مسابقات الموقع

ثمة أمر ما

عمر حماد هلال

ـ ترى هل مازالوا هناك؟‏

حاول أن يستعيد رباطة جأشه فاستند إلى شجرة قريبة منه لم تكن نظراته تستقر على مكان معين، بدا وكأنه مستفز.‏

ـ نعم وهم يتكاثرون..‏

تمتم بصوت متهدج تخاله نبرة انكسار واضحة‏

أردفت قائلاً: ـ لا أظن أن ما حدث بهذه السرعة الغريبة كان متوقعاً..‏

أجابني بنظرة تحاول أن ترسم الثقة على كلامه:‏

ـ لكننا خسرنا الكثير رغم تبريراتك الفارغة‏

قلت: ـ نعم خسرنا أنفسنا‏

ـ أنت تعلم أنه لم يتبق هناك غير أطلال أشبه ما تكون بلوحة تشكيلية رسمها فنان عبثي. وواصل كلامه:‏

ـ إنهم مزاجيون وانقلابيون باللحظة فما كادوا يسمعون أن المدينة سقطت حتى ظهرت آلاف الأيدي تستلب.. وتحرق.. وتدمر كل ما تجده في طريقها. أراد أن يجلس فحاول أن يتمسك بأحد الأغصان القريبة من الأرض ليستعيد هدوءاً فقده منذ أن وصل هذا المكان قلت بانكسار:‏

ـ إنها كارثة حقيقية..!‏

ـ أجابني:‏

ـ إنك تعلم تماماً أن هناك أموراً لا تستطيع التفكير بها، إنك منعزل حتى عن نفسك واصل كلامه: انظر إلى هذه السحابة من الدخان أتدري أنها منبعثة من المكتبة المركزية لقد دمروها بعد أن سرقوا أغلب محتوياتها..!!‏

قلت مندهشاً:‏

ـ هل هم من أهل المدينة؟؟‏

ـ أكثرهم غرباء عنها، أجابني‏

انعكست على جبهته بعض خلايا الضوء وهي تخترق أغصان الشجرة قبالته.‏

ـ لماذا يحرقون كل شيء تساءلت والغصة تكاد تخنقني:‏

فحشرج: ـ إنهم يحاولون طمس هوية هذه المدينة فالكثير منهم قادمون من وراء الحدود وتندفع جموعهم بوحشية غريبة.. واصل كلامه: قد أعذرهم حين يسرقون المصارف ولكن لماذا كلما ولجوا مكاناً تشب خلفهم الحرائق..!! هذا ما فعلوه بدائرة الجنسية!!.‏

كان الصداع يتصاعد في رأسي تدريجياً أحسست أنني أكاد أختنق بدأت أشعر بالدوار حاولت أن أرسم لنفسي صورة لما يحدث أو أن أجد تبريراً منطقياً أقنع به نفسي، خيوط الرؤى تتشكل في مخيلتي.. منذ أن سقطت العاصمة قبل يومين إنها صورة امتزجت فيها الألوان كلها، أطيافها تنسل في ذاكرتي لتتجمع في بؤرة مشهد يفوق التصور تتداعى الصور ضبابية أمامي الصداع لا يزال يتصاعد في رأسي... بينما أغمض هو عينيه مستنداً للشجرة ذاتها حين أحس بالخمول يدب في أوصاله، فاجأته مرة أخرى بنبرة صوتي أحسها نصلاً حاداً يخترق أذنيه:‏

ـ منذ ساعة وأنت نائم قم لنر ما الذي نستطيع أن نفعله‏

فتح عينيه لتصطدم بشبح رجل كاد أن يرعبه قبل قليل، أجاب ونبرة الانكسار ذاتها توشي صوته: ـ ماذا تريد..!؟‏

نهض متثاقلاً بعد أن أسند يديه على بقايا رمل لم تكتسحه المساحة الخضراء بدأنا نسلك الطريق المحاذي للأشجار وهو الطريق الوحيد الذي يقودنا إلى الشارع العام بدأت القشعريرة تغطي مسامات جسدي وأنا أنظر إلى المدينة.‏

عندما وصلنا إلى مشارفها بدت كأنها روماا حين أحرقها نيرون.‏

ـ يا ويلتاه!!.. لماذا لم نمنع هذا الذي حدث؟؟ تساءلت مع نفسي‏

مرت سيارة مسرعة يبدو على سائقها أنه أحد الذين رسموا على وجه المدينة هذه المأساة.‏

فزعت وأنا أنظر إليها محملة بشكل غريب جداً فقد جمع فيها إطارات.. أكياسٌ من الرز والسكر.. والطحين، إن حمولتها اتخذت شكلاً هرمياً حيث تبدو للوهلة الأولى حين تراها أنها أنموذج مصغر لأحد أهرامات مصر.‏

ابتسم السائق وهو يردد:‏

ـ اذهبوا إلى مخازن المواد الغذائية فهناك الكثير.. الكثير، إنه يكفي الجميع اسرعوا..! اسرعوا.....!‏

بدأت أتخيل كم مرة ذهب هذا السائق ورجع بحمولة كهذه!‏

بادرني بالقول بعد أن رنت كلمات السائق في أذنيه:‏

أين نذهب؟ إني أكاد أختنق، الدخان يتصاعد من بؤر متفرقة يتشكل ليحجب الشمس أحياناً متجهاً صوب حدود لا يفصلها إلا خطوط واهية من التوجس والترقب والاضطراب يحمل هموم المتعبين أحياناً، ونشوة العابثين أخرى وقد تناثرت في طرقات المدينة أشلاء جسدها الذي أنهكته الأيام الماضية وعبدت طرقاتها أوجه أناس ممسوخين يحملون أسلابهم فارين من أنفسهم باتجاهات متعاكسة وسط دهشة البعض لاحتمالات القادم، أحسست حينها أنني وسط نفق مظلم ابتدأ منذ نعومة أظفاري وأحسني الآن في منتصفه في رؤية ضبابية، كنا في منتصف المدينة وكنت أنظر إلى الأفق في مساحة شاسعة من الأشياء المتناثرة...‏

بدا أشباح العشرات من الرجال يتوافدون إلى الجامع الذي بدأت مأذنته تكبر كلما تقدمنا في نفس الاتجاه.‏

أجبته: ـ فلنذهب إلى الجامع لنر ما الذي يحدث هناك.‏

ما إن وصلنا حتى بدأ المكان يضح بالنحيب دخلنا والدمع يتقاطر من عيوننا والألم يكاد يعصرنا وقد بدونا كبرتقالة فقدت نضارتها.‏

بدأ الوجوم يفترش الوجوه التي أنهكتها مشاهد الصباح... والقلق، والحيرة والتوجس، شكلت دعامات المكان وأحاطت بنا الضبابية من جميع جوانبنا تتلمس طريقها في اندهاشنا المثقل بالتأوهات.. انتفخت أوداجنا بالبكاء والنحيب.. كانت اللحظات تخترقنا.. تتخللنا حيناً، وحيناً كجبل يجثم فوق صدورنا. نحس أننا في اللاوعي المتشكل خارج الزمان والمكان.‏

وقف الخطيب على المنبر مرتبكاً محاولاً أن يستعيد رباطة جأشه.. ثم انهار من جديد وسط التكبير.. بدا كطفل يحاول أن يلفظ كلمته الأولى:‏

سقطت.. سقطت‏

أجهش بالبكاء فارتفع الضجيج ضرب مقدمة المسند الخشبي بكلتا يديه‏

ـ إنها المرة الثانية... تداعت أمامه الكلمات صمت لبضع دقائق.. استطاع أن يواصل كلامه أخيراً..‏

ـ وأنا أنظر خلف نافذة المسجد المطلة على الشارع مشاهد تتداعى أمامي وتتواتر كنت مشتتاً بين نفسي وما حولي... هزتني التكبيرات من جديد لتنتهي بخروجنا مرة أخرى، بادرني بالقول:‏

ـ متى نبدأ ما دعينا له؟؟‏

كانت كلماته لغزاً حاولت فك طلاسمه بقولي:‏

ـ ماذا؟؟؟‏

أردف:  ألم تسمع الخطبة، أما قال لنا الإمام على الجميع الخروج إلى الشوارع لمنع هذه المهزلة!؟؟‏

ـ نعم إنه حل سريع إنني أؤيد هذه الفكرة ـ قلت:‏

افترقنا عند أول تقاطع، أردت اختصار الطريق قدر الإمكان غير أن الوقت بدأ يتشبث بي بشكل عجيب.. قادتني الخطا عبر دروب لم آلفها من قبل كان يعمها سكون مبهم.. تبعثرت خطواتي لأتجه غريزياً إلى الباحة المؤدية إلى منتصف المدينة حيث تنتصب بشموخ أجوف بقايا المصرف المركزي.. لم تكن لتدهشني رؤية الخراب والفوضى اللذين يعمان المكان، بقدر ما أفزعني مشهد ما كان ليستفزني لو رأيته في مكان آخر.. فالموت قد يكون منظراً مألوفاً خلال الأيام الماضية.. لكن تحدي الموت هو ما أثار حفيظتي.. ملابسه لا توحي برجولة قدر ما كانت تشي بفقره، بدأ يسحب خلفه بكلتا يديه كيسين من النقود متجهاً بنصف استدارة صوب التقاطع الذي لا تفصله عن المصرف سوى مسافة قصيرة.. استفزه أحدهم بمساومة من طرف واحد (أعطني إحداهما أو تموت..) بدأت تدور في مخيلته أنفة فارغة. لم يكن التنازل يعني له حياته بقدر ما كان يعني تحدياً كبيراً لرجولته.. ما كاد يكمل عبارته (لن.... أعطيك) حتى استقرت رصاصة في رأسه.. لا يزال دويها يرن إلى الآن في أذني.‏

الشارع الإسفلتي غطته في مساحات متفرقة العملات النقدية ذوات الفئات الصغيرة التي فقدت قيمتها منذ زمن ليس بالقصير.. حينها كان ديوجين وهو يحمل فانوسه لا يغادر مخيلتي. والمصرف بدأ يلتهمه الحريق من الجهة الخلفية.. فقد ابتكروا طريقة جديدة وذلك بصب بعض المواد اللاصقة التي تحتوي المركبات القابلة للاحتراق.. إنهم يتدافعون باتجاه المنفذ الأمامي حتى ليخيل إليك أن الباب لا يسعهم حين يخرجون سوية.. أصمت أذني رشقات متناثرة من الرصاص انطلقت قربي من فوهتين في لحظة واحدة.. فر الكثيرون.. إذ خرجوا مسرعين في حين استقر الخوف في قلوب بعضهم فمات اختناقاً حين وجدوه بعد يومين.‏

الرجل الهرم المنزوي في الشارع المؤدي إلى السوق يحدجني بنظرات غريبة.. كان فضولياً مثلي استوقفني ليسألني:‏

ـ لماذا لم تدخل مع البقية؟؟؟‏

أجبته: ـ لست منهم.‏

كان جوابي بلسماً شافياً لحيرته بعدم اكتراثي أسرعت الخطا بالاتجاه المعاكس.. وقد بدأت المسافة تفرض سلطانها.... وأنا أواصل المسير... أحسست أني كائن غريب حتى عن نفسي.. أتعبتني أفكاري، إنه قدري أن ألمس بنفسي حقيقة طالما تشدق بها غيري مفادها أن الخير والشر وجهان لعملة واحدة في بعض الأحيان.... قد يكونان نسبيين إلا أننا نمتلك هذه الإزدواجية جميعاً... صراع الأنا العليا والأنا السفلى.. قد يكون عدم الانحياز حقيقتي حينها أو قد أكون منحازاً بعدم دخولي.‏

وما إن وصلت إلى غرفتي المنزوية في ظل مدرسة الحي حتى شعرت بجوع غريزي إلى النوم.... لم يكن موروثي سوى بضع كلمات ترن في أذني ((سقطت.. سقطت)) اضطربت الصورة أمامي..بدأ الدبيب يخدر أوصالي.. لم تكن المرة الأولى التي ينتابني فيها هذا الإحساس، فقبل يومين لازال المشهد عالقاً في ذاكرتي.. كرة من اللهب اتخذت شكلاً مخروطياً.. مدادها أناس علقوا في ذاكرة الزمان والمكان تلك اللحظة.. ارتفعت بقاياهم كنافورة لم يتم السيطرة عليها.. فاتخذت شكلاً أشبه ما يكون هلامياً انبثق كخيط.. تنامت نواته لتكون بحجم قلوبهم التي أدهشها الانفجار وكانت قوتاً له.. ما كدت أصحو حتى دوت في أذني صيحة جيل بكامله.. في لحظة كان الزمان يغادرنا والصمت يسكب ظله على مشهد ذلك اليوم وأنا ألملم شتات أفكاري محاولاً النهوض للانفلات إلى الشارع أحاطتني الظلمة. مددت يدي إلى المجهول والغسق بدأ يفتح أبوابه باتجاهي...‏

 

اسم المستخدم  
كلمة المرور  
نسيت كلمة المرور؟           عضو جديد
كلمة البحث  
اختر القسم  
 

موقع رابطة أدباء الشام

الإسلام أون لاين

الإسلام اليوم

ناشري

موقع القصة العربية

موقع باب

مدونة أسامة

جامعة الشارقة

الخيمة العربية

المسرح دوت كم

الشاهد للدراسات الاستراتيجية

شبكة الفصيح لعلوم اللغة العربية

المبدعون العرب

ضفاف الإبداع

أقلام الثقافة

رابطة رواء للأدب الإسلامي

موقع الشاعر سالم زين باحميد

مؤسسة فلسطين للثقافة

موقع إلمقه - القصة اليمنية

عناوين ثقافية

موقع الدكتور عبد الحكيم الزبيدي

موقع الدكتور عمر عبد العزيز

موقع نبي الرحمة

موقع جدارية

الفكر التطبيقي للقرآن والسنة

مركز بيت المقدس للدراسات التوثيقية

أدب السجون

منتدى الأصلين

 
أدخل بريدك الإلكتروني  
إلغاء الإشتراك
3814969 عدد الزوار
915 عدد الأعضاء
الرئيسية - لماذا باكثير - باكثير في سطور - المسرحيات القصيرة - سجل الزوار - خريطة الموقع - تواصل معنا
© جميع الحقوق محفوظة للموقع 2001 - 2017