مسرحية “دار ابن لقمان” لعلي أحمد باكثير
2013-04-03

مسرحية “دار ابن لقمان” لعلي أحمد باكثير

04/1/2013 الاثنين 21 جمادى الأولى 1434 

مسرحية “دار ابن لقمان” كتبها علي أحمد باكثير ونشرها عام 1960م، حصلت على جائزة المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، وتحكي قصة انتصار المسلمين على الصليبيين في معركة فارسكور وأسر ملك فرنسا.

عنيت المسرحية باستلهام حادثة تاريخية تعود إلى الحملة الصليبية الثالثة على مصر في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب، وزوجته شجرة الدر، يقودها ملك فرنسا لويس التاسع وإخوته، وقد استولت على دمياط عام 647هـ.

تبدأ المسرحية بالمحاولة اليائسة لقائد العسكر فخر الدين صد هجوم الفرنجة عن دمياط، وتعرضه لعصيان المماليك من قادة فرق الجيش ممثلين  بأقطاي، وأيبك، ظناً منهم فشل مخططه الحربي، مدفوعين بكرههم له بوصفه من عامة الشعب لا مملوكاً مثلهم، يشكل خطورة على نفوذهم إذ يقرب العامة منه في القتال، فقد اعتمد عليهم في صد هجمات الفرنجة عن دمياط ريثما يحاصرهم في القسم الشرقي منها فيقطعون عنهم المعونة والمدد بقطع الجسر ليقعوا بين مصيدتي العامة والجيش، لكن الجيش تراجع  من دون المعرفة بالخطة، مما اضطر العامة إلى الهرب، فسقطت دمياط بيد الفرنجة.

جاء كل من أقطاي وأيبك إلى الملك الصالح الذي كان مريضا شاكيين تعريض الجيش والمدن للخطر من دون فائدة، فتبعهما فخر الدين محاولاً إقناعهما بالعودة لصد الهجوم، وأقنع الملك بالحيلة وعصيان الجيش له، فأيقن ولاء فخر الدين وعدم رغبته بجمع الشعب حوله للانقلاب على السلطان، فأخذ منه عهدا أن يتولى أمر الدولة من بعده، ولم يقبل فخر الدين إلا أن يبقى الأمر سراً، وتوفي الملك، ولكن ذلك لم يغير من غيرة قادة المماليك من الأمر شيئاً إذ بدأ خلافهم مع شجرة الدر حول تولية فخر الدين الملك، وهم يريدون ملكاً من المماليك خاصة، لا من غيرهم، فاختاروا تولية توران شاه ابن الملك الصالح. ومرة أخرى يعصي قادة الجيش قائدهم، ويرفضون مده بعون من الجيش لصد هجمات الفرنجة التي تريد الهجوم على القاهرة، علما ً أن حاك لهم مكيدة أخرى بعون من فلاح يدعى أحمد وهو ابن عم ناعسة الفتاة التي تبنتها شجرة الدر .

استطاع أحمد الذي سجنه الفرنجة أن يقنعهم بأن السلطان الجديد حبس ابنة عمه التي يحبها، وما وشايته عند الفرنجة إلا رغبة منه في إرشادهم إلى خطة تمكنهم من اقتحام القاهرة بسهولة، فيستجيبون له، بإلحاح من مرجريت زوجة لويس التي تأثرت بالقصة، ولكن جيش المماليك يخذل قائده مرة أخرى، فيقرر أن يهجم وحده بمساعدة الشعب، وهناك يقتل، عندئذ يصدق قادة الجيش صدق نيته بعد فوات الأوان، فجيش الفرنجة يتوغل ويكاد يقتحم قصر الملكة، فيقرر الجيش متابعة خطة فخر الدين، ويحبسون فرقة من جيش الفرنجة في ساحة القصر ويبيدوهم بقيادة كل من قطز الذي قتل أميرهم، وبيبرس.

ويتمكن الجيش من أسر الملك لويس وأمراء الفرنجة وزوجاتهم بمساعدة أحمد أيضاً، ويتراجع جيش الفرنجة بمساعدة الشعب،  وهنا يصل توران شاه وينقلب وبالاً عليهم، إذ يدمر كل ما بدؤوه، ويعقد صلحاً غير متكافئ، كما يطلب سوق الملكة والأميرات الفرنجة سبايا إليه، فترفض شجرة الدر بشدة، لكن إصراره على ذلك وإصراره على الزواج من ناعسة حبيبة أحمد لا بل اختطافها أيضاً، يؤجج الصراع فتقرر شجرة الدر مع كل من أقطاي وأيبك وجمال الدين التخلص منه، وهذا ما يحصل، ثم تأذن للملكة مرجريت بالذهاب إلى معسكر الفرنجة، عساها تفلح في إقناع جيشهم بالانسحاب والقبول بالصلح ودفع الفدية لافتداء الملك والأمراء، لكنها تفشل في ذلك، فالناس تخلوا عن ملكهم، ولم يقبلوا إلا بدفع جزء صغير من الفدية، في الوقت نفسه نجحت جهود الشعب والمماليك بدفع جيش الفرنجة ودحرهم خارج دمياط، ثم تتعالى أهازيج النصر في شوارع المنصورة متوعدة كل قادم بالإقامة في دار ابن لقمان.

 

باكثير بين الحقيقة التاريخية والخيال الفني:

 

لعل مسرحية باكثير تنسجم مع الحوادث التاريخية كما وردت في مصادرها الأم، وإن افترقت عنها قليلاً في استدعاء شجرة الدر ابن زوجها توران شاه من حصن كيفا، فصاحب النجوم الزاهرة يشير إلى انتصار توران شاه على الصليبيين في معركتي فارسكور والمنصورة، وأسره الملك لويس التاسع وأخيه وثلاثين ألفاً من الجنود وسجنهم في دار القاضي ابن لقمان، وتوكيل أمرهم إلى الطواشي صبيح، ثم افتداء الملك لويس نفسه بأربعمائة ألف دينار، إذ أطلقه مماليك الملك الصالح بهذه الفدية، بسبب الحاجة إلى المال[i]، ويبدو أن باكثير تصرف ببعض هذه الحوادث، إذ نسب انتصار فارسكور والمنصور إلى خطة نفذها الفلاح أحمد، متابعا ما خطط له قائد العسكر فخر الدين قبل رحيله، وغيرها من التفصيلات التي جعلت من “دار ابن لقمان” رمزاً للهزيمة والأسر، وهو رمز تغنى به الشعراء فيما بعد.

       لقد تنوعت مواقف النقاد إزاء استلهام التاريخ والتصرف فيه في عمل مسرحي، فالعقاد يبيح للفن المسرحي الخروج على الزمان والمكان والحوادث التاريخية والتصرف في ترتيبها، فربما “كان لكفاية الفن المسرحي بذاته إثر في إباحة التصرف بترتيب الحوادث التاريخية وترتيب أماكنها وأوقاتها، أو في إخضاع التاريخ على المسرح لمقتضيات التمثيل”[ii].

وأياً يكن من أمر الدقة التاريخية للمسرحية، فهو ليس بأمر ذي بال، لذا “يبدو من التعسف تقييد الكاتب بحقائق التاريخ، ومطالبته بالتزامها، وعد الخروج عليها، لأنه لا يكتب بحثاً تاريخياً، إنما يكتب عملاً فنياً، يسعى فيه إلى طرح فكرة جديدة، ترتبط بعصره، ولا ترتبط بالتاريخ، وما اتخاذ التاريخ مصدراً، إلا وسيلة للتعبير عنها”[iii]، ولعل هذا ما يثمر أكثر إذا كانت النماذج التاريخية مفتوحة على التاريخ العالمي، إذ تكتسب عندئذ أهمية خاصة تعكس روح الأديب في مرآة التاريخ العربي والعالمي في آن معاً، كما تعكس التيارات الفكرية التي تتحكم بالعصور المختلفة أياً كانت هويتها. ومن هنا يمكن الربط بين الخلفية التاريخية التي ظهرت فيها المسرحية عام 1960 وأسباب استلهامه هذه الحقبة التاريخية من الصراع العربي الصليبي، “إذ إنها كانت فترة صراع ضد الاحتلال الأجنبي والاستبداد الداخلي وقيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين، ومن ثم اندفع بعض الكتاب إلى إحياء بعض الأمجاد العربية وتخليدها”[iv]، مما يولد الحاجة إلى رمز تاريخي يجسد هذا الصراع، ويبشر بنهايته المظفرة.

إن الرموز الأوروبية التي استلهمها باكثير في مسرحية لم تكن عفو الخاطر،  لأنها تقدم تساؤلات عن  الواقع العربي الراهن، وتدفع إلى التأمل فيه أكثر من التأمل في تفاصيلها التاريخية، وكأن باكثير يقدم من خلالها  في الوقت نفسه “إجابة عن تساؤلات مؤلمة تتعلق بالواقع العربي والإسلامي وبالتكالب الاستعماري الغربي والشيوعي والصهيوني الذي يذكر بتحالفات الأمس البعيد، وبالمحاولات التي تصدت لمواجهة ذلك الصراع وأعادت إلى الإنسان العربي المسلم امتلاك مصيره”[v].

لقد كانت هذه المرحلة الأدبية في حياة باكثير صدى لتبلور مفاهيم ثورية كبيرة في الذاكرة الجمعية، أعني بعد عدوان 1956 الذي أصبحت في مصر مركز الصراع العربي الغربي، ومن هنا يحاول استنطاق هذا التاريخ، فيقول: “عكست مفاهيم ثورية من قبل الثورة ولم أجبن، والتزمت بالقومية العربية والاعتزاز بتراثنا الإسلامي الكبير، والإطلالة على التراث العالمي من خلال وجهة نظرنا نحن العرب”[vi].



[i] النجوم الزاهرة، ج6، ص366، 394 بتصرف.

[ii] العقاد، عباس محمود، 1969ـ التعريف بشكسبير. دار الكتاب العربي، بيروت، ص157.

[iii] محبك، د. أحمد زياد، 2005ـ دراسات في المسرحية العربية. منشورات جامعة حلب، (189ص)، ص23ص.

[iv] مجموعة من الباحثين، 201ـ علي أحمد باكثير، أبحاث مؤتمر علي أحمد باكثير ومكانته الأدبية. الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، ج2، (640ص)، ص107.

[v] المقالح، عبد العزيز، 1988ـ علي أحمد باكثير والرواية التاريخية، ضمن كتاب وثائق مهرجان باكثير. دار الحداثة، بيروت، ط1، ص167.

[vi] حميد، د. محمد أبو بكر، 2010ـ علي أحمد باكثير سنوات الإبداع والمجد والصراع. ص123
اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3775168 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017