صوت المتنبي أم صوت ابن الرومي؟
2012-12-03

الدكتور  مصعب حمود


إن لي عند كل نفحة بستانٍ من الورد أو من الياسمينا
نظـراً والتفـاتةً أتمنّى ......أن تكوني حللت فيما يلينا


على ما أنا عليه من تبعثر للأوراق وتشتّت في الأفكار وتصدُّع في القلب تهيّأ لي في بعض مواطن السكون أن ألج هذه الشابكة أتمشّى بين أفيائها وأستروح نقيّ هوائها فإذا بنفح الياسمين وإذا أنا ببيت فلسطين!
وإذا هم يحتفلون هذه الأيام بالشاعرعلي أحمد باكثير..!
وقد أعلمُ أن هذا البيت بكى قلبُه وإن لم تبك عينه تأوُّهاً لمن سقط من الشهداء على التراب الحزين..
يا نائح الطـلح أشـباهٌ عـوادينا
نشـجى لواديك أم تأسـى لوادينا
ماذا تقـصُّ علينا غيـر أنّ يـداً
قصّت جناحك جالت في حواشينا
فإن يك (البَينُ) يا ابن الطلح فرّقنا
إن المصائبَ يجمعـن المصابينا
رحمك الله يا شوقي!
وأنت يا باكثير، حقٌّ على كلِّ ذي أدب أن يقبِّل رأسك إذ كنت جوابَ التاريخ على تلفيق جرجي زيدان حين عجز الكتّاب عن تلك المنزلة انحداراً في الثقافة أو ارتفاعاً في اللغة عن مستوى الخطاب الشعبي فكنتَ أنت القدَرَ المخبّأ لها.
يحتفلون بك..
ولو كنتُ ذلك الأعرابي لخشيتُ أن تُطوى صحائفُ أهل البرّ وليس لي فيها ذكرٌ
ولأتيت بكوب ماء..
وما يغني كوبُ ماء في بحر مائج من تراث الروائي الكبير بين مؤتمر لرابطة الأدب الإسلامي ومئوية في اليمن وأبحاثٍ ومجلات وأطاريح هاهنا وهاهنا وموقعٍ على الشابكة زخّار لا ساحل له ولا قرار!
من يدري فربما برّد هذا الكوبُ غليلاً أوشفى عليلاً.
سيتكلمُّون عنه مخترعاً للشعر الحرّ إن جاز أن يُسمَّى اختراعاً ويا ليتهم سمّوه كما نعتَه يوم ابتدعه: شعراً مرسلاً أو شعراً طليقاً ؛ فإنه لا يحسنُ في الحريّة أن تستنبطَ المولود بقتل أمّه!
ويتحدثون عن قصائده في فلسطين التي بدا فيها مفكراً سياسياً أكثر منه شاعراً .
ويتفنَّنون في أغراضه وهو المرءُ ما قال الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ......تجد حطباً جزلاً وناراً تأجّجا

وقد رابني منه شيء لا يحطَّ من قدره وإن كشف بعض سرّه:
خرج من سيئون في تريم حضرموت من بيوت تأوي إلى جبال في رؤوسها تيجان من الصخر ( تشبه القلمون من ارض الشام) فلا يزال أهل تلك المحلة يبارزون الجبال في بنائهم ويستظهرون عليها ويطمحون لما وراءها من أرض العرب ، على أن جبالهم تلك هي التي حمتهم من رياح الإلحاد وحالت بينهم وبين الهواء الأصفر لتبقيَهم على فطرةٍ من الدين يسقيها نبعٌ أصيل من علوم اللغة والشريعة.
خرج يتنسّم الحريّة وألقى عصا الترحال في مصر القومية وغيّرَ بعض ثوبه ليعرفوه فكان لسان حالهم يقول : لو خرجت من ثيابك ما عرفناك!
وأنكرته حضرموت لِما تغيّر منه فكانت تسمع به سماع الأمِّ بولدها الذي تغرّب من أمد بعيد، فهي بين حنين وعتب وبكاء وطرب.
وصارت له إذ أضل مشيته التي كان عليها وأخطأ مشيهم الذي هم عليه طريقةٌ خاصة رشَّحته في التاريخ ليكون الروائي ذا النفس الإسلامي الذي يتكلّمُ بلغة عصره وينصحُ بصدق أصله، ومن ثمّ ليكون الجواب الذي ذكرناه على جورجي زيدان.
وأطلّ على مصر في احتفالاتها بالمتنبي فزعم أنه "صوتُ المتنبي" هابطاً عليهم من السماء عابراً في الزمن ألف عام ليشكرَهم على بادرتهم ويحمد لهم صنائعهم وبطولاتهم .
فتأملت كلامَه وأصغيت إليه فلم أجد نبرة المتنبي ولا موسيقاه ولا لحنه ولا معناه، ووقع في نفسي أنه أخطأ في الشخصية مع كونه فارسَ المسرحية وأنه جاء بصوت ابن الرومي يظنه المتنبي ، وفيه مع ذلك من الوهن ما في صوت المسافر العائد يحدّث أهلَه قبل أن يصيب حظّه من الراحة...

ولا بدّ لتبيُّن هذه الأصوات وتمييزها من التعرّض لخصائص أسلوب ابن الرومي لنعتبر به أسلوبَ المتنبي ثم نرى أين يقع باكثير منهما.
وهنَّ بعد الاختبار والاختصار أربع :
العُسرُ والتفسيرُ والعامّية والحكائية .

أولاً- العسر :
لا يزال في ابن الرومي شيء من العسر لا ينفك عنه ومتى حاول العظمةَ وصفاً أو تمثُّلاً تعثَّر بها فلا يملك أن يُخلي شعرَه من معنىً يشدُّه إلى الأرض أو لفظٍ ثقيل ينوء به الشعر .
أما المتنبي فله من فضاء نفسه ما يمكِّنه من فضاء الشعر، فيطير ويقع، ويأخذ ويدع، فترى اليسر في الحالين ولن يغلب عسرٌ يسرين.
هذا أكثرُ شعرهما ولو طلبتَ مثالاً لأتيناك به من أيِّ موضع شئت، ولكن لمَّا ذكرنا الطير والفضاءَ فانظر إلى هذا المعنى كيف جاء :
مدح ابن الرومي قوماً برفعة الشأن وأنهم أذا أرادوا المعالي نزلوا إليها وهو معنىً حسن:
نزلتم على هام المعالي إذا ارتقى ......إليها أناس غيـركم بالسـلالم
فلم يصبِر على ما أخبر به من سهولة النزول حتى أشعرَ بمشقّة الصعود، فما يدعُ القلبُ هذا البيت إلا وفيه بقيَّةٌ من عناء.
هذا على أنَّ الشطرَ الأولَ أيضاً ليس بسالمٍ له وأنا أشفقُ على رأس المعالي أن يسقطَ عليه الكرماء ويفجؤوه بقفزةٍ من السماء!
والمعنى نفسُه حلّق به المتنبي ودار دورته وعلا ودنا فما تبصر به إلا فنّا من العرض لا تملّه العين :
فوق السِّماك وفوق ما طلبوا......فإذا أرادوا غايـةً نزلـوا
تأمّل هذه الكلمة البديعة "فوق السماك وفوق ما طلبوا" كيف تأخذ القارئ معها وتسمو به كما لو أنّها تحملُه على بساط، فيشعر بامتلاك المطلوب والقدرة عليه.
فإذا أرادوا غاية نزلوا .. هكذا بيسرٍ وانسياب ، ومن غير أن يتكلّف استحضارَ حال المتسلّقين وإتعابَ القارئ بتخيّل تعبِهم.
وليس كما ذكر صاحب الصبح المنبي من تفضيل بيت ابن الرومي على بيت المتنبي لذكره حالَ النازلين والصاعدين واقتصار المتنبي على الأول فهذا قبّانٌ يصلح لحانوت سمّان لا لرصد مشاعر الإنسان .
ويا للمَدّين في آخر الشطرين طلبوا .. ونزلوا..
أهما جناحان لذلك الطائر الفنّان
أم هما أفقان ؟
فإن تحققّت هذا المعنى وتبيّنته فعد إلى مطلع باكثير في "صوت المتنبي" وقوله:
من الملأ العلويّ من عالم الخـلدِ
أهلُّ عليكم بالتحيـات والحمـد
تقحّمتُ حُجب الغيب حتى أتيتكم
لأجزيكم عن بعض إحسانكم عندي
قطعتُ حدود الأين في متطـاولٍ
من اللوح يفنى البعدُ فيه من البعد
كأنّ الفضاءَ اللانهائي ســائرٌ
على كرةٍ لا حدَّ فيها سوى حدِّي
إذا ما ركضتُ السيرَ في فلواته
تشابه ما قبلي عليّ وما بعـدي

كرةٌ لا حدّ فيها سوى حدُّه .. وفضاءٌ لا نهائي يدور على هذه الكرة ..
إنه المتنبي العظيم!!
فعلام إذاً يتقحّمُ حجب الغيب حتى يبلغ مصر ؟
وعلام يكلّفنا عناء الشعور بهذه الحجب الكأداء التي لا تُقتحم إلا بشق الأنفس؟
وعلام ينقلب الفضاء الأثيري اللطيف إلى فلوات قاسيات يُركَض بها السير؟
وعلام ينقلب ذلك المركز العظيم إلى رجل تائه في صحراء مترامية كلما ركض فيها تشابه عليه ما قبله وما بعده ؟
ذلكم العسر الذي تكلمنا عنه آنفاً، العسر الذي يقرِّبه من ابن الرومي ويبعدُه عن المتنبي وأين هما من أريحية المتنبي واقتداره!


ثانياً- كثرة التعليل والتفسير:
وقِدماً ما أفسد التفسيرُ البلاغة وأبرد حرّها وأطفأ وميضها .
وقد كان المتنبي زاهداً بتفسير شعره فهو يلقي الكلمة على عواهنها ليسهر الخلق جرّاها ويختصم ، خلافاً لما كان عليه ابن الرومي فإنه يورد المعنى ثم يأخذ بشرحه وتشعيبه وتفريعه فربما أصاب وربما أخفق كما هو ملمَح إليه في تاريخ النقد الأدبي عند العرب.
وإني مررت على شِعره الذي هو من هذا القبيل فإذا أقلُّه الإصابة وأكثره الإخفاق حتى لتخالُه في بعض ما ذُكِر مدرِّساً يشرح على السبورة درساً في الفيزياء أو العلوم أو الفلسفة :
ومن هجائه:
فما أنت سخن ولا بارد......وما بين ذين سوى الفاتر
فهذا درس في أسماء الأحوال الحرارية !
ودرس آخر في فلسفة الحلي:
وما الحلي إلا حيلةٌ لنقيصةٍ......يتمم من حسنٍ إذا الحسن قصّرا
فأمّا إذا كان الجمال موفّراً...... كحسنك لم يحتج إلى أن يزوّرا
وكانت العرب استغنت عن هذين البيتين جميعاً بكلمة واحدة وقالت : غانية!

وأمّا باكثير فيقول في قصيدته:
إلى أن تجاوزت النجــوم جواذباً
إليهنّ عطفي غير أن لسن من قصدي
يناشـدنني - والنور ثمّ – لسانـها
لأنشـدها شـعري وأصفيها ودّي
ولو لم تكن (مصرٌ) و(جلّق) الهوى
و(بغداد) لم أبخل عليها بما عندي

إذاً لم تكن الحجب هي العقبة الوحيدة أمام المتنبي في رحلة الهبوط إلى مصر ، فقد تكاثرت عليه النجوم وتجاذبن عطفه وأخذن بثيابه وبالكاد خلص من بينهن ، فهذه استعارة مكنية وتشبيه تمثيلي حين شبه النجوم بالمعجبات المحبّات يمرّ من بينهن المحبوب ، وكان يسعُه أن يقف عليه ويدعَ سائر معانيه لعقل القارئ وحسِّه لكنه أبى إلا أن يأخذ بيد القارئ معللاً جذب النجوم له لينشدها الشعر ويصفوها الود، وأنه لا ينبغي للقارئ أن ينكر عليه حديث النجوم فإن لها لساناً من نور، ثم يأخذ بيده أيضاً ليبيّن له سبب تفلُّته من بينها بأن هواه إلى مصر والشام والعراق.
وما هكذا تورد الاستعارات !
ألقِها يا باكثير ودع القارئ يعيش معها بلا وصاية.
أرأيت إلى المتنبي الذي تجسّدُه كيف أطلق هذا المعنى فقال :
كلّما رحبَّت بنا الروض قلنا......حلبٌ قصدنا وأنتِ السبيل
فأجملَ في بيتٍ ما فصّلتَه أنت في ثلاث، ثم كان بيتُه كالأمير في قصر النبلاء وكانت أبياتك كالزعيم بين الغوغاء.
رحبّت بنا الروض!
لا جذبت عطفه ولا أرته لسانها ليخبرنا عن مادته .
وكان لطيفاً معها حين كلّمها واعتذر لها بأن مقصده حلب وأنها مع ذلك الوسيلة إلى تلك الغاية، والوصيفة التي ترقى بالضيف إلى الأميرة.

وهذا يقودنا إلى عاميّة الصورة التي وقع بها ابن الرومي وتبعه باكثير وترفَّع عنها المتنبي:

ثالثاً- عامية الصورة
والمقصود بها أن يهبط الشاعر من رقيِّ التصوير المتوقَّع إلى معنى عامّي لا يعدَم بعدَه موبّخاً، كما صنع شاعرنا الفاضل بالنجوم في البيت السابق.
وهذه شنشنة أعرفها من ابن الرومي :
فإنه لا يزال يَقدِم على المعنى الذي يتلمَّظُه الأدب فيفسدُه إما بالأسلوب النازل أو باللفظ السمج.
فمن ذلك قوله:
وحديثها السـحر الحـلال لو انه......لم يجـن قتل المسـلم المتحرِّز
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت......ود المحـدَّث أنـها لم توجـز
فأكرم به شعراً يُهدى إلى خطيب جمعة بارع!
وهذا معنى تغنّى به الأوّلون من شعر كثير عزة:
من الخفرات البيض ودَّ جليسها......إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها
أحدوثة! يا لرقّة هذه الكلمة .. أليست هي اليوم "حتّوتة" المحببة إلى القلوب.
وانظر إلى جليسها المشغوف بها ، ثم أبصره وهو يستعيد كلامها بعينيه ولعله ألا يعي ما تقول ولكنه يطرب لموسيقاه، ثم استمع لقافيته المؤنثة الممدودة وقل آه ..
فوقع عليه ابن الرومي فجعل الأحدوثة حديثاً والجليس محدَّثا ونعته بالسحر وأفتى بحلِّه إلا ما كان منه يقتل المسلم المتحرّز المعصوم، وأنها ربما أطالت حديثها فلا يُملّ وربما أوجزته فيتمنى السامع أنها لم توجز وإن كانت البلاغة في الإيجاز، وأخيراً إليك قافية كوخز الإبر! ويا تعب قلبي.
ثم ألا ترى أن الناس تمدح فتقول لا أبالي بما يكون في سبيل رضاك ( وكلُّو في حبك يهون!)
فييجيء ابن الرومي فيقول:
إذا ما الفجائع أكسبنني......رضاك فما الدهر بالفاجع!
ألا ترى أنّ البيت في حد ذاته فجيعة!
كأني بالمتنبي حين اطلع عليه عضّ شفتيه ثم قال:
إن كان سرّكمُ ما قال حاسدُنا......فما لجرح إذا أرضاكمُ ألمُ
هذا وأبيك الشعرُ، لا ما ناح به الأول !
وفي ديوان ابن الرومي وفرةٌ من هذه الفجائع لا يسع المقام لبسطها الآن..
فلنعد إلى باكثير:
- أول ما قصّر به في حق النجوم وقد شرحناه.
- ثم في حق الشآم حين قال :
ولو لم تكن مصر وجِلِّق الهوى ......وبغداد لم أبخل عليها بما عندي
وجلق من أسماء دمشق .
وقد جعل القدر لدمشق أسماءاً حتى لا يضيق الشعراء بأوزانهم إذا هم ترنّموا في هواها، وأسوأ حظها يوم يأتي اسمها هكذا (جلّق) بين مصر وبغداد فتكون كالعجوز بين صبيّتين ، أو كالصخرة بين أريكتين !
بلى إن لتلك الأسماء مواضع
ألا تسمع لشوقي حين ذكر التاريخ سمى جلق :
قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا ...... مشت على الرسم أحداث وأزمان
وحين ذكر الحاضر سمى دمشق:
سلام من صبا بردى أرق......ودمع لا يكفكف يا دمشق
فلو أن باكثير اقتدى به فاختار للشام في حديث الهوى اسماً تفوح منه رائحة الشباب وترك جلق للأحقاب الأول! فإن كان الوزن ألجأه إليه فما نحن قائلون لو أن الوزن ألجأه إلى جيرون؟!

- ثم قصّر في حق اللغة العربية فقال:
ولا تعتبـوها فهي بعد صغيرةٌ
ولم يتنفس صدرها بعد عن نهدِ
على أنها بالرغم من صغر سنها
لناعسـة الجفنين مياسـة القد
يكاد يصيح الحبّ بين شفاهها :
"أنا الحب ما أخفيه فوق الذي أبدي"

دعك من ثوب الأطفال الذي كساها إياه وهي أم اللغات !
ومن لحنه في تعتبوها فما أعلم هذا الفعل يتعدى بنفسه .
دعك من كل هذا فسبيلنا التصوير ، وإن الصغيرة التي لم يتنفّس صدرها عن نهدٍ لأغفَلُ عن حب يصيح بين الشفاه، وقلبٍ يخفي أضعاف ما يبدي، وأجفانٍ تناعس وتغامض، فإنها بعدُ صغيرة على هذه الأشياء.
والعجب من قوله يكاد يصيح الحب بين شفاهها ، كأنها في مظاهرة !
وقد أعاد الصياح في قصيدته مرة أخرى حين قال:
رفعتم شباب النيل أمس لواءها
فنفسـتمُ كربي وبرّدتـمُ وجدي
وثرتم على الحامي العتيد وصحتمُ:
"نعيش كراماً أو نُغيّب في اللحدِ"
فثَمّ صياحٌ لا بأس به..

- وقصّر رابعاً في حق المتنبي الذي يجسّده فحمّله من الاعتذار لمصر ما لا يحتمل :
يقـول أناسٌ إنني قـد هجـوتكم
فإما أرادوا الشرّ أو جهلوا قصدي
وكأنه كان يبالي أن يجهل الناس قصده، أوكأن المصريين واجدون عليه في أنفسهم لما قاله في حق بعض أجيالهم أيام كافور .

ثم حمّله من سوقيّة التركيب مالا يطيق :
فمن نالني بالسوء نالكم به......لذاك ويعوي ضدكم من عوى ضدي
ويكون مثلُ هذا التعاوي في شعر المتنبي؟

ثم احتج له لدعواه في النبوة وقد قيل إنه تاب منها فألزمه من القضية ما كان فرّ منه :
فلا غرو في دعوى النبّوةِ مثلُه
وليس له فوق البسيطة من ندّ
فلولا خرّجها على النبوة الشعرية!
تلك التي تحقّقَ المتنبي بختمها ، وختمُ النبوة الشعرية عند المتنبي فيما أرى أنه حصّن شعره على النقد فضرب على كل قصيدة سوراً يحميها:
فإذا توقع أن يأتي من يذمّه قال :
وإذا أتتك مذمتي من ناقص!
ويا ليت شعري من يذمه بعد ذلك ولو كان للذم مستحقا.
وإذا توقع أن يأتي من يعارضه قال:
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق ......أراه غباري ثم قال له الحقٍ
فمن ذا يعارضه بعد؟
وإذا توقع أن يُعاب قولُه ويُسفّه رأيه قال:
وكم من عائب قولاً صحيحاً ......وآفـته من الفهـم السـقيم
وهكذا دواليك..
وقد أخلى باكثير صوت المتنبي هذا من ختم النبوة الشعرية ومن سور الحماية السرمدية اللهم إلا قوله : ولست أبالي مادحاً لي وهاجياً فقد رويت نفسي من الصيت والمجد
وهذا سور واه سرعان ما يقع..
وأكبر دليل لما ذكرت أنني على صغر شأني تجرّأت عليه واقتحمته بما شئت من النقد ، ولو كان حماه كما يفعل المتنبي لرمقته من بعيد ثم انصرفت آيساً.

ثم خرج به من النبوة إلى ما هو أكبر منها :
رأيت بلاد الضاد عقداً منظماً
ولكن مصراً فيه واسطة العقد
قضيت لمصر بالإمامة بينها
وما لقضاء شئته أنا من ردّ
وإنما الذي لا يرد قضاؤه هو الله عز وجل .
وما نريد أن نشق عليه بهذا التحريج ولكنه وقد هجم على هذا الحمى فما باله لم يبلغ به المنتهى خصوصاً أنه ختام القصيدة الذي ينبغي أن يستمر صداه بعد ذهاب مادته.
ولكن أبى الله عز وجل أن يسلم هذا البيت لباكثير حفظاً له ورأفة به فافتُضِح القضاءُ المتكبِّر بالأنا الضئيلة المبتورة التي لم يُسمح لها في المدّ ارتفاعاً.
ولو كتبنا البيت كما يُقرأ وفق ميزانه لكان هكذا:
وما لقضاءٍ شئته أنَ من رد..
هكذا بفتح النون بلا ألف ، فأي ضآلة آل إليها أمر هذا القاضي !

رابعاً- الحكائية :
الحكائية وأسلوب المقالة سمة ابن الرومي في شعره ، وهي وجه من النقص أضرّ به وأعياه، حتى تركه الناس واشتغلوا بغيره من الشعراء المتبصرين بمذاهب النفس وأحاسيسها كالمتنبي والبحتري وأبي تمام فلما كان القرن الخامس الهجري وفرغت الساحة من الكبار عاد كتاب القرن يفتشون في الدفائن فكان ابن الرومي أولاً فقرؤوه وأحيوا ذكره.
قال الرافعي الأديب:
" وما أخمل ابن الرومي على جلالة محله إلا طول قصائده وسياقة الكلام فيها مع ذلك على ما يشبه أسلوب الحكاية وخروجها مخرج المقالة يتحدث بها فلم تحي له إلا مقطعات وأبيات ومات سائر شعره".
ومما سار من شعره: نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها..،غلط الطبيب علي غلطة مورد..، تقول هذا مجاج النحل تمدحه.. ، ألا من يريني غايتي قبل مذهبي ..وأبيات أخر.
وكذلك باكثير فإن أسلوب المقالة ظاهرة شعره وهي به أليق لما تعاطى من فن الرواية ، ومن ثم فشعره أقرب إلى السطح منه إلى الأعماق وربما كان في بعضه غواصّاً فتقع له المُلَح حيناً بعد حين ..
و"صوت المتنبي" ليست خارج السرب .
ومن أحسنها قوله حاثاً شباب العرب على الجد إذ جدّت الأمم:
كذا فلتكن فتيان يعرب إن ترد
حياةً لها ما بين أعدائها اللُدّ
حرام عليكم أن يقوموا وتقعدوا
وأن تهزلوا والقوم ماضون في الجدّ
وهذا من أسلوب المقالة ولو شئت أن تخاطب الشباب نثراً لما عدوت هذه المعاني والألفاظ، وما بين الحالين سوى وزن وقافية، إلا أن المعنى شريف على كل حال.
أما التعبير الفائق في قصيدته فقوله على لسان المتنبي:
أنا الخالد الساري بأعصاب شعبه وما شعبه بالنزر أو ضرع الخد
فتأمل قوله : أنا الخالد الساري بأعصاب شعبه ، وأعرض عن سائر البيت فإنه مخلٌّ بفنِّ أوله على ما ذكرنا في بند التفسير.
والشطر الأول يشعرك بتيار العظمة الساري في أعصاب الأمة ، ها هنا يقيم المتنبي!
وأما البيت الذي لعله أن يسير في الناس فقوله:
ولن تبلغ الأعداءُ من مصر مطمعاً
وقد زأرت فيها اللبـوءُ مع الأسدِ
وقد أحسن إذ لم يسترسل في تفسير المراد منه وتركه يعبّر عن نفسه، فهذا بيت يُحفظ.

عزيزي القارئ:
إن صوت المتنبي من أجلِّ قصائد باكثير، وفيها ما رأيت!
وكأني به علم من نفسه أو علم القدر منه أنه صاحب رواية فلم يُطبع له ديوان شعر في حياته على كثرة ما طبعَ من المسرحيات والروايات .
والرجل في بيته أمير ، وفي بيت غيره أسير ، ولا يعيب باكثير أن يكون في الشعر كالنسمة العابرة تنفح القلب فتبرده وتسعده، على أن له من النسمات قبلها وبعدها ما ينسيه ذكرها في تلك الخميلة .
فإذا أتيته في حديقته الروائية وجدتَه عطر حديقته ورَوحِها وريحانها .
ألم نقل إنه كان ردّ التاريخ على العابثين به في أيامه؟
وإنّ رجلاً توكّأ عليه التاريخُ مرّة لحقيقٌ أن يُخلّدَ فيه..


المصادر والمراجع :

- تاريخ النقد الأدبي عند العرب، إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، ط4: 1404هـ - 1983م.
- ديوان ابن الرومي أبي الحسن علي بن العباس بن جريج (- 284هـ) ، ت: د. حسين نصّار ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، ط2: 1993م.
- ديوان أبي الطيب المتنبي (-354هـ) بشرح أبي البقاء العكبري ( التبيان في شرح الديوان) ، اعتنى به : مصطفى السقا، إبراهيم الأبياري، عبد الحفيظ الشلبي، دار المعرفة، بيروت .
- ديوان أحمد شوقي ( الشوقيات)، اعتنى به د. يوسف البقاعي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط: 1427هـ، 2006م.
- سير أعلام النبلاء ، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (-748 هـ) ، ت: شعيب الارنؤوط ، وآخرون، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة التاسعة 1413 هـ، 1993 م.
- الصبح المنبي عن حيثية المتنبي ، يوسف البديعي (1073هـ) مطبوع بهامش التبيان في شرح الديوان للعكبري ، بولاق.
- لسان العرب ، جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي (- 711هـ)، دار صادر ، بيروت ، ط1 .
- موقع الشاعر علي أحمد باكثير بإشراف الدكتور عبد الحكيم الزبيدي : http://www.bakatheer.com
- وحي القلم ، مصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي، بيروت.

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3774933 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017