الاتحاف بشرح أبيات من رواية همام أو في بلاد الأحقاف
2012-09-19
للشيخ
أكرم مبارك عصبان


الإتحاف
بشرح أبيات من رواية همام أو في بلاد الأحقاف
الشيخ / أكرم مبارك عصبان
عضو مجلس علماء وادي حضرموت

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وبعد :
     فإن حضرموت في منتصف القرن الرابع عشر للهجرة كانت غارقة في الخرافة مقيدة بأثقالها ، قد صرعها التصوف أسيرة للأوهام والجهالة ، تنظر إما منا وإما فداء .
     وقد يقف الإنسان على هذا الانحراف الفكري أشتاتا في معاطف التراث الحضرمي ، وتدعو الحاجة أن يلم شعث هذا الشتات في مصدر واحد يرده الناس ، فإذا بوثيقة تلبي هذه الدعوة وتتقدم بشهادتها على هذا الواقع ، وتقدم البينة التي تقضي بقبولها ، إذ أن صاحبها مقبول العدالة ، لا يختلف في ذلك أحد إنه الأديب الأريب علي بن أحمد بكثير .
    نشأ بحضرموت وكان التصوف وأهله يبدي ويعيد في الحياة الفكرية ، وجارى دعاته الغلاة من المتصوفة ، فعكست معالمه إلى الطريقة الحضرمية ، واصطبغ بصبغتها ، وبذلك فقد هوت في مراحلها المتأخرة إلى هوة سحيقة ، وتاقت نفس الأديب بكثير إلى تغيير الواقع وإنكار الباطل بل ،  ونشر العلم الذي يقضي على السنوات العجاف التي عاشتها حضرموت ، وأراد أن يصرع الخرافة فعاج على سلاح الكلمة والأدب والشعر ، وهو أشد من وقع النبل .
      إننا نريد أن نقطف من باكورة جهود الأديب علي بن أحمد باكثير ثمرة يانعة ، ونتناول شيئا من طيبها الذي تضمنته مسرحية ( همام في بلاد الأحقاف ) فالأبيات تصلح أن تكون متنا نقوم بشرحه مع ذكر الأمثلة التي توضح المقاصد ، وهي مرآة تعكس واقع حضرموت الفكري حين شقيت بالفكر الصوفي ، وصفاء هذه المرآة يجلي الصورة واضحة للناظرين ، ومن شأن المرآة نقل الصورة دون تغيير ولا نقيصة .
    وإنني طالما كنت أدندن حول الدعوة إلى التوحيد والعقيدة الصحيحة ونبذ البدعة ومحاربة الشرك ، وهذه دندنة الأديب باكثير لهذه الغاية ، ولا ضير في اختلاف الأسلوب فحولها ندندن ، فهاك أخي شرح لأبيات من( همام في بلاد الأحقاف ) انتخبتها إبرازا لجهود باكثير في هذا المجال .
الدعوة إلى تجريد التوحيد
استقوا التوحيد من ينبوعه           
        وانبذوا كتب صفات الأربعين

ــــــــــــــ
    في هذا البيت يدعو الأديب باكثير إلى صفاء مصدر التلقي في الاعتقاد ، فالعقيدة الإسلامية عقيدة واضحة لا غموض فيها ولا تعقيد ، كالقمر ليلة البدر ليس دونه سحاب ، قائمة على النصوص من الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ، ومستند منهجهم التسليم للنصوص ، وعدم معارضتها بالعقل ، ولم يسلطوا عليها التأويل والتفويض الذي خاض فيه المتكلمون على اختلاف مشاربهم ومنهم الأشاعرة .
    والأديب باكثير في هذا المقام يشير إلى أمرين :
ـ الأول : اعتماد منهج السلف في التوحيد ، وهو الماء الزلال الذي ورد عليه السلف قبل أن يعكر صفوه تأويل الجاهلين من المتكلمين .
ـ الثاني : نبذ منطق المتكلمين التي تعرج على بضاعة الفلاسفة ، وتحاكم النصوص بالعقل .
     وقد أشار باكثير إلى كتاب الأربعين في أصول الدين للغزالي الذي راج بحضرموت ، وهو يقرر في التوحيد ما عليه الأشاعرة في باب الأسماء والصفات  من تأويل الصفات الخبرية الذاتية منها كالوجه والفعلية كالنزول ، بل وخالفوا السلف في صفة الكلام أيضا ، كما خالفوهم في باب القدر والإيمان ، وللفخر الرازي كتاب اسمه الأربعين بناه على الجدل واتبع فيه خطة الفلاسفة .
   وحجة الأشاعرة أنهم ألفوها للرد على المعتزلة ، ولكنهم قابلوا البدعة بأختها في بعض الأبواب ، ولم يعتصموا بالكتاب والسنة على فهم سلف الأمة ، وفيه من الوضوح ما يغني عن تراث الفلاسفة كما توضحه هذه الحادثة لابن فورك من أعلام الأشاعرة والتي ذكرها الذهبي في سير أعلام النبلاء فقال ( دخل ابن فورك على السلطان محمود، فقال: لا يجوز أن يوصف الله بالفوقية لان لازم ذلك وصفه بالتحتية، فمن جاز أن يكون له فوق، جاز أن يكون له تحت ، فقال السلطان : ما أنا وصفته حتى يلزمني، بل هو وصف نفسه ، فبهت ابن فورك، فلما خرج من عنده مات ، فيقال: انشقت مرارته ) .
لا تزيد النفس إلا حــــــيرة
لم تؤلـــــف لكم هاتيك بل
        لا كأسلوب الكتـاب المستبين
ألفــــوها لحجاج الملحدين

ــــــــــــــــــ
    شتان بين النصوص الشرعية التي تطمئن بها القلوب ومنطق المتكلمين الذي يثمر الحيرة والاضطراب كما حصل لكثير من أساطينهم ممن فارق خطة الكتاب والسنة في تقرير التوحيد واستعاض عنها بتتبع موائد المتكلمين فزادته وهنا حتى انتهى الحال ببعضهم إلى الأسى والحسرة على ضياع الأعمار بما لا طائل وراءه ، ويجدر بنا هنا أن نسجل اعترافاتهم في هذا الشأن تأكيدا لكلام الأديب باكثير .
1 ـ قال أبو المعالي الجويني - وهو من أئمة الأشاعرة - : (لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ، ودخلت في الذي نهوني عنه ، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني ، وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي ) .
2 ـ قال الشهرستاني :
لعمري لقد طفت المعاهد كلها           
فلم أر إلا واضعاً كف حـــائر
             وسيرت طرفي بين تلك المعالم
على ذقن أو قارعاً ســــن نادم

3 ـ قال الفخر الرازي :
نهــاية إقدام العقـول عقال           
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا
        وأكثر سعــــي العالمين ضلال
سوى أن جمــعنا فيه قيل وقالوا


   ثم قال الفخر الرازي : ( ولقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلًا ولا تروي غليلًا ورأيت أن أقرب الطرق طريقة القرآن ، أقرأ في الإثبات { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } , { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } وأقرأ في النفي { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } ، { وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا } ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي ) .
النكير على مقلدة المذاهب
 فلا سلمت كتب الجـامدين
 صحائف لا روح فيها ولا
        ولا فــــاز قارئها بالوطر
يجول بها ذكر خير البشر

ــــــــــــــــــ
    في هذين البيتن ينعي الأديب باكثير على المقلدين لأراء الرجال تقليدهم ، ويصور واقع التلقي في باب الفقه وما فيه من جمود ، ويشد النكير على مسلكهم هذا الذي اغترب عن مسلك المتقدمين ممن يدور مع الدليل حيث دار ، ويتحلى بحلية النصوص ، ثم خلف بعدهم خلف ورثوا الفقه ، وظنوا أن طريقة السلف وعرة فركبوا لجة التقليد حتى آل الأمر بالمتعصبين إلى الجمود ، قال أبو شامة الشافعي : ( ثم اشتهر في آخر الزمان على مذهب الشافعي تصانيف الشيخين أبي إسحاق الشيرازي وأبي حامد الغزالي فأكب الناس على الاشتغال بها ، وكثر المتعصبون لهما حتى صار المتبحر المرتفع عند نفسه يرى أن نصوصهما كنصوص الكتاب والسنة لا يرى الخروج    عنها ...) ا . هـ
    قلت : وهكذا لما التفتوا إلى غير النصوص دلوا على تصانيف الشيرازي والغزالي فرأوا أن الطريق  لا زال وعرا ، فسألوا عن لون الطريقة السهلة في التقليد ، فاشتهر الأخذ بما قرره الشيخان الرافعي والنووي ، فظنوا أن الأمر قد تشابه عليهم وطلبوا تفصيل ذلك فانتهى المطاف بما قرره الشيخان ابن حجر الهيتمي والرملي .
   ومن تأمل كتب الفقه التي سادت في عصر باكثير في حضرموت يتبن له خطأ التعصب لأراء الرجال ، والإغراق في الفروع إلى حد الغلو في تتبع المسائل اوذلك ، وخلوها من النصوص الشرعية وجمودها على الرأي مجردا عن دليله ، وهذا مسلك يدل على الاشتغال بالأقوال ، وهو عقوق لمنهج السلف في تحمل الفقه وأدائه .




يصور فيها محال الأمـور    
        ويـــترك فيها مهم الصور

   ــــــــــــــــ
   ومما تميز به الاشتغال بالفقه تصوير المحال ، وهو الرأي المذموم من خلال الاشتغال بذكر المعضلات والأغلوطات ، وتوليد الفروع من فروع  تقاس عليها دون ردها على أصولها ، وضياع الأوقات في عضل المسائل ، والبحث عن صور قبل أن تقع ، وكان منهج السلف عدم الخوض فيما لم يقع قال مسروق : سألت أبي بن كعب عن مسألة. فقال: أكانت هذه بعد ؟ قلت: لا قال: فأجمني حتى تكون ، وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن مسألة فيقول: أوقعت ؟ فيقال له: يا أبا سعيد ما وقعت، ولكنا نعدها فيقول: دعوها، فإن كانت وقعت أخبرهم .
     ولعل أفضل مثال يوضح هذا المسلك صور المستحاضة وأقسام المتحيرة التي خاض فيه كثير من الفقهاء ، وما أجمل ما قال الفقيه علوي بن سقاف الجفري في شرح عمدة السالك : ( وقد أطال المصنفون في الفروع الكلام في المستحاضة ، وتتبعت آراءهم واضطربت أقوالهم اضطرابا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة فضلا عن النساء الموصوفات بالعي في البيان والنقص في الأديان ، وقد بالغوا في التفسير في مسألة المتحيرة ، والأحاديث الصحيحة قاضية بعدم وجودها ظاهرة في معرفة إقبال الحيضة وإدبارها ، ولعل المتحيرة هي موجودة في الذهن مستحيل وجودها في الخارج ، فإنا لم نسمع مذ نشأنا بأن امرأة وجب عليها صوم شهرين وستة أيام لا في زماننا ولا في الأزمنة المتقدمة وإذا كان الاشتغال بها والتعمق في تصاويرها وتعاريفها شغل للخير بما لا مصلحة فيه فطاحت مسألة المتحيرة ولله الحمد ) .
   ومن أغرب ما وقفت عليه في هذا المقام وجل أمثلته غريبة ما ورد في بعض حواشي تحفة المحتاج بقوله ( ولو شق ذكره نصفين فأدخل أحدهما في زوجة والآخر في زوجة أخرى وجب عليه دونهما
) فما أشد غربة مسلك الأولين وأرحمه وأعدله ، ولا شك أن في الاشتغال بهذه المسائل البعيدة والاستغراق فيها تعطيل للسنن ، وقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء عن محمد بن عبادة المعافري قال: كنا عند أبي - شريح رحمه الله - فكثرت المسائل، فقال: قد درنت قلوبكم، فقموموا إلى خالد بن حميد المهري استقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب والرقائق، فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل، فإنها في غير ما نزل تقسي القلب، وتورث العداوة.
الوصية بالعناية بالحديث والفقه معا
بلوغ المرام وسبل السلام         
أحاديث طه وآي الكتاب
وأقوال مجتهدي الصحب والـ
         عليه تجمل منه الغرر
تلألأ فيها خلال السطر
أئمة من كل حبر أبر

ــــــــــــــ
    في هذه الأبيات يوصي الأديب باكثير باقتران الفقه مع الحديث ، والعناية بذلك ، وهو ما عليه الأئمة المتقدمون ، قال أبو نصر يوسف بن عمر القاضي ت 356 هـ ( ولسنا نجعل من تصديره في كتبه، ومسائله: يقول ابن المسيب والزهري وربيعة، كمن تصديره في كتبه: يقول الله ورسوله، والاجماع..هيهات ! )
   وسأل السلطان يعقوب بن سلطان المراكشي فقيها : ما قرأت ؟ قال: تواليف الإمام ـ يعني ابن تومرت ـ قال: فزورني ، وقال: ما كذا يقول الطالب ! حكمك أن تقول: قرأت كتاب الله، وقرأت من السنة، ثم بعد ذا قل ما شئت.
    وأعظم شأنا من تعطيلها من الأدلة مخالفتها للنصوص ، قال أبو بكر الأثرم : كنا عند البويطي فذكرت حديث عمار في التيمم فأخذ السكين وحته من كتابه وجعله ضربة وقال هكذا أوصانا صاحبنا إذا صح عندكم الخبر فهو قولي ) .
    وقد احتفى الأديب باكثير بذكر كتاب بلوغ المرام للحافظ ابن حجر العسقلاني وشرحه سبل السلام للإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني ، واحتفل بهما في العناية بالحديث والفقه ، قال الحافظ ابن حجر في مقدمة بلوغ المرام من أدلة الأحكام ( فهذا مختصر يشمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام حررته تحريرا بالغا ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغاً ، ويستعين به الطالب المبتدئ ولا يستغني عنه الراغب المنتهي ، وقد بينت عقب كل حديث من أخرجه من الأئمة لإرادة نصح الأمة ) .


   
ونرى الأديب باكثير في هذا الشأن يؤكد على هذه الوصية في أكثر من مناسبة :
ـ منها قوله :
اقرأوا فقه حديث المصطفى        
لا تهابوا اليوم أن تجتهدوا 
وكتاب الله باق خالد
ادرسوه درس أحياء ولا
         تعبروا الشك إلى برد اليقين
إن سر العلم للمجتهدين
تنجلي آياته في كل حين
تدرسوه درس قوم ميتين

ـ ومنها قوله :
إن برنامج تدريسكم          
ترهقون النشء بالحفظ فمن  
ليس من ذاكم لهم من صالح 
فدعو الحشو وربوا فيهم   
         ليس برنامج فوم مرتقين
حفظ تقرير إلى حفظ متون
إنه يقتل فهم الناشئين
ملكات الحذق في كل الفنون

ـ ومنها قوله :
جمد الفقيه على متون     
وكأنها التنزيل أو هي
ووظيفة الذكر الحكيم
        بالشروح تفسر
بالقداسة أجدر
على القبور يكرر

ـ ومنها قوله :
واقصدوا في الفقه لا يأخذكم     ليس في الفقه غذاء الناهضين




نبذ الحزبية والتعصب
أنا لا أعرف إرشادية 
إنما أعرف إسلامية 
تجعل الناس سواء لا ترى
        لا ولا رابطة أو جنفا
تجمع الناس على عهد الصفا
فيهم ربا ولا مستضعفا

ــــــــــــــــ
    ينكر الأديب باكثير في هذه الأبيات المسميات التي يكون ثمرتها التعصب والتحزب ضد الآخرين ، ويشير إلى ما عرفته الحضارمة في أندونسيا من تأسيس جمعية الإرشاد التي تدعو إلى ثلاثة أمور هي نشر العلم وإفشائه بين سائر الطبقات ، والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الشرائح في المجتمع ، ومحاربة البدع والخرافات ونشر ضدها من التوحيد والاتباع ، وقد عارضهم العلويون بتأسيس الرابطة العلوية للحفاظ على ما كانوا عليه .
    وارتفع الخصام بين الفريقين ، وظهرت أعلام الغلو من الجانبين ، ودعا كل فريق إلى التحزب معه ، ونحن إذ نقف مع الحق في هذا الخصام ونرى ما تنشده جمعية الإرشاد من أهداف سامية إلا أننا ننبذ الغلو الذي حصل من بعض أصحابها من ناحية ، ولا ينبغي أن يعقد الولاء والبراء عليها من ناحية أخرى فإنه النحزب المذموم .
     وما ذكره الأديب باكثير يخرج من مشكاة واحدة مع ما قرره ابن القيم في مدارج السالكين بقوله ( والبصير الصادق : يضرب في كل غنيمة بسهم ويعاشر كل طائفة على أحسن ما معها ولا يتحيز إلى طائفة وينأى عن الأخرى بالكلية : أن لا يكون معها شيء من الحق فهذه طريقة الصادقين ودعوى الجاهلية كامنة في النفوس ولا أعني بذلك أصغريهم ولكني أريد به الدوينا سمع النبي في بعض غزواته قائلا يقول : يا للمهاجرين وآخر يقول : يا للأنصار ! فقال : ما بال دعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم هذا وهما اسمان شريفان سماهم الله بهما في كتابه فنهاهم عن ذلك وأرشدهم إلى أن يتداعوا ب المسلمين و المؤمنين و عباد الله وهي الدعوى الجامعة بخلاف المفرقة ك الفلانية و الفلانية فالله المستعان ، وقال لأبي ذر : إنك امروء فيك جاهلية فقال : على كبر السن مني يا رسول الله قال : نعم فمن يأمن القراء بعدك يا شهر ) .
أنا لا أعرف إلا أننا
أنا لا أعرف إلا أننا
فغدا العرف لدينا منكرا  
        قد غوينا مذ هجرنا المصحفا
نشر الجهل علينا السدفا
وغدا المنكر فينا عرفا

ــــــــــــــــ
    هكذا يزفر الأديب باكثير بهذه الأنات ، ولا يقف مع من يريد تغيير الواقع الأليم تحت أي مسمى من غير تعصب ، فالداء الذي تجارى بحضرموت يكمن في الجهالة التي ضربا بأطنابها ، وهجر الكتاب والسنة ، وهذه الظلمات المتراكبة بعضها فوق بعض مما سيأتي كثير من معالمها .
    إن من يروم نشر العلم يتفق مع باكثير أما التعصب مسمى بذاته فقد يضيع كثيرا من الحق ، قال ابن القيم في مدارج السالكين أيضا ( وأما العبودية المطلقة فلا يعرف صاحبها باسم معين من معاني أسمائها فإنه مجيب لداعيها على اختلاف أنواعها فله مع كل أهل عبودية نصيب يضرب معهم بسهم فلا يتقيد برسم ولا إشارة ولا اسم ولا بزي ولا طريق وضعي اصطلاحي بل إن سئل عن شيخه قال الرسول وعن طريقه قال الاتباع وعن خرقته قال لباس التقوى وعن مذهبه قال تحكيم السنة وعن مقصوده ومطلبه قال يريدون وجهه وعن رباطه وعن خانكاه قال في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعن نسبه قال أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تيم وعن مأكله ومشربه قال ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعى الشجر حتى تلقى ربها واحسرتاه تقضي العمر وانصرمت ساعاته بين ذل العجز والكسل
واحسرتاه تقضى العمر وانصـرمت ... ساعاته بين ذل العــجز والكسل
والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد ...  ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل




النهي عن الحلف بغير الله
فإنه نوع من الإشراك         
وقد نهانا عنه سيد البشر 
        بخالق الأكوان والأفلاك
أليس في قول الرسول مزدجر

ـــــــــــــ
     أوضح الأديب باكثير هذه المسألة وهي النهي عن الحلف بغير الله من خلال حوار البدوي الذي وقع في ذلك بقوله ( لا والنبي المصطفى المختار ) فرد عليه همام ( ويحك لا تحلف بغير الله ) ثم أوضح أنه شرك بالله ، وقد نهى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح عن ابن عمر ( من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ) رواه الترمذى ، ثم اندفع البدوي قائلا :
أنت تقول الحلف بالنبي      
فانظر إلى الأنام هل تورعوا 
أما تراهم يلهجون بالقسم 
يرون إيلاء بعبد الله  
           محرم في شرعة السوي
عنه بنهي المصطفى وامتنعوا
جهلا بكل رمة من الرمم
أعظم من إيلائهم بالله

    وما ذكره الأديب باكثير هنا صرح به جماعة من الفقهاء وهم :
ـ الفقيه علوي بن سقاف الجفري في شرح عمدة السالك بقوله ( وقد جرى لي كثير مع جملة منهم ، منها أن خصمين اختصما عندي فوجهت اليمين على المنكر فبذلها، فطلب منه الخصم اليمين عند قبر بعض الأولياء فامتنع، وقال: لا يلزمني بحكم الشرع، وكانت يمين مغلظة فأعلمت خصمه أن ليس عليه اليمين إلا عندي، فأجاب لا يقبل منه اليمين إلا عند ذلك القبر، ثم تكلم بكلام من جملته أنه لا يفزع فلان إلا صاحب القبر وأن خصمه لا يفزع من الله وغير ذلك من الكلام الذي تقشعر منه الجلود، فينبغي إرشادهم وإعلامهم بأنه لا نافع ولا ضار إلا الله ـ..).
ـ الفقيه عبد الله بن أحمد باسودان في كشف المذام الرعونية عن توشيحات فتح الرحمن : ( وأما الحلف بالأباء والأجداد وبكل مخلوق وإن عظم فغير محمود ويختلف ذلك باختلاف القصود فبعض صوره قادح في التوحيد وما دون ذلك إما حرام أو مكروه للنهي الشديد ....) .
الانكار على بناء القباب
شغلتهم قبابهم والقبور        
حسبوها في نسكهم كل شيء
كل شيخ أو سيد عنده
        أن يقوموا بدعوة أو يسيروا
فعلام الإدلاج والتهجير
قبر إليه التيسير والتعسير

ـــــــــــــــــ
     يتحدث الأديب باكثير هنا عن واقع حضرموت الذي انتشرت فيه القباب وشيدت التوابيت وضيعت أمانة التوحيد الذي حمى النبي صلى الله عليه وسلم جنابه بسد الذرائع المفضية إلى الإشراك ، ودلت على ذلك النصوص من الكتاب والسنة ، ومن ذلك تحريم البناء على القبور ، لحديث أبي الهياج الأسدي عن علي رضي الله عنه قال : ( ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته ) رواه ومسلم  ، وصار بناء القباب وتشييد الأضرحة مكر من الرافضة ليخرجوا الناس من الهدي النبوي ، تلقفه عنهم المتصوفة .
     والمتأمل لهذا المكر يجد انتشاره في مدن حضرموت وقراها وأوديتها كما أشار إليه باكثير  ، فكثرت القباب كثرة مفرطة وتم الانشغال والعناية بها فتنة للعامة فزينت القباب وألبست توابيتها بأفخر اللباس  كما هو في قبة العمودي بقيدون والذي سيأتي ذكرها في الزيارات فقال :
وقــد جللـت القبــــة     
وبيضــــات من البلور 
ومصباح كبير الضوء 
وللتابوت معنـــــى من
قـــــد اسود من التقبيل
عليه ضبب الفـــــضة
فثم الضـــــــم والتقبيل           
        بالــزينة والســــــتر
علقــن عــلى الجــدر
مثـــــل الكوكب الدري
جلال العتق والقـــــدر
في مخــــــتلف العصر
 في أسـود كالحـــبر
بالثـــــــغر وبالنـــحر
    
التحذير من دعاء غير الله
كاشف الضر إن أصيبوا بسوء     
وإذا ما ابتغوا قضــــاء مرام
        فإليه ابتهالهـــــم والحضور
فإليه قربانهــــم والنذور

    ـــــــــــ
    تجريد التوحيد هو دعوة الرسل ، ونقيضه دعاء الأموات ، وهنا يأتي الأديب باكثير يدحض الذين يلبسون على الناس دينهم ، ويخلطون بين الاستغاثة والتوسل ، فإنه يصرح بحقيقة الانحراف ، وأن المنحرفين ممن يدعون الأموات يرجون عنده كشف الضر ، ويبتهلون إليه في دفعه ، ويسقون إلى المقبور النذر تأكيدا لهذا التضرع والابتهال ، وقد نقض القرآن هذا الشرك قال تعالى ( قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ الهِا إِنْ أَرَادَنِيَ الَهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ) ، ولكن الداخل على الصوفية في هذه الدعاوى هو تعظيم أقطابهم فأوردهم الموارد ، واسمع إلى أحد أقطاب الطريقة وهو الحداد يقول شعرا :
ناد المهاجــر صفي الله          
ثم المــــقدم ولي الله 
ثم الوجـــيه لدين الله
والسيد الكـــامل الأواب   
        ذاك ابن عيســى أبو السادات
قطــب الورى قدوة القادات
سقافنا خارق الــــعادات
العيدروس مــظهر القطرات

ومن ذلك ما كتب على قبر عمر الذي يلقبونه المحضار :
قف بالحضور وبالتأدب مسلما        
قل يا أبا الخطاب تظفر بالمنى 
وأنخ بساحة جوده نجب الرجا 
         متضرعا في حضرة المحضار
وبه استجر فهو العزيز الجـــار
فهو الضـــــمين حوائج الزوار

ومن شطحات شهاب الدين أحمد قوله :
إني سريع الغـوث في     كل الشدائد فاهتف      باسمي تجدني أســرع
قل يا شهاب الدين إن    أعراك خطب يا فطن     فـــأنا لخطبك أدفع
زيارة قيدون
توافى الناس أفـــواجا    
فمن ســـــاعية تمشي
هناك الساحة الكبرى 
            إلى قيــــــدون كالذر
ومن راكبة الحـــــمر
تحاكي ساحة الحشر

 ـــــــــــــــــ
    يسلط الأديب باكثير الضوء على زيارة قيدون التي تكشف عن ما وراءها من زيارات ، وصاحب الزيارة هو الشيخ سعيد بن عيسى العمودي ـ أحد كبار متصوفة حضرموت زعم المتصوفة أنه قال كما في  النور السافر ( زيارتي بعد وفاتي أفضل من زيارتي في حياتي ومن زارني أو زار من زارني فأنا ضمينه بالجنة من زارني ثلاث مرات يتعنى ما له حاجة إلا زيارتي فأنا ضمينه بالجنة ) ، وله زيارة سنوية يجتمع لها الناس من شتى نواحي حضرموت ومن غيرها وهي تكون في آخر جمعة من شهر رجب ، ويدخل العبيد يوم الجمعة في زفتهم وقد أحاط بهم الغوغاء فيصلون قبة الشيخ والإمام يخطب فتمتلئ جوانب المسجد بضجيج المزامير وضربهم على التوابيت ، وهنا تمتلئ الشوارع بالنساء والرجال في زحام يتضاغطون يموج بعضهم في بعض ويصدر عن ذلك أمور ندى لها الجبين ، وقد عبر باكثير بقوله :
ولما حضر الوقت  
وأموا نحو قبر الشيخ
        تداعوا كضحى النفر
بالطبل وبالزمر

    قال علوي بن طاهر في الشامل ( وذوو العقائد الزائغة من الجهلاء والحمقى يعتقدون أن بحر الشيخ سعيد يحمل أثمهم ويسكت لهم على ذلك موهما لهم صحته من يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل ) ، وقال : ( وأكثر المتسمين بالعلم تجبن نفوسهم من إنكار ذلك خوفا من أن يرميهم العوام والمتظاهرون بالتعالم والصلاح بفساد العقيدة لأنهم لا يقرون بحل الزنا والفسق للزناة والفساق في زيارة الشيخ سعيد مع أن بحره يسع ، ومنهم من يقول: بصر الشيخ سعيد يعني أن الأمر راجع إليه أن أراد أن يغير ذلك الفسق أو يبقيه) ولا شك في أنها هذه العبارات من الكفر الصريح .

يصيحون ولي الله
أتيناك لكي تحمل
وكي تسبل يا قطب    
وفي الأنفس حاجات
أتيناك لكي تقضى  
        جئناك إلى القبر
عنا ثقل الوزر
علينا ضافي الستر
بها يا سيدي تدري
ونحظى منك بالسر

ــــــــــــــــــــ
    هكذا تنتهك أسوار التوحيد ويدعى غير الله ، وتخلع على أقطاب المتصوفة وأوليائهم صفات الألوهية تحت مسمى القطب والولي الغوث ، الذي يرون أنه يحمل أوزارهم ويشفع عند الله وهذا ضلال مبين ، ويضعون حاجاتهم عنده كي تقضى إلى غير ذلك من ملامح الشرك .
    ولله در العلامة علي بن أحمد باصبرين ت 1304 هـ الذي تأثر بدعوة التوحيد فقد أنكر هذا حين قصد قبر سعيد العمودي يزوره وبينما هو قائم يدعو إذا قبل أهل البلد راجعين من الاستقاء ينشدون بقولهم :
يا ولي الله جئنا إليك     وطرحنا الذنب بين يديك
     قال علوي بن طاهر في الشامل ( فما كان منه إلا أن وعظهم ونهاهم وقال أن هذا مخالف للشرع ولما في القرآن ولا يغفر الذنب إلا الله فسكتوا على مغض ولم يظهر له أنهم قبلوا نصحه وخرج راجعا إلى بلده بعد أن أتم زيارته. فلما وصل إلى طرف البلد قدم إليه حماره ليركبه ظلما وثب زاغ الحمار فقط هو على الأرض وهناك من يراه من أهل البلد فقام ينفض ثوبه من التراب ويقول: الآن كفروا! الآن كفروا! أي أنهم سيصرون على ما هم عليه ويقولون لو كان على الحق لما سقط وإنما هذا من تصريف الشيخ سعيد (قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب الشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلون ) .
   ومما ورد في الشامل مما يؤيد ما ذكره باكثير في نزول الناس بحاجاتهم عند ابن عيسى وحاجة أهل البادية في الغيث فيأتون بالنذور والعقائر قوله ( فإذا قضوا الزيارة دخلوا المسجد وهم يزملون وطلعوا منارته بقولهم عموميا شيخ سعيد أي رحمة عامة ولا يزالون على هذا الديدن طول ليلة الجمعة ويومها قلما يرقدون أو يستريحون ويعودون إلى بلدهم يوم السبت ) .
أتباع دعوة التوحيد بنجد في حضرموت
قبابــــــها زاهيــــة       
هـدم بعـضها بنو الـ
فهي ترى كأنـــــها 
ريعت فداست بعضها        
        لو لم يكن حرمـــها أسمح دين
ـتوحيد فيما قد خلا من السنين
بيض نعام أجفلت من صائدين
فهو على الأرض فليق وطحين

       ـــــــــــــــــ
    يصف الأديب باكثير جمال سيؤن الذي يشينه ارتفاع القباب ، ثم يستدرك بأن أتباع دعوة التوحيد بنجد قد هدموا بعضها ، وهو يشير إلى جيش الحملة النجدية من القبائل الدرعية بقيادة ابن قملا سنة 1224 هـ إلى حضرموت وما تلاها، ومن أخبار هذه الحملة وأحداثها  :
ـ دخول بلد حريضة وفيها قبة عظيمة لعمر بن عبد الرحمن العطاس ت 1072 هـ ، كانت معمورة بالزائرين ، وقد رام الجيش هدم القباب بهذه البلدة .
ـ اتيان المشهد وفيه قبة علي بن حسن العطاس ت 1172 هـ وزيارة في ربيع الأول ، وقد هدم الجيش القبة وعطلت الزيارة سبع سنين .
ـ المرور على حوطة أحمد بن زين بسلام ، وبها قبر أحمد بن زين الحبشي شارح العينية ت 1145 هـ ، وعلى قبره قبة عظيمة مر عليها الجيش دون أذى .
ـ دخول بلد تريس والامتناع عن هدم قبة عبد الرحمن بن محمد الجفري ت 1037 هـ بسبب امرأة هالت دون هدمها ثم إنهم عاهدوا يافع أن يرفعوا التابوت من على قبر صاحب القبة فرفعوه . ـ في رحاب تريم قال ابن هاشم ( ثم دخلوا تريم وكسروا قببها وحرقوا كتبها ومنعوا الرواتب ، ولأذكار ، والتذكير مدة وجودهم ، وهي نحو أربعين يوما .
 ـ التوجه إلى عينات وبها ضريح أبي بكر بن سالم ت 992 هـ ، وبنيت على قبره قبة عظيمة ، وأزال أهلها التوابيت ووضعوها في بيت آمن ، وخلوا بين الجيش وما أراد ، فدخلوا .
ـ اتيان شعب هود وهدم القباب ، وأبطلت الزيارة في هذه المدة .
ـ وفي الشحر وصلوا إلى فضل بن عبد الله بافضل ت سنة 805 هـ ، وقيل أن من زار قبر الشيخ فضل سبع جمع متوالية كتبت له حجة مبرورة دخلوا الشحر أربعين يوما ولم يتمكنوا منها .  
من معالم التصوف
عليكم بخلوص القصد     
وبالتسليم للأقطاب
        في السر وفي الجهر
بالخدمة والصبر

ـــــــــــــ
     يتحدث الأديب باكثير على لسان أحد المتصوفة موضحا بعض معالم التصوف التي يدعو إليها الناس وأهمها ( إخلاص القصد والتسليم للأقطاب ) .
    وهذا أصل أصيل في الطريقة يأخذون عليه المواثيق والعهود منذ أن يضع المريد قدميه على عتبة التصوف ، فالعقد بين الشيخ والمريد قائم على التسليم وعدم الاعتراض ، ويكون المريد كالميت بين يدي غاسله ، ويسلم له ولو كان على المخالفة ، وهم لا يتورعون في هذا المقام أن يستدلوا بقصة الخضر مع موسى عليهما السلام ، وهي حجة محجوجة بنبوة الخضر عليه السلام .
   وتحتوي دواوين متصوفة حضرموت وتراثهم على ركام من القصص التي تدل على هذا الأمر وحسبنا قصة عمر بامخرمة مع باهرمز حين سار إليه لينكر عليه السماع بحضرة النساء الحسان فلما دخل عليه أمر باهرمز بعض النساء الحسان ممن كانت ترقص عنده ان تعتنقه فما هو إلا أن فعل به ذلك خر مغشياً عليه ! فلما أفاق تلمذ للشيخ. وحكمه في ذلك الوقت ، قال صاحب النور السافر : (قال له: صل ركعتين إلى الشرق فامتثل فلما أحرم رأى الكعبة تجاه وجهه ) وقال : وأجزتك في علوم لم يطلع عليها نبي مرسل ولا ملك مقرب .
      ومن دائرة التسليم لهم عدم الإنكار عليهم في التصرف في الأموال ، ومجالسة النساء ، فمن الجنس الأول أن العدني كان يلام على تفريق الأموال الكثيرة ويقوم بتصرفات مالية يصرفها في الظاهر في غير مصارفها فسأل الشيخ محمد عمر بحرق الفقيه محمد باجرافيل عن تلك التصرفات فأجابه بقوله أشهد أنه أمير المؤمنين المالك للتولية والعزل والعقد والحل والتصرفات جميعها وأنه اليوم أفضل أهل الأرض ظاهرا وباطنا ، ومن الجنس الثاني ما في الجوهر الشفاف لما أنكر أبو حميد على محمد بن علي لاطفته نسوة كان له بهن علاقة من جهة الأم فلما نام وقام من نومه وأراد أن يتوضأ فإذا هو قد فقد فرجه وخصيتيه وبقي كالمرأة فأتى إلى الشيخ محمد بن علي مستغفرا فقال له الشيخ نحن ما نخاطبهن إلا ونحن مثلك فرجع لأبي حميد ما فقده .
وإياكم وسوء الظن     
فأهل الله هم جازوا
ملوك لهم التصريف
        بالصوفية الغر
مناط النهي والأمر
في البر وفي البحر

ــــــــــــــ
   هنا يبرز معلمان للمتصوفة :
الأول : وهو للغلاة منهم حيث زعموا سقوط التكاليف
   وقد عبر عنه الأديب باكثير بقوله ( جازوا مناط النهي والأمر ) ويقرره الغلاة بأن الصوفي إذا وصل إلى مقام اليقين سقطت عنه العبادة , مؤولين قول الله عز وجل ( واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) أي إن وصلت إلى اليقين سقطن عنك التكاليف ، وقول هؤلاء كفر صريح ، لأن الأمر والنهي لا يسقط عن الإنسان إلا بالموت .
    والمراد باليقين في الآية الموت لحديث أم العلاء الأنصارية وكانت من المبايعات وفيه : فقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : ) أما عثمان أعني عثمان بن مظعون فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل به ) رواه البخاري
ـ الثاني : دعوى تصرف الأقطاب في الكون
    وممن نسبوا له هذه الصفة جماعة منهم الفقيه المقدم ، بأنه كان من المتمكنين في التصريف بعد موته ! ووصف ابنه علوي كما في البرقة المشيقة وكان في صغره معروفا بكرامات كثيرة وفراسات خارقة منها أنه يعرف الشقي من السعيد وأنه ممن يحي الموتى بإذن الله ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله وأنه ممن أذن له في كمال التصريف المطلق بإذن الله .
!! والسقاف قالوا أنه لم يكن في زمانه أنفذ تصريفا ، ولا أمضى حكما في الكون منه ، ولا معقب لحكمه ، والي الدنيا كلها من شرقها إلى غربها !!! وكتب على قبر عمر المحضار ( هذا سلطان في كل زمان ومكان ومتصرف بإذن مولاه في جميع الأكوان ) وقيل عن أبي بكر بن سالم كما في النهر المورود قوله : أعطاني الحق التصريف في الكون حيا وميتا ، وقال لي : يا عبدي ملكي ملكك تصرف فيه كيف شئت فأخذت الذي يليق ويحمد !! ومما يردد وأشار إليه الأديب باكثير آنفا :
ملوك على التحقيق ليس لغيرنا    من الملك إلا رسمه وعقابه
حسـن الظــن بأهل السـر يا     
آه لو يعـرفني هـذا الــورى  
أنا جيـلاني هــذا العصـر قد
           خــــادمي تحظ بجنات النعيم
لأتوني من قصــــيات التخوم
وطئت رجلاي أعناق التخوم

      ــــــــــــــــ
    في هذا المقطع يصور باكثير أبرز معالم التصوف التي عرفت بحضرموت وادعاها بعض أقطاب الطريقة منها قول بعضهم ( قدمي على رقبة كل ولي )
     هذه العبارة نسبت إلى عبد القادر الجيلاني وسيرته تأباها ، وهي تجسد ظاهرة الشطحات عند المتصوفة ، وومن نسبت إليه العيدروس في قوله كما في عقد اليواقيت ( والله إن الله أعطاني ثلاثة أشياء : الأول قدمي الطاهر اليمنى دعست على رقبة كل ولي لله تعالى في جميع الأزمان من غير مبالاة . والثاني أهل الرياسة كلهم تحت القدم من شرقها إلى غربها . والثالث كل طالب رئاسة أو غيرها أو طالب دين إذا خالف لا يرجى له خير أصلاً وقال والله إن المبشرات في السماوات من قبل مولدي بعشرين سنة والله أعطيت عطية ما أعطيها أحد من قبلي ولا يعطاها أحد في زماني ولا يعطاها أحد بعدي ) .  
    وقد نظم الشطحة الأولى  شيخ بن عبد الله العيدروس كما في المنهل العجيب
فابن أبـي بكر عـيدروس         الولي العـارف المكين
قال قدمـي إلى أم رؤوس          بأمر ذي القـوة المتين
   وقد سئل أحمد بن حسن العطاس في مصر سنة 1325 هـ في قول الشيخ عبد القادر قدمي هذه على رقبة كل ولي هل قالها بلسانه أم قيلت على لسانه فأجابهم : قال الشيخ عبد القادر هذه الكلمة بلسانه وقليل في حقه ولا يزال في كل زمان قائل بهذه الكلمة وقد ذكر ذلك المقام ورتبته والقائل به الشيخ محي الدين ابن عربي في الفتوحات ) انظر تذكير الناس .
    وممن ادعى هذه الشطحة معروف باجمال كما في مواهب البر الرؤوف في قوله ( قدمي على رقبة كل ولي لله ) وعمر بن عبد الرحمن العطاس كما في تنوير الأغلاس حيث قال ( قدمي على رقبة كل ولي لله  تعالى ) قال أحمد بن حسن وهو جدير بها .
 
خضت بحرا وقف الخلق على  
           ســاحليه في ذهول ووجوم

ــــــــــــــ
    وهذا أيضا من المعالم التي أبرزها باكثير على لسان أحد المتصوفة والتي يعبر عنها بقوهم ( خضنا بحرا وقف الأنبياء بساحله ) .
   وهذه العبارة نسبت إلى أبي يزيد البسطامي ـ أحد كبار مشايخ الصوفية -  وهي قاعدة عند الصوفية حيث زعموا أنهم أصحاب الكشف والعلوم اللدنية ، ولم يقتفوا أثر الأنبياء قصصا ، بل اختطوا لأنفسهما مسلكا أمشاجا من الفلاسفة والباطنية ، ومحصلة غايتهم الفناء والمحو ، ومنهم من ينزل من عقبته إلى الوحدة .
    وأثمرت هذه الغاية دعاوى عريضة استعاروا فيها خصائص الربوبية والألوهية تحت مسمى القطبية والغوثية ، وأنهم خاضوا البحر بالمجاهدات وهي مشارب فلسفية نكرها أهل الحق .
وجاء في كنوز السعادة في قول ( خضت بحرا وقف الأنبياء بساحله ) أن الوارث للمقام المحمدي تخلع عليه خلعة الوراثة وليس هذا الكلام من قول أبي يزيد بل هو قول الخلعة  .
    ومما نسب إلى الفقيه المقدم ويدخل تحت هذه العبارة كما في الجوهر الشفاف : ما لي حاجة إلى محمد ومحمده ، وانتقدها عليه الفقيه بافضل وباطحن ، وأنه عرج به إلى سدرة المنتهى سبع مرات في ليلة واحدة وفي رواية سبع وعشرين مرة وفي رواية سبعين مرة وفي الحكاية الثامنة والثلاثون من الجوهر أن فضل بن عبدالله يقول دابة الفقيه محمد بن علي تعرف طرق السماءكما تعرف طرق الأرض : ومما خاض فيه المتصوفة الشطحات التي تنتهي إلى وحدة ابن عربي كما في الهائية :
صفــت لـي حميا حبـي        
أنـا حـتف لأهـل الـعــذل 
أنـا أعـزل أنـا لي ولي
وعـين الحـقيـقة عينــي
أنـا عـرشـها والكـرسي                  
               وأسـقـيت مـن صافيها
ونـار الـجحـيم أطفيـها
أنـا شيـخـها قـاضـيـها
واشـرب مـن كاسيــها
أنـا لـلـسـمـاء بـانـيـها

والأمثلة على خوضهم البحر الذي وقف الأنبياء بساحله كثير لا يسع المقام ذكرها .
من رآنـــي أو رأى من رآني     
         فهو محظور على نار الجحيم

ــــــــــــــ
   وهذا معلم آخر أبرزه الأديب باكثير في قول بعضهم ( من رآني أو رأى من رآني في الجنة ) وهي عبارة نسبت لكثير من مشاهير المتصوفة كما نسبتها كتب التراث الصوفي بحضرموت لعدد من أقطاب الطريقة :
ـ منهم أبو بكر بن سالم كان يقول كما في شرح العينية : ناظري في الجنة ! فقال عبد الرحمن بن شيخ عيديد يقول لمن حضره كما في شرح العينية : انظروا إليّ لأني نظرت الشيخ أبا بكر وناظره في الجنة زاد في ( عقد اليواقيت ) وناظر ناظري .
   ورواية النهر المورود : فأنا ضمينه غدا في الجنة وأن يتخلص من ذنوبه غدا كالمولود من بطن أمه ولو كانت ذنوبه تملأ السموات والأرض . 
ـ ومنهم عبد الله الحداد كما نسبها له لصالح بن عبد الله العطاس ت 1279 هـ أنه يقول : ناظري وناظر ناظري في الجنة ! فقال صدق الحبيب عبد اله في قوله وأنا أقول كذلك ناظري وناظر ناظري في الجنة .
ـ ومنهم علي بن حسن العطاس ت 1172 هـ كما في تاج الأعراس أنه قال : ناظري وناظر ناظري في الجنة . 
ـ ومنهم أبو بكر بن عبد الله العطاس أنه قال : من رآني أو رأى من رآني ـ وهكذا إلى أن انقطع نفسه ـ فأنا ضمين له بالجنة . 
ـ ووردت أيضا عن محمد صاحب سواكن أنه كان يقول ناظري وناظر ناظري ويكررها حتى ينقطع نفسه نفسه في الجنة انظر تنوير الأغلاس .
    وهذا كلام إيراده فضلا عن تصوره يغني عن الرد عليه وحسبنا الله ونعم الوكيل .



 
وعود المتصوفة الزائفة
لقد غرني وعد ذاك الولي         
وبشرني أنه قد رأى  
فلم أتزود لدار البقاء اتـ
        بمحو خطيئاتي الخالية
قصوري في الجنة العالية
ـكالا على الزلف الواهية

ـــــــــــــــ
    وفي نهاية معالم التصوف تأتي الأماني الزائفة في موضعين :
ـ أحدهما : الضمان بالجنة
   وسجلت هذه العبارة لجماعة غروا بها أتباعهم منها ما في الجوهر الشفاف أن خادما للفقيه المقدم سافر سفرا طويلا فبلغ أهله أنه مات فتعبوا وأتوه فقيل له قد جاء الخبر بموته فقال اطلعت على الجنة فلم أجده فيها ولم يدخل فقيري النار ثم جاء الخبر بحياته وقدم بعد مدة  .  
   ومن ذلك كما في شرح العينية أن محمدا بن علي مولى الدويلة وقف بين يدي الله بعد وفاته نداء من الحق اذهبوا به حيث شاء فإنه محبوب فقال اذهبوا بي إلى النار فلما وصلها رمى بنفسه فيها وجعل يسير فيها ذاهبا ومقبلا ، يخرج منها كل من رآه من أهل تريم ، حتى أخرجهم الجميع إلا اثنين أو ثلاثة كلما خرجوا عادوا إليها ، بقي يشفع لهم .     
    ومن ذلك ما نقل عن عبد الله باعلوي وضمانه للساني بالجنة ، وكذا العيدروس من ضمانه بالجنة لمن جعل الإحياء أربعين مجلدا ، وقول ابن شهاب الدين من بشرني بقوم ابن سالم من هود سالما ضمنت له على الله الجنة .
ـ والثاني : امتلاك الشفاعة التي تنافسوا فيها فالفقيه المقدم كما في الجوهر  كان يقول علي من القارة إلى قبر هود يعني ألتزم لهم بالشفاعة قال مريده باعباد يعني أنه يدخل سلطنة نهد في شفاعته !
      وزعموا أن سعيد بن عيسى العمودي يشفع لثلث الأمة كما في قصعة العسل ، والسقاف يشفع لأهل قرنه الذي ولد فيه  والقرن الذي مات فيه ، وقيل شفاعته من قاف إلى قاف ، وعمر المحضار يشفع لأهل تريم ، وعمر بامخرمه يشفع في أهل سيؤن ، والخطيب في أهل تريم ، والحداد قال أهل تريم في القصعة ، وأبو بكر بن سالم شفعه الله في أهل عصره ، وأبو بكر العطاس قال شفعني الله في أهل عصري كلهم إلا شيابة آل فلان ، انظر الجوهر الشفاف والمشرع الروي .
خاتمة المطاف
حتى الرجال بعضهم يصلي  
وكنت فيما مر من أيامي 
فإن غضبت مرة على جمل 
حتى علمت بعد ذاك أنه 
         والأكثر الأكثر من يخلي
أخشى من الخمس على أنعامي
رميته بركعتين فاحتمل
وهم فأقسمت لأتركنه

ـــــــــــــــــ
   إنها مفارقة غريبة فإننا نلمح في حضرموت طائفتين : طائفة خلعت على أقطابها خصائص الربوبية والألوهية تحت مسمى القطبية والغوثية ، وادعت لهم المعراج إلى السماء حتى بلغ الغلو أن تعرف دابة أحدهم طرق السماء كما تعرف طرق الأرض ، وزعمت أنهم يطالعون اللوح المحفوظ إلى آخر الدعاوى التي غرتهم في دينهم ، وطائفة من أهل بادية حضرموت لا يدرون ما الصلاة فضلا عن أحكام الدين ، ويا ليت الأمر انتهى بهم عند هذا ، بل تجارى بهم الجهل إلى ما يندى له الجبين كما ذكر الأديب باكثير في هذه الأبيات على لسان البدوي .
 ومن العجيب أنني كنت في رحلة دعوية إلى أرض الدين ـ أعلى دوعن ـ وكان مما ذكره بعضهم لي هذه الحكاية التي مفادها أن رجلا عنده إبل وتعلم الصلاة ، ووأصابها مرض ، فكان كلما صلى مات له جمل حتى بقي قعود يصيح فقال : إن لم تسكت ركعت ركعتين .
   فلا حول ولا قوة إلا بالله ، فأين نشر العلم والدعوة ، ولا يعطل باكثير المقام عن ذكر السبب بل يشفع ما ساقه بقوله :  
همام ليس الذنب للأعراب   
من ساكني الحضر ذوي الألباب
          الذنب ذنب قارئ الكتاب
إذ لم يبثوا دعوة الوهاب

   ويبقى الباعث الحقيقي وراء هذا الذنب العظيم الذي أشار إليه بقوله : شغلتهم قبابهم والقبور .... كما ورد ذكره في الأبيات التي تحذر من بناء القباب ، وهي علة تدل على الجهالة التي خيمت بحضرموت ولا يكشفها إلا نور التوحيد والعلم بالكتاب والسنة ،، هذا ما تم جمعه في هذا الشرح المسمى بالإتحاف أسأل الله أن ينفع به وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3774903 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017