باكثير ومحمد علي الطاهر
2013-10-20

 باكثير ومحمد علي الطاهر

عن موقع: محمد علي الطاهر

 

كان الكاتب والمؤلف المسرحي علي أحمد باكثير من ألمع كتاب مصـر خلال الأربعينات والخمسينات، وهو أصلا حضرمي من أندونيسيا حيث كانت تقطن جالية كبيرة من التجار الحضارم الذين وفدوا على تلك البلاد من جنوب اليمـن ، ويعود لهم الفضل في نشر الإسلام بين أهلها . ومن بين ما ألفه من مسرحيات شهيرة مسرحيتي "مضحـك الخـليفـة" التي تم عرضها على مسرح دار الأوبـرا الملكـية بالقاهرة عام ١٩٥٤ ومسرحية "مسـمار جـحـا" التي عرضت هي الأخرى في دار الأوبـرا عام ١٩٥٥ . وكانت علاقة أبا الحسن به علاقة عائلية ، حيث كانت قرينة باكثيـر وابنه بالتبني فـوزي يتبادلان الزيارة مع أسرة أبا الحسن .

هـناك قـصة مشـوقـة تجمع بيـن باكثير وأبا الحسن خلال هـرب الأخير من السجن وتخفـيه بين عام ١٩٤٠ وعـام ١٩٤١ في مختلف أنحاء القـطر المصـري .  تعود صداقة أبا الحسن مع باكثير إلى عام ١٩٣٣ حين وفـد الأخير إلى مصـر قادماً من أندونيسيا عن طريق الحجـاز وحضرموت وطنه الأصلي بقصد طلب العلـم . فالتحق بالجامعة المصـرية حيث أحرز على ليسانس كلية الآداب ، ثم التحق بمعهد التربية العالي فحاز شهادته . ولما أكمل دراسته وأراد العودة إلى أندونيسيا مسقط رأسه وقعت الحرب العالمية الثانية وانقطعت الطريق إلى الشرق الأقصى .

بقي باكثير في مصـر واشتغل في التعليم وتأليف القصص التاريخية والأدبية الناجحة . فكل مسابقة تعلنها وزارة المعارف أو إحدى الهيئات الثقافية لتأليف رواية أو قصة ، كان باكثير يدخلها فيفوز بالجائزة مع طبع مؤلفه . وقد بلغ من نبوغه المثالي أن وزارة الشؤون الإجتماعية طلبت سنة ١٩٤٧ سـت روايات في مواضيع معينة وأقامت مسابقة لذلك مصحوبة بمكافئة باهظة ، فتلقـت الوزارة خمسمائة رواية . ولما فحصت اللجنة المختصة ذلك الجبل من الروايات اختارت ستاً منها . ولما فتحت غلافات الأسماء ظهر أن باكثير قد فاز بروايتين من الست روايات . وهو فوز باهر لا مثيل له . فداعبته إحدى الصحف طالبة من الحكومة منعه من دخول المسابقات ...

باكثير يساعد هارب من السجن

بعد مرور سنة على إعلان الحرب العالمية الثانية ، أوعزت السلطات البريطانية في مصـر إلى السلطات المصـرية بالقبض على أبا الحسن وحبسه كما جـرى ذكره في النبذة الذاتية بسبب ما كان يكتبه وينشره من مقالات ضد الإستعـمار البريطاني في مصـر والمشرق والإستعـمار الفرنسي في شمال أفريقيا وبلاد الشام والإستعـمار الهولندي في أندونيسيا والإستعـمار الإيطالي في ليبيا . علما بأن بريطانيا لم تحتج على كتابات أبا الحسن ضد عدوتها إيطاليا التي كانت تحتل ليبيا نظرا لتحالفها مع ألمانيا النازية .

لما هرب أبو الحسن من مستشفى السجن تنكر بزي شيخ ريفي وجعل يتنقل باستمرار في مختلف أنحاء القطر المصـري . من بين البلاد التي مكث فيها متخفيا أكثر من غيرها هي مدينة المنصورة ذات الشهرة التاريخية . وذات مساء وبينما كان أبا الحسن يسير في إحدى الحارات فوجىء بالأستاذ علي أحمد باكثير يمر من أمامه ، فمشي خلفه وأخذ يتتبعه على بعد قليل ثم حاذاه ووضع يده على كتفه وسلم عليه . فالتفت إليه الأستاذ باكثير بسرعة ، ولكنه بمجرد أن سمع صوته عرفه حالاً وأقبل يعانقه ويسأله عن حاله ثم واصلا السير بينما قص عليه أبو الحسن قصته . وانتهى بهما المسير إلى دار الأستاذ باكثير حيث عرّف أبو الحسن عن حاله وعن كونه قد تعين مدرساً للغة الإنجليزية بمدرسة الرشاد الثانوية بعد أن انقطعت أسباب الإتصال بينه وبين أهله في أندونيسيا ، كما أخبره بأنه يسكن المنصورة منذ شهور وأن هذه الدار داره ، ولكنه ليس وحده فيها ، لأنه تزوج ، وأن إحدى قريبات زوجته تسكن معهما .

وفي الصباح شرع باكثير يطوف المدينة بحثاً عن دار تتوفر فيها شروط الهارب من أعوان الاستعمار البريطاني لتصلح سكنى لأبا الحسن لريثما تنفرج الأحوال . وقد عثر الأستاذ باكثير على شقة صغيرة تتوفر فيها تلك الشروط في حي "ميت حدر" في زقاق ضيق . وقد كتب عقد الإيجار بالاسم المستعار الذي كان يستخدمه أبو الحسن ولكن بكفالة وتعريف الأستاذ باكثير . ولولا سكنى الأخير في المنصورة ووظيفته لما استطاع أبو الحسن أن يجد مأوى .

وفي تلك الأثناء وقعت حادثة سقوط طائرة اللواء عزيز باشا المصـري في قليوب شمال القاهرة وكان البحث عنه يجري بكل همة . فقد كان عزيز باشا معارضا للإحتلال البريطاني في مصر وكانت السلطات البريطانية تعتبره متعاطفا مع النازيين وتشتبه في كونه كان يحاول الوصول إلى خطوط الجيش الألماني التي كانت معسكرة على حدود مصر في الصحراء الغربية . وكان مبلغ الخمسمائة جنيه التي أعلنت عنها الحكومة مكافأة لمن يرشد إلى الباشا وزميليه الطيار عبد المنعم عبد الرؤوف ومساعده الطيار حسين ذو الفقار صبري كفيلة بتحويل الكثيرين إلى صيادين لأن مثل ذلك المبلغ في تلك الأيام كان يعد ثروة عظيمة .

تصور أبو الحسن ذلك وكيف أنه قد يظن بأنه هو عزيز المصـري فلم يتردد عن العمل السريع . فجمع كتبه وما عنده من ملابس وجعل الجميع في صرة وغادر الدار إلى حيث يسكن باكثير . فقص عليه القصة وأودعه الصرة ومفاتيح الدار، وأوصاه بأن لا يذهب إلى تلك الجهة ، لأنه إن حدث شيء فلابد من أن يصلوا إليه للسؤال عن أبا الحسن حسب اسمه المستعار ، لأنهم سيسألون صاحب الدار عنه فيقول لهم لا أدري سوى أنه استأجر المنزل مني بواسطة باكثير ، فيسألون باكثير فيقول لهم أن الأستاذ ذهب إلى القاهرة لإحضار أسرته دون أن يذكر وضع المفاتيح عنده . وقد سافر أبو الحسن بعد ذلك إلى دمياط ، فطنطا ، فالإسكندرية ، فبنها فالزقازيق . وفي اليوم الثالث رجع إلى المنصورة، حيث ترصد الأستاذ باكثير بعيداً عن داره إلى أن لقيه . فقال له الأخير أنه لم يقع شيء خلال غيابه وأن أحداً لم يسأل عنه .

باكثير في مهمة خطرة بالقاهرة

بقيـت أم الحسـن مقيمة في شقتها بشارع شبرا خلال هرب زوجها ولكن تحت الرقابة المستمرة والملاحقة ليـلاً ونهاراً من قبل المخبرين الذين كان رؤسائهم في البوليس والقلم المخصوص وإدارة الشؤون العربية يتعاونون مع الإنجليز ، رغم ذلك فقد كانت محور الإتصال بين زوجها في مخبئه والوطنيين وأصحاب الشهامة في مصـر والعالم العربي . وفي إحدى المرات طلب أبو الحسن من باكثير السفر إلى القاهرة وتوصيل رسالة إلى قرينته . فوافق باكثير وسافر إلى القاهرة ومعه الرسالة .

وقد رسم هو وأبا الحسن خطة تنفيذ تلك المهمة : متى وصل إلى العمارة التي تسكنها أم الحسن يصعد الدرج على رجليه إلى الطابق الخامس بدون أن يركب المصعد حتى لا يرافقه البواب . وأن لا يسأل البواب عن شقة أبا الحسن حتى لا يسمعه مخبر البوليس القابع عند باب العمارة فيشتبه به ، وإن سأله أحد عن الشقة التي يريدها يقول له أنه يقصد منزل جار أبو الحسن المهندس عباس جمجوم الذي كان هو وزوجته السيدة نفـيسة يعرفون كل شيئ عن أبا الحسن وهربه من السجن ، وأن يجعل وصوله للعمارة بشكل يوهم من يراه أنه معتاد صعودها وأنه عارف بمسالكها ، وبذلك يتفادى كل شبهة إلخ . ثم شرح له أبوالحسن ما سينتظره من شكوك عباس أفندي وتحفظه وأنه سينكر علاقته بأسرة أبا الحسن .

المقابلة وتأدية الرسالة

قرع باكثير جرس باب شقة المهندس عباس جمجوم المحاذية لشقة أبو الحسن ، فخرج إليه وتبين له أن ملامحه لا تشكل خطرا ما فرافقه إلى الصالون وهو لا يدري عنه شيئاً . ولما جلس سأله عن الخدمة التي يريدها فأسمعه باكثير أولاً بعض عبارات خاصة وحكايات لا يعرفها إلا عباس وأبو الحسن . ولكن عباس بقي متحفظاً فأخرج باكثير رسالة بعنوان أم الحسن وطلب إليه تسليمها إليها بواسطة حرمه السيدة نفيسة . وأفهمه بأنه بخط أبوالحسن وأراه العنوان والخط . فاطمأن عباس وذهبت قرينته إلى شقة أبا الحسن وأخبرت قرينته بوجود رسول من قبل زوجها . فجاءت إلى دار عباس حيث عرفت باكثير فوراً وأخذت الرسالة . فكان سرورها عظيماً لأنها لم تكن تدري منذ شهرين أين زوجها . ومن الطريف أن السلطات البريطانية كانت تتصور أن أبا الحسن قد وصل خفية إلى لبنان أو فلسطين ، فأرسلت زبانيتها لتفتيش بعض البيوت وسؤال بعض الأشخاص عن أبا الحسن هناك بينما لم يكن قد غادر القطر المصـري !

حكاية إخفاء أوراق محمد علي الطاهر عند باكثيـر

كثرت الأوراق عند أبا الحسن وفيها كل ما دونه من مذكرات ، فخطر له أن يبعدها عنه ويودعها مكاناً أميناً . ولكن من يجسر على تحمل مسؤولية إخـفاء هذه "العـقـارب" على حد تعبيـره في الوقت الذي كانت ثمينة مثل روحه كما دون في كتابه "ظـلام السـجـن" . وأخيراً اهتدى إلى طريقة كان قد قرأ عنها في كتب القصص الأمريكـية ، وذلك أنه اشترى من أحد باعـة الصور الملونة صورة قرية أوروبية بإطارها وزجاجها ، ففك الزجاج من الإطار ومزق الصورة وجاء بصورة لبدوية حسناء قصها من جريدة مصوّرة ووضعها في الإطار بدلا من تلك ، ثم دس جميع الأوراق التي يريد حفظها بين ظهر الصورة وبين الكرتون الخلفي قبل الزجاج ، ثم أرجع كل شيء إلى أصله وعلّق الصورة على الحائط .

ولم يكن ذلك كافياً بالطبع ، لأن الشرطة إن اهتدت إلى أبا الحسن فإنها ستضبط بطبيعة الحال جميع ما في الغرفة ومن الجملة الصورة . وسوف تظل في خطر سواء تركها رجال الشرطة أم أخذوها . فصار كلما زاره باكثير يصعد النظر إليها ، ويتأملها عن قـرب ، وذات مرة استحسن باكثير الصورة فطلبها من أبو الحسن الذي لم يتردد للحظة فأهداه إياها . وهكذا أخذ باكثير الصورة إلى بيته وعلقها في غرفة مكتبه وهو لا يدري أنها تحتوي على الكنز المكنون.

ومضت الأيام وصار أبو الحسن يزور منزل باكثير أكثر مما كان وكل غرضه هو أن يطمئن على الصورة ، مثل جحـا لما كان يكثر من زيارة الدار التي باعها وترك فيها المسمار... وكان باكثير يحدثه في كل زيارة عن الصورة وجمالها وحسن وقعها في نفسه ونفوس زوّاره ، وأنهم يكثرون التأمل فيها مع أنها صورة مقطوعة من إحدى المجلات ولا قيمة فنية فيها . ولكن لسوء حظ الطاهر جعل الزوّار يفتنون بها . وأخيراً قال باكثير أنه يستأذنه في إهداء الصورة إلى صديق له ألح كثيراً في الاستحواذ عليها . وعند ذلك لم يجد أبو الحسن مفراً من مكاشفته بالحقيقة وأن الصورة تخفي الكنز المدفون .

فلما سمع باكثير بخبر ما في الصورة اندهش . ومن يومها صار يحرص عليها ولا يمكن أحداً منه إنزالها عـن عرشها . ولما كثر المعجبون فيها أخذها من مكانها وأخفاها في صندوق كتب وكفى الله باكثير فضول أصحاب الذوق الفني السليم الذين لم تظهر عبقريتهم في معرفة قيمة اللوحات الفنية إلا يوم أخفى محمد علي الطاهر أوراقه في إطار تلك الصورة .

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3775906 عدد الزوار
913 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017