الصفحة الأولى> الخليج الثقافي
02:01 آخــر تحديــــث 2006-09-18     
ربع قرن من الزمن الثقافي الجميل
فن السرد ... محفوظ وباكثير.. ذكريات وإنجازات

جمعت بين الأديبين العربيين الكبيرين علي أحمد باكثير (1910- 1969) ونجيب محفوظ (1911 - 2006) - رحمهما الله - رابطة من الصداقة والزمالة بالإضافة إلى رابطة القلم والأدب. وقد كانت بدايتهما الأدبية في وقت متقارب، وكان أول ارتباط بين اسميهما حين فازا بأول جائزة أدبية مناصفة بينهما وهي جائزة السيدة قوت القلوب الدمرداشية عام ،1944 باكثير عن روايته الأولى “سلامة القس” ونجيب محفوظ عن روايته “رادوبيس”. ثم فازا مرة أخرى في العام التالي بجائزة وزارة المعارف باكثير عن روايته “واإسلاماه” ونجيب محفوظ عن روايته “كفاح طيبة”. وقد كانت بدايتهما أيضاً متشابهة من حيث الاهتمام الأدبي فقد اتجها إلى التاريخ مصدراً لرواياتهما، أما باكثير فاتجه إلى التاريخ العربي وأما نجيب محفوظ فاتجه إلى التاريخ الفرعوني. ثم غيرا اتجاههما فانصرف نجيب محفوظ إلى الروايات المعاصرة وترك باكثير الرواية واتجه إلى المسرح.

 

د. عبدالحكيم الزبيدي*

لقد توطدت بينهما أواصر الصداقة حين أصبحا عضوين بارزين في لجنة النشر للجامعيين التي أنشأها الأديب عبدالحميد جودة السحار رحمه الله. ثم كونا ندوة “كازينو أوبرا” وانضمت إليهما مجموعة من الأدباء الشبان منهم: عادل كامل، يوسف جوهر، محمد عفيفي، والممثل أحمد مظهر وهو الذي أطلق عليهم الاسم الذي عرفوا به فيما بعد وهو “الحرافيش” وتعني “الصعاليك”. وذكرت الباحثة مديحة عواد سلامة في أطروحة الماجستير التي أعدتها عن مسرح باكثير أن نجيب محفوظ أخبرها “أنهم كانوا يجتمعون في كازينو الأوبرا يوم الجمعة من كل أسبوع واستمر ذلك حوالي عشرين عاماً لم تكن تمر جمعة لا يرى فيها باكثير، وكان باكثير - في ذلك الوقت - أوفرهم إنتاجاً” وقد عمل باكثير مع نجيب محفوظ في مصلحة الفنون بوزارة الثقافة والإرشاد وقت إنشائها عام 1955 وكانا يتشاركان نفس المكتب، فكان باكثير يشرف على المسرح ونجيب محفوظ يشرف على السينما ورئيسهما الأديب يحيى حقي.

وباكثير يكبر نجيب محفوظ بعام واحد، ولكن الله شاء أن يعيش نجيب محفوظ بعد باكثير سبعةً وثلاثين عاماً نال فيها من التكريم ما يستحقه فكان أول أديب عربي يحصل على جائزة نوبل في الآداب. وقد روى لي من أثق به أنه بعد أن حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل عام 1988 سئل: لو لم تكن أنت الأديب العربي الذي فاز بجائزة نوبل، فمن هو الأديب العربي الذي كان يستحقها؟ فأجاب من دون تردد: علي أحمد باكثير. وليس هذا الرد بمستغرب عن نجيب محفوظ -رحمه الله- فقد ظل يذكر باكثير ويثني عليه كلما سنحت الفرصة وجاءت المناسبة. ومن أقوال نجيب محفوظ عن باكثير قوله في حديث مع الناقد فؤاد دوارة في كتاب “عشرة أدباء يتحدثون”: “عندما أعود بذاكرتي إلى هذه السنوات (الأربعينيات) أجد أن علي أحمد باكثير وعبد الحميد السحار لم يداخلهما شك في قيمة إنتاجهما ووجوب الاستمرار فيه، فقد كانا ممتلئين بالتفاؤل أما الآخرون وأنا فكنا نعاني أزمة نفسية غريبة جداً طابعها التشاؤم الشديد”.

وكان آخر ما نشر لنجيب محفوظ عن باكثير حديثه لصحيفة “الأهرام” قبل عام تقريباً (23/9/2005) حين قال في معرض حديثه عن سعادته بتأسيس جمعية أصدقاء باكثير: “لقد عرفت علي أحمد باكثير منذ سنوات الشباب حين كنا نخطو خطواتنا الأولى في الكتابة الأدبية، ثم توطدت العلاقه بيننا بعد ذلك على مدى السنوات بعد أن صارت أسماؤنا معروفة في المجال الأدبي، وتزاملنا في مصلحة الفنون حيث كنت أعمل فيها أنا أيضا. لقد كان علي أحمد باكثير على ثقافة عالية وقد كنت من أشد المعجبين بأدب علي أحمد باكثير برغم أنه كان كاتباً مسرحياً تخصص في المسرحيات التاريخية وأنا روائي ملت كثيرا إلى المعاصرة والواقعية، على أن باكثير لم يقتصر إنتاجه الأدبي علي المسرح وحده، وإنما كان شاعراً من الدرجة الأولى شهد له بها العقاد والمازني وغيرهما”. وبالمقابل كان باكثير - رحمه الله - يكن الود والتقدير لنجيب محفوظ، وقد كتب باكثير قصيدة وجهها لنجيب محفوظ بعنوان: “إلى نجيب محفوظ  - تحية شعرية وتحية منظومة”. وقد حصلت على نسخة منها من الصديق الدكتور محمد أبوبكر حميد الباحث المهتم بتراث باكثير، وذلك عندما التقيت به في ملتقى باكثير الذي نظمه اتحاد كتاب وأدباء الإمارات بالشارقة يومي 9-10 من مايو/أيار الماضي. والقصيدة مكتوبة بخط باكثير ولم يسبق أن نشرت، حسب علمي ، رحم الله الأديبين الكبيرين علي أحمد باكثير ونجيب محفوظ.

 

*مؤسس ومدير موقع الأديب باكثير على الإنترنت

Zubaidi@bakatheer.com

  

 

 

 

 

تحية من باكثير إلى نجيب محفوظ

 

 

 

تناديه: نجيبُ نجيبْ

                 فلا يصغي وليس يجيبْ

وأنت أخٌ له وحبيب

                 كأنك أنت عنه غريبْ

كذلك يبزغُ الحقُّ

                  ويبلغُ أوجَه الصدقُ

وهل يملك محو الذا

                   ت إلا من له الخَلْقُ؟

ولو لاح لنا يوما                       

                  تُرى كنَّا عرفناه؟

فتىً قد نذر الصوما

                     عن البوح فعشناه

وسوف نعيشه من بع                 

                        دُ أجيالاً فأجيالا

ولم نبصر له وجهاً

                      ولم نسمع له قالا

صديقي يا صديقَ الر                    

                        وحِ والغايةِ والعُمْرِ

ومن حسبي صداقتُه

                       أتيهُ بها على الدهرِ

دعوتُ الله أن تبقى

                    هدىً في أمة العَرَبِ

فأنت الحُجة الكبرى

                    لها في الفنِّ  والأدبِ

فليتك يا نجيبُ تعي                      

                      شُ ما سيعيشه أدبُكْ

إذن لخلدتَ في الدنيا

                     كما خَلدتْ بها كُتبُك