي يصف حال كل مجتمع يسود فيه أمثال هؤلاء: "كان الحسين الحطيم - فيما يروي حمدان عن أبيه - يملك خمس ضياع متفرقة في تلك الناحية، يفصل بين بعضها وبعض ضياع صغيرة لغيره من صغار المُلاك والمزارعين، كان جدهم يعمل في أرضه بنفسه، ويستغلها لحسابه، فجعل الحطيم يستخدم ماله وجاهه عند السلطان في الإحاطة بأولئك الملاك الصغار، والتضييق عليهم بمختلف الوسائل وشتى الطرق، فحينًا يدفع الأشقياء إلى إتلاف القنوات التي تسقي تلك المزارع، وحينًا يغري اللصوص ليسطوا على ثمارها ليلاً، أو يفسدوا زرعها، أو يشعلوا النار في سنابلها قبيل الحصاد، وحينًا يرشو عامل القرية؛ ليوعز إلى جُباته الغلاظ أن يفرضوا على أولئك المساكين خراجًا أكبر مما تحتمله أرضهم، ويشتطوا في مطالبتهم بذلك؛ حتى يرهقوا كواهلهم، ويضطروهم إلى الاستدانة؛ إما من يهودي القرية بالربا، أو من أحد تجارها، على أن يستولي التاجر على غلات أرضهم أو ثمارها بالأسعار التي يقترحونها، فما لبث الملاك أن رهنوا أملاكهم، ثم ما لبثت الرهون أن أُغلقت، فيتقدم سماسرة الحطيم لشرائها واحدًا بعد واحد بأثمان مبخوسة، فما هي إلا أعوام معدودة حتى اتصلت ضياع الحطيم بعضها ببعض، وصارت تلك الناحية كلها ملكًا خالصًا له، وما ينس حمدان من الأشياء، فلن ينسى أن والده كان أحد أولئك الملاك الصغار الذين سقطت أملاكهم في يد ذلك المالك الكبير، ولو بَقِيت لوالده ضيعته الصغيرة، لورِثها عنه، فاستطاع أن يعيش فيها عيشة طيبة هو وأهله وعياله، ويتمتعوا بثمرات عملهم وكدِّهم، ولم يثبت للحطيم في ميدان الصراع على امتلاك أراضي تلك المنطقة، وانتزاعها من أيدي أهلها الصغار، إلا مالك كبير آخر هو أبو الهيصم ابن أبي السباع من وجهاء تلك القرية، ماله مثل مال الحطيم، وجاهه ونفوذه ومطامعه، وقد سلك مثل السبل التي سلكها منافسه، وتم له من الاستيلاء على أملاك جيرانه الضعفاء، قريب مما تم للحطيم، وهكذا أصبح هذان المالكان سيدَي القرية، يتنازعان النفوذ فيها لدى ذوي السلطان من عامل القرية إلى والي الكوفة إلى الوزراء ورجال البلاط في عاصمة الخلافة".

 

في مقدمة السفر الثاني جاء قوله تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 175 - 176].

 

والآيتان مثل ضرَبه الله لمن عرض عليه الهدى، فأبى أن يقبله وترَكه، والصورة نفسها تناسبت ما بين استدلال باكثير بالآيتين، وبين صورة عبدان إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية، وخلاصتها أن عبدان "كان قد قضى عامين في واسط؛ حيث استقر به المقام عقب فراره من قريته متنكرًا في زي طلاب العلم، فاشتغل بطلب العلم محمولاً عليه في أول الأمر، ولكنه لم يلبث أن لذَّ له ذلك، فلازم شيوخ العلم بها، وجد واجتهد في الدرس والمطالعة، يساعده في ذلك فرط ذكائه وتوقُّد ذهنه، وصفاء قريحته، فما تم له عامان حتى ظهر نبوغه وتقدُّمه على الأقران في كل ما اشتغل به من فروع العلم، ولا سيما في الفقه"، إلا أن فِقهه وعِلمه لم ينفعه؛ لسوء طويَّته، وفساد نيَّته، وخُبث مقاصده؛ حيث وقع في حبال الرجل الكرماني الذي كان داعيةً لمذهبه الفاسد، فكان عبدان صورة من صور الآيات التي استدل بها باكثير.

 

لقد أثبت باكثير من خلال مقدمات أسفاره، وما تضمنتها من أحداث ووقائع - حُسن توظيفه للآيات القرآنية؛ حيث عبرت عن قدرته في الغوص في معاني الآيات، وهذا يثبت بطبيعة الحال عِظَم الأثر الذي تركه القرآن في نفسيته، ويؤكد - بما لا مجال للشك فيه - أن الرجل كان يعيش مع القرآن، ويتفاعل معه، ويتأثَّر بنصوصه، وهو أمر لا يتأتَّى لأي إنسان ما لم يكن القرآن مرجعه وموئله، ينهل منه، ويتروَّى بمَعينه، والقرآن يعطي الإنسان بقدر اهتمامه به وعنايته له.

 

الثاني: البعد الفقهي:

لقد أثبت باكثير في ثنايا روايته عُمق اطلاعه على كثير من الأحكام الشرعية بصورة تظهر تنشئته العلمية في ظلال علوم الشريعة، وقد استطاع توظيف هذه الأحكام في تحقيق مقاصده وأغراضه الروائية، وهو أسلوب يعتبر - في ظني - سائغًا بل مبدعًا، بحكم محاولته تصوير هذه الأحكام في إطار حواري روائي، يخرجها من صورها المجردة التي اعتادت كتب الفقه إظهارها إلى الدرجة التي تصيب طالب العلم بشيء من المَلل إن لم يتجاوزها إلى صور أخرى، ولعل من المفيد أن نُنبه في هذا السياق إلى أن العلوم الشرعية بحاجة إلى وسائل متعددة، يتسنَّى لأربابها من خلالها نشْرها وتبليغها وتعليمها للناس، وتكاد تكون هذه الصورة التي يعرضها باكثير إحدى صورها؛ سواء كانت في إطار قصده أو عدمه، قال باكثير واصفًا شخصية عبدان ومظهرًا اهتمامه الفقهي والشرعي: "وإنه ليقرأ اليوم في باب الزكاة، أو باب المزارعة والمساقاة، أو باب الأجير، أو باب الجعالة، أو غير ذلك من الأبواب التي تبحث في معايش الناس ومعاملاتهم، وترشد إلى تنظيمها على وجه يكفل العدل والخير لجميع الناس على اختلاف طبقاتهم، وقطْع دابر الظلم عنهم".

 

إن النص المتقدم يظهر باكثير من خلاله بعدًا آخر غير البعد الذي اعتاد عليه طلبة العلم والفقه في دراستهم للأحكام الشرعية العملية؛ حيث بيان الأحكام الشرعية والفتاوى لما يحدث للناس من قضايا، إنه ينبه في نصه هذا إلى الأثر الذي يحدثه طلب العلم والفقه في المجتمع الإسلامي، حيث يكونان وسيلةً من وسائل الإصلاح المجتمعي، ولا شك أن هذا يمثل انعكاسًا للمنهجية القرآنية التي تأثر بها باكثير، لا يمكن أن تتأتى لغيره ممن غاص في بطون الكتب الفقهية بعيدًا عن مرجعيتها القرآنية الكلية، لقد أدرك باكثير - فيما يظهر لي - أن المجتمع الإسلامي بحاجة إلى التوءَمة بين الجانب العلمي والجانب الأخلاقي والسلوكي، وهذا لا يمكن إلا بأن يجمع المرء بين التعليم والتزكية، كما جمع بينهما القرآن مبينًا وظيفة الأنبياء والرسل؛ قال تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 151].

 

فالآية تظهر هي ومثيلاتها مدى أهمية التزكية والتربية إلى درجة جعلها مقصدًا من مقاصد القرآن العليا، فهل كان فقهاؤنا معبرين عن هذا المقصد، مستحضرين له تعليمًا وتأليفًا؟!

 

ثالثًا: البعد التاريخي:

لقد كان الزمن الذي جعله باكثير ظرفًا لروايته هو زمن الدولة العباسية التي مرت بمراحل متعددة قوة وضعفًا، تأثيرًا وتأثرًا، وحدة وتفرُّقًا، ولا أستطيع الجزم في بيان العلة وراء اختيار ذلكم الظرف الزمني؛ لجعله محضنًا لأحداث روايته، إلا أنه يبدو لي في إطار التكهن المباح أن باكثير أراد باختيار ظرفه الزمني هذا أن يبرز مرحلة من مراحل التاريخ الإسلامي، أحاط بها الغموض؛ بحيث لم تكن محل اهتمام المؤرخين على وجه التفصيل والبيان، كغيرها من المراحل التاريخية، ومرجع ذلك - فيما يظهر- صعوبة الوقوف على معارف ومعلومات كافية للغوص في ثنايا تلكم المرحلة توصيفًا وتحليلاً، وقد أشار إليها الطبري إشارات عابرة في تاريخه، بخلاف مثيلتها في الفكر والمنهج والمعتقد - أعني دولة القرامطة في البحرين - حيث بيَّنت كتب التاريخ شأنهم وحوادثهم ووقائعهم المشينة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يظهر أن باكثير التمس جانبًا من جوانب المماثلة في هذه المرحلة التي تتناسب مع ما عايَشه من مراحل عصره في القرن العشرين؛ حيث تتشابه وتتقارب الرؤى والأفكار والمقاصد والأغراض، وهذا ليس من فراغ، وإنما مرجعه إدراكه لأهمية قراءة التاريخ، والخروج منه بالدروس والعِظات، مؤكدًا مرة أخرى تأثره بالمنهجية القرآنية، التي اتخذت من تاريخ الأمم سبيلاً لتحقيق العبر، إنه يشير - رحمه الله - إلى أهمية استغلال التاريخ وربْطه بالأفكار؛ ليتسنى لحمَلَة المنهج تقريبه للناس من خلال أمثلة واقعية، وليثبت لهم أن حوادث التاريخ، وإن كانت ليست متطابقة صورة، إلا أنها متقاربة فكرًا ومنهجًا، وليبين أهمية البحث في التاريخ عن وصفات علاجية تمثل وسائل معينة على تجاوز أدواء الحاضر ومشاكله، مع التنبيه على عدم كونه الوصفة الوحيدة، وإنما شأنها أن تكون وسيلة من الوسائل ومنهجًا من المناهج.

 

لقد أظهرت رواية الثائر الأحمر هذه حجم العمق الفكري التاريخي، الذي امتلكه باكثير، من خلال غوصه في كتب التاريخ وتوظيفها في كتاباته ومؤلفاته المتعددة، وأرسل رسالةً من خلالها لأمته الغافلة، مبينًا حجم الخلل الذي أصابها بسبب بعدها عن تاريخها وأمجادها، ولا يغيب عن ذهن القارئ أن الاهتمام بالتاريخ لا يكون من جهة التباكي على أمجاد الماضي، وتذكر صفحاته المضيئة دون النظر إلى مقتضيات الحاضر، إنما هو من جهة تلمس الدروس والعظات، لقد حاول باكثير من خلال أحداث روايته، وسرد وقائعها، أن يبين أهمية النظر السُّنني الذي ينبغي أن يتبع في دراستنا لمراحل التاريخ، لقد أظهر حقيقة الصراع بين الحق والباطل في إطار سنة التدافع التي أكد عليها القرآن، إننا نلمس من خلال هذا النص حجم قوة الباطل في مواجهة الحق؛ حيث اجتمع على محاربته عدة جهات اختلفت صورها، لكن توحدت مقاصدها، إنها دفع الحق ومنهجه، وتسويد الباطل وأهله، ظهر ذلك في الرواية من خلال القرامطة بقيادة حمدان وعبدان، وغيرهما في الكوفة وغيرها، والزنج وثورتهم في البصرة، ومحاولات التجار الفجرة الذين كانوا يمارسون أعمالاً مخالفة؛ من أجل تحقيق مصلحتهم الشخصية، من خلال التقرب إلى السلطان بشتى الوسائل الممنوعة والمحظورة شرعًا، إلا أنه في ثنايا هذه الصورة السوداء يظهر الأمل، ويظهر النور في صورة رجلين يمثلان رمزًا لحملة دعوة الحق ومنهجه، الأول منهما: مثال العالم الرباني الذي جعل علمه في خدمة الدين الحق والدفاع عنه ضد أعدائه بشتى صورهم، تمثَّل في شخصية أبي البقاء البغدادي، والثاني: مثال الحاكم العادل الذي سلطه الله على الظالمين، واسترداد حقوق المظلومين، مثله الخليفة الموفق، لقد أدرك باكثير أن هذا المنهج لا يكون إلا بعلم نافع، وعمل صالح، وسلطان حاكم، وأرسل رسالةً إلى الجميع مضمونها أن الله يزع بالسلطان، ما لا يزع بالقرآن.

 

لقد أحسن باكثير ووفق كثيرًا في توصيفه لفرقة القرامطة؛ بحيث أظهرها بصورة غاية في البشاعة والشناعة، وليس ذلك عن مبالغة، بل كان توصيفًا من واقعهم وعقيدتهم ومنهجهم المنحرف، ولو قدر للمرء أن يقرأ عنهم في كتاب من كتب التاريخ، فلن يصل في آخر الأمر إلى الصورة التي انتهى إليها باكثير في توصيفه عنهم، وهذا دليل من أدلة الإحكام والإتقان، الأمر الذي ينبهنا إلى قضية تكاد تكون مغيبة أو قريبًا منها، وهي ما من فرقة من الفرق المنحرفة في تاريخ الإسلام، إلا وكان لها مآرب اجتماعية في صورها، إلا أنها في حقيقتها سياسية دينية مبطنة، والغرض منها الطعن في هذا الدين وحملته وعلمائه.

 

الرابع: البعد الواقعي:

على الرغم من الغوص في أحداث تاريخية بعيدة في الزمن عن عصره، فإن باكثير لم يغفل عن استحضار واقعه، ذلكم الواقع الذي كان حافلاً بكثير من المفاصل الفكرية والعلمية والمنهجية، وبكثير من المواقف الموافقة والمخالفة، لقد أدرك تأخُّر أمته، وتقدُّم غيرها من الأمم، وكان في خِضَم ذلك يرى كثيرًا من أقرانه ممن أحسن مهنة الكتابة الأدبية يشرِّق أو يغرِّب، منتحلاً هذا الفكر أو ذاك - إلا من رحم الله - إنه وعلى الرغم من ذلك، أبى باكثير إلا أن يحتفظ بإسلاميته، التي اعتز بها، وجعلها المرجع لما رقمه من كتابات ومؤلفات، وقد انبرى في روايته الماتعة هذه؛ ليشكل خط الدفاع الأول ضد الأفكار الوافدة، وينبه على أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، وقد لمسنا من خلال هذه الرواية أنه اتبع منهجًا يختلف عن منهج غيره من دعاة الإسلام، الذين كانت نبرة الدفاع عن الإسلام ودفع الشبهات تملك عليهم فكرهم ووقتهم، إلا أن باكثير - فيما يظهر لي - اتَّبع منهجية مغايرة، لقد أدرك أن الانشغال بالدفاع والرد على الشبهات، يُضعف موقف الراد؛ لذلك أحسن التعبير عن منهجه، من خلال تعرية الأفكار وتوصيفها بما فيها من عورات واختلالات، ولا يغيب عن ذهن القارئ أن مراحل عصره الزمنية كانت تشهد صراعًا فكريًّا وإستراتيجيًا بين دولتين عُظميين: إحداهما تسوٍّق منهجها الاشتراكي الشيوعي، والثانية تعرض منهجها الرأسمالي الليبرالي، وما أكثر من انساق وراء الدعاية الشرقية والغربية لانتحال الفكرين والمنهجين على حساب دين الإسلام ودعوته، من خلال ذلك كله استطاع باكثير أن يعرض لنا هذين الفكرين بأسوأ صورة؛ حيث غاص في مآلات وعواقب تُبنى إحداها على كثير من الأصعدة، وانظر إلى صورة الرأسمالي البغيضة التي تجعل إنسانًا فردًا، لم يكن له أدنى جهد في جمع المال وتحصيله، كيف أنه يمتلك أموالاً طائلة وأراضي شاسعة، ليس من كسب حلال، وإنما هي ثمرة الظلم والاستبداد، وأكل أموال الناس بالباطل، وكل عام يمر تزداد ثروته وتتضخم، أما غيره فيزداد فقرًا على فقر، تلكم الصورة التي تتشدق بها دول الغرب، وتجنِّد كل وسائلها الإعلامية من أجل تحسينها، وتحاول أن توظف دعايتها من أجل تصدير فكرها إلى العالم الإسلامي، وفي المقابل نرى صورة الاستبداد الطبقي الذي يبدأ بالدفاع عن حقوق الفقراء والمساكين من العمال والفلاحين، ويزين لهم ثورته ضد الاستبداد الرأسمالي، حتى إذا حقَّق مراده منها، كشَّر عن أنيابه، وأظهر خُبثه ونَتنه، فازداد ظلمًا وتجبرًا، وهل يتناسى الناس الملايين الذين قضوا بسبب آلته وطغيانه وجبروته في دولته أو في غيرها، إن علينا أن نؤكد على أن الصراع الفكري بين الشرق والغرب كان صراعًا على الوسائل والمصالح، وإن كان في صورة صراع فكري، إلا أنهما كان يمثلان وجهين لعملة واحدة، هي المادية العلمانية، وهل يمكن أن نغفل - ونحن في إطار التوصيف الفكري - عن تلكم الوسيلة الرئيسة التي اتخذها أرباب الفكرين؛ لتحقيق أغراضهم في إفساد المجتمعات؟ إنها المرأة، لقد اتخذوها سبيلاً لقضاء شهواتهم، والوصول إلى مآربهم، فادعوا حرية المرأة، والدفاع عن حقوقها، ودعوتهم في حقيقتها إنما تصب في حرية الوصول إلى المرأة، في خِضَم ذلك كله يستعرض لنا باكثير هذين المنهجين في صورة تعبيرية باهرة في أسلوبها، بشعة في مضمونها، لا أظن أن أحدًا ممن لا يزال يحتفظ بفطرته السليمة يستمرئها، أو يتقبلها بخلاف من انطمست فطرته وجِبلَّته، وانظر إلى معسكر الفريقين المختلفين في ظاهرهما، كيف يكون همهم الاستغراق في الشهوات مع النساء وشرب الخمر وغيرها؟

 

وهي حال لم تختلف في الحاضر عن السابق، فإن ابن الحطيم، وأبا الهيصم، والكرماني، وعبدان، وحمدان قرمط، والولاة الفجرة كلهم ومن معهم، تكررت بشخوص غيرها، لكنها بقلوب وعقول فارغة إلا من أهوائها وشهواتها، لكن باكثير في مثل هذا البحر المتموج بالأحداث والوقائع، لم ينس بعدُ انقباض صدرونا أن يشرحها بمواقف أولي الأمر من العلماء والأمراء الأتقياء في الذود عن حِمى الإسلام أرضًا ومنهجًا، واستمع إليه وهو يقص علينا خبر أبي البقاء والمعتضد، فيقول: "وكان أبو البقاء البغدادي مقصًى عن العاصمة إذ ذاك بأمر الخليفة المعتمد؛ لميله إلى المعتضد ولي عهد المسلمين حينذاك، كما كان المعتضد مشغولاً بدسائس عمه المعتمد عن الالتفات لغيرها، فكان الجو مواتيًا لعبدان كل المواتاة، كما كان مواتيًا لحمدان أيضًا فيما يقوم به من النشاط الهائل بالسواد، ولم تتغير الحال عليهما إلا حينما توفي المعتمد، وبويع بالخلافة للمعتضد، ذلك أنه ما كاد المعتضد يتربع على كرسي بني العباس؛ حتى انتعشت الخلافة ودبَّت في أوصالها روح جديدة، شعر بها أولياؤها وخصومها على السواء، فما نسي الناس أنه ذلك البطل المغوار الذي خاض ميادين القتال منذ طر شاربه، واشترك مع أبيه الموفق العظيم في صراع ذلك الطاغية الخطير، طاغية الزنج، حتى قضيَا على فتنته العظمى، فأنقذا الخلافة من خطر ماحق، وكان أبو البقاء يحبه، ويتمنى على الله أن يجلسه على كرسي الخلافة يومًا ما، ليحقق في عهده كل ما رسمه من مناهج العدل، وطرائق الإصلاح، ولم يذكر أبو البقاء أنه فرح يومًا ما فرِح يوم أعيد من منفاه بدير العاقول، فهرع إلى مجلس المعتضد؛ ليقول له: السلام عليكم يا أمير المؤمنين، فتلقاه المعتضد بمزيد الحفاوة والتكريم، وأقبل عليه، وأدنى مجلسه، وأخلى له وجهه، ومن دونه الوزراء والكبراء وأصحاب الرياسات، ينظرون ويتعجبون، قال لأبي البقاء فيما قاله: "إن بابي لا يغلق دونك بليل أو نهار، وإني أعاهد الله ربي لا تدعوني إلى خطة فيها رضى الله ورسوله وخير الناس، إلا نفذتها لك ما استطعت"، فشكره أبو البقاء، وقال له: (حسبي وحسب الناس منك هذا، وإني لأرجو الله أن تكون من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله يوم القيامة)، ثم روى الحديث بتمامه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنده، ولم يلبث أن تسامع أهل العاصمة بما دار في مجلس أمير المؤمنين بينه وبين أبي البقاء، فاستبشر عامة الناس من الفقراء والمساكين خيرًا، وقوي رجاء المظلومين من الأجراء والفعلة والصناع والأكرة أن يرفع عنهم الجور الواقع بهم وبذراريهم، وتوجَّس الأغنياء وأرباب الضياع الواسعة وكبار التجار شرًّا، فأمسوا خائفين يترقبون، ولم يكد أبو البقاء يخرج إلى أتباعه المستضعفين من مختلف الأصناف؛ ليزورهم ويتفقَّد نقاباتهم، وليبشرهم بالعهد الجديد الذي يوشك أن يدفع عنهم الحيف، ويبسط لهم الرخاء والعدل، حتى هاله ما رأى وسمع من آثار انبعاث فتنة الكرماني من جديد، وقام أبو البقاء من مجلسه وقد وقر في نفسه أن الأمر جد، وأن القرامطة قد نفثوا سمومهم في الناس، وأن الناس معذورون في الاستجابة لهم، وأنه إذا كان هذا حالهم في قلب الدولة، فكيف حالهم في أجزائها وأطرافها؟ واتصل بالخليفة المعتضد، فقص عليه ما رأى وما سمع، وقال له: "إن الدين في خطر، وإن الدولة في خطر، فإن كان لا يعنيك أن تحمي دين الله، فاحم ملكك وملك آبائك".

 

إن الذي يقرأ رواية (الثائر الأحمر) لباكثير، لا يشك مطلقًا في إسلامية فكره وقلمه، ويدرك أنه يرسم من خلال كتاباته منهجًا وسبيلاً يدعو من خلاله إلى الإسلام، ويقدم بذلك تعبيرًا صادقًا عن تحمُّل مسؤولية هذا الدين، وجعْله الهمَّ الأول؛ ليكون نموذجًا لكل مسلم يغار على دينه وأمته، فرحم الله باكثير، وجعل ما كتب، وسطر في ميزان حسناته، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



[1] انظر: من أساليب الإقناع في القرآن الكريم؛ د. معتصم بابكر مصطفى، ص (66).

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3775223 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017