ديوان باكثير-> القصائد ->مرثيات
دمعة على أمير الشعراء
في رثاء الشاعر أحمد شوقي - 1932
سَائِلُوُا الدُّنيا وَصيحُوا في البَشَرْ=مَا دَهَى الشَّمسَ وما غَالَ القَمَرْ
فَإذا لمْ تَسمَعُوا غير الصَّدَى=فَاعلمُوا أنْ قدْ طَوَى (شوقي) قَدَرْ
فاسْكُبُوا مَا شِئْتُمُ مِنْ أدمُعٍ=وَأَسِيلُوا ما أَرَدْتُم مِن عِبَر
وَلْتَذُبْ أنفُسكُمْ ثمَّ لتَسِلْ=حَسَرَاتٍ قطراً بعد قَطَرْ
***
=
هذه العُرْبُ حَيَارَى كُلَّها=كَبِدْ تَغْلي ودَمعٌ ينْهمِرْ
يَتَوَلاَّها التِيَاعٌ دُونَه=لَوعَةُ الثّكِلَى ويأسُ المحتَضَرْ
نبأ مرّ بها فاضْطَرَبَتُ=وَبِبركانِ أَسَاها فانفَجَرُ
كَبّرَتْ (ماتَ أميرُ الشِّعر) مَنْ=يَعهَا يُغْشَ عَلَيهِ ويُدَرْ
شاعِرُ العُرب وحامي رُكنها=وَرَدَ الموتَ إلى غير صَدَرْ
فَقَدتْ قائِدَها الأكبَرَ في=سَاعَةِ الشِّدَّةِ والأمْرُ خَطرْ
وَرَحَى الحربِ بِها دائِرةٌ=تُبصِرُ الأنجمَ في وَقْتِ الظُّهرْ
يالَهَوْلِ الصَّدْمَةِ الكُبرَى فَقَد=عَظُمَ الخَطْبُ وعَزَّ المُصْطبَرْ
***
=
فُجِعتْ (مِصرُ) بِمُعلي شَأنَها=وَمُحَلّي جِيدِهَا أَغْلَى الدُّرَرْ
بمعزيها (ببنتاءودها)=مَنْ يُعَزّيها (بشوقيها) الأغَرُّ
جرعت لما رأت أحمدها=بارد الأطراف مشخوص البَصَرْ
سَاكِنَ الأَعضَاءِ مِن غَير كَرَى=جَامِدَ المِقْوَلِ مِنْ غَير حَصَرْ
ماعَرَا القلبَ الذي تَهفُو بِهِ=كل ذكرى فغدا مثل الحجرْ
عَجباً ما ضَاقَتِ الدُّنيا بِهِ=وَسِعَتْهُ حفْرَةٌ بَينَ حُفَرْ
***
=
تِلْكُمُ (الضاد) وَذِي أَوْطانُها=فَقَدَتْ في سُدْفَة الليل القَمَرْ
فرُبى (مِصْرَ) استَحالَتْ مَأتَماً=جُمع الآسادُ فيه والعُفرْ
جَلَّلتْ (أَهرَامَهَا) كاسِفَةً= مسحةُ الحزنِ وَسِيماءُ الكَدَرُ
وَيَدُ (النيل) على أحشائِهِ=ساخطاً يرنو إلى الكونِ الشّزَرْ
وَبكَتْ (طيبة) و(البيتُ) معا=كَمْ تَغَنّى بعُلاَهَا وافتَخَرْ
وربوع (الشام) تَبكي شاعراً=نَدَبَ الأملاك فيها والسُّررْ
وَبَكى (البسفور) مَنْ صَوّرَهُ=فوقَ مَا أُوتِىَ مِنْ حُسنِ الصُّوَرْ
خصّ بالآيات (كُبرى شمسِه)ِ=وَنَعاها إذ هَوَتْ في مُنْحَدَرُ
و(بنجد) حَسَراتُ تلتظى=و(ببغداد) شآبيبُ تُدرْ
وعلى (الأحقاف) آياتُ الأسى=وبأرضِ (اليَمَن) الدَّمْعُ غُدُر ْ
***
=
مَنْ يُعزّي (الشرقَ) في أحزانه=ويهنّيه إذا ما الشرقُ سُرْ
عُطِّلَتْ قَيثارَة الشرقِ الّتي=أَشْجَتِ الدُّنيا مليّا والبَشَرْ
واسْتَحَالَتْ قِطَعاً مِنْ خَشبٍ=فَكَأَنْ لَمْ تَشْجِ قلباً أو تُثِرْ
شَمسُ شِعْرِ العُرُبِ غابت زمنا=و(بشوقي) قربها في الكون درْ
شاعرُ الكونِ يُطاطي رأسه=عنده (دانتي) و(فكتورُ) يَخرّْ
حَلّ (شَاكِسبيرُ) في هَيكله=و(أبوالطّيِّبِ) و(المَلْكُ الأَغَرْ)
أَُشرِبَتْ مُهجَتُهُ أَرواحَهُمْ=فالتَقَتْ فِيها بَديعاتُ الصّوَرْ
واسْتَسَرَّتْ عَبقرياتُ النُّهَى=في مَطاويها وأَعْلاقُ الفِكَرْ
وجَرَى (القرآن) في أعماقِها=مُعجزَ الآياتِ وَضّاءَ السُّوَرْ
فَصَفَتْ ثم هَفَتْ فاضطرمَتْ=فَرَمَتْها ماضياتٍ كالقدرْ
ضاحِكَاتٍ كأزاهِير الرُّبَى=وشَذِيّاتِ كأنفاسِ السَّحَرْ
خالداتٍ يُعجَبُ الدَّهرُ لها=إذ تحدّاه وتهَزا بالعُصُرْ
أَصبحتْ مِنْ سُنَنِ الكون فلا=تنمحي أو ينمحي منها الأثرْ
***
=
لم يَقُمْ مِن ألفِ عامٍ قد مَضَى=مثلُ (شوقي) في بني العُرب شَعَرْ
هلْ رأيتُمْ قبلَ (شوقي) من يَدٍ=وَصَلَتْ عصراً بعصرٍ قَدْ غَبَرْ
جَذَبَتْ حَلْقَةَ ماضينا إلى=حَلْقَةِ الحاضِرِ بَعْدَ المُنْبَتَرْ
صَافَحَتْ ـ مِنْ كوّة الغيبِ ـ يَدَ=(المُتَنبّي) في غَياَباَت العُصُرْ
فَكَأَنْ لَمْ يَكُ بَينَ الأحْمَدَيْنِ=قُرونٌ وَصُرُوفٌ وَغِيرُ
كيفَ شَمسٌ نارت الكونَ هَوَتْ=كَيْفَ شخصٌ مَلأَ الدُّنيا قُبِرْ
***
=
يَا بَناتِ النيلِ أسعِدْنَ أخا=غُربةٍ لَوَحّهُ طُولُ السّفَرْ
شَرِقًا بالدّمع أهدين له=مِنْ نمير النيل كفاً يعتصِرْ
(حَضْرَموتٌ) دَاره حيث التقت=باسقاتُ النّخلِ فيها والسِّدَرْ
حيت أنفاسُ الصَّبا بَاردةٌ=والهَواءُ الطَّلقُ والماءُ الخَضِرْ
خطَفَ الدَّهرُ بها من يَدهِ=زَهرةً مِنكُنَّ في العمر النَّضِرْ
ما ثلتْكُنّ جَمَالاً وحُلى=وَتسَامَتْ بِحَياءٍ وَخَفَرُ
فانبرى يَنشُدُ في (مِصْرَ) العَزَا=فإذا مِصرُ عليه تستعِر ْ
سُلبَتْ (حَافِظَهَا) في غِرَّةٍ=ثم (شَوقيها) بلمح من بَصَرْ
كم تَمَنَّيتُ بأن ألقاهما=فأرى الوالِدَ والعمَّ الأبَرْ
تَبَّتِ الأيامُ هَلْ آلَيْنَ أَنْ=لَيس يقضَي (لعليّ) مِن وَطَرْ
غفرَك اللهم بل هل شنأَتْ=فَلَقَ العُرُبِ الجميلِ المنتَظَرْ
أَبْصَرتُ أنوارَهُ تَلمَعُ في=مُنحَنَى الأفق على مَرمَى النَّظرْ
فَسَمَتْ فانْتَهَبَتْ أسْطَعَ ما=ضَمَّت الهَالَةُ مِنْ شَتّى الزَّهَرْ
ستظل العُربُ تَبكي شَجْوَهَا=كُلَّما طالَعَت الأُفْقَ دُرَرْ
كيف لايَبْكيهما شَعبٌ هما=بمكان السّمع مِنهُ والبَصَرْ
أبَنَاتِ النيل جَدِّدْنَ الأَسى=لِفَتَى النيل وشَقِّقْنَ الخُمُرْ
هل تبصرَّن بمن نُحتُنّهُ=إنه أبْلغُ مَنْ خَطّ السُّطُرْ
وحَيَاةُ المرءِ دينٌ ثابتٌ=ويَقينٌ وَجِهادٌ مُسْتَمِرُّ
وعلى الإنسانِ أن يَشْقَى إذا=شاقَهُ عطف النّعيم المُسبكِرْ
قَدْ وَعَيناهَا فطب نَفْساً بنا=ستوافيكَ غداً عَنّا البُشَرْ
عِندما يَرجِعُ ماضِينا لَنا=قاهِرَ السُّلطانِ مَرمُوقَ الخَطَرْ
مُحْكَمُ التّنزيل دُسْتورُ لَنا=وحُجُولُ المجدِ فينا والغُرَرْ
تَخضَعُ الدنيا لَنَا طائعةً=تَشتكي الظُّلمَ إلى عَدْلِ (عُمَرْ)
فانزِلِ الفِرْدَوْسَ واذكُرْنا إذا=مَا سَنَا (الهادي) لِعَيْنَيْكَ زَهَرْ
أَهْدِهِ عَنا تحياتٍ كما=رَقَّ إحساسُكَ في وَقْتِ السَّحَرْ
غَنِّهِ بعضَ قوافِيكَ على=حَافةِ (الكَوْثَرِ) مِن تِبْرٍ وَدُرّْ
وَادعُ حُورَ الخُلْدِ يَغْرِفْنَ وَلا=تَنْسَ أنَّ الخمْرَ حِلَّ والوَتَرْ
سَتَرَى (المختارَ) يَهْتَزُّ لَها=مُسْتَنيراً وَجْهُهُ مِثل القَمَرْ
ثمّ بَلِّغْهُ بأنَّا ـ آلَهُ ـ=قد بَدَأنا نخلَعُ النِّيرَ العَسِرْ
عَلّهُ يَدعُو لَنَا الله بِمَا=يُوصِلُ الغَايةَ أو يُدْني الوَطَرْ
قُلْ لَهُ يأيُّها الهادِي أَقِلْ=عَثْرَةَ الإسلامِ يَنهَضْ وَيَثُرْ
إنه (شوقي) أَميرُ الشُّعَرَا=عبقريُّ الدّهر مرآة العصرْ
أُغْرِيَ الدّهرُ بمصرٍ وَيْحَهَا=كُلَّ يوم كوكبٌ فِيها يَخرُّ
كانَ يُرضي النيلَ منكنَّ الفِدَا=أتَرَيْنَ الدَّهْرَ للنيل اقتفرْ
لو ذَهَبتُنَّ فِداءً دُونَ مَنْ=رَفع النيل لما كان كُثرْ
***
=
شاعِرَ الإسلامِ لا تَبْعُد وهل=كرحيلِ الموتِ في البعدِ سفرْ
لُحي الدّهْرُ فقد جَرّعَنَا=مِنْ نَواكَ الصابَ مُرّاً والصَبِرْ
ولقد أقصاكَ عن أروَاحِنا=ـ وهي مَثْوى لك ـ لَوْ كَان قَدِرْ
إنه أعجز من ذاك وإن=شطَّ في الجَوْرِ عَلَيْنا وَغدَرْ
قد حَفَرَنَا لَكَ في أكبادِنا=خَالد القَبرِ إذَا القَبرُ اندَثرْ
فَلَوَ ان الموتَ يُرضيه الفِدَا=لفديْناك بمحبوب العُمُرْ
أو لَو أنَّ القَدَرَ الجارِي له=دَافِعٌ قُمنا وَغالَبْناَ القَدَرُ
***
=
مِنْ وَصاياكَ إلينا (إنما=الأمم الأخلاقُ) و(الدُّنيا سِيرْ)
وعلى الحمراءِ بابٌ دَقُّهُ=بيدِ سالتْ بمسفوحِ هدَرْ
وأسَاسُ المُلكِ بُنيَانٌ وغَرْ=سٌ وتجديدٌ وعقلٌ يدّبرْ
فَعَزاءً آلَ شوقي إنّما=هكذا الدُّنيا سُرورٌ وَكَدَرْ
وَعزاءً ياسَمِيّي وأخي=كُلُّنا في الخَطْبِ مفقورَ الظَّهرْ
إنّما شَوْقي أبونا كُلِّنا= أُمَةُ العُربِ بشوقي تفتخِرْ
ساقَهُ بالملأ الأعلى السَّنا=فانْبَرَى يَنْسَابُ منه في نَهَرْ
إنْ يَكُنْ وَلي فَذي آثارُهُ=يَهْرَمُ الدَّهرُ بِهَا وَهْي نُضُرَ
أَوْ يَمُتْ فاللهُ باقٍ وَحْدَهُ=مَا لمخلوقٍ مِنَ المَوْتِ مَفَرْ
سَوفَ يَطْوي الأَرْضَ يَوماً والسَّمَا=وَارِثُ الأَجْيَالِ خَلاَّقُ القَدَرْ
إنَّ هَذا لهُوَ الحَقُّ فَمَنْ=شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ كَفَرْ
مَوتُ شوقي آيةٌ دَلَّت على=أن هذي الشُّهْبَ يَوماً تَنْكَدِرْ
=

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
4040501 عدد الزوار
921 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2018